[ص 150] قال : و هي سبعة اصول : الاصل الاوّل ان يقوم كلّ شخص بصورته لا بمادّته و هي عين ماهيّته و تمام حقيقته و مبدأ فصله الاخير فهو هو بصورته لا بماۤدته حتّي لو فرض تجرّد صورته عن مادّته لكان هو بعينه باقيا عند ذلك التجرّد و انما الحاجة الي الماۤدة لقصور بعض افراد الصور عن التفرد بذاته دون التّعلق الوجودي بما يحمل لوازم شخصه و يحمل امكان وقوعه و يقرّبه باستعداده الي جاعله و يرجّح وقت حدوثه علي ساۤئر الاوقات و نسبة الماۤدّة الي الصورة نسبة النقص الي التمام و الشيء مع تمامه واجب الحصول بالفعل و مع نقصه ممكن بالقوّة و لهذا ذهب بعض باتّحاد الماۤدة بالصّورة و هذا حقّ عندنا لا شبهة فيه كما اوضحنا سبيله في الاسفار الاربعة الّا ان هذا المطلب لايتوقّف عليه .

اقول كلامه هذا و هو « انّ كل شخصٍ يقوم بصورته لا بماۤدته و هي عين ماهيته » فيه انّ كلّ شخص انّما يقوم بنفس ماۤدّته و بمثل صورته هذا ما دلّت عليه الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام و نطق به الكتاب لاولي الالباب و شهد له الاعتبار المستفاد من النظر في الافاق و في انفسهم امّا ما في الاخْبار و الكتاب فمنها ما روي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالي كلّ ما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب في احتجاج الطبرسي و عن حفص بن غياث قال شهدتُ المسجد الحرام و ابن ابي‌العوجاۤء يسأل اباعبدالله عليه السلام عن هذه الاية فقال ما ذنب الغير قال ويحك هي هي و هي غيرها قال فمثّل لي في ذلك شيئا من امر الدنيا قال نعم ارأيتَ لو انّ رجلاً اخذ لبنةً فكسرها ثم ردّها في مَلبنها فهي هي و هي غيرها و في تفسير علي بن ابراهيم قيل لابي‌عبدالله عليه السلام كيف تبدّل جلودهم غيرها قال ارأيت لو اخذت لبنةً فكسرتها ثم صيّرتها ترابا ثم ضربتها [ص 151] في القالب اهي التي كانت انما هي ذلك و حدث تغيّر آخر ه‍ ، و امّا الاعتبار فهو الشارح للكتاب و الاخبار و ذلك انّ رُكْنَ الشيء الاعظم هو الماۤدة و امّا الصورة فهي هيئة للمادة في نفس الامر و ان كانت هي المشخّصة لانها صورة العمل الذي هو صفة الماۤدة فالمُعٰاد هو الماۤدّة بصورة عمله الاتري ان الانسان اذا غلبت عليه صفة الغضب يعاد ذلك الانسان بتلك الماۤدة في صورة سبع لان الصورة و ان كانت هي التي بضميمتها تتغيّر حقاۤئق الاشياۤء و تكون ماۤدة الانسان الذي غلبت عليه صفة الغضب مادّة سبع و بالصّور تتغير الحقيقة الواحدة بتغيّر الصفة فيكون الطين الذي صنع نصفه كلبا و نصفه انسانا اذا ولجتهما الحيوة تكلّم الانسان و ماۤدته طاهرة و نبح الكلب و ماۤدته نجِسَة لكن المُعٰاد للثواب او العقاب المادتان في الصورتين او الصورتان في الماۤدتين و لا شك ان المبعوث للثواب او العقاب هو الماۤدتان في صورتي عملهما لان الصورة في الحقيقة هيئة قبول الماۤدة في كلّ مقام بنسبتِهٖ و المواۤدّ تتغيّر بما انصبغت به من العمل و الصورة الظاهرة و الباطنة هيئة المنصبغ و المبعوث و المثاب و المعاقب هو المنصبغ لا الصبغ الذي هو الصورة و لايدفع الاعتراض عليه ارادة الحقيقة المتغيّرة من الصورة لان تلك هي الماۤدّة و تغيّرها انما هو بعملها و عملها هو قابليّتها و هو صفتها انّ اللّه عز و جل قال سيجزيهم وصفهم و هو عملهم لانه صورة الثواب و العقاب و الصورة سواۤء اريد بها الهندسة و الخطوط الظاهرة او المعنويّة ام اريد بها الحقيقة المتغيّرة هي هيئة الماۤدة خلقت من نفس المادة من حيث نفسها فليست الصورة علّة للحقيقة و لا لتغيّرها و انما هي معلولة لحال الماۤدة في صلوحها لصفة ما من فعل ربّها و به تكون طيّبةً و لصفة ما منها اي من نفسها من حيث هي و به تكون خبيثةً فالحقّ في هذه المسئلة ما يدل عليه لفظ المصنف [ص 152] لا ما يريد منه اذِ الحق اَن يقوم كل شخص بصورته فانّ القاۤئم غير الصورة نعم هو يقوم و يخرج بتلك الصورة و ليس لك ان تقول انه يريد ان الشخص انّما يقوم بطينته و هي الصورة فانه انسان و اذا غلبت عليه الشهوة لايقوم بانسانيته التي هي ماۤدّته اولا و انّما يقوم بحيوانيته التي تصوّر بها لانا نقول ان المصنف يقول لا بماۤدته و انما يقوم بصورته التي هي عين ماهيته و الماهيّة ان اراد بها علي المعني الاوّل من كون الماهية هي القابليّة اي قابلية الوجود للايجاد في الخلق الاول فهي الصورة النوعيّة كالصورة الخشبية للخَشَبِ وَ لا شك انّ الخشب انما يظهر بالخشبيّة الا انه الظاهر بصفته سواۤء اردتَ من الظاهر الماۤدة العنصريّة اذ لاتتقوم الصورة النوعية الّا بالماۤدة النوعية ام اردتَ من الظاهر المركب منهما فانه علي كلّ حالٍ لا بد ان تكون الاحكام المعلقة علي الصور المترتّبة عليها منوطةً بالمواۤدّ اوّلاً و بالذات و بالصور ثانياً و بالعرض سواۤء كانت الصور جنسيّة ام نوعيّة ام شخصيّة و ان اراد بالماهية علي المعني الثاني من ان الماهيّة للشيء هو المركب من ماۤدة و صورة اي من وجود و ماهية يعني من حصّةٍ من الجنس و حصّة من الفصل و مرادي ان الشيء التام الصنع المركب من ماۤدة جوهريّة و صورة او من مادّة عرضيّة و صورة هو من حيث هو ماهية و ظلمة و من حيث انه صنع الله او نور الله او اثر فعل الله وجود و نور و قولي صنع الله او نور الله او اثر فعل الله بمعني واحدٍ و انما هو تغيير العبارة اذ كل ما سوي الذات فمن فعل الله صدر لا من شيء حتي لايخفي كان قوله لا بمادته لا معني له اذ الماهية هنا هي مجموع الماۤدة و الصورة لان كونه اثر فعل الله لايدخل في شيء منه لا مادة و لا صورة بل لكل شيء من الخلق اعتباران يسمي احدهما نفسه التي من عرفها عرف ربّه و هي كونه اثر فعل الله و هو نور من عرفه عرف ربّه و يسمي [ص 153] ثانيهما نفسه التي لايعرف اللّه بها و هي كونه هو و هي ظلمة اذا اخرج المؤمن فيها يده لم‌يكد يراها ففي النفس الاولي لا مادة و لا صورة و الّا لماعرف ربّه من عرفها لانه تعالي لايعرف بالمادة و الصورة و في النفس الثانية ماۤدة و صورة لاتتحقق في حال من الاحوال في جميع ما سوي الله سبحانه من الذوات و الصفات الجواهر و الاعراض المعاني و الاعيان الّا بمادة و صورة فقوله لا بماۤدته لا معني له و ان اراد انه يقوم بحكم صورته لا بحكم ماۤدته فمسلّم في الظاهر او في الحقيقة حكم الصورة من حكم المادة و معه .

