و قوله « فاذا وقع الادراك علي هذا الوجه مرّة او مرّاتٍ فكثيراً ما تشاهِد النفس الي اخره » فيه انّ مشاهدة النفس صورة الشيء من غير توسّط مادة خارجيّة مع الاعتياد لايمكن الّا بالالتفات الي مثال الماۤدّة الخارجيّة في مكان المشاهدة الخارجيّة و وقتها كما تقدم فهذه المشاهدة التي بعد الاعتياد هي بعينها التي قبل الاعتياد في اوّلِ مشاهدةٍ فالحاجة الي التوسّط في الاوّل هو بعينه في [ص 199] الثاني و قد تقدّم بيانه فلاتدرك النفس صورة من ٱلصّور الخارجيّة بنفسها لانّها اذَا توجّه اليها نور النفس انمحقت الصورة و احترقَتْ و لا بصورة غيرهَا مماثلة لها لمتكن مدرِكة لها اِلّا اِنْ اراد بالصُّورة المماثلة صورة الصورة الخارجيّة فانها تكون بادراكها مدركةً لها و لكن صحّة ذلك اَن تكون صورة الصورة الخارجيّة منطبعة في العين و القوة الحاۤسة الباصرة التي في تقاطُعِ الصَّلٖيبَيْنِ تدرك المنطبعة في العين بانطباع صورتها في مِرْءَاة ٱلقوة الحاۤسة اِذْ هي في مَقامِ الحس المشترك فتُؤَدِّي ما فيها الي الخيال الّذي هو من النفسِ كَيدِك منك فالّتي في الخيال صورة للّتي في القوة الباصرة و التي في الباصرة صورة للّتي في الجليديّة من العين و التي في الجليديّة صورة للخارجية القاۤئمة بالماۤدة و كل واحدة رتبتها في الكون رتبة ما انطبعت فيه و مادّتها ظلّ ما قبلها و صورتهٰا مما انطبعت فيه .
و قوله « كما في المبرسم و الناۤئم المبرسم الذي به داۤء البرسام و هو علة يهذي صاحبها لانه ورم يعرض للحجاب الذي بين الكبد و المعدة و يتصل بالحجاب بين القلب و المعدة و يتصاعد الي الحجاب الذي علي قحف الدماغ فيحصل منه وسواس كثير لكثرة ارتفاع ابخرة حارة الي الدماغ فتتشكّل مجاري تصاعدها علي حسب مقتضي تصاعدها باشكال مختلفة بنمطٍ اتفاقيٍّ صحيح او فاسد فتنطبع تلك الصور في تلك المرايا التي اشرنا اليها كل مرءاة تعطي ما فوقها صورة ما فيها و حيث كان تأليف تلك الصور من خطوطٍ غير متناسبة بالطبع و الذات بل قد تتناسب بالاتفاق و قد لاتتناسب كان ما تدركه النفس بخيالها منها مخالفا و مطابقا و لهذا كان ما ينطق به هَذَياناً و تشبيه المصنف بالمبرسم جارٍ علي غير مراده لانّه يتوهم ان النفس تحدث صوراً من غير مشاركة المواۤدّ و مثّل به بما يحصل للمبرسم من الصور [ص 200] من غيْر مُشَاركةِ ٱلمَواۤدّ و هو غلط لان المُبَرسم انّما تحصل له ٱلصّور بمشاركة المواۤدّ و هي الْاَبْخرة الحارة المُتَصاعدة فانها اجسام ماۤديّةٌ متشكّلة بصورٍ مستقيمة او معوجّة و كذلك النائم فانه انّما يري صور ما كانت في الخارج كما اشار اليه الرّضا عليه السلام كما تقدّم .
و قوله « ففي حالة الموت لا مانعَ مِنْ اَنْ تدركَ النفس جميع ما تدركه و تُحِسُّه من غير مشاركةِ ماۤدة » فيه انّ تفريعَهُ علي غير اصلٍ ثابتٍ كما بيّنّا من توهّمه في المبرسم و الناۤئم و كذلك الانسان حال الموت فانّه انّما يري صوراً منْتزعة من امورٍ خارجيّةٍ كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام انّ العبد اذا كان في آخر يوم من ايّامِ الدنيا و اول يوم من ايّام الاخرة مُثِّل له ماله و ولده و عمله فيلتفت الي ماله فيقول واللهِ انّي كنتُ عليك حريصا شحٖيحاً فما لي عندك فيقول خذ منّي كفنك قال فيلتفت الي ولده فيقول واللهِ انّي كنتُ لكم مُحِبّاً و انّي كنتُ عليكم محامياً فما لي عندكم فيقولون نؤدّيك الي حفرتك فنواريك فيها قال فيلتفت الي عمله فيقول والله اني كنتُ فيك زاهداً و ان كنتَ عليّ ثقيلا فما لي عندك فيقول انا قرينك في قبرك و يوم نشرك حتي اعرض انا و انت علي ربّك الحديث ، فهذا و مثله هو ما يراه الانسان حال الموت و انّه صور ممثّلة له و هي مثل صورة ماله و صورة ولده و صورة عمله انتزعت منها فيراها كما يري الجدار بخياله او ببصره لانّها صور قاۤئمة بمواۤدها اذ لايمكن وجود صورة لا ماۤدة لها في نفس الامر لانها مقادير لاتوجد الّا في مقدّر الّا ان مادتها بنسبة كونها كالصورة الموجودة في المرءاةِ فانّ ماۤدّتها عرَضيّة لِانَّ ماۤدّتها ظلّ صورة الشّاخص المشرق علَي وَجْهِ المرءاة و صورتها هيئة زُجَاجة المِرْءاةِ و صفاۤؤها و لَوْنها و ليس مُرَادنا بالماۤدة خصوص الجسمانيّة العنصريّة بل مرادنا ما هو محلّ الصورة الذي تتقدر فيه سواۤء [ص 201] كانت عنصريّة جسمانية ام طبيعيّة نورانية ام نفسانيّة ام عقليّة نورانية جوهريّة ام عرضيّة من اي عرض كان فلايدرك شيء من عالم الغيب شيئا من عالم الشهادة الّا بمشاركة ما هو من عالم الشهادة و ان كان بالتدريج في اللطافة فان الطف الاشياۤء من الذوات المقيّدة عقل الكل و اكثفها الارض و ما بينهما بالنسبة فالالطف يدرك الاكثف بتعاطي الوساۤئط بان يعطي الكثيف ما يليه مما هو الطف منه و هذا الالطف يعطي ما فوقه و هكذا و بعكس التعبير فالالطف ينتزع مما دونه و هذا ينتزع مما دونه حتي ينتزع عقل الكل معني الجماد بتناولِ الوساۤئط و لايكون في الدنيا شيء الّا هكذا و امّا في الاخرة فيكون كل ما يفرض كما تقدّم فافهم .
قال : الاصل السابع ان التصورات و الاخلاق و الملكات النّفسانيّة مما تستتبع آثاراً خارجيّة و هذا كثير الوقوع كحمرة الخجل و صفرة الوجل و انتشار آلة الوقاع عند تصور الجماع و انزال المني في النوم و قد يحدث المرض الشديد من التوهم فينصبّ الخلط الرديّ الفاسد في البدن من غير سبب خارجيّ و قد جزت هذا و امثاله و من شواهد هذا الرجل الغضبان عند حدوث غضبه و هو كيفيّة نفسانيّة كيف ينتشر الدم في عروقه و تشتدّ حمرة وجهه ثم يسودّ و تتحرك اوداجه و تضطرب اعضاۤؤه و قد تطلع علي قلبه نار تحرق اخلاط بدنه و تفني رطوباتِه و قد يعمي بصره من ذلك لامتلاۤءِ كهف دماغه من سواد الادخنة المتولّدة فيه و ربّما يموت تغيّظاً لفساد مزاج الروح و انقطاع مادّة حياته من الدم الصّالح لتكوّنِ روحِه البخاري .
