و قوله « و البارئ عز و جل يفيض علي كلّ ما يشاۤء » فيه اشارة الي ان الاشياۤء كلها منه تعالي بالسِنخ كما هو مذهبه من وحدة الوجود لانه ذكر الاشياۤء الحادثة متناسبة من الضعف الي الشدّة ثم ذكر البارئ سبحانه في جملتها مشعِراً بالنسبة و جعلوا بينه و بين الجنّة نسباً و انما النسبة بين الخلق و لو انّه عرف الحقّ تعالي لَماوصَفه هنا و لَوَضَع ذكر وَصْفِهٖ حيث قال ليس كمثله شيء و ان لا اله الّا هو .

قال : الاصل الرابع ان الصور المقداريّة و الاشكال و هيْئاتها كما تحصل من الفاعل لاجل استعداد المواۤد و مشاركة القوابل فهي قد تحصل ايضا بالابداع بمجرّد تصورات الفاعل و جهات الفاعلية من غير مشاركة قابلٍ و وضعه و استعداده و من هذا القبيل وجود الافلاك و الكواكب من تصوّرات المبادي و الجهات الفاعليّة و علمه تعالي بالنِظام الاتمّ من غير سابقة قابلية و استحقاق و من هذا القبيل ايضا انشاۤء الصور الخياليّة القاۤئمة لا في محلٍ بمحض الارادة من القوة الخيالية التي قد علمت انها مجردة من [ص 175] هذا العالم و انّ تلك الصور ليست قائمة بالجرم الدماغي و لا في الاجرام الفلكية كما زعمه قوم و لا في عالم مثالي شبَحِيّ غير قاۤئم بهذه النفس .

اقول انه ذكر في هذا الاصل ما ليس له اصل لانه قال « ان الصور المقداريّة و الاشكال و هيئاتها كما تحصل من الفاعل لاجل استعداد المواۤدّ و مشاركة القوابل » هذا الكلام في كون صنع الله سبحانه واقعا علي الصور المقداريّة المشتملة علي الخطوط و الابعاد و علي الاشكال كذلك بمقتضي استعداد المواۤدّ الذي هو القابلية اي قابليّة مواۤد الصور للتصوير و الاشكال للتّشكيل صحيح و امّا مغايرة الاستعداد للقابليّة في نفس الامر فليس بصحيح و ليس هذا ما اصّله بل هذا ما بني عليه اصله و هو قوله فهي قد تحصل اَيْضاً بالابداع بمجرّد تصوّرات الفاعل و جهات الفاعلية من غير مشاركةِ قابلٍ و وضعه و استعداده و هذا ليس بصحيح بمعني عدم وقوعه لا بمعني امتناعه بل هو ممكن للفاعل لكنه لايفعله اذ لو فعله لماتعددت الصور و لماتعدّدت حدودها بل مايحصل منه الّا نقطة واحدة امّا علي قاعدته فلما قرّر ان الواحد البسيط لايصدر عنه الّا واحد و الصورة ليست واحدة بل هي من خطوط متعددة بل الخط ايضا ليس واحداً بل هو نقط كثيرة فينبغي له ان ما قرّره هناك يبني عليه هنا و امّا عندنا فلان فعله تعالي تام في الفعليّة فلايتوقف في الايجاد علي شيء فلو حكمنا بوقوعه عَلي شيءٍ من الاشكال قلنا لم تعلق بالمثلّث دون المربع ان كان لا لمرجّحٍ لزم العبث لتساوي نسبة فعله الي جميع الاشياۤء علي السواۤء و ان كان لمرجح فان كان من المفعول بطلت دعوي الاختراع المحض و ان كان من الفاعل رجع علي العبث و اِنْ ادّعَي انَّ التّرجيح من ٱلعناية فان اريد من التخصيص العلمي ما تعلّق بحقيقة ما هو اهله فهو ما نقول من القابليّة و الا فممنوع فان قلت انّ الاختراع لا معني [ص 176] له الّا المحض اذ لايكون شيء من قابليّة اَوْ مقبول الا من صنع الصانع تعالي فيرجع الامر علي عدم توقفه علي القابلية اصْلاً قُلْتُ نعم كل شيء من صنعه و عطيته عز و جل و لكنه اذا اقتضي المصنوع القابليّة اعطاه ايّاها ابتداۤءً و تفضلا فان قلتَ كيف يقتضي المصنوع القابلية و لم‌يكن شيئا قبل القابلية و انّما كان شيئا بها قلتُ ان القابلية و المقبول يتحققان في التكوين دفعة علي جهة التساوق فالمقبول حين قبوله بقبوله يكون شيئا لان قبوله صفته و لاتوجد الصفة قبل الموصوف و اذا كانت الصفة شرطاً لكون الموصوف ساوقته في الكون كالكسر و الانكسار فان الكسر هو الموصوف و هو المقبول و الانكسار هو الصفة و هو القابلية و لايتحقق احدهما قبل الاخر و لا بعده و انما يكونان معا متساوِقَيْن في الكون و التحقق فتفهّم الكسر و الانكسار فانهما اٰية ما نحن فيه و الفاعل المتصور اذا تصوّر صورة فاخبرني هل تصوّرها فتصورت ام تكون الصورة بدون قبولها لتصوّر المتصوّر فان قلتَ تكون بدون قبولها للتصور خالفتَ البديهة و ان قلتَ انّما تكون اذا قبلت تصوّره المعبر عنه بقولي تصورها فتصوّرت فهو ما قلتُ لك لانه اذا تصوّرها فلم‌تتصوّر لم‌يقع منه تصوّر كما تقول خلقها فانخلقت فانها اذا لم‌ينخلق لم‌يقع خلقه ايّاها و فيه تصريح لكل ذي فهم صحيح انها انخلقت باختيارها اي قبلت الخلق حين خلقها باختيارها لانّ انخلقت من افعال المطاوعة و المطاوِع مختار كان قبول الفعل منه باختياره و لو كانت القابلية سابقة لماقيل خلقه فانخلق فاتي بالفاۤء التي هي للتعقيب لتدل علي عدم تقدّم القابليّة و بالفاۤء لا بثم لتدلّ علي عدم التراخي الذي هو هنا بمعني المساوقة قطعاً كما في كسرته فانكسر و قد قال تعالي مريداً لمعني ما ذكرناه اَن يقول له كن فيكون و كن عبارة عن القول و المراد به الحركة الايجاديّة و هي عبارة عن المشيّة و [ص 177] الاختراع و عن الارادة و الابداع و بالجملة اذا تصوّر الفاعل شيئا ان لم‌يقبل تصوره لم‌يكن و هذا ظاهر .

و قوله « من غير مشاركة قابلٍ و وضعه و استعداده » يشير به مع ما ارادَ الَي تغاير الثلاثة و قد بيّنّا مراراً انه من اركان القابليّة يعني الوضع و انّ الاستعداد اول القبول بل هو القبول .