و قوله « و تمام حقيقته » صحيح ان الصورة تمام الحقيقة و هي جزء الماهيّة بالمعني الثاني و لكن المبعوث هو نفس التمام ام الحقيقة التاۤمّة فتدبّر .

و قوله « و مبدأ فصله الاخير » ان اراد بالاخير المميز النوعي و الاول المميز الجنسي ففي ما ذكرنا جوابه مستوفيً و ان اراد به المميز الشخصي و الاول المميز النوعي فاسوءُ حالاً فان كثيرا من العلماۤء جعل المشخصات الشخصيّة اُموراً عقليّة ٱعتباريّةً لا تحقّق لها في الخارج و نحن و ان قلنا بوجودها و تحقّقها خارجاً لكنّا لانقول انّها جزؤ من الفَصْلِ المميّز للنوع و انّما هي مميزات للاشخاص و هي افراد من الفَصْل كما انّ الاشخاص اَفْرادٌ من النوع مثلا الفصل هو الصورة النوعيّة و هي مؤلّفةٌ من حدودٍ ستَّةٍ كمّ و كيفٍ و مكان و وقتٍ و جهة و رتبة مع متمّماتها و مقوِّماتِها من وضعٍ و اضافة و نسبة و اذنٍ و اجلٍ و كتاب فكما ان هذه الامور حصص من فصول الاجناس كذلك فصول الاشخاص حصص من فصول الانواع بهذه النّسبة فمميّز زيد عن عمروٍ و عمروٌ عن زيد حصّة من كل واحدٍ من هذه الامور التي مجموعها فصل الانسان عن الحيوان الصاهل و هكذا حكم ساۤئر المميزات من الفصول الحقيقيّة و الاضافيّة صاعداً و نازِلاً و الصورة هي الفصْل في كل شيء من [ص 154] الاجناس و الانواع و الفصول و هذه الاُمور هي حدود الصّورة و مقوّماتها و لَيْسَتْ مبدءً للفصل اذ ليس الفصل شيئا غيرها الّا اذا اريد بها خصوص الهيكل الظاهر لكنه ليس عين الماهيّةِ و تمام الحقيقة لان ما هو عين الماهيّة و تمام الحقيقة لايكون الّا المؤلّف من الامور الستّة و من الستة المتمّمات لها مع ما قامت به من المقبول فالذي ينبغي ان يقول فهو هو بصورته مع ماۤدته اَوْ يقول فهو هو بصورته و لايقول لا بماۤدته فانّه اذا لم‌ينف الماۤدة كان معْنَي كَلَامِه انّه هو بما اتّصَفَ به ممّا غيّر ماۤدته الاُولي الي ماۤدة الصورة القاۤئم بها .

و قولهُ : حتّي لو فرض تجرّد صورته عن ماۤدته لكان هو بعينه باقياً عند ذلك التجرّد يدلّ علي انّ مراده ليس المُعَاد الّا الصورة و امّا الماۤدّة فهي لازمةٌ للصورة مُقَوِّمة لهٰا بمعني انّ المترتب علي البَعْثِ من الثّواب و ٱلعقاب جارٍ علي حكم الصورة لا عَلي حُكمِ الماۤدّةِ و يوهم كلامه هذا انّ كلامنا عليه ليس متّجهاً لانّه لم‌يرد نفي الماۤدة و انّما يريد ان الماۤدة الانسانية لايرجع بها اي علي حكمها و انّما يرجع علي حكم الصورة السَّبُعيّة فيتّجِه نفي الماۤدّة عَلَي هٰذا ● المعْنَي و نحن نُرِيدُ اَنّ الماۤدّة الانسانيّة لاتلبس السّبعيّة و انّما اللَّابِسَة لتلك الصورة السبعيّة هي النفس الصالحة لكلّ صورة من الشَّيٰاطٖينِ و الحيوانات و المسوخ و السِّبَاع اَعْني النّفس الْامّارة و هذه تنقلب مع كل صورةٍ لَبِسَتْها الي مَاۤدّةِ تلْكَ الصّورة فَمَنْ حُشِرَ خِنْزٖيراً حشر بصورةِ الخنزير و ماۤدّته لا بماۤدة الانسان ليقال انه يعاد بصورته لا بماۤدّته و المصنّف يريد انّه لو فرض قيام الصّورة بدون الماۤدة تحقّقت هويّة الشيء و ذاته بدون المادة بل بنفس ذلك المتجرّد بدونِ ماۤدَّتِهٖ و هذا لايعقل لان الصورة صفة و لاتعاد الصورة و الصفة للثواب و العقاب بدون الموصوف علي انّ هذا المبعوث علي اي فرضٍ ممكن و كل ممكنٍ زوج تركيبي و لايمكن قيام مصنوع علي مقتضي الحكمة ليس [ص 155] بمركب من الماۤدة و الصورة و لو فرض صورة لا ماۤدة فيها ظاهراً كالصورة في المرءاة فانها مركبّة من ماۤدة هي هيئة صورة المقابل و شعاعها و من صورة هي هيئة زجاجة المرءاة من كبر و بياض و صفاۤءٍ و استقامةٍ و اضدادها فان قال المبعوث منها نفس صورتها كان المعني انّ المبعوث صفات الزّجاجة لا هيئة المقابل لانها هي الماۤدّة و ان قال المبعوث نفس الصورة و هويّتها فهي الصورة و الماۤدة اذ لم‌يوجد بسيط مستقِلّاً قال الرضا عليه السلام انّ اللّه لم‌يخلق شيئا فرداً قاۤئماً بذاته دون غيره للذي اراد من الدّلالة عليه و اثبات وجوده ، ه‍ .

و قوله « باقياً عنْدَ ذٰلِكَ ٱلتَّجرد » هٰذٰا غَلَطٌ لِانَّ الصُّورةَ صِفة في ٱلحقيقةِ فكيف يكون الشّيء متحقِّقا بتحقّق صفتِهٖ بدُونِهٖ بحيث يكون اذَا فعل زيدٌ فعلاً يُوجِبُ العقوبة عُوقِبَتْ صورته التي هي صفة عمله لانها هي الّتي يحشر فٖيها و امّا نفس ماۤدّته فلاتعاقب ما هذا الّا العجب العجيب و الامر الغريب و قد سمعتَ قول الصادق عليه السلام في قوله بَدَّلْناهم جلوداً غيرها ليذوقوا الْعَذاب انّها هي هي و هي غيرُهَا يعني هي هي من حيثُ مٰاۤدّتها و هي غيرها من حيث صورتها فان الصورة الاولي ذهبت و مادّتها اعيدت في صورة كصورتها الاولي انتُزِعت من علّتها فمثّل عليه السلام باللّبنة فانّك اذا كسرتها و صارت ترابا ثم ضربتها في قالبها الذي صورته علة صورتها فانها هي هي من حيث المادة و هي غيرها من حيث الصورة كما تقدم في الحديثين فان فهمتَ الحديثين حصل لك القطع بان قوله لو فرض تجرّد صورته عن ماۤدته الخ ، غلط ظاهر و الّا لزم عدم اعادة الاجسام كلّها لانها انما تُعَاد مواۤدّها في صور كصورها و ان الصور الاولي تفني و تحشر في صور كصورها يعني لمّا فنيت الصورة خلق لها صور من علل الصور [ص 156] الاولي مثلها لا انّها هي بعيْنها و هذا بنصّ الكتاب المجيد حيث قال تعالي بدّلناهم جلوداً غيرها لان هذه الغيريّة تدور علي احد امرين امّا ان تعاد مواۤدّ جلودهم في صور غير الصور الاوّلية او تعاد الصور بمواۤدّ غير مواۤدّها الاولي فاختر احدهما لان الله سبحانه اخبر بانها غيرها فلمّا دلّ الدليل علي عدم الغيرية في الصور و المواۤدّ معاً لامتناع الظلم وجب ان تكون في المواد او الصور و الصادق عليه السلام اخبر عن الله انّ الغيريّة في الصور و امّا المواد فهي بعينها تعاد و انت اختر لنفسك امّا قول الصادق و امّا قول الكاذب .