اقول انّ التصورات الواقعة في الفكر و الخيال و العلم و الوهم بل و الحس المشترك و الاخلاق الّتي هي دواعي الفطرة و من دواعيها و الملكات الّتي هي الفطْرة الثانية القاۤرّة و تقييده بالنفسانيّة امّا لبيان ما هو الواقع او [ص 202] احترازاً عن الملكات الجسمانية فان الملكة كما تكون في النفس تكون في الجسم و ان لمتجر العادة بتسمية تلك القوة ملكة كما لو عوّد جسمه او بعض اعضاۤئه علي حالٍ كحمل ثقيل او سرعة حركة حتي استقرّت له تلك الحالة فانّها ملكة يصدق تعريفها عليها قد تترتّب عليها اي علي الملكات و الاخلاق و التصورات اٰثارٌ خارجيّة عنها بل تظهر علي الجسم كحمرة الخجل فان الشخص اذا تصوّر ظهور عورة من عورات احواله او بدنه تَستّرَتْ نفسه بظاهرها كما يتستّر الشخص بثوبه و ظاهر النفس هو الدم لما قرّرنا من تقوّمه بالعَلَق التي في القلب المتقوّمة بالدم الاصفر المتقوم بالابخرة التي هي متعلّق النفس الفلكية التي هي متعلق النفس الانسانية فتدفع الدم الي ظاهر الجسم لتستتر به فتظهر الحمرة و كصفرة الوجل لانّها اذا اشتدّ بها الخوف حاولت الفرار و اشتغلت بنفسها و ضعفت القوي الممدّة بالغذاۤء الدموي فاذا تحلّل و جَفَّ من البشرة ضعف بَدَل المتحلّل و قَلَّ فاصفرّت البشرة او انبسطت المرّة السّوداۤء لضعْف مقابلها و وجود مقوّيها و كذلك الاِنعاض باَنْ تدفع الروح البخاري الرّيح الّتي تملأ عروق ٱلقضيب عند تصور الجماع فينتشر و قد يري في المَنام انه يجامع او بعض مقدّماته فينزل منه المني لانّ مبدء الشهوة من النفس الحيوانية الحسّيّة الفلكيّة و هي متقوِّمةٌ بالرُّوح البُخَاري فاذا مالت الحسّيّة مالَتْ بالرُّوح البخاري وَ مالت بالمني لانّه من البخاري كالثّمرة من الشجرة فاذا تحركت النفس فانما تتحرك بمتعلّقها و متعلّقها الذي هو الروح البخاري سارٍ في جميع العروق و العروق كلها مجتمعة الاطراف في البيضة اليسري و ارسطوطاليس يري ان البيضتين لا منفعة بهما في توليد المني و انّما تولّده العروق و الشرايين المتّصلة بالبيضتين و جالينوس يري انّ هذه العروق و الشرايين يقرب فيها الدم من طبيعة المني و لذلك كثرت تعاريجها و لفٰاۤئفها لكن انما يكمل منيا بالفعل [ص 203] في البيضتين اقول و كلام جالينوس اقرب الي الصواب و الحاصل اذا تحركت الروح بحركة النفس حرّكت العروق فافرغت اليسري في اليمنَي و اجرته في القضيب فخرج المنيّ من تحريك الحيوانية لا الانسانية .
و قوله « و قد يحدث المرض الشديد من التوهم فينصبّ الخلط الفاسد في البدن من غير سبب خارجي » وهم فان ما اشرنا اليه سابقا كما سمعتَ كلّه بالاسباب الخارجيّة و كذا حدوث المرض الشديد بالتوهم فان الطبايع الاربع ما دامَتْ متقاومة لميحدث مرض و لكنه اذا توهّمت نفسه مرضاً ربّما مالت نفسه علي طبيعة ذلك المرض خوفا كما تلقي الفريسة نفسها علي السبع خوفاً منه فاذا مالت الي طبيعته تأخّرت الطبيعة المقابلة لها لعدم توجّه النفس اليها فتقوي طبيعة ذلك المرض كما لو طغت و زادَتْ علي مقابلتها فيحدث ذلك المرض بموجبه كما يحدث من دون توهّم .
و قوله « و قد جزتُ هذا و امثاله » هذه من جملة عبارات الصوفية و معناها يقول اني في عروجي الي الحق ليلةَ اُسرِي بي مررتُ بهذه المعاني المذكورة و تجاوزتُ عنها صاعداً و يقول احدهم اني في معراجي الي اللّه مررتُ بعلوم العربيّة و تجاوزتها صاعداً و مررت بالعلوم المكتومة من السحر كالسيمياۤء و الليمياۤء و الريمياۤء و الهيمياۤء و كالكيمياۤء و علم الجفر و الرمل و علم الكتف و زجر الطير و ما اشبهها و تجاوزتها و يريدون انه صعِدَ اليها و تعلّمها و جازَها صاعداً و المصنف يقول كما قالوا و يريد ما ارادوا .
و قوله « و من شواهدِ هذا الرّجل الغضبان عند حدوثِ غضبه و هو كيفيّة نفسانيّة انما قال و هو كيفيّة نفسانيّة اشعاراً بان النّفس تحدث آثاراً من غير مشاركة من المواد و هو غفلة عمّا اتفقوا عليه من ان النفس و ان كانت مفارقة في ذاتها لكنها مقارنة في افعالها بمعني ان افعالها مقارنة للاجسام لايقع منها شيء الّا بمشاركة [ص 204] المواۤد حتّي ادراكها للصور العلمية فانه بمشاركة الحواۤس الظاهرة بمعني ان الحس المشترك المتوسط بين الظاهرة و الباطنة يأخذ منها و يؤدّي الي الخيال و الخيٰال يؤدّي اليها و فيما نحن فيه انّ النفس لو فرض غضبها بنفسها من غير مشاركة شيء من المواۤدّ لميظهر لغضبها اثر مع ان غضبها اذا حصل لها موجبه انما تغضب بواسطة غليان دم القلب لان هذه التي يقع منها الغضب ليست هي النّاطقة و انّما هي الفلكيّة الحيوانية الحسّيّة التي اذا فارقتْ عادَتْ الي ما منه بُدئَتْ عود ممازجة و هي التي من خَواۤصّها الرضا و الغضب و متعلّقها الذي لاتتحقق بدونه هو النفس النباتيّة اي الروح البخاري المتقوّم بالدّم فاصل غضبها انما يتحقق بغليان دم القلب كما انّ الضّارب انما يتحقّق اَثر ضَرْبِهٖ بالسوط او باليد او ما اشبههما فلايتحقق الاثر بل و لا التأثير بل و لا الباعث عليهما الّا بمشاركة الوساۤئط الجسمانيّة اذِ الغضب انما يتحقق من النفس الحيوانيّة الحسيّة الفلكيّة بمشاركة غليان دم القلب لانه هو المهيج للنفس علي الغضب و ان كانت هي الباعثة علي الغليان لان غضبها انما هو بالغليانِ لا انّه لازم لغضبه كما توهّم فينتشر الدم في عروقه و تشتدّ حمرة وجهه اذ بغليان الدم و دفعه الي ظاهر البشرة يغضب لانّ النفس تكاد تَثِبُ علي المغضوب عليه و تسطو به فتدفع نفسها الي جهة الخارج بدفع الدم اليه فيحمرّ الوجه و قد يتكاثف فيسودّ و يتحرّك اوداجه التي هي مجاري النفس بسرعة النبض و قوّته و تضطرب اعضاۤؤه لاختلاف البواعث و اختلاف جهاتها و قد تطلع علي قلبه نار من حرارة الارادة و قوّتها و تواترها تحرق اخلاط بدنه و هي برودته و رطوبته و تفني رطوباته لشدة حرارة الارادة و قد يعمي بصره من ذلكَ بحيث ينزل فيه الماۤء الاسود لامتلاۤء كهف دماغه من سواد الادخنة المتولدة فيه لقوة اليبوسة و ربّما يموت تغيّظا لفساد مزاج الروح لجفاف رطوبة القلب الماۤئية فتتعفن [ص 205] فيه الرطوبة الدّموية و انقطاع مادة حياته من الدم الصالح لتكوّنِ روحه البخاري كما يجري في كثير من احوال الزِّبرق و هو حيوان في طرف ذنبه كالمغرفة يبول فيها فيرش به ما يَراهُ فايّ شيءٍ اصابَتْه قطرة احترق في الحال و هو بقدر الكلب و يهرب منه كلّ شيء فاذا طلب شيئاً ربما يثِبُ عليه و وثبته قدر ثلاثين ذراعاً فان لميدرك ما طلبه ربّما صرَخ و ماتَ في مكانه لشدّة غضبه و حرارة مزاجه فيحترق بنفسه و الحاصل ليس الامر كما ظنّه من ان النفس تدرك المحسوسات و تصدر عنها اثار محسوسة ايضاً من غير مشاركة شيء من الاجسام او الجسمانيات بل لاتدرك شيئا و لاتصدر عنها اثار محسوسة الّا بمشاركة المواۤدّ .
قال : فبعد تمهيد هذه الاصول نقول ان شاۤء اللّه تعالي قاعدة ان المُعَاد في يوم المَعادِ هذا الشخص الانساني المحسوس الملموس المركب من الاضداد الممتزج من الاعضاۤء و الاجزاۤء الكاۤئِنة من المواۤد مع انه يتبدّل عليه في كل وقتٍ اعضاۤؤه و اجزاۤؤه و جواهره و اعراضه حتّي قلبه و دماغه سيما روحه البخاري الذي هو اقرب جسم طبيعي الي ذاته و اوّل منزلٍ من مَنازل نفسه في هذا العالم و هو كرسيّ ذاته و عرش استواۤئه و معسكر قواه و جنوده و هو مع ذلك داۤئم الاستحالة و التبدّل و الحدوث و الانقطاع فانّ العبرة في بقاۤء البدن بما هو بدن شخصي انما هي بوحدة النفس فما دامت نفس زيد هذه النفس كان بدنه هذا البدن لان نفس الشخص تمام حقيقته و هويته .
