و قوله « فهي مجمع بَحْرَي الجسمانيات و الروحانيات » يعني انّ النفس الانسانيّة الناطقة مَجمع بحري الجسمانيات لانها جسم و اصلها الطبيعة الجسمانية و تكون عقلاً و هذا مبني علي قوله الاوّل و امّا نحن فنقول امّا انها جسم بمعني انها نهاية ما يَصدق عليه اسم الاجسام و بمعني انها مركبة من الماۤدّة النورانية و الصورة الجوهريّة مع كونها من المفارقات المجردة عن الماۤدة العنصريّة و الطبيعيّة فصحيح و امّا انها ليست في كثافة الاجسام و لا لطافة العقول فصحيح فبلحاظ هذا المعني تكون برزخا بين عالمي الاجسام و العقول فتكون مجمع ذَيْنك البحرين بمعني جمعها لبعض صفات كلٍ منهما و امّا بمعني ما ارادَ فليس بصحيح و قد مر بيانه مكررا .
و قوله « و كونها آخر المعاني الجسمانية دليل علي كونها اوّل المعاني الروحانية » فيه انّ كونها آخِر المعاني الجسمانية دليل علي عدم كونها اول المعاني الرُّوحَانيّة كما اَنّ آخر المعاني النباتيّة لايكون اوّل المعاني الحيوانيّة و كما ان عالم المثال برْزخ بين الاجسام و المجردات و ليس واحداً منهما و لا من احدهما الّا علي نحو ما ذكرنا مِنْ انّ فيه بعض صفات كلٍّ منهما كما هو شأن البرازخ لان كلّاً من العالمَيْنِ مغاير للاخر و المغاير من حيث هو مغاير لايكون غير مغاير و لايكون كذلك الّا مع تعدد الصفات ليَكون ببعضها مغايراً و ببعضها غير مغاير و الذات البسيطة لايكون كذلك نعم [ص 123] قد تكون الذات المركبة كذلك و لكنها مغايرة لهما كالهواۤء بالنسبة الي النار و الماۤء .
و قوله « فان نظرتَ الي جوهرها في هذا العالم وجدتها مبدأَ جميع القوي الجسمانيّة و مستخدم ساۤئر الصور الحيوانية و النباتيّة و ان نظرت الي جوهرها في العالم العقلي وجدتها في بداية الفطرة قوة محضة لا صورة لها في عالم العقل لكن من شأنها ان تخرج في باب العقل و المعقول من القوة الي الفعل » اعلم ان النفس لايوجد جوهرها في هذا العالم و انّما يوجد فعلُهَا فيه و امّا جوهرها فلاينزل عن عالم الملكوت و كونها مبدأ جميع القوي الجسمانية من جهة فعلها لا من ذاتها الاتري انّها في الملكوت و فعلها في الملك لانّ الفعل لايقع في رتبة الذات و اَيْضاً اِنْ اَرادَ بالقُوَي الجسمانيّة القوي المدركة فقد انكرها و انما نسب الادراك و الشعور الي النفس كما تقدّم في الحواۤسّ الظاهرة بل جعل مدركاتها صوراً ملكوتية مماثلة للظاهرة و بالجملة هناك اخرج النفس عن الملك و اخلصَها للملكوت حتي في افعالها و هنا جعلها من عالم الملك بذاتها و قال انها اخر المعاني الجسمانية و ان اراد بالقوي الجسمانية القوي الغير المدركة لميصح كلامه اذ ليست مَبْدأً للعصب و العروق و ما فيها من القوي الّا ان يجعلها قويً حيوانيّة و حينئذٍ يصح هذا الجعل و يبطل مٰا قرّرَهُ هُنَاكَ في الحواۤس الظاهرة .
و قوله « و مستخدِم ساۤئِر الصُّوَر الحَيَوانِيّة » صحيح لكنّه بفعله وَ لا رَيْبَ اَنَّ فِعْلَها مرتبط بعالم الملك و لهذا قالوا النفس مقارنة باَفْعالِهَا بالاجْسَامِ و النباتات .