و قوله « و من هذا القبيل وجود الافلاك و الكواكب » قد مضي فيما ذكرنا ما فيه كفاية لبيان كون استدارة الافلاك و الكواكب لانّ الفاعل انما خلقها علي ما هي عليه في حاۤق امكاناتها لا علي ما فعله و قدرته عليه و الّا لماتعدّدت و ما هي عليه كونها مستديرة متحركة مثلا و كونها افلاكا و كواكب و ليس ما هي عليه انّها صنع مطلق و الّا لتجرّدت عن الصور التي هي عليه و ليس انه اخترع لها صوراً لاتقتضيها مواۤدها لانها خلقت من الماۤدة و الصورة فهل خلق للمادة صورة تقتضيها لكونها صفة لها اي هيئة قبولها للايجاد ام لاتقتضيها لكونها غير هيئة قبولها للايجاد فان فرض انها غير هيْئة القبول فهيئة القبول خلقها ام لم‌يخلقها فانْ خلقها فاين هي غير الصورة و الانْفعال لان مرادنا بالهيئة هي الصورة و هي القابلية و هي الانفعال و ان لم‌يخلقها لم‌تنخلق الافلاكُ و الكواكب و ايضا وجودها من تصورات المبادي صريح في حدوث وجودها و ان المحدِثَ لها هو المتصوِّرُ لها و هي المبادي اي العقول المفارقات و الارواح القادسة و الجهات الفاعلية و هي الافعال و عندنا المحدِث لكونها اي وجودها هو المشية اي احدثه الله تعالي بمشيته و احدث عينَها باِرادته و احدث حدودها بقَدرِه و اتمَّها بقَضاۤئِهٖ فاعترف المصنف بحدوث وجودها و اختراعه من المبادي و الجهات الفاعلية من حيث لايشعر اذ لا شيء من الوجود عنده بمخترع و قد ذكر في كتابه الكبير انّ الوجودات العرضيّة و الانتزاعية من الوجود بنسبتها .

[ص 178] و قوله « و علمه تعالي بالنظام الاتم من غير سابقة قابليّةٍ و استحقاقٍ » فيه ايضا ان العلم بالنظام الاتم هو العلم بسبق القابليّة و الاستحقاق و المراد بالسبق المساوقة فان العلم كما احاط بالمتقوِّم احاط بالمقوِّم مع ما اثبتنا سَابقاً في هذا الشرح و في غيره خصوصا في شرح رسالة العلم للملّا محسِن من تحقّق علمه تعالي في الازل الّذي هو ذاته و لا معلوم و ان العلم بالمعلومات في الامكان اي تعلّقه بها و وقوعه عليها و ان التعلق و الوقوع حادثان بحدوث المعلوم و انّ العلم بها اشراقي و انّه عين المعلوم و انّ العلم ليس فعلاً و لا منشأ للايجاد و لا مؤثرا في الاشياۤء و ان صدرتْ بالفعل من القدرة عن العلم .

و قوله « و من هذا القبٖيل ايضاً انشاۤء الصُّوَر الخياليّة القاۤئمة لا في محلّ بمَحْضِ الارادة من القوة الخياليّة التي قد علمت انها مجرّدة عن هذا العالم » يريد به ان من جملة كون الصور حاصلة من جهة الفاعل من دون قابلية او استعدادٍ انشاۤء الصور الخياليّة بمحض ارادة القوة الخياليّة و ميلها فانها قاۤئمة لا في محلٍّ فلا سبب لها و لا قابليةَ لها و هذا مثل الّذي قبله لانّ الصّور الخياليّة قاۤئمة بنور الخيال لان الخيال اذا كان في نفسه قوة نفسانيّة من عالم الملكوت كان ما ينتزعه من الصور من نوعه و هي صور منتزعة من الامور الخارجيّة و انّما القوّة الخياليّة كالمرءاة تقابل الشيء فتنطبع صورته فيها فان كان الشيء ملكوتيّا فظاهر و ان كان من الملك انتزعت صورته الحواس فالقتها الي الحس المشترك و هو يوصلها الي الخيال و كل واحدٍ يترجم ما وصل اليه بلغته يعني من نوعه و ان كان غاۤئِبا عن الحواۤس اخذ الخيٰال صورته الملكوتية اِمّا من دَلالة اللفظِ المسموع او من علم سابق علي وقت الاخذ او غير ذٰلك فالصور الخيالية ليست من انشاۤء الخيال و انما هي من انشاۤءِ خالق الخيال عز و جل لانّه تعالي اذا خلق [ص 179] شيئا وضعه في المحل المناسب له فان كان نورا وضعه في شيء كثيفٍ لانه لايتقوّم في مثل الهواۤء الصّافي اللطيفِ و ان كان صورة وضعها في محلٍّ صقيلٍ كالمرءاةِ و الماۤء فان كانٰا من غير عالم الملك وضعهما فيما يليق لهما من عالمهما فالصورة الخياليَّة ليست من عالم الملك فوضعها في صقيلٍ من نوع عالمها و الله تعالي قال في كتابه و اسرّوا قولكم او اجهروا به انّه عليم بذات الصدور الايعلم مَنْ خلق و الصور الخيالية من جملة ما يسرّ في الصدور و اخبر تعالي انه عالم بذلك لانَّهُ خلقه و كذا قوله تعالي و انْ من شيء الّا عندنا خزاۤئنُه و مانُنَزله الّا بقدرٍ معلوم و الصُّوَر من جملة تِلْكَ الاشياۤء و قد اخبر انّه ينزّله من الخزاۤئن بقدر معلوم و يَضعه في المحل اللّاۤئقِ به .

و قوله « لَا في محلّ » اي جسماني لانه يتوهّم انّ مَن ادّعي ذلك قال بان الخيال في الدِّماغ و هم لايريدون انّ القوي النفسانيّة تحلّ في الاجسام و انما يريدون انّها تتعلق بها تعلّقَ تدبيرٍ و اذا ظهر لك هذا ظهر لك انّها من عالم الملكوت كالقوّة الخياليّة فتكون قاۤئمة بمرءاة الخيالِ مَاۤدّتها من اشراق صورة المتخيّل بفتح الياۤء المشدّدة و صورتها هيئة مرءاة الخيال من كبرٍ و صَفاۤءٍ و بياضٍ و استقامةٍ و مقابلها و قد ذكرنا سابقا كما ذكروه ان في السّماۤء الثانية فلك عطارد ثلاثة ملاۤئكة سيمون و شمعون و زيتون موكّلين باظهار الصور الخيالية و تحت كل ملك ملاۤئكة يخدمونه لايحصي عددهم الّا اللّه علي ما ذكره علماۤء السٖيمياۤء و علي كل فرض فالصور الخيالية خالقها و منشئها اللّه تعالي و لكنه سبحانه لمّا اجري عادته في صنعه بالاسباب جعل القوّة الخياليّة مرءاة تنتزع الصور بنوع الانطباع كما مر فافهم .

و قوله « و لا في الاجرام الفلكيّة كما زعمه قوم ، الخ » يريد به ان قوماً زعموا ان الصور الخيالية منطبعة في اجرام فلك عطارد و فلك الزهرة قاۤئمة بها قيام [ص 180] عروض و بعضهم ذهب الي انّها اشباح ثابتة في عالم الامكان لا في عالم الاكوان و بعضهم ذهب الي انها من عالم المثال فيكون قاۤئمة في عالم مثالي شَبَحي من نوعها قيامَ عروضٍ و هذا العالم بين الملك و الملكوت فيشاهدها الخيال في ذلك العالم كما يشاهد البصر النجوم في السماۤء .

و قوله « غير قاۤئم بالنفس » لحظ به معنيينِ احدهما انّهم يجعلونه بين العالمَينِ تحت عالم النفس و فوق عالم الجسم و هو عالم المثال علي ما نعنيه نحن و ثانيهما ان المصنّف كما تقدّم جعل القوّة الخيالية جوهراً مجرّدا عن هذا العالم اعني عالم الاكوان الطبيعية و المواۤدّ المستحيلة و الحركات و حيث جعل هؤلاۤء عالم البرزخ شبَحيّاً و لم‌يجعلوه جوهراً مجرداً كما جعله هو قاۤئما بالنفس نفاه كما يأتي بعد هذا و نحنُ قد ذكرنا سابقا مٰا يرد عليه .