اقول اخذ في بيان ما يعاد يوم القيمة علي نحوٍ مبني علي ما قدّم من الاصول فقال انّ المعاد بضم الميم يريد به الذي يعاد من الاجسامِ في يوم المعاد بفتح الميم يوم القيمة و هو الّذي تعاد فيه كلّ ما وجد في الدنيا ممّا نزل اليها من الخزاۤئن في قوله تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه [ص 206] و ماننزّله الّا بقدر معلوم فانه يعود الي اصله و الكلام في خصوص اعادة الانسان ما المعاد منه امّا نفسه فاتفق المتشرعون من الاوّلين و الاخرين علي عودها يوم القيمة بالدليل العقلي و النقلي و امّا الجسم فالقاۤئلون باحكام الشراۤئع قاۤئلون باعادته بالدليل النّقلي تسليماً لاخبارات الكتب السّماوية و لحمَلتِها حيث لميجدوا في عقولهم ما يدل عليه و نحنُ قَدْ اَشَرْنَا فيما تَقَدَّمَ اِلَي ما يدلّ عليه عقلاً و القاۤئلُونَ باعادة الجسم اختلفوا في المعاد ما هو هل هو ما انتسب الي نفسه و ان تغير في ماۤدته و تبدّل ام المعاد هو الموجود في الدنيا بمادته و ان تبدّلت صورته ام هو الموجود في الدنيا بماۤدته و صورته من غير تبديل و لا تغيير ام هو الموجود بصورته في الدنيا لا بمادته و اوّل ذكر المصنف فيما سبق يشير الي الاخير من ان المعاد هو الانسان بصورته حتّي لو فرض تجرّد صورته عن مادته لكان هو بعينه باقيا عند ذلك التجرد كما ذكره في الاصل الاول و ثاني ذكره يشير الي الاوّل كما هنا و المعني فيهما واحد حتي ربّما قيل انهما عبارتان عن معني واحد و يمكن ارادة الفرق بان المنتسب ما انضاف الي النفس و ان تغيّرت الصورة بتبدّل بعض حدودها و الحاصل الاوّل و الرابع ان اريد منهما التعدّد يلزم منهما عدم فاۤئدة التكليف و عدم فاۤئدة البعث لعدم بقاۤء مقتضي الثواب و العقاب فلو اعيد الشخص لميكن عليه عقاب لعدم وجود المعصية و لا ثواب لعدم وجود الطاعة لانهما ذهبا بذهاب متعلّقهما فالشخص علي قولهم في كل آنٍ جديد و لايخفي علي كل عاقلٍ مُؤْمِن بالشريعة بطلان هذا القول مع ما يشهد العقل ببطلانه و الاصل في كلامهم انّهم وجدوا انّ كل حادث محتاج في بقاۤئه الي المدد و مدده متصل به اتِّصالاً سيَّالاً فهو كالنهر الجاري و لا ريب اَنّ النّهر انّما هو نهر بماۤئه و ماۤؤه كل آنٍ جديد غير الاوّل و كما انّ ٱلنهر الجٰاري اذا وضعتَ [ص 207] فيه طيباً او نجٰاسة ثمّ اخذتَ ماۤء من المكان الذي القيتَ فيه طيباً او نجٰاسة لمتجد فيه من الذي اَلْقيتَ شيئاً لانّه تَجاوَزَ مَعَ ما حَلَّ فيه من الماۤء وَ اتَي في مكانه ماۤء جَدٖيدٌ لميكُنْ فيه شَيْءٌ من الطَّيّبِ او الخبث كَذٰلكَ هذا الشخص اذا قلنا بان الشخص انما هو بدن هذه النفس سواۤء تغيّرت اجْزاۤء هذا البدن اَمْ تَبدّلَتْ بغيرها مع ان المصنّف نصّ علي خصوص تبدّلها فقال مع انّه تتبدّل عليه في كلّ وقتٍ اعضاۤؤهُ و اجزاۤؤه و جواهرهُ و اعراضه حتي قلبه و دماغه سيّما روحه البُخاري الذي هو اقرب جسمٍ طبيعي الي ذاته الخ ، لزم من ذلك ان الشخص في كل انٍ يكون جديداً فلو كان الامر كذلك كان المعاد جديداً لميخلق الّا حال عوده و لميجر عليه التكليف بل لميكن ايجاده عوداً بل هو بَدؤٌ و يلزم من هذا كون الايجاد و الصنع عبثا و التكليف في الدنيا مشقّة بلا عوض و الخطابات الشرعية في الكتاب و السنة لغواً و اقرب المذاهب و اشبهه بهذا القول مذهب الدهريّة و المعطّلة فان قلتَ هذا انما يلزم لو قلنا بعدم تعيّن النفس و امّا اذا قلنا بتعيّنها فلايلزم ذلك قلتُ هذا لازم علي كل حالٍ لان الجسم اذا جاز عليه التبدّل فانما هو لاجل حدوثه و عدم استقلاله بدون المدد لحقيقة افتقاره الي ما يتقوّم به و النفس ايضا محدثة و كلّ محدث لا قوام له بدون المدد و كل جزؤ من الحادث ككلّه فما يجوز علي الجسم يجوز علي النفس بعين ما جاز علي الجسم فيلزم ما قلنا و امّا القول الثالث فهو ايضا باطل لما دلّ عليه النقل و الاتّفاق من المتشرعين من تغيّر صور كثير من المعادين فمنهم من يحشر قرداً او خنزيراً او غير ذلك و يحشر المتكبرون يوم القيمة علي قدر الذرّ و منهم من ضرسه قدر جبل احد و دلّ عليه العقل علي ما هو مبرهن عليه في محلّه من ان هذه الماۤدة و الصورة و التركيب يقتضي عدم الدوام ابد الابدين و ان الخلق المعادين يعادون [ص 208] كما بُدِئوا و نزلوا الي الدنيا و لمينزلوا الي الدنيا من عالم الغيب بهذا التركيب الكثيف و انما لحقتهم هذه الكثافات و الاعراض من هذه الدنيا و لايخرجون منها بنفس اعراضها و كثافاتها و ان لحقتهم احكامها في اعمالهم و امّا القول الثاني فهو الحق الذي يشهد بحقّيّته العقل و النقل و قد تقدّم له ذكر مصحّح من العقل و النّقل فان المعاد اذا كان بعينه هو المكلف و العامل بعمله في الدنيا صحّ ايجاده لوجود الغاية و تكليفه و عمله و بعثهم لعرض اعمالهم و هم يحملون اوْزارهم علي ظهورهم الا ساۤء ما يزرون و صحّ ثوابهم و عقابهم و امّا الصورة فهي عرض ليست هي المعادة كما توهّمه المصنف لانها هيئة الماۤدة فالمعاد حقيقة هو الماۤدة بهيئة عمل الشخص و ان كانت المادة في نوعها تتبدل من نوع الي نوع بصور الاعمال لكن المعاد هو اللابس للصورة لا نفس الصورة كما زعمه المصنف فان زيداً خلق بصورة الانسان في الظاهر بمجرّد اجابته ظاهراً حين قال تعالي له الستُ بربّك فان وافَي و عمل بما عاهَد عليه الله خلق الله تعالي باطنه بعمله انسانا فيموت انسانا و يحشر انسانا لان مادته حينئذ بعمله من نوع مادة الانسان و ان عصي و اتّبع شهوة نفسه تقدّرت مادته بصورة الحيوان لانها صورة عمله و بقيت عليه الصورة الانسانية في الظاهر ستراً من الله سبحانه و اِبلاۤءً للمكلفين من قوله عز و جل ان الساعة اتية اكاد اخفيها لِتجزي كل نفس بما تسعي فاذا مات و اضمحلت منه الصورة الانسانية في قبره و لحقت بالكرسي ظهرت عليه الصورة الحيوانية صورة عمله لان مادته تقدّرت بها و يحشر حيوانا لانّ مادته حينئذ بعمله من نوع ماۤدة الحيوان فالماۤدة هي الجوهر المباشر للعمل و يتصوّر بصورة عمله لانه كان في عالم الذر اجاب ظاهرا بقوله بلي و اضمر شهوة نفسه و كان في عالم الذر مختاراً بالاختيار الصلوحي فلمّا سُئِل اَجاب [ص 209] بقوله بلي لان اختياره و ان كان كافيا في التكليف لكن المحضر تترجّح فيه الاجابة فاجاب بلسانه و اضمر الخلاف فلمّا نزل في هذه الدار و اعيد عليه التكليف ثانيا تثبّت في شبهته فانزل الله و ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل فكان اضماره الخلاف منشأً للعمل بشهوة نفسه فهو اي