و قوله « و ان نظرتَ الي جوهرها في العالم العقلي وجدتها في بداية الفطرة قوّة محضة لا صورة لها في عالم العقل » اذا اراد كون معناها في العقل فصحيح و لكن ليس خاۤصّاً بالنفس بل الجدار معناه في العقل و المراد بالمعني العَقْلي [ص 124] انّه جوهرٌ لا صورةَ لَهُ اِذِ ٱلصور مَبادٖيها في الرّوح و تمامها في عالم ٱلنفس و ان اريد بالعقل العقل الجزئي فهي فيه معني ظلّي منتزعٌ من الخارجي و لا صورة لذلك المعني الظلي لكنه عنَي به العقل الكلّي و معناها فيه جوهر لا صورة له و ليس الموجود في العقل عين النفس و انما هو معناها و هو بمنزلة البزر للثمرة علي الظاهر و في الحقيقة هو كالنار الكامنة في الحجر يخرج مِثَالها بالحكّ و اصلها باقٍ كما هو قبل الحكّ و امّا البزر فانه يفني في الزرع و يخرج في السنبلة باَطْواره و معني النفس الَّذي في العقل الكلّي اذا ظهر بصورتها الظاهرة لايذهب معناها منه كما في الحبّة في السنبلة بل هو باقٍ في كما هو قبل الظهور و لميكن العقل فاقِداً لشيء مما فيه من المعاني فافهم .
قال : لكن من شأنها ان تخرج في باب العقل و المعقول من القوّة الي الفعل و نسبتُها الأن الي صور ذلك العالم نسبة البزر الي الثمرة و النطفة الي الحيَوان و كما ان النطفة بالفعل حيوان بالقوة فكذا النفس بشر بالفعل عقل بالقوة و اليه الاشارة بقوله تعالي قل انما انا بشر مثلكم يوحَي اليّ انّما الهكم الٰه واحدٌ فالمماثلة بين نفس النبي صلي الله عليه و اله و ساۤئر النفوس من البشريّة في هذه النشأة و لمّا خرجت بالوحي الالهي من القوة الي الفعل صار افضل الخلاۤئق و اقرب الي الله من كل نبيّ و ملكٍ لقوله صلي اللّه عليه و اله لي مع الله وقت لايسعني فيه ملك مقرّب و لا نبي مرسَلٌ .
اقول قد ذكرنا علي قوله لكن من شأنها ان تخرج في باب العقل و المعقول من القوة الي الفعل فيما مضي و فيما يأتي عدم صحة ذلك الخروج و علي تمثيل نسبتها الأن الي صور ذلك العالم بنسبة البزر الي الثمرة لان ذلك اليق لتمثيل قوله اذا نظرتَ الي جوهرها في العالم العقلي مع ما فيه من النقص و انما التمثيل الصحيح ما مثّلنا به من النار الخارجة من الحجر [ص 125] بالحَكِّ و لذا ذكرناه هناك و تمثيله لها في هذا العالم بالنسبة الي تطوّرها حتّي تكونَ عقلاً بالبزر بالنسبة الي الثمرة ايضا لايصح لان البزرَ ثمرته مثله فهذا يصحّ علي قولنا انها لاتخرج عن طورها النفساني كبزر الحنطة فان ثمرته حنطة من نوعه و لاتكون تمراً بل الذي من شأنها اَلّاتتعدّي طورها و ليس من شأنها ان تخرج في باب العقل و المعقول منَ القوة الي الفعل نباتها بان ينتقل ذلك المعني الي عين النفس بحيث يكون العقل خاليا منه و انّما يخرج مثالها البدلي كما تخرج النار من النار الكامنة في الحجر بالحَكِّ و اراد بصور ذلك العالم المعاني