و قوله « و انما الحاجة الي الماۤدة لقصور بعض افراد الصور عن التفرّد بذاته دون التعلّق الوجودي » يريد انه انما احتيج الي المواۤد مع ان المقصود هو الصور لان بعض الصور قصرت عن حمل بعض ما يلزم المواۤدّ كالثِّقَل مثلا المتعلّق بالمادة اللازم لها فان الصورة لاتحمله الّا مع ارتباطها بالماۤدة و قصرت ايضا عن حمل امكان وُقوع الشيء و عن حمل ما يقرّب الشيء باستعداده التمكيني الي فعل صانعه و قبول تأثيره و عن ترجيح وقت حدوثه علي ساۤئر الاوقات و مكانه علي ساۤئر الامكنة فلما كان بعض الصور يعجز عن حمل هذه و امثالها بدون تعلّقها بمواۤدّها لم‌يشترط في اعادتها تجرّدها عن المواۤدّ و لكن لمّا كانت هي المقصودة قلنا ان البعث لها لا للموادّ و اقول تَغَطْمَطَتْ امواجها و ماادري ايّ شيء من كلامه هذا اولي بالرد لكن علي سبيل الاشارة و الاختصار اقول ليس شيء من الصور بممكنٍ من جهة الايجاد علي مقتضي الحكمة ان ينفرد عن الماۤدة لان الصور صفات و اعراض و قد صرّح في ساۤئر كتبه ان الاعراض لا وجود لها اصلاً الّا وجودها لمعروضها و امّا لوازم الشخص فمنها الاعمال و ما يترتب عليها من الثواب و العقاب و هي من احكام المواۤد في كل حالٍ و امّا ترتبها علي الصور فمن جهة ان الصور من جملة [ص 157] احوال المواد و احكامِها و امّا وقوع امكانه فمن التمكين الفعلي الذي به التمكن الانفعالي الذي هو نفس الصورة و امّا تقريبه الي فعل صانعه و جعل جاعله فهو من ترجّح نفس امكانه عند تكوينه لانه هو و ترجيح وقت الحدوث و مكانه و رتبته و جهته و كمه و كيفه و وضعه و نسبه و اضافته و الاذن له و اجله و كتابه كلها مقوِّمات الصورة و اسبابها في كل شيء من المكوّنات غيبها و شهادتها فكيف يكون المسبّب مقوِّماً لسببهٖ و هنا ابحاث شريفة في بيان هذه الامور يطول الكلام بذكرها و لكنّا نذكر كثيراً منها متفرّقا في هذا الشرح في اماكنه .

و قوله « و نسبة الماۤدة الي الصورة نسبة النقص الي التمام » فيه ان هذا انما يلتئم علي رأي بعض الاشراقيين الذين يجعلون الوجود عارضاً علي الماهية في الخارج و المصنف يمنع ذلك و الماۤدة هي الوجود او بمنزلة الوجود و الصورة هي الماهيّة او بمنزلة الماهيّة و هو يري ان نسبة الماهية التي هي الصورة او بمنزلة الصورة الي الوجود الذي هو الماۤدّة او بمنزلة الماۤدة نسبة النقص الي التمام و قد تقدّم و هنا قد عكس من حيث لايشعر لان المواد هي النازلة من الخزاۤئن و الصور من عوارض المراتب في تنزلاته و الصور مركبة من هذه العوارض و هي النقائص و امّا الوجودات فهي في ذواتها هي التمام و ما لاحظ من انّ بها يتم الشيء مدخول بان الصور انما خلقت من ذات المصوّر الذي هو المواۤدّ فهي متقدمة علي الصور بالذات و الشيء لايوجد الّا بمادته و صورته لكن الماۤدة تتوقف علي الصورة توقّف ظهور و الصورة تتوقّف علي الماۤدة توقّف تحقّقٍ يعني توقّفا ركنيّا و الشيء مع تمامه واجب الحصول غالباً و عادة و بالفعل يعني ان شاۤء الله و مع نقصه ممكن الحصول بالقوة غالبا و عادة يعني انشاۤء اللّه ما شاۤء الله كان و ما لم‌يشأ لم‌يكن .

[ص 158] و قوله « و لهذا ذهَب بعض الي اتّحاد الماۤدة بالصورة و هذا حق عندنا » كلامه هذا مبني علي ما يذهب اليه من اتّحاد الماهيّة بالوُجُودِ خَارجاً في حملها عليه و بالعكس ذهناً و قد بسطنا الكلام علي هذا في شرح المشاعر و امّا اتحاد المادة بالصورة ففي مقامَين الاوّل في الخلق الاوّل بالنسبة الي الخلق الثاني كاتّحاد الصورة النوعية بالماۤدّة ٱلنوعيّة في الخشب مثلاً فانّ ماۤدته من العناصر و الصورة الخشَبيّة هي صورته النوعية و الخشب مركب منهما و هذا مثال الخلق الاول و في صنع السرير اعني الخلق الثاني مادته الخشب ففي هذا المقام اتّحدت مادته العنصريّة بصورته النوعيّة فمادة السَّرير من الخشب الواحد الذي كان من ماۤدة و صورة و الأن هو مادة خاۤصّة و الثاني في الخَلْقِ الثاني في صنع السَّرير فانه مركب من الماۤدّة من الخشب و من الصُّورَةِ المعلومة فالسّرير شيءٌ وَاحِدٌ بَسٖيطٌ قدِ اتّحدَتْ فيه الماۤدّة بالصُّورةِ عند تسميته و استعماله و الاشارة اليه فالاتِّحاد بهذين المعنيَيْنِ صحيحٌ و امّا مَا لٰا صورةَ لَهُ فلَا ماۤدة له لان تحقّق احدهما متوقّف علي تحقّق الٰاخر و كذلك ما لَا ماۤدةَ لهُ لٰا صورة له و كل ما سوي المعبود بالحق تعالي فله مادة و صورة حقيقيتان و فعله اي مشيته و فعله و اختراعُه و ابداعه فله مادة و صورة اعتبارِيتانِ .

قال : الاصل الثاني ان تشخص الشيء عبارة عن نحو وجوده الخاصّ مجرداً كان او ماۤديّاً و اما المسمّي بالعوارض المشخّصة فهي من اماراتِ وجود الشخص و لوازمه لا من مقوماته و يجوز تبدّلها شخصا الي شخص او صنفاً الي صنفٍ مع بقاۤء هذا الشخص بهويّته العينيّة كما يشاهد من تبدّل اوضاع زيد و كمّياته و كيفياته و ايونه ( جمع اين ) و اوقاته و زيد زيد بعينه .