ذلك الاضمار طينته التي خلق بعمله منها فيحشر بها لانه حين اضمر الخلاف قُلِبَتْ به طينته و ماۤدته من نوع ماۤدَّة الحيوان في تكليف الذرّ فلمّا نزل في هذه الدّار و تقرّرَ فيه الاختيار و كمل بالتكرار و كلِّف بما كُلِّف به في عالم الذر اظهر ما اضمر و عمل بالطبيعة الحيوانيّة فيحشر حيواناً لانّ مادّته انقلبت باعماله من نوع ماۤدة الحيوان و الصورة في الحقيقة هيئة الماۤدة فهي هيئة الشيء المعاد وَ ليست هي الشيء و لهذا مثّل الصادق صلوات اللّه عليه جلودَ اهل النار في اعادتها باللّبنَة تكسر و تصاغ في قالَبِها ثانياً و قال هي هي و هي غيرها يعني هي هي بمادتها و هي غيرها بصورتها كاللبنة و لان الماۤدة هي المباشرة لما يترتب عليه الثواب او العقاب فان قلتَ انّك قاۤئل باَنَّ الممكن غير قاۤر الذات لنفسه بل يحتاج في بقاۤئه الي المدد و المدد متّصلٌ اتِّصالاً سَيَّالاً فيكون قولك كقول المصنّف فيكون الشخص علي قولك في كل آنٍ جديداً فيلزمك ما الزمته في كلامِهٖ منْ بطلان فاۤئدة التكليف و بطلان الثواب و العقاب و بطلان فائدة المعاد قلت انا نقول بان كل ممكن غير قار الذات لذاته و انه محتاج في بقاۤئه الي المدد و لكن بغير طريقة المصنف بل نقول انّ الممكن ليس في تبدّله و تغيّره كالنهر الجاري الممتدّ الذي لايلتقي طرفاه ليلزمنا ما لزمهم و انما نقول انه كالنهر المستدير ● الذي يصبّ اخره في اوّله لايذهب منه شيء الّا عاد اليه بنفسه و لكن اجزاۤءه المتحلّلة الفانية تعود اليه فهو يُمَدّ منها كلّما فني [ص 210] شيء اُعٖيد فهو يكسر و يصٰاغ بما منهُ و بما لَهُ و ليس انه يصٰاغ بشيء جديدٍ لميكن منه حتي يكون ما ذهب منه ذهب بخيره و شرّه بل يصاغ بشيء جَديد كان قد بَلِي و اضمحلّ و اعادَهُ المبدئ له اوّل مرة سبحانه و تعالي يعيده بخيره و شرّه جديداً بل ما ذهب يعود فيكون الشخص في كل آنٍ طريّا جديداً من حيث الكسر و الاعادة و الصوغ لَا مِن حيث تبديل اجزاۤئه بغيرها بل الجديدة التي هي المدد هي الاجزاۤء الاولي المتحلّلة الفانية بعَيْنِها لانها حين تحلّلَتْ خرجت عن رتبة التركيب و التّأليف الي رتبة الامكان او الي رتبة الهباۤء و البخار او الي رتبة جوهر الهباۤء الذي هو اخر المجردات و اسفلها او لحقت بالصور النفسيّة او الرقاۤئق الروحية او المعاني العقليّة ثم اعادها المبدئ عز و جل الي الشخص من الطريق الذي بدأها فيه جديدة الكون او النزول او التأليف طريّة الحصول و اقامَهُ بها كما اقامه بها اوّل مرّة فلمتتبدل اجزاۤؤه و انّما تعاد و تجدّد و بها كان المدد فقد امدّه منه فالمعاد هو الاول العامل لاعماله الصالحة او الطالحة بعينه و بكثرة كسرها و صَوغهٰا و كسرها و صوغها يتناهي الصاعد في علوّه الي اعلي الدرجات و النازل في سفله الي اسفل الدركات فتمّت كلمته و بلغت حجّته و ما ربّك بظلّامٍ للعبيد فافهم .
و قوله « الملموس المركب من الاضداد » صدر عن الطبيعة الاولي الفطريّة و لهذا كان مخالفا لما يعتقده و لما قرّره سَابِقاً من انّ الملموس لَيْسَ هو الخارجي و انّما هو من عالم الملكوت مماثل للخارجي لكنه لمّا غَفَل عن تطبّعِهٖ جري علي لسانِهِ الصَّواب بمقتضي فطرته الاولي لانه يريد به المحسوس الظاهر .
و قوله « حتّي قلبه و دماغه » يريد بالقلب الجسم الصنوبَري و بالدماغ مخ الرأس لانّه يريد الاجسام اذ هي عنده هي المتغيرة المتبدلة و امّا القلب الذي هو [ص 211] العقل فانه عنده ثابت لايتغير و لايتبدّل و كذلك النفس و لهذا ذكر المتبدّلات كالجسم و اعضاۤئه و اجزاۤئه و جواهره و اعراضه و قلبهِ و دماغِه و روحِه البخاري اعني نفسه النباتيّة و قد بيّنّا ان كل ممكن ليس بثابتٍ ثبوتا حقيقيا و ان صدق عليه الثبات العرفي و الاضافي بالنسبة الي ظاهر التغير و التبدل و كثيرهما و سريعهما لاشتراك الكل في الحاجة و الافتقار في بقاۤئه الي مدد اللّه سبحانه فلا فرق في الافتقارِ في البقاۤء الي المدد و في التغير و في التبدّل بالمعني الّذي ذكرناه بين عقل الكل و بين الجماد و النبات الّا انّ المتكلمين و طاۤئفة من الحكماۤء اختلفوا في هذه المسئلة فقال قوم كل ممكن متغيّر متبدّل محتاج في بقاۤئه الي المدد و قال قوم و منهم المصنّف الاشياۤء المركبة متغيرة متبدّلة محتاجة في بقاۤئها الي المدد و الاشياۤء المجرّدة ٱلبسيطة لاتحتاج في بقاۤئها الي المدد و انَّما تحتاج في بقاۤئها الي بقاۤئه تعالي لَا الي ابقاۤئه و قال قومٌ الحيوانات الجسمانيّة و النباتات متغيّرة متبدّلة و الجمادات قاۤرّة و قال قوم كلّ الاشياۤء لاتحتاج في بقاۤئها الي المدد و ان كانت محتاجة في اصل تكوّنها الي المدد و قال قوم و منهم السيد المرتضي علم الهدي ان الجواهر المركبات محتاجة في بقاۤئها الي المدد و الجوهر الفرد و الاعراض غير محتاجة حتي ان السيد المرتضي قال في بعض مساۤئله و هذا لفظه و يوصف بالٰه بمعني ان العبادة تحقُّ له و انما تحق له العبادة لانه القادر علٰي خلق الاجسام و احياۤئها و الاِنعام عليها بالنعم التي يستحق بها العبادة عليها و هو تعالي كذلك فيما لميزل و لايجوز ان يكون اِلٰهاً للاعراض و لا للجوهر الواحد لاستحالة ان ينعم عليها بما يستحق به العبادة و انما هو الٰهٌ للاجسام الحيوان منها و الجماد لانه تعالي قادر علي ان ينعم علي كل [ص 212] جسم بما معه يستحقّ العبادة انتهي ، اقول و كلّ هذه الاقوال و امثالها غير مستقيمة بل هي منحرفة عن طريق الحق و الحق ان كل ما سوي اللّه سبحانه محتاجة في كونها و وجودها و في بقاۤئها الي المدد و ان جميعها متغيّر متبدّل تبدّل كسر و صَوْغ و انها تمدّ بما ذهب عنها و تحلّل منها بعد اعادته علي نحو ما ذكرنا قبل هذا فراجع و ارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرّتين .
و قوله « الذي هو اقرب جسم طبيعي الي ذاته » يريد به الروح البخاري مع كونه اقرب الاجسام الطبيعيّة الماۤدّية الي ذاته التي لاتتغير و لاتتبدّل يعني نفسه يتغيّر و يتبدّل و هو اي الروح البخاري اوّل منزل من منازل نفسه عند تنزّلها في هذا العالم و قد بيّنا نحن ان هذه النفس التي عناها هي الانسانية الناطقة و بيّنّا انّ اوّل منازلها الطبيعة النورانية ثم جوهر الهباۤء الّذي اخر المجردات ثم المثال ثم النفس الحيوانية الحسّيّة الفلكيّة ثم الروح البخاري فالروح البخاري كما تقدم اوّل منزل من منازل الفلكية الحسّيّة لا الانسانية و بيّنّا ايضا انّ الناطقة كالاجسام في التغير و في التبدل بمعني الكسر و الصوغ .