قال : بل هي قاۤئمة بالنفس موجودة في صقعٍ نفساني لكن الأن ضعيفة الوجود و من شأنها ان تصير اعيانا موجودة بوجودٍ اقوي من وجود الصور الماۤدّيّة و ليس من شرط حصول الشيء لشَيءٍ قيامه به و حلوله فيه فان صور ● الموجودات حاصلة لذاته تعالي قاۤئمة به من غير حلولها فيه بل حصولها لقابلها قال بعض المحققين كل انسانٍ يخلق بالوهم ما لا وجود له في الخارج محلّ همّته و لكن لاتزال الهمة تحفظه و لايؤده حفظه ايّاها فمتي طرأه غفلة عليه عدم ذلك المخلوق انتهي .

اقول قوله « بل هي قاۤئمة بالنفس موجودة في صقع نفساني » صحته عندنا انها قاۤئمة بالخيال موجودة فيه قيام عروضٍ وَ الصقع بالضم الناحية و هو هنا الخيال لانه جهة من جهاتِ النفس و قوّة من قواها و التخيّل للصور وجه الخيال و هو قوته المنتزعة للصور فاذا انتزعَها بتلك القوة انطبعَتْ فيه و هو في العالم الكبير نفس فلك الزهرة و هذه النفس علي ما يشير اليه اهل العلم [ص 181] المكتوم تُمِدّها نفس فلك الشمس من صفة الطبيعة النورانية التي هي الركن الاحمر من اركان العرش و هو الركن الاسفل الايسر و الموكّل بالاستمداد منه جبرئل عليه السلام .

و قوله « لكن الأن ضعيفة الوجود » يعني انّها في الدنيا او في الشهادة او بالنسبة الي الشهادة ضعيفة الوجود لانّها صُوَرٌ شبَحِيَّةٌ تحققُ وجودِها بتبعيّةِ وجود ذي الصورة فنِسْبَةُ وجودها في الضّعْف الي وجوده نسبة الواحد الي السبعين و مِن شأنها اي لها قوّة التّرقي الي رتبة من مراتب الوجود فتصير اعياناً موجودة بوجود اقوي من وجود الصور الماديّة مع انها كانت حين الانتزاع تابعة في الوجود للصور المادّية المنتزعة منها و لعَلّ المصنّف لحظ انها صور علميّة و حقاۤئق الاشياۤء صور علميّة للحقِّ تعالي و هي اعيان موجودة في علمه او ثابتة في علمه تعالي لا موجودة و لا معدومة بل ثابتةٌ فوجودها اقوي من وجود الصور المادّية لان الماۤدّية اعراض للماديات الفانية و هذه اعراض النفوس الباقية و الاعراض تابعة للمعروضات في البقاۤء و الفناۤء فهذه الصور الخياليّة تكون اعياناً اي ماهيّات للاشياۤء فانّ بعض الصوفيَّة ذهب الي انّ عالم الخيال اصل العالم و ان الصورة الخَياليّة اصل للخارجي و الحقّ في هذه المسئلة انّ الوجود الذّهني في شأن غير علة الموجودات انتزاعي من الخارجي ظلّيّ و في علة الموجودات اصل للخارجي فلو فرض فناۤء ما في ذهن العِلّةِ و المعاذ بالله فني المعلول فالعلة كالسراج و المعلولات كالاشعّة الواقعة علي الجدار و ما في ذهن العلّة كوجوه الاشعّة من شعلة السّراج فلو ذهب السراج ذهبت الاشعّة و وجوهها و لو ذهبت الوجوه ذهبت الاشعة كذلك لو ذهبت علة الاشياۤء و العياذ بالله ذهبت الاشياۤء و وجوهها و هي صورها الّتي في ذهن علة الاشياۤء عليه السلام و لو ذهبت صورها و العياذ بالله ذهبت الاشياۤء .

[ص 182] و قوله « و ليس من شرط حصول الشيء لشيء قيامه به و حلوله فيه » تقرير لقوله قبل هذا انشاۤء الصور الخياليّة القاۤئمة لا في محل يعني انها و ان كانت حاصلة للخيال ليسَتْ قاۤئمةً به و لا حاۤلّةً فيه و ان كانت موجودة في صقعٍ من اَصقاع النفس لانّها قاۤئمة في الملكوت بنفسها كالجواهر المجردة لا في محل و هذا ليس بصحيح لانهم توهّموا فيما تصوّروا لامثالِ ما عاينوا و ذلك اذا رأوا زيداً يصلّي في المسجد يوم الجمعة كانوا كلّ ما ذكروا حالة زيدِ الاولي رأوه في المسجد يوم الجمعة يصلي و يوم الجمعة قد مضي و ذهب و المسجد ليس فيه شيء مشاهد مع انهم يتصورون ذلك فلم‌يكن الّا ان المدرك صورة زيد المتخيّلة في الملكوت و ليست في مكان لان المسجد لَيْس فيه شيء و يَوْم الجُمُعة قَدْ مَضَي و نحْنُ نقولُ اِنَّ زَيْداً لمَّا صَلّي في المَسْجدِ يوم الجمعة كَتَبَتِ الحَفظَة مثالَهُ في غيب المَسْجد و في غيبِ يوم الجمعة لان الظواهر تدور علي بواطنها و نحن نسير الي الاخرة و ظواهر الاوقات و الامكنة تسير معنا و بواطنها راسبة في مَحاۤلِّها حتي تعود نهاياتها علي مَبادٖيها اَيْ تجتمع بها كقاب قوسين و الخَيٰال يلتفت اليها يعني اِذا اردتَ اَنْ تذكر زيداً الْتفتَ بمرءاةِ خيالِك الي المسجد الغيْب و الي يوم الجمعة الغَيْب لانّ الخيالَ معَهما في عالم واحدٍ و مثال زَيْدٍ الّذي كتبته الحفظة فيهما فيقابل ذلك المثال القاۤئم في المسجد يوم الجمعة يُصَلّي بتلك الصلوة الذي رأيت زيدا يصليها لان هذا المثال هو هيئة زيدٍ في تلك الصَّلوة قد خلعها هناك بمعني ان الحافظَيْن انتزعاها منه فكتباها هناك فتبقي باقية في ذلك المكان و ذلك الزمان الي يوم القيمة فان كان مثال طاۤئع كان لايفارقه في قبرِه و يخرج يوم القيمة و هو معه يؤنسه حتي يدخله الجنّة و انْ كان مثَال عاصٍ و لم‌يتب عنه فكذلك حتي يدخله النار و اذا اتاك في الدنيا صاحب المثال الطاۤئع رأيته [ص 183] منتسباً اليه مستنيراً به يؤنسك قربه لان الطاعة انس من الوحشة و ان اتاك صاحب المثال العاصي رأيته منتسِباً اليه مظلما به يوحشك قربه لان المعصية داعية الوحشة و النفرة و الانكار قال عليه السلام هيهات مَاتَناكَرْتم اِلّا لما بينكم من الذنوب ه‍ ، وَ اِنْ تَابَ صَاحب المثال العَاصي عن فعله ذلك و اتاك ● رأيته ليس فيه وحشة المعصية و رأيتَ ذلك المثال غير منتسب اليه و هو غير لابسٍ له و اذا التفتَ بمرءاة خيالك الي ذلك المثال العاصي وجدته قائما في ذلك المكان و ذلك الوقت بتلك الهيئة لكنه مفصول من صاحبه و انما هو متقوِّم باصله من كتاب الفجار سجّين فان استمر علي التوبة عنه بقي الي نفخة الصور الاولي ثم يمحوه الله سبحانه بعفوه و مغفرته الواسعة من الارض و الزمان و يمحوه من كتب الحفظة الّتي فيها غيب المكان و الزمان و شهادتهما منها و ما في نفوسهم و ما في نفوس الخلق حتّي يأتي يومَ القيمة و لم‌يذكر معصيته احد بل يسترها الله سبحانه بستره الجميل فالصور الخيالية قاۤئمة بمرءاة الخيال كقيام صورتك في المرءاة اذا قابلتها لانها مقابلة للمثال القاۤئم بغيب المكان و الزمان كما مثّلنا و انما قالوا انها قاۤئمة لا في محلٍ لانهم ماعرفوا اصلها و لا فرعها فلم‌يعرفوا محلّها و قد اخبرتك به فاحمد الله علي نعمته .