اقول اختلفوا في المميزات للشّخص هل هي موجودة ام لا و انّما هي [ص 159] امور اعتباريّة و الاصح انها امور موجودة و علي الاصح هل هي عوارض ذاتيّة ام خارجيّة و الاصح من احتمالي الاصحّ انها ذاتيّة و انّها هيئات ماۤدّته و حدود صورته و اركانها و هي كمّ ماۤدته اي قدرها من كثرةٍ او قلّةٍ و كيفها و وقتها و مكانها و رتبتها و جهتها و متممات هذه من الوضع و النسب و الاضافة و الاذن و الاجل و الكتاب فهذه ستة و ستّة تتألّف منها الصورة التي هي القابلية التي هي الماهيّة و الشّيء يتألّف من مادته و صورته المتألِّفة من هذه الامور الستة و الستة فالستّة الاُولي هي الايام السّتة التي خلق الشيء فيها و السّتة الاخري متممات كل يوم من الايام السّتة و المصنف ذهب الي ان تشخّص كل شيء عبارة عن نحو وجوده الخاص اي جهة وجوده يعني بالوجود حصّة من الوجود خاۤصّة به و مراده ان تشخّص كل شيء من وجوده لا من ماهيته و لا من عوارض ذاتية او خارجيّة لا فرق في ذلك عنده بين المجرد الذي لا مادة له اصلاً كالواجب تعالي و كالمفارقات المحضة كعقل الكل و روح القدس و بين الماۤدّي الملكوتي كالنفوس الانسانية و الماۤدّي الطبيعي الجسمي فان الواجب تعالي عنده متعين عند نفسِهٖ بنحو وجوده و العقل و روح القدس متعينان بنحو وجودهما و النفس و الجسم متعيّنان بنحو وجودهما و ترد عليه اشياۤء فيما ذهب اليه منها ان الواجب تعالي عالم بذاته و علمه بذاته عين ذاته و ليس علمه بذاته بنحو التعين لان ذاته تعالي ليست نحو التعين فلايصح تعيّنه بنحو وجوده لان التعين ان اريد منه ما تفهمه الخلق لم‌يصدق علي ذات اللّه سبحانه لان ما تفهمه الخلق منه هو التمييز و التمييز لايصح الّا مع الاشتباه و ليس ثَمّ اشتباه في حالٍ و ان اريد منه ما لاتفهمه الخلق لم‌يحْسن التعبير عنه بما يشاركه خلقه فيه [ص 160] و منها انّ المفارقات المحضة كالعقول مثل عقل الكل و روح القدس جعلها مما لا مادة لها و انها ليست مما سوي الله سبحانه كما ذكره في اخر المشاعر و هذا غلط باطل في غلط باطلٍ لاتّفاق العقلاۤء من المسلمين و الحكماۤء علي ان اوّل ما خلق الله العقل و روح القدس لها اطلاقانِ اطلاق يراد منها عقل الكل اعني هذا المذكور و اطلاق يراد منها روح الكل فعلي الاوّل هي التي اول ما خلق الله سبحانه و علي الثاني تكون تحت العقل و هي اوّل تنزلاته حين قال تعالي له ادبر فادبر و اذا ثبت انهما حادثانِ ممكنان دخلا تحت ما اتفق الحكماۤء عليه و قبله كل من اتي بعدهم و هو ان كلّ ممكنٍ زوج تركيبي و ما لا مادة له و لا صورة كيف يكون زوجا تركيبيّا لان المركب انما يتركب من مادة و صورة و منها انّ الشيء اذا تميّز من نحو وجوده خاصة كان ما تميز به الجنس كالحيوان هو عين ما تعين و تميّز به النوع كالانسان و الفرس و الحمار و عين ما تميز به الجنس و انواعه عين ما تميّزت به افرادها من غير تغيير و لا تبديل و لا زيادة و لا نقصان لان التغيير في المميز و التبديل و الزيادة و النقصان ان كانت من نفس ذلك النحو فلا شيء غيره و ان كانت من غيره لم‌تكن المشخصات من نحو الوجود و انما هي من خارج فيلزم امّا ان تكون مميّزات الشيء لا من نحو وجوده بل من نحو ماهيته و صورته في جميع الممكنات لدخولها تحت الاجناس و الانواع و لتعدّد الاشباه و النظاۤئر فيقتضي تمييز بعضها عن بعضٍ الي امور خارجة عما اتفق بعضها مع بعضٍ فيه و الّا لم‌يتحد افراد الحقيقة الواحدة و لو كان تمايزها من حقيقتها الجامعة لها لماتمايزت او لمااتحدت و امّا الواحد الحق عز و جل فلا تميّز له فيه لعدم الشبيه و النظير و المثل و الشريك سبحانه و تعالي و المصنف انما دعاه الي [ص 161] هذا القول توهم محافظتِهٖ للوحدة الحقيقيّة في صرف الوجود و لو انه لم‌يقل بصرف الوجود و وحدة الوجود و انّه يصدق علي الواجب تعالي و الممكن بالاشتراك المعنوي لكان اشد له محافظة و اصحّ و لو انه استبصر بقول الله سبحانه سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم ، و بقول الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبيّة اُصٖيب في العبوديّة و استشهد عليه السلام بالاية المذكورة و بقول الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايكون الّا بما هيهنا ه‍ ، لبَصّره اللّه تعالي اذا نظر في الافاق مثل السّرير انّما تميّز من الباب و الباب من السرير و تشخّص كل منهما بما هو نحو وجوده و هو الخشب سواۤء اراد الخشبَ الخاۤصّ ام العام لان الخشب هو وجوده او بمنزلة وجوده وَ لانَّ الخاۤصَّ لم‌يتخصّص بمَا مِنْ ذَاتِهٖ من حيث هو و انّما تخصّص بما عرض له من المخصِّصات فَان حصّة الخشب الخاصة بالسَّرير انّما اخْتَصَّتْ به بما لحقها من تقدير صُورته و لولا ذلك التقدير لماكانت خاۤصة به بل تكون صالحة للباب و غيره و امّا ما ذكرنا من انّ الماۤدة وجود موصوفي و الصورة وجود صفتي فلايلزم منه تصحيح قوله ان تشخص الشيء عبارة عن نحو وجوده فان المشخّصات عندنا وجود صفتي فقد كان تشخصه نحو وجوده لانه مايريد الّا انّها صفة للوجود الخاص ذاتيّة اي انّها مِنْ وجوده من حيث انّه نور لا من حيث انّه هو فتنطبق ارادته علي ظاهر كلامه و امّا نحنُ فنريد بالصّورة الماهيّة و حدود الصُّورة هي مُقوِّمات الماهيّة و الماهيّة هي قابليّة الوجود و الماۤدة للايجاد و هي شرط لتحقّق الوجود و ظهوره و هي شراۤئط خارجة عن الوجود الموصوفي الّذي نسمّيه نحن بالماۤدة و انما هي من الوجود الصِّفتي الذي نسمّيه نحن بالصورة و قد ذكرنا [ص 162] هذه الشراۤئط و هي الستّة و الستة و لكنّها تكون جزء ماهيّة الشيء بالمعني الثاني و كل الماهيّة بالاول .

و قوله « و امّا المسمّي بالعوارض المشخّصة فهي من امارات وجود الشخص و لوازمه لا من مقوّماته » فكالاوّل فانهم يسمونها بالعوارض المشخّصة باتّفاقهم لانها هي مقوماته كما هو المتحقق الثابت فان هيئة السرير و صورته هي المقوّمة لماهيته اذ بدونها لا سرير و انّما هو خشَبٌ و ليست المادة بنفسها متقوِّمة بدون الصورة و كونها من لوازم وجود الشخص غير منافٍ لما قلنا لان الشروط و القابلية و الصورة لاتتقوّم بنفسها بلا اشكالٍ لانها اعراض و صفات و لاتوجد بدون معروضاتها و موصُوفاتها التي هي المشروطاتُ و المقبولات و المصوّراتِ الّا انّ الشروط المشخّصة تتوقف علي المشخصات بفتح الخاۤء توقفَ تحققٍ و تتوقف المشخّصات بفتح الخاۤء علي المشخّصاتِ بكسر الخاۤء توقف ظهور و كذا كونها من امارات وجود الشخص .