و قوله « و هو » اي البخاري « كرسيّ ذاته » و الكرسي هو محل صور النفس « و عرش استواۤئه » اي انه استوي علي البخاري و انه محل عسكر قواه اي قوي نفسه « و جنوده » اما عطف تفسيري او ان الجنود هي الملائكة الموكّلة بتلك القوي و عندنا ان الشخص كرسي ذاته هي النفس الانسانية التي هي محلّ صوره و الجنود هي الملاۤئكة الموكّلين بالقوي و عرش استواۤئه هو عقله و معسكر جنوده هو عقله و نفسه و خياله و فكره .
و قوله « فان العبرة في بقاۤء البدن بما هو بدن شخصي انما هي بوحدة النفس فما دامت نفسُ زيدٍ هذه النفس كان بدنه هذا البدن لانّ نفس الشخص تمام [ص 213] حقيقته و هويّته » يريد انّ وحدة البدن و تعينه انّما هو بوحدة النفس كالنّهر الجاري فانّك كلّما رأيته قلتَ هذا الماۤء هو الّذي شرِبْنا منه العام الماضي مَعَ اَنّ الماۤء يتبدّل كلَّ آنٍ لكنّ مكانه لميتغيّر فكانت وحدة الماۤء و تعيّنه باعتبار وحدة مكانه لان بدن المشخص عند المصنّف كماۤء النّهر فانه بما هو هو انما هو بوحدة مكانه و قد بيّنّا بطلانه كما سمعتَ لما يلزم عليه من المفاسدِ و تعليله بان النفس تمام حقيقته لايفيده لان الاجزاۤء المتبدّلة ايضاً تمام حقيقته لان الحقيقة تتغيّر بتبدل بعض اجزاۤئها او تنقص بل لو جعلت يد زيد لعمروٍ تغيّرت حقيقة عمرو بزيادة او نقصانٍ مع انّها يد مكان يدٍ فكيف مع تبدّل اجزاۤء قلبه و دماغه و روحه البخاري او وضع له رأس غير رأسه و قد ذكر الفقهاۤء مسئلة حكم اكثرهم بها و هم لايعرفون سرّها و هي ان القارئ في الصلوة لا بدّ و ان يعيّن البسملة للسورة بعد الحمد فلو شرع في السورة بعد ان بَسْمَل من غير قَصْدٍ بها للسورة اَعادَها و لميعتدّ بتلك السورة و انْ كانت التّوحيد او الجحد ما لمتكن مقصودة عند الدخول في الصلوة او معتادة و السِّرُّ فيه انّ الشيء لاتثبت حقيقته بذهابِ شيء منه و ان وضع مثله مكانه لانّ الشيء شيء به اي بنفسه لا بغيره و لان تبديل الذرّة من الشيء تبديل في الهويّة و امّا صدق الاسم مع التبديل فحكم مجازي صناعي لا حقيقي اذ كل ذرّة لها حصّة من التعيّن .
قال : و هذا كما يقال انّ الطفل ممن يشبّ او هذا الرجل الشاۤئب كان طفلا و عند الشيب قد زال عنه جميع ما كان له عند الطّفولية من الاجزاۤء و الاعضاۤءِ بل اصبعه هذا صدق انه الاصبع الذي كان له عند الطفولية مع انه قد عدم في ذاته مادةً و صورة و لميبق بما هو جسم معيّن في ذاته من نوع معيّن و انما بقي بما هو اصبع لهذا الانسان لبقاۤء نفسه فهذا ذاك بعينه من وجهٍ و هذا ليس بذاك بعينه من وجه و كلا الوجهين صحيحانِ فالانسان الشخصي [ص 214] المعاد بعد الموت هو هذا الانسان بعينه .
اقول « كلامه هذا هو ما تقدّم بمعناه لانه اتي بهذا تمثيلاً لما ذكر اوّلاً لانه يريد ان هذا اذا قيل انه ممن يشبّ و ينمو فانما ذلك بزيادته و تبديل اجزاۤئه بغيرها ممّا يغتذي به فان جميع اجزاۤئه الاولي قد اضمحلّت لانها تتحلّل تحلُّلاً سَيّالاً و ذبولا متّصِلاً حتي لميبق من الذي كان به طفلاً حين كان كبيراً شيء و بدّل مكانها بما يشابهُهَا و كذلك قال الرجل الشاۤئب كان طفلا و بعد ما شاب زال عنه جميع ما كان له عنْد الطفولية من الاجزاۤء و الاعضاۤء يعني الجزئيّة و الكليّة فهو جديد طري علي كلامه مع انه يصدق عليه انه هو الاوّل من حيث ان نفسه هي النفس الاولي و يعني به كما مثّلنا به كالنهر الجاري و لهذا قال بل اصبعه هذا صدق انه الاصبع الذي كان له عند الطفوليّة مع انه قد عدم في ذاته ماۤدة و صورة و يريد بهذا الصدق مثل صدق اسم الماۤء الذي شرب منه في العام الماضي علي هذا الماۤء الموجود في النهر الٰانَ و لذا قال و لميبق بما هو جسم معيّن في ذاته من نوع معيّن و انما بقي بما هو اصبع لهذا الانسانِ لبقاۤءِ نفسه الي اخر كلامه و انت قد سمعتَ ما يلزمه في كلامه هذا فان هذا الشخص اذا باشر باصبعه معصية لميتب عنها ثم مات بعد سنين غير تاۤئب عن تلك المعصية و لا نادم علي فعلها فان اصبعه الموجود غير الاصبع العاصي كما قال المصنف انه ليس بذاك بعينه من وجه يعني في حقيقته و هو ذاك من وجهٍ يعني من جهة وحدة نفسه فان عذّب هذا الاصبع و هو في الحقيقة غير الاصبع العاصي كان ظلماً و هذا مثل ما اذا كان ثوبك نجساً ثم ذهب و جدّدتَ ثوباً اخر و لبسته حتي صدق عليه انه ثوبك كان نجساً لانه ثوبك و ثوبك نجس و اذا تغيّر ماۤء البئر بالنّجاسة ثم غار ثم نبع فانه علي قاعدة المصنّف نجس و الفقهاۤء اجمعوا علي طهارة النابع الّا من بعضٍ [ص 215] غير مستقيم و ان لميعذّب لزم بطلان الثواب و العِقَاب و المُصَنِّف علي مذهبه هذا غير قاۤئل باعادة الاجسام عند اهْل البيت عليهم السلام و ان قال باعادة الصور لانّ المعاد عنده هو الصور و المعاد عندهم عليهم السلام هو المَواۤدّ و امّا الصور فهي هَيْئات المواۤد و كيفيات اعمالها الّتي تتّصف المواۤد التي هي العَامِلُونَ بها .
و قوله « و كلا الوجهين صحيحان » يريد بالوجهين انّ هذا العائد هو الذي في الدنيا بعينه بمعني بقاۤء نفسه و ان تبدّلت مادته و صورته فانه هو الاوّل من هذا الوجه و انّ هذا العاۤئد ليس هو الاوّل لانّ الاوّل قد عدم في ذاته ماۤدةً و صورةً و لميبق بما هو جسم معيّن في ذاته من نوع معيّن بان يكون طينة بشريّة من مادة انسانيّة مخصوصة و انّما بقي في العاۤئد الثاني انه اصبع سواۤء كانت مادته من حجر او خشبٍ مثلاً ام غير ذلك فانه غير الاول من هذا الوجه و قال انّ هذَيْنِ ٱلوجهين باعتبارين لايَلْزم بهما تناقضٌ و معني كلامه هذا كالاول في الفَسادِ لان المطلوب ليس مجرّد حصول صدق اسم الاصبع خاۤصّة اذ بهذا اللحاظ لاتترتب عليه فاۤئدة الاعادة و البعث يوم القيمة و الّا لجاز ان يحدث تعالي لروح زيد جسداً من حديد او من ذهبٍ علي صورته في الدنيا و توضع الروح فيها فانه علي قوله يصدق عليه انه جسد زيدٍ و لكن لايصدق علي ان جسد زيدٍ اعيد يوم القيمة و انّما اعيدَتْ نفسه و روحه في جسد ذهب و هذا هو معني قولي انه علي مذهبه هذا عند ائمة الهدي عليهم السلام انّه غير قاۤئلٍ باعادة الاجسام فعلي مذهب اهل الحقّ عليهم السلام الوجهانِ باطلان و كذلك قوله « فالانسان الشخصي المُعاد بعد الموت هو هذا الانسان بعينه » فان هذا الكلام ايضاً باطل لانه يريد ان المعاد يوم القيمة هو هذا الموجود في الدنيا الذي هو زيد بنفسه و ان كانت ماۤدته و صورته فَنِيَتَا و لميعودا [ص 216] و انما عاد مع نفس زيدٍ غيرهما و هذا ظاهرٌ لمن له ادْني فهم ان المصنف يلزمه انّه لميقل بالمعاد الجسماني بل قائل بنفيه و باعادة بدلِهٖ بَل بايجاد بدله اذ البَدلُ لميَكُنْ مُعَاداً و الّا لميكن بدلاً و انّما يوجد حين البعث بل في البعثِ في طول يوم القيمة و في الجنة او في النار داۤئماً هو طريّ في كل اٰنٍ لان هذا هو مقتضي الافتقار الي المدد في البقاۤء و لايختص هذا الحكم بالدنيا كما توهّمه المصنّف و يأتي الكلام فيه بعد هذا .