و امّا قوله « ليس من شرط حصول الشيء لشيء قيامه به و حلوله فيه » فنقول نعم و ليس من شرطه عدم قيامه و عدم حلوله فيه بل منه ما هو قاۤئم به قيام صدورٍ كالاشعة من السراج و منه ما هو قائم به قيام ظهور كقيام الوجود بالماهية و كقيام الكسر بالانكسار و منه ما هو قاۤئم به قيام تحقّق كقيام الماهية بالوجود و كقيام الانكسار بالكسر و منه ما هو قاۤئم به قياما ركنيّا كقيام السرير بالخشب و منه ما هو قاۤئم به قيام عروض كقيام الصورة بالمرءاة علي اعتبار و كقيام [ص 184] الحمرة بالثوب و قيام الصور الخياليّة بالخيال كقيام الصورة بالمرءاة فافهم .

و قوله « فان صور الموجودات حاصلة لذاته تعالي قاۤئمة به من غير حلولها فيه بل حصولها لقابلها » فيه ان صور الموجودات عنده ان عني بها الوجودات فهي عنده جهات للحق تعالي ربّي و تطوّراته فعلي هذا تكون قاۤئمة بذاته قيام صدور كقيام الاشراق بالمشرِق و علي هذا فهي حاصلة له في ملكه في الامكان و هو و ان لم‌يقل به لكنه يلزمه و يلزمه انّ ما ليس في الازل يكون من الازل كما هو مقتضي الحصول الجمعي الوحداني كما يدّعيه هو و اتباعه و هو يلتزم بذلك و لايراه نقصا بل يراه كمالا و ان عني بها ماهيات الاشياۤء فهي عندهم صور في علمه الذي هو ذاته و يلزمه انها حاصلة فيه و دعوي انها ليست بموجودة و لا بمعدومةٍ بل هي ثابتة و انّها هو ليست من حيث هي بل انها هو من حيث هو و يلزمه ان نفي الوجود اثبات العدم فليست شيئا فلايكون علي قوله عالما بها و نفي العدم اثبات الوجود فلايكون واحداً و لا بسيطاً و الواسطة بين العدم و الوجود منفيّة و كونها ثابتة دليل وجودها فهي غيره فيكون محلّا لغيره و ان جعلوها صوراً علمية غير مجعولة خارجة عن الذات معلقة بها كتعلّق الظل بالشاخص فقد اثبتوا قديما في الامكان و اثبتوا له معها الاقتران و لزمهم اثبات حادثٍ في الازل لحصول الاقتران و قديمٍ في الامكان لعدم كونه مجعولا .

و قوله « بل حصولها لقابلها » اقول عليه ماادري هذا الفاضل المحقّق كيف يقول فانا اسأله قابلها ما هو هل هو الذات الذي حصولها له مع حكمه بازليّتها كيف خفي حصولها الّا لقابلها لانه جعل حصولها له هو حصولها لقابلها فهذا القابل هو الذات الحق تعالي فلم قال من غير حلولها فيه بل حصولها لقابلها يعني انها حالة في قابلها و الّا فلا معني للاضراب فيكون قابلها غيره فتكون [ص 185] القديمة حاۤلة في حادث ثم كيف يقول حاصلة لذاته تعالي قاۤئمة به من غير حلولها فيه يعني قاۤئمة به قيام صدور ثم يقول بل حصولها لقابلها ان لم‌يعن حلولها في قابلِها و ان عناه كانت حالةً في غيره و غيره الذي تكون صور علمه فيه ممتنع ان كان قديماً او حادثا الّا اَن يقول بقولنا بان المراد بصور العلم الحادث فانها حادثة و قابلها حادث كاللوح المحفوظ و امّا اذا جعلها صور العلم الذي هو ذاته فقد اجاد ( تعريض ذم لا مدح ) في علمه و اعتقاده حيث جعل الذات القديم ظرفا و متكثرا و الصور القديمة مظروفا و متكثرة او ان القديمة في غيره و ان العلم القديم صوراً متعددة مختلفة ام القابل غير الذات فتكون في الحادث كما قلنا .

و قوله « قال بعض المحقّقين كل انسانٍ يخلق بالوهم ما لا وجود له في خارج محلّ همّتِهٖ و لكن لاتزال الهمّة تحفظه و لايؤدُها حفظهُ ايّاها فمتي طرأتْ غفلة عليه عدم ذلك المخلوق ، انتهي » يريدون ان كل شخصٍ تقدِرُ نفسه علي اخْتراعِ ما يريد من الصور الخيٰالية من غير اَنْ ينتزعها من شخصٍ خارجٍ عن محلِّ باعثِهٖ و داعيه اعني همّته و ذاكرته و هو يشعر بانّ مَبْدءَ اِنْشاۤئِها باعث نفسه لم‌يسبق له ذكر قبله فكان مبدؤه منها و قوامُه بها و لهذا ما دامت ذاكرة له فهو باق و متي طرأت علي ذاكرتها غفلة او نسيان او سهو عدم ذلك المخلوق اي الصورة و قولهم عدم ذلك المخلوق فيه اشعار بان ذلك المتصوّر حقيقة الشيء ما عَدا عوارضه الخارجيّة لا ان المتصوّر ظلّي انتزاعيّ و هذا رأي الاكثر و الحقّ ان اللّه عز و جل اجري حكمته في الايجاد علي الاسباب فجعَل الذّهن مرءاة يحدث بها الصور الّتي مكّنَها بقدرتِه علي انتزاعها فيحدث سبحانه الصورة الانتزاعيّة بفعله بواسطة قابليّة تلك المِرءاة للانتزاع بتمكينه ايّاها من الانتزاع فهو المعطي الصورة باسباب ايجادها [ص 186] و هو الواضع لها في مرءاة الذّهن بما جعلها قابلة قال تعالي قل الله خالق كلّ شيءٍ و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله اِلَّا بقدرٍ معلوم و قال تعالي هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الّذين من دونه ، و امّا كون الهمّة اي المتخيّلة و الذاكرة و الحافظة حافظة لها فلان صورة الصورة الخياليّة من هيئتها اي هيئة مرءاة الخيال و مادّتها من اشراق الخارجي كما انّ صورة الصورة التي في المرءاة من هيئة المرءاة و ماۤدّتها من اشراق صورة المقابل و ليس ما في الذهن من الصور من اختراع نفسه بل من صنع الله سبحانه الذي يقول و اسروا قولكم او اجهروا به انّه عليم بذات الصدور الايعلم من خلق فان مما اسرّوا التخيلات و التصورات و قال الصّادق عليه السلام كلّ ما ميّزتموه باوهامكم في ادَقِّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود عليكم ( اليكم خ ) و ممّا يدلّ علي ان الذهن ينتزع الصورة من شيء خارج يقابله في محلّه بمرءاته فتنطبع فيه صورته ما رواه الصدوق (ره) في اوّل علل الشرائع بسنده الي الحسن بن فضّال عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام قال قلتُ له لم خلقَ الله الخلق علي انواع شتّي و لم‌يخلقه نوعاً واحداً فقال لئلّايقع في الاوهام علي انه عاجز و لاتقع صورة في وهم احدٍ الّا و قد خلق الله عز و جل عليها خلقاً لئلايقول قاۤئل هل يقدر الله عز و جل علي ان يخلق صورةً كذا و كذا لانه لايقول من ذلك شيئا الّا و هو موجود في خلقه تبارك و تعالي فيعلم بالنظر الي انواع خلقه انّه علي كُلِّ شيءٍ قدير ه‍ ، لانّ حجة اولٰۤئِك انهم يقولون انا نتصوّر رجلاً له الف رأسٍ و نتصوّر بحراً من الزيبق و لم‌يوجد في الخارج من ذلكَ شيء و نحن قد ذكرنا في هذا الشرح و غيره ان الشخص لايذكر الشيء حتّي يلتفت بمرءاة خياله الي وقت الادراك الاول و مكانه فيجد مثاله فيه في الحالة [ص 187] الاولي فتنطبع صورة المثال و هيئته و لايمكن التذكر الذي هو دليلنا علي ان الخيال و النفس لايحدث شيئا و انما المحدث هو اللّه تعالي الّا علي نحو ما قلنا من الالتفات فاذا التفت احدثَ اللّه سبحانه الصورة الخيالية باسبابها كما انه تعالي يحدث الصورة في المرءاة باسبابها فافهم .