العقليّة و ليس كذلك بل الصور صور و المعاني معانٍ اذ الصور هيئاتٌ هندسيّة و المعاني هيئاتها معنويّة و قوله « و النطفة الي الحيوان » يريد به ان نسبة هذه النفس في هذه الحالة الي صور ذلك العالم اي العالم العَقْلي بمعني ترقّيها في تطوراتها حتي تكون بعينها عقلاً نسبة البزر الي الثمرة و النطفة الي الحيوان و قد سمعتَ ما قلنا في النفس و انّها لاتكون عقلاً بل اذا كملت و عادت اليه شابهته كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الاعرابي حيث قال في النفس اللاهوتية الملكوتية اصلها العقل منه بدئت و عنه وعت و اليه دلّت و اشارَتْ و عودتها اليه اذا كملت و شابهَتْه ه ، لان هذه النفس هي التي نسميها بنت العقل اذا كملت شابهته لا انها تكون عقلاً لان هذه هي النفس الكلية و هي اللّوح المحفوظ و العقل هو القلم و اللوح لايكون قَلَماً و ليست هذه النفس المتقلّبة في الصّور الحيوانيّة لان المتقلّبة هي النفس الامّارة كما مرّ و هي اذا تعلّمت من العقل حتّي كَانَتْ مطمئنّة كانت اخت العقل و قد سمعت ايضا ان التمثيل بالبزر الي الثمرة ليس بمطابق و تمثيل النسبة بالنطفة ايضا غير مطابق فان النطفة لاتكون نفسا حيوانية فلكية و لا ناطقة قدسية لان النطفة لايكون من ذاتها الّا النفس النباتيّة و [ص 126] لكن تتلطّف منها ابخرة ناريّة و هواۤئيّة و ترابيّة اجزاۤء سواۤء من كل عنصر جزؤ و اجزاۤء ماۤئيّة جزءان فتجتمع الاجزاۤء الخمسة و تطبخها الطبيعة بمعونة اشعّة الكواكب التي يلقيها كرّ الافلاك طبخا معتدلاً و تتلطّف حتي تشابه في اللّطافة و الاعتدال جرم فلك القمر فتشرق نفسُه عليها فتظهر فيها بذلك الاشراق النفس الحيوانية الفلكية الحسيّة و قد كانت النفس الناطقة القدسيّة غيباً في غيب النطفة النباتيّة اي نطفةً معنويةً نزلَتْ من شجرة المزن من عليّين و تعلّقت بمادّة النطفة الظاهرة لان الناطقة كمنت في الفلكية و الفلكية كمنت في النباتيّة و النباتية تعلّقَتْ بالنطفة الظاهرة و تظهر الحيوانيّة الحسيّة الفلكيّة بالولادة الجسمانية عند تمام الاربعة الاشهر و بدؤ ايجادِ الناطقةِ القدسيّة و ظهورها عند الولادة الدنياويّة فتتعلّق بالحسّيّة تعلّق اشراق كتعلقها اي الحيوانية الحسّية بالنباتيّة فالنطفة المني النباتية لاتكون حيوانية حسّية كما ان الحسّية لاتكون ناطقة فضلاً عن ان تكون عقلاً لا بالفعل و لا بالقوّة نعم لو اراد اللّه سبحانه ان تكون عقلا كانت كما اذا اراد ان يجعل الصخر و المدر نبيّاً فانه علي كل شيء قدير .
و قوله « و كما ان النطفة بالفعل حيوان بالقوّة فكذا النفس بشر بالفعل عقل بالقوة فيه ان النطفة نباتيّة و هي بالقوّة جسم حيواني اي تتعلّق به الحيوة الحيوانيّة الحسّيّة من الافلاك لا انّها حيوة بالقوة و انّما هي محلّها كما قلنا .