قال : و لايقدح في ذلك ان هذا البدن الدنيوي مضمحلّ فانٍ فاسدٌ مركب من الاضداد و الاخلاط الكثٖيفة العفنيّة و ان البدن الاخروي لاهل الجنّة نوراني باقٍ شريف حيّ لذاته غير قابل للفناۤء و الموت و المرض و الهرم و انّ بدن الكافر ضرسه كجبل اُحدٍ و صورته صورة الكلب و الخنزير او غير ذلك يذوب في النار الّتي تطّلع علي الافئدة ثم تتبدل عليهم جلودهم و اعضاۤؤهم كما قال تعالي كلّما نضجت جلودهم الاية ، و قد روي انه يكلّف بالصعود الي عقبةٍ في النار في سبعين خريفا كلّما وضع يده عليها ذابت فاذا رفعها عادت و كذا رجله اذا وضعها ذابت فاذا رفعها عادت فقد علم ان هذا البدن محشور في القيمة مع انه بحسب المادة غير هذا البدن و ذلك بحكم الاول و الثاني و هو ان الشيء بصورته هو ما هو لا بمادته و انّ بقاۤء الموجود بشخصه لاينافيه تبدل العوارض و نفسِ المادة من حيث خصوصها من العوارض .
اقول يريد ان كون الانسان الشخصي المعاد بعد الموت هو هذا الانسان بعينه لايقدح فيه اي في صحته انّ هذا البدن الدنيوي مضمحلّ فانٍ فاسدٌ مركّب من الاضداد و الاخلاط الكثيفة التي لا بقاۤء لها مع ان البدن البدن الاخروي ثابتٌ باقٍ بسيط شريف حيّ لذاته لايقبل الفناۤء و المرض و الهرم و التبدّل و يريد ان بدن الكافر ضرسه كجبل اُحْدٍ مع اَنَّ ماۤدَّته في الدنيا [ص 217] صغيرة و لو كانت مادته في الاخرة هي ماۤدّته التي في الدنيا لكان صغيراً في الاخرة علي حسب مادته و صورته صورة الكلب و الخنزير و لو كانت هي صورته في الدنيا لكان في صورة انسان و بدنه يذوب في النار التي هي الحطمة التي تطّلع علي الافئدة تعذب البواطن كما تعذّب الظواهر و كلما فني بدنه و ذاب و اضمحلّ اعيد مثله بحيث يصدق عليه انّه هو و هو غيره و كلّما نضجت جلودهم بدّلت جلوداً غيرها و يقول و قد روي ان الكافر يكلّف بالصعود الي عَقَبةٍ في النار في سبعين خريفا و الخريف سبعون سنة كما رواه في معاني الاخبار و الخريف كناية عن السنة لان العرب كانوا يورخون اعوامهم بالخريف لانه كان اوان جذاذهم و قطافهم و ادراك غلّاتهم و كان الامر علي ذلك معني حتي ارّخ عمر بن الخطاب سنة الهجرة قاله في مجمع البحرين فيكون ما تفسيره بالسبعين السنة خريف الاخرة كلّما وضع الكافر يده علي ذلك الجبل ذابَتْ الي كتفه فاذا رفعها عادَتْ و كذا رجله اذا وضعها ذابَتْ فاذا رفعها عادَتْ ثم قال تفريعاً علي ما قرَّرهُ ممّا ذهَب اليه فقد علم انّ هذا البَدن محشور في القيمة مع انه بحسب الماۤدة غير هذا البدن و ذلك الحكم بحكم الاصل الاول الماضي و هو ان الشيء بصورته هو ما هو لا بماۤدّته و بحكم الاصل الثاني و هو ان الموجود بشخْصه لاينافيه تبدّل العوارض و نفس الماۤدة من حيث خصوصها من العوارض لان كون تشخّص الشيء نحواً من وجوده قد قدّمنا هناك بطلان هذا الاصل علي انّ الماۤدّة ليْست من العوارض بل هي اقوي اركان تقوّمه و ليست من المشخصات العارضية مع انها من المقوّمات لانّها ( اي المشخصات ) هي الفصل المقوّم للجنس و ايضا اذا جعل المادة من حيث خصوصها من العوارض اللازمة مع انها من حيث خصوصها هي حصّة الجنس المتقوّمة بالفصل فما المتقوم بالفصل [ص 218] غيرها و ما المعروض الملزوم غيرها فلعلّه يريد به الوجود الخارج عن حقيقة المحدود الّا اذا اريد به المادة كما اذا قلتَ الانسان حيوان ناطق فان الحد الحقيقي الجامع لذاتيات المحدود الحيوان الذي هو المادة و الناطق الذي هو الصورة و اين ذهب الوجود الا اذا اريد به المعني الوصفي العام المسمي بالفارسيّة بهستي فيكون هو من العوارض الخارجة لا الماۤدة و اقول قد تقدّم ما ينقض هذا كلّه و يأتي ايضا فان البدن الدنيوي اذا فسد و اضمحلّ ان قال انه يعود بنفس مادته المتّصفة بصورة عمله فحسن و امّا اذا حكم بان العاۤئد غيره من حيث خصوص الماۤدة كما ذكر فلا شك انه قول بعدم اعادة الاجسام و ان البدن الذي تعود فيه النفس ليس مُعاداً و انما اُحْدِث ابتداۤءً فان حكمه علي بدن الدنيا بالفناۤء و الاضمحلال و التركيب من الاخلاط الكثيفة العفنيّة و حكمه علي البدن الاخروي الذي تعود اليه الروح و تحشر فيه انه اذا كان لاهل الجنّة نوراني باقٍ شريف حيّ لذاته غير قابلٍ للفناۤء و الموت و المرض و الهرم دليل علي انّ حكم ابدان اهل الدنيا متقضٍّ في الدنيا عنده و ان ابدان اهل النار فيها التركيب و تجري عليها احكام ابدان اهل الدنيا من الفناۤء و العدم و اعادة امثالها من غيرها و ان ابدان اهل الجنة بسيطة غير مركبة كابدان اهل الدنيا بل هي نورانيّة باقية لذاتها حيّة لذاتها غير محتاجة في بقاۤئها الي المدد و غير محتاجة الي ابقاۤء الله سبحانه لها و انّما تحتاج الي بقاۤئه كما صرّح به في الارواح القادسة و هو ظاهر قوله هنا حيّ لذاته و انت اذا تأملتَ في معاني كلامه رأيت خبط عشواۤء من غير معرفة ما فيه من التناقض و الاضطراب لما اشرنا سابقاً اليه من تساوي جميع الممكناتِ في الحاجة و ان احكام الابدان واحدة لا فرق بين اهل الدنيا و اهل الاخرة و لا بين اهل الجنّة و اهل النّار و انّ تهافت ابدان اهل الدّنيا من الاعراض و الغراۤئب [ص 219] الاجنبيّة و انّ تماسُك اَبْدانِ اهلِ الجنّة مِنْ ثمراتِ تصفيةِ اعمالهم و ان تفريق ابدان اهل النار من غراۤئب خلط اعمالهم كلما اجتمعت اعضاۤؤهم بمقتضي قابلية طبيعةِ مواۤدِهم المقتضية لاعادة ما افنته النار من المتفرق فرّقتها النار بسبب اختلاط الغراۤئب بها لانّ النار تفرّق المتفرّق و تجمع المجتمع كما هو مبرهن عليه في العلم الطبيعي المكتوم و امّا انه يحشر المتكبرون يوم القيمة كهيئة الذرّ فلان المتكبّر مستنكِفٌ عن قبول المدد الذي لايقبل الّا بالخضوع و الخشوع المطابقَينِ لامر الله سبحانه و امّا اَنّ ضِرْسَهُ كجبل اُحْدٍ فلما في نَفْسِهٖ وَ طبيعته من ٱلحرص و الطَّمع فعظم ضرسه مع قِلَّة ماۤدّتِهٖ و صغرها لكثرةِ ما يكتَسِبُه من الغراۤئب الْعٰارِضة كما تري زيداً ربّما عفن و سمن فكان بقدر حاله الاولي مرّتين او ثلاثاً و ربّما ضعف و نحِف فكان اقلّ من ربعه حالة السمن مع انه هو لمتزِد ماۤدّته الاصلية حال السمن و لمتنقص و الاجزاۤء الاصليّة تقبضُها قدرة الفاعل القادر فتلزّزها فيَصْغر حجم الشيء كما فعل بعصيّ السحرة و حبالهم في عصي موسي عليه السلام و كما فعل في صورة السبع المنقوشة علي مسند المتوكّل حين اكل الساحر الهندي بامر علي بن محمد الهادي عليهما السلام و رجع صورةً فكذلك فعل ببدن المتكبر و تبسطها قدرة الفاعل القادر و تنشرُها فيعظم حجم الشيء كما تعظم اجساد اهل الجنّة للتنعيم و اجساد اهل النار لازدياد التأليم و الاصل واحدٌ لايزيد و لاينقص و امّا اية تبديل جلود الكفار بغيرها فقد اشرنا قبل الَي ان ذلك لايجوز لئلّاتَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ اخري و تكون مظلومة فيجب العدول عن الحقيقة و يجب ارتكاب التأويل و قد بيّنه جعفر بن محمد عليهما السلام بانها هي هي و ذلك من حيث الماۤدة و هي غيرها من حيث الصورة و مثّلها باللبنة تكسر و تكون ترابا ثم تعاد في قالبها فتكون لبنة فهي هي و هي غيرها وَ ما بَعد تأويل الصادق عليه السلام [ص 220] الّا تأويل الكاذب و كذا اذا كلّف الكافر لعنه الله بالصعود الي عقبة الجبل المسمي صَعُوداً كما قال تعالي سارهقه صَعُوداً اذا وضع يده عليها ذَابَتْ الي كتفه فاذا رفعَها عادَتْ و كذا رجله فاذا اعترف المصنف بانها تعود ثبت ما قلنا و اذا اوّل العود بالابتداۤء كما هو خلاف الظاهر المعروف لزمه ما قلنا .