و قوله « و يجوز تبدّلها شَخْصاً الي شخص او صنفاً الي صنفٍ مع بقاۤء هذا الشخص بهويّته العينيّة » كالكلام الاول في الغلط فيا سبحان الله كيف حال حكمة هذا الرجل الفاضل مايكاد الناظر يجد في كلامه كلمة صحيحةً كيف يجوز تبدّل صورة سريرك الي سريرنا مع بقاۤء سريرك بهويّته امّا التبدل فقد ذكر الله سبحانه ما يدلّ علي بطلانه كما تقدم في قوله بدلناهم جلوداً غيرها بعد ما ثبت ان المعادة هي الاولي بمادتها و قال تعالي انها غيرها و ليست غيرها الّا في الصورة كما مثّل الصادق عليه السلام لذلك باللّبنة تكسرها و تصوغها في قالَبِهَا فكيف تتبدّل صورة سريرك الي سريرنا و انّما يعمل لسريرنا صورة مثل صورة سريرك لا انها تنتقل ثم اذا زالت صورة سريرك كيف يَبقي سريرك بهويّته العينيّة لانه ان اراد انّه تبقي ماۤدته يعني الخشب فصحيح و لكن لم‌تبق هويّته العينيّة [ص 163] اذ لو بقيت بعد زوال الصّورة لَبقي السَّرير و لماصلح للباب مع انه حينئِذٍ يصلح للباب و غيره فلاتتبدّل المشخصات من شيء الي شيء بل اذا زالت لم‌تعد ابداً و انما يعود مثلها اليه او الٰي غيره و هنا اشكال حلّه و الجواب عنه خفيّ علي اكثر الاذهان و قد اشرنا اليه فيما مضي و في هذا الشرح مفرقا و وجه الاشكال انّ النبي يوشع عليه السلام و هو في قتال الجبارين غربت الشمس قبل ان يصلّي و دعا الله سبحانه فردّت له الشمس فصلّي اداۤءً و علي بن ابي‌طالب عليه السلام كان في بابل و لم‌يصلّ فيها لانها ارض خسفٍ حتي غربت الشمس فدعا الله سبحانه فردَّتْ عليه الشمس فصلّي اداۤء و يوم كان رأس رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله في حجره في مرضه الذي توفّي فيه و نام و رأسه في حجر علي عليه السلام و كره ان يوقظه من نومه و لم‌يصلّ و لم‌ينْتبه حتّي غربت الشمس فدعا الله سبحانه فردّت له الشمس فصلي اداۤء مع ان الوقت مضي و هو عبارة عن المدّة و لا شكّ انها مضت فمقتضي هذا ان تكون الصلوة قضاۤء و لكنهما صلَّيا اداۤء و كذلك ما روي الجمهور في قصّة سليمن عليه السلام حتي توارت بالحجاب و لو كانَ المطلوب الصلوة قضاۤء لماسألوا اللّه اعادة الشمس اذ لا فاۤئدة في الاعادة الّا الصلوة اداۤءً و دعوي ان الفاۤئدة اظهار الفضيلة باطِلةٌ و ايضا وردت الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام انّ الله عز و جل يحشر يوم القيمة الايّام و الليالي و الشهور و السنين و بقاع الارض و الالوان و الاعراض و الحركات فتشهد للعاملين بالاداۤء و علي التاركين بتركهم فاذا ثبت هذا صحّ قول المُصنّف من اعَادةِ ٱلصُّوَر و الجواب ان الصادق عليه السلام قد اشار الي ما فيه الجواب علي الحقيقة في الحديثين السَّابقَيْنِ و هو قوله في اللَّبِنة اذا كسرتها و كانَتْ تُرَاباً ثُمَّ [ص 164] وضَعْتها في قالَبِها فَاِنَّهَا هي هي و هي غيرها بمعني انّ ماۤدّتها هي الاولي و بصورتِها غيرها لانَّ صورتها الاولي انّما هي اثر القالب فتتقدّر الماۤدّة باثر القالب في الصورة الاولي فاذا كسرت ذهبت الصورة التي هي اثر القالَبِ فاذا وضعت تلك الماۤدّة في ذلك القالَبِ تَقدّرَتْ بِاَثرِهٖ كالتقدّرِ الاول بتقدير القالب و حيث ثبت انّ كل شيء ممكن جوهر او عرضٍ كلٍّ اَوْ جزءٍ كليٍّ او جزئيّ زوج تركيبي اي مركب من ماۤدّة و صورة ثبت ان الايام و الليالي و الشهور و السنين و المدد و الامكنة و الاعراض من الحركات و الاصوات و الالوان و غير ذلك كلها مركّبة من ماۤدة و صورة كل شيء منها فاذا اُعٖيد اُعٖيدت مادته و صورة قالبه التي كانت الاولي اشراقاً من هيئة القالب و الثانية اشراق ثانٍ فكما انّك تقول لنور الشمس الذي اشرق علي الجدار في وقتين انّه واحد باعتبار عدم المغايرة و عدم الاختلاف و عدم تغيّر ماۤدته في الوقتين و تقول انّه اثنان باعتبار انّ الممكن الباقي يحتاج في بقاۤئه الي مددٍ جديد كما قال تعالي بل هم في لَبْسٍ من خلقٍ جديدٍ و ان كان انّما يمدّ بما منه اوْ لَهُ لكنّه جديد قال عليه السلام لو لم‌نُزَدْ لَنفِدَ ما عندنا فافهم و قدْ ذكَرْنا في الفواۤئد و في شرحها بياناً لما ذكرنا هنا فاطلبه من موضعه و بالجملة يظهر لمن يَعقلُ ما قُلْنا اَنَّ المبعوثَ هُوَ الماۤدةُ و انّها هي الشيء مع الصورة و انّ الصورة حُدُودٌ مميّزةٌ للمواۤدّ و قبولها للصور هي انْفِعَالُها بها كالصورة النّباتيّة فانها تنفعل الماۤدّةُ بها فتكون الماۤدّة بها من نوع الشّجر و مزاجها اي الماۤدة ماۤءٌ اخْتَلطَ به نبات الارْضِ لان المزاج من ترجمة الصورة و ترجمة كلّ مزاج من عبارة صورته و الصورة الحيوانية تنفعل بها الماۤدة فتكون الماۤدة بها من نوع الحيوان و مزاجها اي الماۤدّة التي انفعلت بصورة الحيوان دَمٌ لانّه الحامل للابخِرة التي تتعلّق بها النفس الحيوانيّة الحسّيّة [ص 165] فهويّة الشخص العينيّة هي مادته المنفعلة المتلونة بصورته فان زالت المادة ذهبت صورته اصلا لانها ظل الماۤدة و ان زالت الصورة ذَهَبَ اختصاص الماۤدة الذي هو تقييد الصلوح فاذا اطلقت المادة من قيد الصورة ظهر الصّلوح الهيولاني لقبول صورة ذلك الشخص و غيره .