و قوله « فكذا النفس بشر بالفعل عقل بالقوّة » مثل الاوّل لانه يبني استدلالاته علي المجازفة و الالفاظ و الظواهر فان البشر بمعني الخلق و سمّي بشراً لظهوره و لانه خلق من بشرة الارض و المراد به الجسم اذ ليس النفس بشراً و انّما البشر الانسان ٱلظاهر ذو الجسد لا ذو النّفس و الّا لصحّ كون الملك بشراً لانه نفس فلا معني لتنظيره فلاتكون النفس عقلاً لا بالفعل و لا بالقوّة كما لايكون التّراب الظاهر نفساً بالقوّة .
[ص 127] و قوله « و اليه الاشارة في قوله تعالي قل انّما انا بشر مثلكم يُوحَي اليّ انّما الهكم الٰه واحد » في الاحتجاج في تفسير العسكري عليه السلام في سورة البقرة قال عليه السلام في هذه الاية يعني قل لهم انا في البشريّة مثلكم و لكن ربّي خصّني بالنّبوة دونكم كما يخصّ بعض البشر بالغني و الصحة و الجمال دون بعض من البشر فلاتنكروا ان يخصَّني ايضاً بالنبوة ه ، فالمراد بالبشر شخص ظاهر كغيره في الظهور لا كالملائِكة و العقول و الارواح و النّفوس و خصّه بالنّبوة و تأويله بانّ نفسه بشر محسوس كغيره ثم جعله نبيّا حيث كان البشر الظاهر صالحاً لنهاية درجات الامكان و هذا التّأويل انّما يصح لو كانت الجمادات و النباتات و الحيوانات و النفوس و الارواح و العقول من طينةٍ واحدة كما توهّمه البعض فانّه علي فرض هذا الوهم يمكن التأويل للاية بما قال تأويلاً غير صحيح اذ علي هذا الفرض يرد علي هذا التأويل انّ لطيف الشيء لايساويه كثيفه و لايكون الكثيف منه لطيفه الّا بقلب طبيعته و امّا علي القول الحق من انّ طينة العقول لايكون لشيء من الاجسام فيها نصيب فلايصحّ ان يكون النفس ماۤدّية و لا عقليّة بل كما قال تعالي و ما منّا الّا له مقام معلوم و لاتكون البشريّة الّتي ساوَي فيها الناس صلي اللّه عليه و اله هي التي كانت محلّاً للنبوّة و الوحي فان محلّ التعظيم و رفع الشأن منه لايساويه فيه احد روي في بصاۤئر الدرجات بسنده الي محمد بن مروان عن ابيعبدالله عليه السلام قال سمعته يقول خلقَنا الله من نور عظمته ثم صوّر خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش فاسكن ذلك النور فيه فكنّا خلقا و بشراً نورانيّين لميجعل لاحدٍ في مثل الذي خلقنا منه نصيباً و خلق ارواح شيعتنا من ابدانِنا و ابدانَهم من طينة مخزونة مكنونة اسفل من تلك الطينة و لميجعل [ص 128] الله لاحدٍ في مثل الذي خلقهم منه نصيباً الّا الانبيٰاۤء و المرسلين فلذلك صرنا نحن و هم الناس و صار النّار هَمجاً في النّار و الَي النَّارِ ه ، و الاحاديث في كون طينتهم عليهم السلام لايشاركهم فيها غيرهم و في كون الوجودات الحادثة مراتب بعضها شعاع من بعض و ان كلّ مرتبة لاتخرج عن طور نوعها كثيرة جدّاً و من نظر في ايات الله سبحانه و امثاله الّتي ضربها لعباده في الٰافاق و في انفسهم ظهر انّ الحقّ ما دلّت عليه الاحاديث بحيث يشاهد ذلك رأي العين و انما خفي الحق مع ظهوره و وضوحه عن الاكثر لانّهم مااتوا البيوت من ابوابها و ذلك لانّ الله سبحانه امرهم بالاقتداۤء بهداةٍ وضعهم لهم و الاخذ عنهم و الردّ اليهم و اقتدوا بغيرهم و اخذوا عنهم فعُدِل بهم عن الطريق و هم لايعلمون انظر الي المصنف و قوله فالمماثلة بين نفس النبي صلي اللّه عليه و اله و ساۤئر النفوس من البشريّة يعني ان اصل نفسه الشريفة صلي