قال : الاصل الخامس ان القوّة الخياليّة من الانسان اعني مرتبة نفسه الخياليّة جوهر منفصل الوجود ذاتا و فعلاً عن هذا البدن المحسوس و الهيكل الملموس كما مر ذكره فهي عند تلاشي هذا القالب باقية لايتطرق الدثور و الخلل الي ذاتها و ادراكاتها و عند الموت تصل اليها سكرات الموت و مرارته لاستغراقها في هذا البدن و بعد الموت تتصوّر ذاتها انسانا مقدرا مشكّلاً علي هيئته التي كانت عليها في الدنيا و تتصوّر بدنَها ميتا مقبوراً .

اقول القوة الخيالية في الانسان جوهر منفصل الوجود اي منفصل الحقيقة عن هذا البدن المحسوس ذاتاً لانه جوهرٌ آلِّيٌّ للنفس اي آلَةٌ لها كيدِك منك و فعلاً لانّها لاتدرك المحسوساتِ الّا بٰالاتها لانّها من عالم الملكوت لانها من النفس كنفس فلك الزّهرة من نفس فلك البروج .

و قوله « عن هذا البدن » فمختصر تفصيله علي طريقتنا ان زيداً له جَسَدَانِ و جسمانِ فالجسد الاول هو الظاهر المؤلّف من العناصر الاربعة السفليّة و فيه يشارك الشجر و هذا بعد الموت يتلاشي في قبره شيئا فشيئا و كل ما تحلّل منه شيء لحق باصله فيمتزج به فتلحق ترابيته بالتراب فيمتزج به و تلحق ماۤئيته بالماۤءِ فتمتزج به و تلحق هواۤئيته بالهواۤء فتمتزج به و تلحق ناريّته بالنار فتمتزج بها و الجسد الثاني في غيب الاول و هو من هورقليا نزل منه و كل ما انفصل منه و تفرّق قرَّ في قبره في استدارة محلّه و بُنْيَتِهٖ حتي تتفرق جميع اجزاۤئه فيكون في قبره مستديراً و هو الطينة التي عناها الصادق عليه السلام بقوله تبقي طينته [ص 188] التي خلق منها في قبره مستديرة و معني استدارتها ان تكون اجزاۤء رأسه مما يلي رأس قبره و تليها اجزاۤء رقبته و تلي اجزاۤءَ رقبته اجزاۤءُ صدرِه و تليها اجزاۤء بطنه و تليها اجزاۤء رجليه حتي لو اكله السمك او السباع او قُطِّعَ و وضع في مواضع مختلفة او خولف ترتيب اعضاۤئه المقطعة في قبره اذا تفككت اجزاۤء هذا الجسد من الاجزاۤء العنصريّة و خلصت ترتّبت في قبره علي هذا الترتيب و لو لم‌يقبر ترتّبت في قبره اذِ المراد بالقبر الموضع الذي اُخِذتْ منه تُرْبتُهُ الّتي مَاثَها الملَكُ في نطفتي ابيه و امّه و ما لم‌يتخلص منها يجمعه الماۤء النازل من بحر عند قرب نفخة الصور الثانية نفخة الفزع و هذا الجسد تلبسه الروح يوم القيمة فان قلتَ ظاهر كلامك هذا انّ الجسد الاول لايُعٰاد و يلزم منه القول بنفي المعاد الجسماني قلتُ ليس حيثُ تذْهب لانا نريد بالجسد الثاني المُعٰاد هو هذا الجسد المرئي الملموس بعينه و هو جسد الاخرة و لكنه يكسر و يُصَاغ صيغة لاتحتمل الفساد و الخراب و هذه الصيغة الدنياويّة تفسد فاذا كُسِرتْ ذهبت الصورة الاولي المعبّر عنها بالعناصر التي اشار اليها اميرالمؤمنين عليه السلام كما تقدّم في حديث النفوس قال عليه السلام في النفس النباتية في الانسان فاذا فارقت عادت الي ما منه بُدِئت عودَ ممازجةٍ لا عود مجاورة و الحاصل نريد بالجسد الاول العنصري الاعراض الدنياوية فان الجسد الثاني الذي يحشر فيه لمّا نزل الي الدنيا لحِقتْه اعراضٌ عنصريّة كالثوب اذا لبِسْتَهُ لحقه وَسَخٌ عَارِضٌ ليس منه فاذا غسلته ذهبت اعراضه و لم‌يذهب منه شيء ابداً فتأمّل و افهم مذهبَ ائمتِك و هداتك عليهم السلام و الجسم الاول تخرج به الروح اذا قبضها ملك الموت و تبقي فيه الي نفخة الصور [ص 189] الاولي نفخة الصعق و هو المؤلف لقواها في عالم البرزخ فاذا نفخ اسرافيل عليه السلام في الصور نفخة الصعق خلعَتْهُ و بطلت و هو ايضا كالجسد الاول عارض من جملة اعراض البرزخ لانه صورة كما مثل الصادق عليه السلام كما تقدم باللِّبنة تكسرها فاذا جعلتها ترابا ذهبت صورتها الاولي فاذا صُغتها في قالبها الاوّل خرجت هي بعينها و باعتبارٍ هي غيرها كما قال تعالي كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب و لايجوز في العدل ان يؤتي لهم بجلود غير جلودهم فتكون معذّبة من غير ذنبٍ منها بل بذنبِ غيرها و انّما هي الاولي بعينها لكنها لمّا احترقت ذهَبت صورتها الاولي و هي عرض فلما اُعٖيدَتْ صدق عليها انّها غيرها باعتبار تغيّر الصورة و تجددها مع انها هي هي من حيث الماۤدة فالجسد الاول هو الصورة العنصرية و الجسم الاول هو الصورة البرزخيّة و مثاله اذا كسرتَ خاتمك ثم صغته خاتما كالاول فانه لم‌يذهب منه شيء فهو هو و انما خلع عرضاً و لبِسَ عرضاً فالعرض الاول هو الجسد الاول في الدنيا و العرض الثاني هو الجسم الاوّل في البرزخ فالنفس مغايرة للجسد الاول الفاني و للجسد الثاني الباقي و للجسم الاول الفاني و امّا الجسم الثاني فهي هو و هو هي علي تفصيل في مراتب يطول ذكرها لكني اذكر لك شيئا تعرف به اشياۤء و هو انا قلنا لك ان الروح التي يقبضها الملك اذا خلعَتِ الجسم الاول بَطلَتْ و هو ما بين النّفختين و نريد ببطلانها انّ ملك الموت حين قبضها من جسدها الدنياوي خرجت مؤلّفة بتأليفها الابتداۤئي و تبقي ساهرة لاتنامُ اِلَي نفخة الصُّور كما قَال الصَّادق عليه السلام في تفسير قوله فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهرة فاذا نفخ في الصور نفخة الصعق و هي نفخة جَذْبٍ انجذبَتِ الارواح الي الصور فدخلت كلّ روح في الثقب الذي يختصُّ بها [ص 190] و هو الّذي خرجَت منه الي ان نزلت الي الاجسام و دخَلَتْ فيها فاذا دَخلَتْ في ثقبها و فيه ستة بيوتٍ القت مثالها في البيتِ الاوّل و هباۤءها الجوهريّة في البيت الثاني و طبيعتها النورانية النارية في ٱلبيت ٱلثّالثِ و نفسها الماۤئيّة في ٱلبيت الرّابع و روحها الهواۤئية في البيت الخامس و عقلها الجوهري في البيت السَّادس فهذا التفريق و التفكيك هو معني بطلانها لانّها حينئذٍ لاتشعر و لاتحسّ و اَجْزاۤؤها الستة ليست ممازجة لانواعها بل مجاورة لها فاذا اراد الله سبحانه تجديد الخلق و اعادته للجزاۤء بعث اسرافيل عليه السلام و امره بالنفخ في الصور نفخةَ الفزع و هي نفخة دفعٍ فتقع النفخة في البيت السادس فتدفع العقل الي الروح في الخامس فتدفع العقل و الروح الي النفس في الرابع فتدفع الثلاثة الي الطبيعة في الثالث فتدفع الاربعة الي جوهر الهباۤء في الثاني فتدفع الخمسة الي المثال في الاول فتتألّف و تنتَبِهُ و يظهر شعورها و احساسها و كان قبل النفخ قد نزل الماۤء من بحر صاد من تحت العرش و امطر علي وجه الارض و تركّب الجسد الثاني بالعرض الثاني من عناصر الاخرة و تمت خلقته فتلجُه روحه فينشق قبره من عند رأسه فيقوم الشخص ينفض التراب عن رأسه كما بدأكم تعودون فهذه الاشارة الي تفصيل البدن و تقسيمه الي جسدين عرضي و ذاتي و الي جسمين عرضي و ذاتي .