و قوله « فقد علم ان هذا البدن محشور في القيمة مع انه بحسب المادة غير هذا البدن » خطأ لانه اذا كان الثاني غير الاوّل بحسب الماۤدة و بحسب الصورة بطل حكم الاشارة في قوله هذا البدن و ان كانت النفس عنده لمتتبدّل فانها علي تقريره كالمحل و المحل لايغيّر الحال عن حقيقته فاذا كان في اناۤء ماۤء ثم افرغ و وضع في ذلك الاناۤء دهن لميصدق عليه انه هو الاوّل الذي هو الماۤء و كالمزاج فانه لايوجب اتّحاد ما مزج به و لو في الصدق فان النفس كالماۤء اذا مزج به التراب كان طينا و اذا مزج به الطحين لميكن طينا بل يكون عجينا .
و قوله « و ذلك بحكم الاول » اي الاصل الاول الذي ذكره من الاصول السّبعة « و الثاني » اي الاصل الثاني منها اما الاول فلان الشيء بصورته هو هو لا بماۤدته انما يصدق في كون الشيء بصورته انه هو الاوّل فيما عادَ منه من نفسه بان يقال هذه نفسه و لايقال هذا جسمه الّا اذا عاد جسمه و امّا اذا عاد غيره فلا لان الجسم هو الماۤدة و اَمّا الصورة فانما هي هيئة الجسم فهي من المميزات و ان كانَتْ جُزءَ ماهيّة الشيء لكنها ليست جزؤ ماهيّة الماۤدّة و امّا الثاني من اصوله فلان بقاۤء وجود الشيء بشخصه انما يتحقق اذا بقيت الماۤدة و ان ذهبت الصورة و امّا اذا ذهبت الماۤدة فانه لميتحقّق الوجود الذاتي الّذي كان تحقّق و تعيّن بالذّاهب و انما الوجود المتحقّق مع عدم المادة [ص 221] لذلك الشيء هو الوجود بمعني هستي في اللغة الفارسيّة فانه هو المُتَحقِّق في كلّ ما وُجد و ثبَتَ و ان كان في جديدٍ مخترع و لكنّه غير المنسوب للذّاهب الذي لميعد فما اعجب هذه العبارات مِنَ المصنف و ما الذي حداه علي هذا التكلّف .
و قوله « و نفسِ المادة من حيث خصوصها » بكسر نفس عطف علي العوارض يعني انّ الماۤدة المخصوصة و ان لمتعد فانّ مطلق الحصول و مطلق هستي حاصل بحصول مطلق الماۤدة فاذا عدمت الماۤدة الاولي الانسانيّة يحصل مطلق الماۤدة و لو من الحجارة او الحديد انّ هذا لهو العجب العجيب .
قال : ثم انّ كلّ ما يشاهده الانسان في الاخرة و يراه من انواع النعيم من الحور و القصور و الجنان و الاشجار و الانهار و اضداد هذه من انواع العذاب التي في النار ليست بامورٍ خارجةٍ عن ذات النفس مباينةٍ لوجودها و انها اقوي تجوهراً و اكد تقرّرا و ادوم حقيقة من الصور المادّية المتجددة المستحيلة بحكم الاصل الرابع فليس لاحدٍ ان يسئل عن مكانها و وضعها و جهتها هل هي في داخل هذا العالم او خارجه او هل هي فوق محدّد الجهات او فيما بين اطباق السّموات او داخل تحتها لما علمتَ انها نشأة اخري لا نسْبة بينها و بين هذا العالم من جهة الوضع و المقدار .
اقول ثم هنا اتي بها عاطفة علي ما قبلها لِتَلَافي ما فاته من الابحاث او التفريعَات و يريد بهذا الكلام اَن كُلّ ما يدركه الانسان من جميع مدركاته بجميع ادراكاته موجودة بوجود نفسه اي بتبعيّة وجوده كالاظلّة و الاشعّة و الصّفات و ذلك كانواع النّعيم الّتي يتمتع بها المؤمن في الجنان في الاخرة من الحور العين و القصور و ما اعدّ فيها من الاواني و الفرش و الاراۤئِك و الغرف و الاسرّة و غير ذلك و من الجنانِ و ما فيها من النخيل و الاعناب و سائر الاشجار و ما فيها من الثمار الدانية و من الانهار الجارية من الماۤء [ص 222] و اللبن و العسل و الخمر و اشباه ذلك مما وعد اللّه به عباده المؤمنين في الدار الاخرة في جواره من الجنان التي هي دٰار رضاه و من اضداد ما ذكر و اشير اليه من انواع العذاب الّتي اعدّهَا في الاخرة للكافرين و المشركين و المنافقين من المجرمين و اتباعهم في النار التي هي دار سخطه و ليست بامور خارجةٍ عن ذات النفس مباينةٍ بوجودها لوجود النفس و انّما هي صفاتٌ لها و اوصاف لازمةٌ لذاتها اي النفس كما قال تعالي سيجزيهم وصفهم و قال تعالي و لكم الويل مما تصفون ، و قال الصادق عليه السلام كلّما ميّزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود عليكم اي فهو وصف لكم مثلكم .