الله عليه و اله و نفوس العلوج و الاعراب سواۤء في الطينة و انّما فضلت نفسه نفوسهم بالوحي و لايتدبّر قول اللّه الله اعلم حيث يجعل رسالته و كأنه ماسمع الاحاديث المتواترة معنيً انّهم عليهم السلام يتكلّمون في بطون امّهاتهم و انّ فاطمة عليها السلام تعلّم امّها خديجة احكام عباداتها و ما تحتاج اليه و كان الامام من آلمحمد صلي الله علي محمد و اله اذا خرج من بطن امّه وضع يديه علي الارض و سجد لله سبحانه و اذا رفع رأسه قال له ابوه يا بني اقرأ فيقرأ الصحف و التورٰية و الزبور و الانجيل و القرءان و لو اَذِنَ له ابوه لاخبر بما كان و ما يكون الي يوم القيمة و في خطبة يوم الغدير و الجمعة لعلي عليه السلام كما رواه الشيخ في المصباح قال عليه السلام و اشهد انّ محمّدا عبده و رسوله استخلصه في القدم علي ساۤئر الامم علي علمٍ منه انفرد عن التشاكل و التّماثل من ابناۤء الجنس و انتجبه آمِراً [ص 129] و ناهيا عنه اَقامَهُ في ساۤئر عالمه في الاداۤء مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الّا هو الملك الجبّار قرن الاعتراف بنبوّته بالاعتراف بلاهوتيّته و اختصّه من تكرمته بما لميلحقه فيه احد من بريّته فهو اهل ذلك بخاصّته و خلّته اذ لايختصّ مَن يشوبه التغيير و لايخالِلُ من يلحقه التّظنٖين و امَر بالصلوة عليه مزيداً في تكرمته و طريقا للداعي الي اجابته فصلّي الله عليه و كرّم و شرّف و عظّمَ مزيداً لايلحقه التّنفٖيد و لاينقطع علي التأبيد الخطبة ، فبالله عليك تأمّل كلامه و وصفه عليه السلام لهذا النبي السيد الاكبر مثل قوله استخلصه في القدم علي ساۤئر الامم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناۤء الجنس و مثل قوله فهو اهل ذلك بخاۤصّته و خلّته و مثل قوله اذ لايختصّ من يشوبه التغيير الخ ، فهل مثل هذا صلي اللّه عليه و اله تكون نفسه من نوع نفوس العلوج و الاكراد و البوادي الذين هم اجدر الّايعلموا حدود ما انزل اللّه علي رسوله صلي الله عليه و اله فاذا فهمتَ ما ذكره عليه السلام و ما اشرنا اليه ظهر لك من غير احتمال منافٍ و لا شبهة انّه صلّي الله عليه و اله انّما بلغ ما بلغ بالوحي لكون نفسه الشريفة من الملكوت الاعلي خلقها الله سبحانه من طينةٍ مكنونة عنده لميشاركه فيها احد الّا اهل بيته الطاهرون عليهم السلام و اليه الاشارة بقوله و انك لعلي خلق عظيم و قوله و سراجاً منيراً و في الحديث اشارة بيّنة لاهل الاشارة في قوله عليه السلام لايصعد الي السماۤء الّا ما نزلَ منها اذ كل شيء لايتجاوز ما بُدِئ منه و قال جبريل عليه السلام لو تقدّمتُ انملةً لَاحترقتُ و في قول اميرالمؤمنين عليه السلام المتقدّم في حديث الاعرابي في الانفس قال عليه السلام في النفس النباتية و الحيوانيّة الحسّيّة فاذا فارقت عادت الي ما منه بُدئت عودَ ممازجة لا عودَ مجاورَةٍ و في النفس الناطقة قال عليه السلام فاذا [ص 130] فارقت عادت الي ما منه بديـٔت عَوْدَ مجاورةٍ لا عودَ ممازجةٍ ه ، لانها خرجت من مبدئها متميّزة متشخصة فتعود اليه كذلك بخلاف النباتيّة و الحيوانية الحسّيّة و لو كانت مثلهما لكانت مثلهما اذا عادت الي ما مِنهُ بدئت انعدمت صورتها و بطل فعْلها و وجودها و اضمحلّ تركيبها فاين الثريّا و اين الثري و لو كانتا اَصْلاً لها لَكانَتْ مثلهما .