و قوله « فهي عند تلاشي هذا القالب باقية لايتطرق الدثور و الخلل الي ذاتها و ادراكاتها » اقول بيان الامر الواقع لاينطبق علي كل ما قال فانّ كلامه مجمل و ظاهره بقاۤؤها داۤئما حتي ما بين النفختين كما هو مذهب كثير من الحكماۤء و ليس كذلك لانها لم‌تنزل من بعد تذوّتها في التكليف الاول و شعورها الي هذه الابدان علي حالها الاول من شعورها و ادراكاتها بل كسرت بعد التكليف الاول و ذهب شعورها و بطل تركيبها ثم [ص 191] تدرّجت في التأليف في الاجسام بغير شعور و لا ادراكٍ الي الولادة الدنياوية او الولادة الجسمانية ثم بعد ظهورها تدرّجت في تحصيل اشعارها و ادراكها شيئا فشيئا فكذلك تعود كما قال عز من قاۤئل صادق و جلّ من عالم خالق كما بدأكم تعودون و آية ذلك و دليله في الكتاب الكبير ان حبّة الحنطة هي حبّة حنطة بالفعل كالنفس في عالم الذر نفس بالفعل فلمّا بذرت الحبّة و زرعت انشقت شجرة و عودا اخضر قد كسرت الحبّة و ذهب تركيبها الفعلي و جرت في العود الاخضر ماۤء هو حبّة بالقوّة الي ان تكون السنبلة فيكون الماۤء فيها فينعقد في السنبلة بالتدريج حتي يكون حبّةً بالفعل ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و الله انبتكم من الارض نباتا ثم يعيدكم فيها و يخرجكم اخراجاً كما بدأكم تعودون و لهذا عبّر عليه السلام في بيان البعث بالنبات فقال ما معناه انه يمطر الله تعالي مَطراً من بحرِ صاد حتي يكون وجه الارض بحراً واحداً فتنبت به اللحوم و الاوصال في القبور و ايضا الارواح بعد خروجها من ابدانها ثلاثة انواع نوع روح من محض الايمان محضا فهؤلاۤء يخرجون من الابدان و بعد الفراغ من الحساب يروحون الي جنان الدنيا يتنعمون فيها كما اشرنا اليه سابقا و نوع روح من محض النفاق و الكفر محضاً فهؤلاۤء يخرجون من الابدان و بعد الفراغ من الحساب يُقَادون الي نيران الدنيا يعذّبون فيها و نوع لم‌يمحض اصحابها الايمان و لا النفاق و الكفر فهؤلاۤء بعد الموت لايحاسبون في قبورهم و تبقي ارواحهم في قبورهم مع ابدانها الي يوم القيمة فاما هؤلاء فيلهي عنهم و تبقي ارواحهم لا شعور لها و لا ادراك حتي اذا بعثوا يوم القيمة يقول امثلهم طريقة ان لبثتم الّا يوما لعدم شعورهم بالمدة الطويلة لانهم كالحجر الملقي و امّا النوعان الاوّلان فذكر احوالهم مما يطول و لكن نذكر كثيرا منه [ص 192] مفرقا انشاۤء اللّه تعالي و منه ما رواه ابن ابي‌عمير عن زيد النرسي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال سمعته يقول اذا كان يوم الجمعة و يوما العيدين امر الله رضوان خازن الجنان ان ينادي في ارواح المؤمنين و هم في عرصات الجنان ان اللّه قد اذن لكم بالزيارة الي اهاليكم و احبابكم من اهل الدنيا ثم يأمر الله رضوان ان يأتي لكل روحٍ بناقةٍ من نوق الجنة عليها قبّة من زبرجدةٍ خضراۤء غشاۤؤها من ياقوتة رطبةٍ صفراۤء و علي النوق جِلال و براقع من سندس الجنان و استبرقها فيركبون تلك النوق عليهم حلل الجنان متوّجون بتيجان الدرّ الرطب تضيۤء كما تضيۤء الكواكب الدريّة في جو السماۤء من قرب الناظر اليها لا من البعد فيجتمعون في العرصة ثم يأمر الله جبرءيل ان ينادي في اهل السموات ان يستقبلوهم فتستقبلهم مَلائكة كل سماۤءٍ و تشيعهم ملاۤئكة كل سماۤءٍ الي السماۤء الاخري فينزلون بوادي السلام و هو وادٍ بظهر الكوفة ثم يتفرقون في البلدان حتي يزوروا اهاليهم الذين كانوا معهم في دار الدنيا و معهم ملاۤئكة يصرفون وجوههم عما يكرهون النظر اليه الي ما يحبون و يزورون حفر الابدان حتي اذا ما صلي الناس و راح اهل الدنيا الي منازلهم من مُصلّاهم نادي فيهم جبرءيل بالرحيل الي غرفات الجنان فيرحلون قال فبكي رجل في المجلس فقال جعلتُ فداۤءك هذا للمؤمن فما حال الكافر فقال ابوعبدالله عليه السلام ابدان ملعونة تحت الثري في بقاع النار و ارواح خبيثة تجري بوادي برهوت في بئر الكبريت في مركّباتٍ خبيثات ملعونات تؤدي ذلك الفزع و الاهوال الي الابدان الملعونة الخبيثة تحت الثري في بقاع النار فهي بمنزلة الناۤئم اذا رأي الاهوال فلاتزال تلك الابدان فزعة ذعِرةً و تلك الارواح معذّبة بانواع العذاب في انواع المركّبات المسخوطات [ص 193] الملعونات المضعّفات مسجوناتٍ فيها لاتري رَوْحاً و لا راحةً الي مبعث قاۤئمنا فيحشرها الله من تلك المركبات فتردّ الي الابدان و ذلك عند النشرات فتضرب اعناقهم ثم تصير الي النار ابد الٰابدين و دهر الداهرين انتهي ، و هذا حال هذين النوعين في البرزخ الي نفخة الصور الاولي نفخة الصعق و بين النفختين و هو اربعمائة سنة تكسر الارواح عند صعودها بما سمعت من تفكّكِ اجزاۤئها في البيوت الستة كما مر في هذه المدّة كما كسرت بعد التكليف الاول في نزولها في الطبيعة في مدة الاربعمائة سنة لانها هي المقابلة لما بين النفختين فافهم و احمد الله سبحانه علي ما اوقفك عليه بتوفيقه من هذه الاسرار و تنعّم ايها العالم بحكمة محمد و اله الاطهار صلّي الله عليه و اله ما اختلف اللّيل و النهار مما لم‌تسمعه و لاتسمعه الّا ممّا امليه عليك و ليس من خلق اللّهِ نفسٌ لايتطرّق اليها الخلل في ادراكاتها بين النفختين الّا من استثناه اللّه تعالي في غيب ارادته في قوله و نفخ في الصور فصعق من في السموات و من في الارض الّا من شاۤء اللّه فان الله سبحانه استثني من خلقه اشخاصاً لايصعقون لان الله سبحانه يقول كل من عليها فان و يبقي وجه ربّك ذو الجلال و الاكرام و وجه الله ذو الجلال و الاكرام اربعة‌عشر شخصاً صلي الله علي محمد و اله لان جميع افاعيل الله عز و جل جارية علي ترتيب النظم الطبيعي فمن كان في رتبة نفخة الصعق من الكون او تحتها لا بدّ ان يصعق و من كان رتبته في الكون قبل نفخة الصعق لايصعق فلو اراد المصنف بالنفس الخياليّة خصوص نفوس هؤلاۤء الاشخاص الاربعة‌عشر صلي الله عليهم اجمعين اصاب و لكنّه يريد بها نفوس البوادي و العلوج و الصوفيّة و المشاۤئين و اشباههم فلذا اخطأ الحقّ .