و قال ايضا « انّها اقوي تجوهراً » اي اَنَّ جوهريّتها اقوي من جوهريّة الاشياۤء الماۤدّية العنصرية و الطبيعية الجسميّة « و آكَدُ تقرّرا و ادوم تحققا من الصّور الماۤدّية المتجدّدة » المتبدّلة و هذا بمقتضي حكم الاصل الرابع كما تقدّم مثل قوله هناك : الصور الخيالية القاۤئمة لا في محلّ بل بمحض الارادة من القوة الخياليّة التي قد علمتَ انها مجردة من هذا العالم و انّ تلك الصور ليست قاۤئمة بالجرم الدماغي و لا في الاجرام الفلكيّة كما زعمه قوم و لا في عالم مثالي شبحي غير قاۤئم بهذه النفس بل هي قاۤئمة بالنفس موجودة في صقعٍ نفساني لكن الٰان ضعيفة الوجود و من شأنها اَن تصير اعيانا موجودة بوجودٍ اقوي من وجود الصُّور الماديّة انتهي ، و هذا الكلام من هذا الاصل مبني علي ما قرّره هو قبل هذا في ذكر الحواۤسّ الظّاهرة و انّ المحسوس منها ليس هو هذه الامور الظاهرة و لا الحاۤس لها هذه الحواس الظاهرة بل المحسوس منها صورة من عالم الملكوت مماثلة لها و الحاۤس لها هو النفس الانسانيّة لان تلك الصورة المماثلة في صقع النفس و ذكر في هذا الاصل الرابع ان تلك الصور الخيالية من شأنها ان تكون اعيانا موجودة بوجود اقوي من وجود [ص 223] الصور الخيالية و اغلب ذلك في الجنة فان جميع ما وعد الله تعالي به المؤمنين من هذا القبيل و هذه هي الجنان و ما فيها عند المصنّف و معني هذا عنده انّ هذه الامور الظاهرة المحسوسة ابدان المكلفين من الانس و الجنّ و الشياطين و من الحيوانات و غيرها بل كل ما في الدنيا باقية فيها لميترقّ منها شيء الي الاخرة و لهذا حكم بانها فانية و في الاخرة تكون للمكلّفين اَبْدانٌ بصور ابدانهم بحيث يصدق عليها انّها هي الاولي لانّ هذه الاَبْدان الجديدة كانت علي صور الاولي و تشخّصها لنفسِها اذ تلك فانية متبدّلة متغيّرة لانها من صقع الدنيا الفانية المتبدلة المتغيّرة لمتخلق للبقاۤء و هذه نورانيّة باقية لاتقبل التغيير فلمّا تخلّفت الامور الدنيويّة عن اللحوق بالامور الاخرويّة بقيت صورها الخياليّة في النفس فوردت النّفس محضر الاخرة بما فيها من صور المحسوسات و لو كانت اي ما في النفس صور المحسوسات نفسها الظاهرة لماصحبت النفس الي الاخرة و لكنها صور ملكوتية عند النفس في الدنيا مماثلة للمحسوسات فلذا كانت باقية ببقاۤء النفس و هذه الصور تكون اعيانا ثابتة في النفس و لهذا كٰانت ادوم و ابقي و اقوي تجوهراً و اشدّ تحقّقا و احق تذوّتا من الامور الدنيويّة و اقول مجاري مراداته في عباراته تشعر بان الدار الاخرة بجميع ما فيها عند المصنف امور عقلية و ليس فيها شيء من الاجسام و لا من الامور الظاهرة بل و لا شيء من عالم الشهادة و لقد تبّت ايديهم و خسرت صفقتهم و ما اشبه هذا الرأي بقول الصابئة الاولي الّذين يقولون بغاذيمون و هرمس يعنون بهما شيث و ادريس عليهما السلام و لميقولوا بغيرهما من الانبياۤء علي محمد و اله و عليهم السّلام فانّهم اعني الصابئة الاولي اقتصروا علي المعْقول من [ص 224] قولهما و تركوا المحسوس و الكلّ قد تجنّبوا طريق الرشاد و تركوا سنّة المنذر و منهاج الهاد عليهما و آلهما السلام و الحق فيما ذكره ان البدن المعاد يوم القيمة هو بعينه و بماۤدّته و بصورة عمله هو هذا البدن الموجود المحسوس في الدنيا لانه هو العامل للطاعات و المعاصي و المحاسب عنها في قبره و هو المعاد يوم القيمة للجزاۤء و انّ احوال الدنيا و ما فيها هي بعينها احوال الاخرة كما نطق به الكتاب و السنة و شهدتْ له العقول المستنيرة بنور اللّهِ من كتابه و سنة نبيه و اهل بيته صلي الله عليه و اهل بيته الطاهرين فانّ الدنيا ● مزرعة الاخرة و لذا قال تعالي و ماتجزون الّا ما كنتم تعملون ، ان الّذين يأكلون اموال اليتامي ظلما انما يأكلون في بطونهم ناراً ، يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوَي بها جباههم و جنوبهم و ظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ، ذق انك انت العزيز الكريم ان هذا ما كنتم به تمترون ، لو تعلمون علم اليقين لترونّ الجحيم ، يصلونها يوم الدين و ما هم عنها بغاۤئبين ، يستعجلونك بالعذاب و انّ جهنم لمحيطة بالكافرين ، و بالجملة القرءان مشحون بذلك و السنة كذلك و قال عليه السلام انما هي اعمالكم تردّ اليكم و ورد ان الاعمال صور الثواب و العقاب و لمّا كانت الايات و الروايات مع صراحتها في المدعي لاهل الدرايات قد تشتبه دلالتها علي الذين ادلّتهم مقصورة علي مفاهيم الالفاظ وجبت الاشارة الي ذلك في كلمات قليلة ينتفع بها اهل الاشارة و هي ان كل شيء في الدنيا فان الله سبحانه انزله من الخزاۤئن كما قال و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدر معلوم و كل شيء يعود الي ما منه بُدئ فكل ما في الدنيا نزل من خزاۤئن الغيب و يعود في الاخرة الي ما منه بُدِئ الّا الكثافات و الاعراض الدنيوية فان خزاۤئنها الدنيا فلاتعود الي غيرها و لاتخرج منها و لمّا [ص 225] اقتضي اللطف في التكليف الترغيب و الترهيب بذكر ثمرات الاعمال الّتي الاعمال صورها و فهّموا في التكليف بتحصيل الثمرات بوجوداتها الذهنيّةِ المنتزعة منها و كانت تلك الثمرات في نفسها ثابتة قبل هذا العالم الدنيوي احوالاً نسْبيّةً جعل الله سبحانه نسبتها قبل اضافتها في نفسها و مع اضافتها نسبتها الي من تضاف اليه كالحروف ليس لها معني الّا انفسها مثل ج ل ع ز ق و ل ه و ما اشبه ذلك فاذا الّفت ظهر بها المعني و دلّت عليه و احوال الاخرة من الجنة و ما فيها و النار و ما فيها ذوات و حقائق نسبية بمعني انها شيء ليست لنفسها بل لغيرها خلقت و تحصيل نسبتها اليك مثلا بالكسب و العمل فان عملت ما تستحقّ به القصر المعيّن و الحوريّة المخصوصة كانا لك و ان لمتعمل ذلك و عمله زيد كانٰا له و مثاله الفواكه الموضوعة في السوق مَن ادّي الثمن كان هو المالك المستحق لنسبة تلك الفاكهة اليه لانها بعد اداۤء الثمن ملكه يتصرّف فيها و لو لميؤد الثمن و ادّي غيره كان هو المالك فتحصيل الانتساب بالاكتساب فالرّابطة بين النعيم الخاۤص و بين المؤمن مع سبق وجود ذلك النعيم علي عمل ذلك المؤمن العمل لانّه صورة النّعيم فاذا عمل المؤمن اتّصف بذلك العمل الذي هو صورة ذلك النّعيم فكان ذلك النّعيم الجوهري تابعاً لذلك المؤمن منسوباً اليه و بيانه انّ التكليف اذا توجّه الي الشخص تصوّر من الامر صورة المأمور به ينتزعها ذهنه من المأمور به بواسطة الوصف التكليفي و هذه الصورة وجود ذهنيّ لذلك المطلوب و ذلك المطلوب اعني المأمور به صورة خاۤصة لذلك النعيم و ذلك النعيم كان موجوداً قبل الصورة الخاۤصّة الّتي هي العمل بوجود نوعي و صورة نوعيّة فاذا عمل الشخص العملَ المأمور به صُوّر ذلك النعيم بالصورة الشّخصيّة الخاۤصّة و هي صورة عمل الشخص و حصة النّعيم النوعي ماۤدة للنّعيم الخاۤصّ [ص 226] الشخصي و هذا التحصيص ليس اَخْذاً لحصّةٍ من نوع مشتملٍ عليها و علي مثلها لمتكن في نفسِها متميّزة الّا بالاخذ بل المراد بالتحصيص هنا تحصيص التّخصيص لانها كانت في نفسها متميزةً الّا انّها غير متعينةٍ لشخصٍ مخصوص فاذا عمل صيغت بصورة الخصوص بعد ان كانت بصورةِ العموم و ذلك عَلَي نحو ما مثّلنا بالفاكهة في السوق فكلّ ما في الاخرة من الاجسام و الاعراض و المعاني هو ما كان في الدّنيا من الاجسام و من الاعراض ما لميكن من اعراض الدنيا و من المعاني ما لميكن من مَعاني الدّنيا ايضاً كالمحرّمات علي تفصيل يطول ذكره و الزمان موجود في الاخرة لوجود الاجسام في ساۤئر الجنان و الزمان و المكان من مقوّمات الاجسامِ كما اشرنا اليه سَابقا و لو لميكن في الجنان الّا النفوس و صورها و العقول و معانيها لميوجد بها زمان و لا مكانٌ و قد ذكرنا سابقاً مكرّرا انّ الله سبحانه قال سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انّه الحقّ و قال و في انفسكم افلاتبصرون و اجمع العقلاۤء من اهل العلم ان الانسان نسخة ما في العالم و قال علي عليه السلام :