و قوله « كما يشاهد من تبدّل اوضاع زيد و كمّياته و كيفيّاته و اُيُونه و اوقاته و زيد زيد بعينه » اعلم ان اوضاع زيد اذا اريد بها القسم الثالث تغيّرت اسماۤء صفاته و هو ترتيب اجزاۤئه بالنسبة الي الامور الخارجة مثل اذا اسْتَقامت فقرات ظهره و انتصبَتْ و كان رأسه مما يلي السماۤء سمّي قاۤئما امّا لو لم‌يكن رأسه مما يلي جهة السماۤء كالمضطجع لم‌يسمّ قائما فتغير هذا القسم من الوضع انّما تبدّلَت الامور الخارجة و ذلك لاتغيّر نفس الشخص و كذلك القسم الاوّل من الوضع و هو التحيّز الظاهري اذا نسب الي زيد امّا اذا نسب الي الجوهر الفرد او اريد التحيّز الحقيقي المساوق لجرم زيد كمساوقة الروح للجسد بمعني عدم خروج شيء من زيد عن المكان حقيقة و لا شيء من المكان عن زيد كذلك فانه اذا تبدّل هذا لوضع لم‌يكن زيد زيداً و كذلك الكم الحقيقي اذ لم‌يكن زيد زيداً الّا بذلك الكم بخلاف الكمّ الظاهري كالسِّمَن و الضعف فان هذا لاتغيره لانه ليس هو الكم المقوّم لحقيقة زيدٍ و انما تقوّمت بالكمِّ الحقيقي و كذلك الكيفيات كالسواد و البياض و كذلك ايونه جمع اين و اوقاته فان ظواهرها اذا تبدّلت لاتغيّر زيداً كالمكان اذا اراد منه المواضع التي ينتقل منها اليها و كالحركة اذا اراد منها الكون الاول في المكان الثاني فانّ تبدّل هذه لاتغيّر الذات لانّها لم‌تتقوم صورتها التي هي قابليّتها بهذه الامور الظاهرة المسماة بهذه الاسماۤء لغةً بخلاف الحقيقيّة فانها اذا تبدّلت كان زيدٌ ترابا مثلا او فحما او ملحاً او هواۤء او غير [ص 166] ذلك و المصنف بني استدلاله علي هذه الظواهر التي لاتتقوم بها الاكوان .

قال : الاصل الثالث ان الوجود الشخصي مايجوز اَنْ يشتدّ و يتقوّي و انّ الهوية الجوهريّة مما يشتَدُّ و يتحرّك في جوهريّته حركة متّصلة علي نعت الوحدة الاتّصاليّة و الواحد بالاتّصال واحد بالوجود و التشخص و قول المشاۤئين ان كل مرتبة و حدّ من الاشدّ و الاضعف نوع اخر و ان كان حقا لكن بشرطِ الّايكون ذلك الحدّ حدّاً بالفعل لكن من الحدود المفروضة في الاشتداد فانها غير موجودة بالفعلِ و الّا يلزم حصول انواع غير متناهية بالفعل محصورة بين حاصرَيْن بل الموجود بالفعل هو الامر الشخصي المتوسّط بين الحدود المفروضة في كل حركةٍ و استحالةٍ سواۤء كانت في الجوهر او في الكيف و غيره .

اقول الوجود الشخصي اي الحادث يجوز اَن يشتدّ و يضعف و هذا علي قواعدنا ظاهر لانه حادث اخترعه صانعه لا من شيء و انما هو اثر فعله و حيث كان ظهوره متوقفاً علي قابليته كان في نفسه علي حسب قابليته في الشدة و الضَّعْف لانه تأكيد الفعل فهو كاشراق الشمس ان كان ما وقع عليه صقيلاً صافياً كالمرءاة اشتدّ ضياۤءً فٖي نفسِهٖ و ان كانَ غيرَ صقيلٍ كالجدار ضعف ضياۤؤهُ مع اَنّ اشراقَ الشمس واحدٌ كذلك الوجود الشخصي ان صفت قابليته و صلحت باخلاص الشخص في الاعمال و صحة الاعتقاد و الاستقامة اشتدّ و قوي و ان ضعفت قابليته و اظلمت بالشوب في الاعمال و عدم صحة الاعتقاد و الاستقامة ضعف بل يكون ميتا كما قال تعالي اموات غير احياۤء بل مقبوراً في قبر طبيعته كما قال تعالي و ما انت بمسمعٍ من في القبور ، و امّا علي قواعدِ المصنف فلايشتدّ لذاته و لايقوي لانه ليس بحادث و القديم لاتختلف احواله و امّا ما يظهر من الشدّة و الضعف فليس ذلك فيه [ص 167] و انما هو في عوارضَ لحِقَتْه من مراتب التنزل فالشِّدّةُ و الضَّعْفُ انما هو في اللّواحق فقوله مما يشتدّ ينافي قواعده لان ما يقبل الزيادة يقبل النقيصة و مثله قوله و انّ الهويّة الجوهريّة مما يشتدّ و يتحرّك في جوهريّته فانه اذا اشتدّ و تحرّك من شيء خارج عن هويّته صحّ ما ذكرنا و ان كان من نفسه كان المقتضي للاشتداد ذاتيّاً له و الذاتي يكون بالفعل لا بالقوّة فلايصحّ الاشتداد في حقّه اِذْ كُلُّ ما يمكن للذّاتي فهو حاصل له بالفِعل فان اقتضي اشتِداداً فهو ما هو عليه فلايشتدّ زيادة الّا لمقتَضٍ طارٍ خارجيّ فلايتحرك بجوهريّته في نفسه مطلقا .

و قوله « حركة متّصِلةً علي نعت الوحدة الاتّصاليّة و الواحد بالاتصال واحدٌ بالوجود » امّا الحركة المتّصلة فهي للمتحرك و الوجود لذاته لايتحرك و ان فرض ● انه لذاته متحرّك حركة ذاتيّة كان لازما لحاله ( لان جميع ما للذات بالفعل ) الاوّل لايشتدّ بالحركة الذاتية كالافلاك و انّما يشتدّ بالعارضة فَثَبِّتِ العَرْشَ ثم انقش فانّه ان تحرّك فحركته اتصاليّة اذا اتّحدَ المقتضي و ما في المسافة اِذَا صَدَقَتْ عليه الوحدة بالاتّصال صدقَتْ عليه الوحدة بالوجود و هذا الصدق صناعي لا ذاتي اِذْ قد تصدُقُ عليه باعتبار الاتّصال التّدريجي انَّه واحدٌ مع انّه في الحقيقة و في نفس الامر متعدّد كالعلم المكتسب في الاوقات المتعددة مع عدم تخلّل الفصل و التعطيل اذَا كَان مختَلِفاً و مع تخلّل الفصل و التعطيل اذا كٰانَ متّحِداً و قوله بهذه الحركة من قاعدته المقرّرة من اثباتِ الحركة الجوهريّة و نحن نقول بها لكن لانقول بانّ المقتضي من ذات الجوهر بل المقتضي الاعراض التي هي حدود الماهية و الصورة فانّها هي المحركة للجوهر فيترقّي في مراتب الشدّة بصفاۤءِ ٱلقوابل و يتنزّل في مراتب الضّعف بضعفِها فحركته الجوهريّة التي يترقّي بها او يتنزل حركة انفعاليّة لا حركة فعليّة كما توهَّمه المصنف و اتباعه .