و قوله « و عند الموت تصل اليها سكرات الموت و مراراته لاستغراقها في هذا البدن » جواب عن سؤال مقدر و هو انك اذا حكمت عليها بانها لذاتها [ص 194] منفصلة عن هذا البدن و هي لايجري عليها الموت و انما يموت البدن و هي علي حالها لاتتغير فكيف تلحقها سكرات الموت و مراراته و هذا دليل علي عدم انفصالها عنه و اجاب بانها لما كانت مستغرقة في هذا البدن لحقتْها سكرات الموت و مراراته و جوابه هذا علي الظاهر صحيح و امّا في الحقيقة فزيد هو تلك النفس اللطيفة و هذا البدن الكثيف فهو شيء واحد منه ذاۤئب و منه جامد و البَرْزَخُ المذكور لَيْسَ بَرْزَخَ فَصْلٍ بان يكون اجنبيّاً من الذاۤئب و الجامد بَلْ هُوَ برْزَخُ وصلٍ لانّه منهما فتألّمها بالفصل الحقيقي و لو كان الامر كما قال لتألَّمَ حال الموت ثم لاتتألّم بعد الموت و لكنه يتألّم بعد الموت بل البدن ايضاً يتألّم بعد الموت لما فيه من الحيوة الّتي هي من النفس و الي هذا اشار الصادق عليه السلام في الحديث السابق في قوله فلاتزال تلك الابدان فزعة ذَعِرَةً و تلك الارواح معذّبةً بانواع العذاب فافهم .

و قوله « و بعد الموت تتصوّر ذاتَها انسانا مقدّرا مشكّلاً ، الي اخره » يريد انها اذَا خرجَتْ من هذا البَدَن تتصوّر ذاتها اي تتخيّل ذاتها انسانا كما هو في الدنيا و تتخيّل بَدنها مقبوراً و اقول امّا تخيّل بدنها مقبوراً فظاهر و هو كما قال و امّا تخيّل ذاتها فظاهر كلامه ان كونها انسانا مقدّراً مشكّلاً انّما هو في تصوّرها و اَمَّا هي في نفْسها فلَيْست كذلك و هو خطَأٌ بل هي حين تخرج منْ بَدَنِهَا تخرج بصورتها المثاليّة و هي التي كٰانَتْ فيْها في ٱلدّنيا بين النفس و الجسد فهي انسان مقدّر مشكّل لانّه هو الانسان الّذي في الدُّنيا و لمّا خرج منها القي جسده في هذا العالم لانَّهُ هو من هذا العَالم فهي علي هيئتها في الدّنيا بنفسها لا بتخيّلها و تصوّرها و هو قوله عليه السلام جعلت في قالبٍ كقالبها في الدنيا و هو المثالي و هو الأن في هذا البدن قد لبِسَتْه النفس عند دخولها في الجسد و تخرج به فافهم .

[ص 195] قال : الاصل السادس ان جميع ما يتصور الانسان بالحقيقة و يدركه بادراكٍ كان عقليا او حسِّيّاً في الدنيا او في الاخرة ليست بامور منفصلة عن ذاته مباينة لهويّته بل المدرك بالذات له انما هو موجود في ذاته لا في غيره و قد مرّ ان المبصر بالذات من السموات و الارض و غيرهما ليست هي الصور الخارجيّة الموجودة في المواۤد الهيولانيّة الموجودة في جهات هذا العالم .

اقول كلامه هذا تقدّم ما يدل علي معناه و تقدّم الكلام عليه و ذكْره هنا استطراداً اولي و ان جعله اصلاً و مراده هنا ان جميع الامور الّتي يدركها الانسان من المعقولات و ٱلمعلومات و المحسوسات في الدنيا و الاخرة يدركها بقويً غير منفصلةٍ عن ذٰاته بَلْ من ذاته بل هي ذاته عنده و المعقولات و المعلومات و المحسوسات عنده موجودات فيها و عندنا المعقولات و هي ٱلمعاني ٱلمجرّدة عن الماۤدة العنْصريّة و المدة الزمانيّة و الصورة الجوهريّة و المثاليّة يدركها العقل في مرءاةِ تَعَقُّلِهٖ و المعلومات و هي الصور الجوهريّة المجردة عن المادة العنصريّة و المدّة الزمانيّة تدركها النفس و قواها ٱلتخيّليّة و التفكريّة في مرءاة تخيّلها و تفكّرِها و المحسوسات و هي الصور و الاصوات و الالوان و الطعوم الجسمانية يُدْركُها ٱلقُوَي ٱلحسِّيّة كما تقدم وَ لٰاتدركها النفس الّا بادراكِ آلٰاتها الَّتي هي القوي الحسّيّة علي نحو ما تقدّم ذكره و كذلك العَقْل لايدرك شيئا غير المعاني الَّا بتوسط آلٰاتِ ادراكه كٱلنَّفْسِ و كَقُواها و كالقُوَي الحسّيّة و قد اشرنا الي ذلك فيما تقدّم و انّ هذا احكام الدنيا و امّا احكام الاخرة فليست كاحكام ٱلدنيا لان اهل الجنّة فيما يريدون من المدارك و الشهوات و في كل شيء لايحتاجون الي الٰالٰاتِ الّا علي نحو التعزز و التكرّم و اليه الاشارة بقوله تعالي في الحديث القدسي يا عبدي انا اقول للشيء كن فيكون اطعني اَجعلْك مثلي تقول للشيءِ كن فيكون الحديث ، [ص 196] فالاجسام تدرك المعاني و العقول يدرك المحسوسات بغير توسط شيء و كذا ادراك الاجسام و برهان هٰذا مذكور في علم الطبيعي المكتوم فان العقول بنفسها تتجسّد و الاجساد تتروّح و كلامنا مع المصنف فيما هو في الدنيا و قد بيّنّا سابقاً اَنّ المَدارِكَ الباطنة العقول و النفوس و كلّ منهما يدرك ما هو في عالمه و ما نزل عن عالمه يدركه بالوَساۤئط و الظاهرة تُدرِك الامور الظاهرة و ان كانت قوّتها المدركة من النّفس كما انّ حركة اليد من عالم الاَجْسَام و ان كانت من شعاع حركة النفس فانها ليست من عالم النفوس عالم الملكوت و علي كل حالٍ فالعقول تدرك المعاني بتعقُّلها و تعقّلُها فعل لها ليس ذاتها فانّها قد تتوجّه فتعقل و قد تغفَلُ فلاتعقِل و لو كان هو ذاتها لَمازالَتْ عاقلةً لما تتعقّله لان الذّاتيات لاتفارق الذّات بل لاتوجد الذات بدونها و كذلك النفوس فانّ تخيّلها فعلٌ منها و الّا لماانْفَكّ عنها نعم المعاني المعقولة تنتزعُها مرءاة تعقّله الذي هو فعل منه و الصور الملكوتيّة تنتزعها مرءاة تخيُّلِ النفس و الفعل يحضر باثره عند الذّات و اذا قلنا انّ العقل عبارة عن مجموع المعاني المعقولة فنريد به العقل الاكتسابي لا الطبعاني و اثار المعاني الوجوديّة اي التي توجد من المعاني في العقل الاكتسابي كصورة السرير في خشب السرير فان الخشب بها يكون سريراً و كان قبل الصورة خشباً كما كان الاكتسابي قبل الاثار الوجوديّة طبعانيّا و معني هذا انّه يأخذ الله سبحانه بكلمته يعني تأخذ كلمةُ اللّهِ بامر اللّه حصّة طبعانيّة و تلبسها باذنِ اللهِ سبحانه صورة اكتسابها من المعاني و ينفخ فيها من روحه الامدادية ان كانت المعاني مرضية له و الّا فمن روحه المَدِّيَّةِ اي التخلية و الخذلان و منه قوله تعالي اولۤئك كتب في قلوبهم الايمان يعني بايمانهم و افاض علي ماۤدة الطبعاني و صورة الاكتساب روحاً منه ايّدهم بها فكانت قلوبهم التكليفيّة [ص 197] بتلك الصورة و بتلك الروح قلوباً شرعيةً يعني ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و علي عكسه قوله تعالي و قالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم .

و قوله « ليست بامورٍ منفصلةٍ عَنْ ذاته » ان اراد بها الافعال و بمعني عدم انفصالها قيامَها بالذات قيامَ صدورٍ و مبادي هذه الادراكات اي الصادرة عنها من الذات كيدك منك فحسن و الّا فغلط .

و قوله « بل المدرك بالذات له انما هو موجود في ذاته » ليس بصحيح بل هو موجود حين يوجد في مرءاة فعله و يحضر الفعل بما في مرءاته عنده خارجَ الذات و تُوجِدُ كلمةُ اللّهِ سبحانه للذات من صورة الاكتساب و ماۤدة الباعث علي الفعل و من الروح المنفوخ في مجموعهما صفةً تكون بها الذات منيرة او مظلمةً .

و قوله « و قد مرّ ان المبصَر بالذات من السموات و الارضِ و غيرهما ليست هي الصور الخارجيّة ، الي اخره » قد تقدم الكلام هناك و ان المبصر منها ليس صورةً ملكوتية مماثلةً للخارجيّةِ بل المدرَك صورةُ الصورةِ الخارجيّة المنطبعةُ في العين و اَنَّ المدرِك لها قوّةٌ بُخاريّةٌ في تقاطع القصبتين و انّها ليست من الملكوت الذي هو من الغيب و مقابل للظاهرة الحسيّة و الّا لكانت الحواۤس الظاهرة هي الحواۤس الباطنة مع اتفاق العقلاۤء علي المغايَرة و التّعدد .

قال : و انما الحاجة لادراكها الي مشاركة المواۤدّ و نسبها الوضعية في اول الامر من الانسان امراً بالقوّة في كونه حاۤسّاً فاحتاج الي موضع خاۤصٍّ و شراۤئطَ مخصوصةٍ للٰالةِ الاِدراكيةِ بالنسبة الي ماۤدّة ما هو المدرك بالعرض و هو الصورة الخارجيّة المماثلة لما هو الحاضر عند النفس المدرك بالذات فاذا وقع الادراك علي هذا الوجه مرةً و مراتٍ فكثيراً ما تشاهد النفس صورة من الشيء في عالمها من غير توسط مادّةٍ خارجيّة كما في [ص 198] المُبَرْسَم و الناۤئم و غيرهما ففي حالة الموت لا مانع من اَن تُدرِكَ النفس جميعَ ما تدركه و تُحِسُّهُ من غير مشاركة ماۤدّةٍ خارجيّة اَوْ آلةٍ بدنيّةٍ منفصلةٍ عن عالم النّفس و حقيقتها .

اقول قوله « و انما الحاجة » جواب عن سؤال مقدرٍ تقديره لو صحّ انّ النفس الملكوتيّة النّاطقة هي المدرِكة للالوان المبصَرة و الاشكال المحسوسة لمااحتيج في الابصار الي العين الصحيحة و الضوء في المرْئيِّ و عدم القرب و البعدِ المفرِطَيْنِ اجاب بانّها لذاتها لاتحتاج الي ذلك و انّما الحاجَةُ لادراك النفس الي مشاركةِ المواۤد كالعين في المبصر و الاذن في ٱلمسموع و نسبها الوضعية كالقرب و البعد الغير المفرِطَيْن في اوّل الامر من الانسان عند اوّل حصول الشعور فانّه شيء بالقوة اي الادراك ح بالقوة لا بالفعل فانّ الانسان في كونه حاۤسّا يحتاج الي آلةٍ يدرك بها الصور الخارجيّة التي لاتدرك الّا بالعرض اي بتبعيّة ادْراكِ مماثِلها من عالم الملكوت و اقول ان الاعتراض وارد عليه لاتردّه هذه التخريجات فان اكثرها مصادرة كدعوي ان الحاجة انما هي في اول الامر و ان الصور الخارجيّة انما تدرك بالعرض حتّي لو حلف انه لايري صورة زيد بذاتها ثم نظر اليه بعينه عمداً لم‌يحنث لان المنظور اليه في الحقيقة انما هو الصورة المماثلة للصورة الخارجيّة و لا شكّ في بطلان ذلك و قد تقدّم .