[ص 168] و قوله « و قول المشاۤئين ان كل مرتبةٍ و حَدٍّ من الاشدّ و الاضعف نوع اخر » يريدون به اَنَّ مَا امْتَدَّ علي نحو الاشتداد او الضّعْف تكون اجزاۤؤُهُ مُشكِّكةً فكلّ جزءٍ يصدق عليه التَّسَاوي و لو بحسب الصُّورة اَو الادراك او التّأثير او التأثر او غير ذلك يفرض كونه نوعاً علي حدةٍ و الممتدّ بمجموعه كالجنس لها و انّما كانت هذه الاجزاۤء اَنْواعاً مع انّها من حقيقةٍ واحدةٍ لما قلنا انّ الكمّ و غيره من المشخّصات و المشخصات هي الفصول الجزئيّة لزيد و عمروٍ فهي من الفصل ٱلّذي هو النّاطق كزيدٍ و كعمروٍ من الحيوان الناطق الذي هو النوع و لا شك انّ الانواع من حقيقةٍ واحدة و ان الحصّة الحيوانيّة لكل نوع صالحة للنوع الاخر و انما المميّز بينها الفصول و الفصول في الحقيقة هي القابليّات و الصور و قد ذكرنا انَّها تتألّف من ستّة الكَمّ و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و من ستّة متَمّماتٍ للستة الاولي الوضع و النّسبة و الاضافة و الاذن و الاجل و الكتاب و هذه المميزات في الاجناس جنسيّة و في الانواع نوعيّة و في الاشخاص شخْصِيّةٌ و اجزاۤء المشكك تمايزُهَا بهذه الامور فهي انواع للحقيقة المشكِّكَةِ و ان شئتَ قلتَ جزئيّات للنوع المشكّك و المصنف بني تمايزها علي قاعدته من كونه من انفسها و شرط حقيّة ما قَال المشاۤؤن علي كون الحدّ المميّز بين كل نوعينِ منها حدّاً بالفعل فقال لكن بشرط ان يكون ذلك الحدُّ حدّاً بالفعل لا من الحدود المفروضة في الاشتداد فانها غير موجودة بالفعل ( اي ان كانت الحدود المفروضة موجودة بالفعل ) و الّا يلزم حصول انواع غير متناهية بالفعل محصورةٍ بين حاصرَيْن ( الابتداء و الانتهاء ) ● و اقول انا قد اشرنا الي ان حصول تلك الانواع المتعددة لاتتوقف علي وجود حدٍّ بالفعل بل يكفي في فرض تعدّدِها صدق تساوي كل نوع منها بحسب الصورة [ص 169] او الادراك او التّأثير او التأثر و لايتوقّف علي فصلٍ او فاصل و لايلزم حصول انواع غير متناهيَةٍ بالفعل الّا اذا اريد بالتساوي الحقيقي و الوحدة الاتّصاليّة حقيقيّة لا عرفيّة فانه يلزم حصول انواع غير متناهية بالفعل ( تعليل لقوله لايلزم ) للاكتفاۤء بالفرضيّة محصورةٍ بين ابتداۤء و انتهاۤء لارادة ( تعليل لقوله يلزم ) التساوي الحقيقي مع الاتّصالِ الحقيقي لانه مع فرض الاتصال الحقيقي السَّيَّال و ارادة الامرِ المتساوي حقيقة تحصل انواع غير متناهية بالفعل في شيءٍ محصورٍ و ذلك غير واقعٍ نعم يمكن فرض جزئيّ شخصيّ بالفعلِ بين كلّ حدَّيْن مفروضَيْنِ من كلّ حركةِ ترقٍّ او نزولٍ من نموّ او ذبُولٍ و انْقلابٍ او عدولٍ و خروج او دخولٍ و امتزاج او حلولٍ و لهذا قال المصنّف « بل الموجود بالفعل هو الامر الشخصي المتوسّط بين هذه الحدود المفروضة في كل حركة و استحالةٍ سواۤء كانت في الجوهر او في الكيف و غيره » اقول يريد ان الحركة الجوهريّة كما تكون في الجوهر تكون في الكيف و غيره و هو كما قال الّا ان باعثها ليس نفس المتحرك و الّا لكانت وضعيّة كحركة الفلك او ما بمعناها كحركة جوهر الملك و ساۤئر البساۤئط فانها لاتتحقق فيها الشدّة و الضّعف الّا بالتبع لما يقبلهما او بما يقبلهما و كما يمكن فرض وجود امرٍ شخصي بالفعل متوسط بين هذه الحدود المفروضة في كل حركة و استحالةٍ كذلك يمكن فرض امرٍ نوعي بالفعل كذلك لان المتصل الواحد له وجود واحد و له ماهيّة واحدة و لكن بالنسبة الي رتبته من التحقّق و اما بالنسبة الي ما تحته فوجودات متعددة و ماهيات متكثرة و من ثَمّ اطلق المشّاۤؤن القول بنوعية كل مرتبة و حدّ بدون شرطية الفعليّة اذ لا فرق بين وجود الامر الشخصي المتوسط بين الحدود المفروضة و بين وجود النوع المتوسط بين الحدود المفروضة الّا بالاعتبار في اتّحاد الشيء المعتبر كما اشرنا اليه سابقا .

[ص 170] قال : و الذي يكشف عن ذلك و يدفع به الاشكال ان الوجود هو الاصل المتقدّم في الوجودية و الماهية تبع له اتباع الظل للشخص و المتصل الواحد له وجود واحدٌ و له حدود مفروضة و متي كان المحدود واحداً كانت الماهية واحدة غير متكثرة لكن اذا انتهي الي حد و وقف عنده كان متعيّن الماهية التابعة لذلك الحدّ و بالجملة كلما كان الوجود اشدّ و اقوي كان اكمل ذاتا و اتم جمعيّة للمعاني و الماهيات و اكثر اثاراً و افعالاً الاتري انّ نفس الحيوان لكونها اقوي وجوداً من ساۤئر النفوس النباتية و الصور العنصريّة تفعل افاعيل النبات و الجماد و العناصر و ما يزيد عليها و تفعل نفس الانسان افاعيلها كلها مع النطق و العقل يفعل الكل بالاشارة و البَارِئ يفيض علي كل ما يشاۤء .

اقول قوله « و الّذي يكشف عن ذلك » اي يدلّ عليه دلالةً تكشف عن حقيقته و المراد من المشار اليه بذلك هو انّ الموجود بالفعل هو الامر الشخصي المتوسّط بين الحدود المفروضة في كل حركة و استحالة و ذلك الدّليل الكاشف ليس كاشِفاً من نحو مادّته و صورته و انّما هو مبنيّ علي طريقته و قواعده فمن سلَّمها له و قبِلها منه ظهرَ له صحّة دليله بمطابقة مراده غالباً و ليس هذه ضابطة الدليل و دليله هنا هو ان الوجود هو الاصل المتقدم في الوجوديّة و الماهية تَبعٌ له اتّباع الظّلّ للشّخص اقول و هٰذا الكلام بانّ الوُجُود اصل و هو يريد بالاصل انّه غير الماۤدة و غير الصورة و غيره منهم ( اي من الغير ) مَنْ قال هو الماۤدة و منهم من قال الاصل هو الماهية و امّا الوجود فعارض عليها و منهم من قال بعكس هذا و غير ذلك من الاقوال و هو بني مذهبه علي طريقةٍ اضطربت فيها عباراته في كتبه و حاصلها ما ذكرنا سابقاً و هو الوجود حقيقة واحدة تظهر في افرادٍ تصدق علي كلّ منها علي نحو التشكيك فصِرف الوجود البحت [ص 171] الذي لا شوبَ فيه اصلاً هو الحق تعالي و ما لحقه شوبٌ من نقاۤئص و اعدام فمنسوب الي الحوادث من حيث الانضمام و امّا من حيث نفسه فلم‌يلحقه شيء و ما يلحقه من عوارض مراتب تنزلاته فلاحقة للضماۤئم و اما ذاته فباقية علي حالة الوجوب و لايدخل في الامكان بذاته و انما يدخلها بالعرض و جميع هذه الافراد ما نسب الي الحق تعالي و ما نسب الي الخلق فالوجود صادق عليها بالاشتراك المعنوي لدخول جميعها تحت حقيقة واحدة فوجودات الحوادث من سنخ الوجود الحق تعالي عما يقول عُلوّاً كبيراً .

فقوله « ان الوجود هو الاصل المتقدّم » ان حملناه علي مذهبه فعباراته كما قلنا لك مضطربة لانه يقول بما سمعت مما قلنا عنه و يقول ايضا ان الوجود المنسوب الي زيدٍ اتّحدَتْ به ماهيّته في الخارج فهي عارضة عليه و في الذهن هو عارض عليها و يقول الماهية هي الماۤدة و الصورة و وجود زيد هو حقيقته و اصله و هو سارٍ في مادة زيد و صورته فان حملناه علي الماۤدة كما هو اختيارُنَا صحّ كونه مما يشتدّ و يضعف و ذلك بقبوله للمدد فحركته الجوهرِيّة بقابليته لا من نفسه و القابليّة هي الماهية بالمعني الاول فيكون الممتد بالاشتداد و الضعف في قوس الصعود او النزول صح ان يشتمل علي انواع بمعني ان كل شيء شخصي متوسط بين حدين مفروضين من حركتين او استحالتين او من مختلفيهما فان له وجوداً يعني ماۤدة اتّحدت في كل المميّزات و ماهية يعني صورة مؤلفة من تلك المميزات فانه قد صدقت عليه الوحدة التّشخصيّة من حيث المدركية او الاعتبار في نفسه و بالنسبة الي ما تحته تصدق عليه الكثرة من حيث جهة الاعتبار او المدركية و صح ان يشتمل علي جزئيات بالفعل بمعني ان كل شخصيّ متوسطٍ بين حدين مفروضين من حركتين او استحالتين او حركة و استحالة فان له وجوداً يعني ماۤدة تميزت بمشخصاته التي هي [ص 172] ماهيته و صورته و قابليته و اذا حملناه علي مذهبه اختلفت معانيه و اضطربت لان الوجود في نفسه عنده واجب و الواجب لاتصح عليه الحركة الجوهريّة و لا الاشتداد و لا الضعف و لا الامتداد و لا التشكيك و لا التعدد الذّاتي و امّا التعدّد في الاثار فمن تعدّد الافعال و لاينافي تعدد الافعال اتّحاد الفاعل فان الاثار تعدّد بتعدّد القابليات كتعدد الصور في المرايا المتعددة من المقابل الواحد و كل شيء يقبل الاشتداد و الضعف او الامتداد او التشكيك او التعدّد الذاتي و امثالها فهو حادث اذ ليس احد من العقلاۤء يطعن في دليل حدوث العالم في قولهم العالم متغيّر و كل متغيّر حادث فاذا قبل الوجود الاشتداد و الضعف سواۤء من نفسه ام من غيره كان حادثا و لايصح ان ينتهي الحادث الي غير حادث لان ما يخلق منه ان كان حادثاً فذلك المطلوب و ان كان قديما فان كان ذلك الحادث ان كان لم‌يزل غيراً تعدّدت القُدَماۤء سواۤء كان خلق من ذات القديم ام من ظله ثم لا معني لقولنا خلق و ان كان طرءَ بعد القديم رتبة او وقتا تغيّرت احوال القديم بان كان وحده ثم كان معه غيره و كان لم‌يخرج منه شيء ثم خرج و كان لاينسب اليه شيء ثم نسب و متغيّر الاحوال حادث و ان قال المصنّف بحدوث هذه طالبناه بتفسير معني هذا الحدوث هل معناه انه كان و لم‌يكن ام معناه انه ظهر و كان خفيا ام تنزّل و كان عاليا ام انّ النازل ظلّ العالي ام ان معناه انه شأن من شؤنات الحق الذاتية الغير المجعولة اقترن بالماهية الثابتة في علم الحق تعالي الذي هو ذاته و تلك الماهيّة غير مجعولة و لما اقترنا كَان الاقترانُ حادِثاً فنُسِبَا الي الحُدوث لذلك الاقتران و الحاصل اني اكرِّرُ هذه المعاني و اَمْثالها تنبيهاً للغافلين و تذكرةً للمتّقين ، فقول المصنف في دفع الاشكال و هو انك اشترطتَ في قول المشاۤئين ان تكون الحدود المميّزة للانواع حدوداً بالفعل و لاتكفي الحدود المفروضة [ص 173] لئلايلزم حصول انواع غير متناهية محصورة بين حاصرين و ذلك ممتنع فكيف جوّزْتَ حصول جزئيّات كل جزئي شخصي بالفعل متوسطٍ بين هذه الحدود المفروضة في كل حركة و استحالة يريد به انّ الامر الشخصي المتوسط بين الحدود المفروضة في كل حركة و استحالةٍ موجود بدليل ان الوجود اصل لذلك الامر متقدّم في وجوديته علي الامر الشخصي و الامر الشخصي و ان توقف ظهوره علي الماهية الا ان الماهية تابعة للوجود كتبعية الظل للشخص و لما كان المتّصل الواحد من المشكك الممتدّ له وجود واحد هو اصل ذلك المتّصل و لذلك المتّصل حدود مفروضة و كان المحدود واحدا لانه محدود و له وجود واحدة كانت ماهيته واحدة غير متكثرة و كون المتصل واحداً انما هو بحدوده لانه اذا انتهي الي حدٍ قد فُرِضَ له و وقف عنده تعينت ماهيته بتبعيتها لذلك الحدّ فتخصَّصت وحدة هذا المتّصل لوحدة وجوده الّذي هو اصله و لوحدة ماهيته تبعاً لوحدة حدّه المنتهي عليه و ان كان مفروضاً بخلاف النوع لانّه و ان كان واحداً الّا انّه متَكثر باعتبار افراده فلايتحقق الّا بالحدّ الفعلي و نحن قد ذكرنا صحة فرض المشاۤئين و اِنْ لم‌يكن حَدٌّ بالفعل لانّ النَّوْع واحد فيثبت في نفسه بما ثبت به الشخصي و انّما يفرض تكثّره بالنِسبة الي ما تحته لان الحدّ الّذي يقف عنده ذلك مفروض فيكون الوقوف مَفْرُوضاً و لايتحقّق فرض الوقوف لامر شخصي عند حدٍّ فَرْضي الّا باعتبار الصورة او المدركية او التأثير او التأثر و ما اشبهَها و التّعين الاعتباري لايُنَافي التكثّر و الشمول الذّاتي لاسيما اذا كان التكثر و العموم بالنسبة الي ما تحته فيصح فرض الانواع كما يصح فرض الاشخاص .

و قوله « و بالجملة كلّما كان الوجود اشدّ و اقوي كان اكمل ذاتاً و اتمّ [ص 174] جمعيّةً للمعاني و الماهيات و اكثر آثاراً و افعالاً » يريد بكلامِهٖ هذا ان الوجود لَمَّا كٰانَ له حركة جوهريّة لذاته كان مختلف المراتب في الشدّة فاستطرد ذكر بعض اوصاف المراتب المختلفة و لا ريب ان كل ما كان اقوي كان اكمل ذاتا و اتمّ جمعيّة اي اتمّ شمولا و احاطة بمعني ان كل ما يفعله الاضعف يفعله الاشد و زيادة و لذا قال « الاتري ان نفس الحيوان لكونها اقوي وجوداً من ساۤئر النفوس النباتية و الصور العنصريّة تفعل افاعيل النبات و الجماد و العناصر و ما يزيد عليها » يعني من افعال الحيوانية ، و تفعل النفس الانسانية كلّ ما تفعله الحيوانية و تفعل ما يزيد عليها و هو النطق و ما يرتبط به و العقل يفعل كل ما تفعله النفس الانسانية و زيادة الاشارة و ادراك المعاني المجردة عن الصور الجوهرية و المثاليّة الي هنا ، كلامه صحيح .