و قوله « لقوله صلّي اللّه عليه و اله لي مع اللّه وقت لايَسَعُني فيه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل ، ه » هذا ممّا لا كلام فيه و لكنه لا شاهد له فيه و هذا الوقت هو حالتهم عليهم السلام في المقامات التي اشار اليها الصادق عليه السلام في قوله لنا مع اللّهِ حالاتٌ نحن فيها هو و هو نحن و هو هو و نحن نحن ه ، و في رواية الّا انّه هو و نحن نحن ، و هذه حالة كونهم مَحاۤلّ مشيّته و السن ارادته و تلك مثل الحديدة المحميّة بالنّار فانها حينئذٍ هي النار من حيث الحرارة و الاحراق و النار هي و من حيث الذات النّار النار و الحديدة الحديدة و قوله صلي الله عليه و اله لايسعني فيه لانّه ح بابُ اللّٰهِ الي جميع خلقه و لايكون احد بعده و بعد اهل بيته يقوم مقامهم لان مَن سواهم لايحتمل ان يكون واسطة بين اللّهِ عز و جلّ و بين خلقه اجمعين و الي هذا المعني اشار تعالي في قوله ماوسعني اَرْضي و لا سماۤئي و وَسِعني قلب عبدي المؤمن ه ، اذ غير عبده المؤمن صلّي اللّه عليه و اله لايسع جميع مرادات اللّه في خلقه و ان وسِع البعض .
قال : قاعدة اعلم انّ النفوسَ الخارجة من القوّة الي الفعل في باب العقل و المعقول قليلة العدد نادرة الوجود جدّاً في افراد الناسِ و الغالب من افراد النفوس هي النفوس الناقصة التي لمتصر عقلاً بالفعل و لكن لايلزم من ذلك بطلان تلك النفوس بعد الموت كما ظنّه اسكندر الافروديسي اذ مبني ذلك [ص 131] الظن علي انّ العالم عالمان عالم الاجسام الماۤدّيّة و عالم العقول و ليس كذلك بل انّ في الوجود عالما اخر حيوانيا محسوس الذات ● لا كهذا العالم يدرك بحواۤسّ حقيقيّة لا بهذه الحواۤس الدّاثرة و ذلك العالم منقسم الي جنّة محسوسة فيها نعيم السعداۤء من اكلٍ و شرب و نكاح و شهوة و وقاع و كلّ ما تشتهيه الانفس و تلذّ الاعين و نار محسوسة فيها عذاب الاشقياۤء من حميم و زقّوم و حيّاتٍ و عقارب .
اقول انّ النفوس الخارجة من القوّة الي الفعل بان تكون عقلاً بالفِعْلِ اِنْ ارادَ به حصولها في عالم الاكوانِ فانّه لميكن و لايكون علي جهة الاقتضاۤء و التبيين الّا ان يشاۤء الله فانّه ما شاۤء اللّه كانَ و ما لميشأ لميكن و ان اراد حصولها في عالم الامكان فجميع النّفوس كذلك و ان كانت مختلفةً في انفسها من قلّة الوساۤئط و كثرها و المصنف بناۤء علي كلامه المتقدّم اراد هنا ان بعض النفوس تكمل فتكون عقلاً بالفعل كما في المعصومين من الانبياۤء و المرسلين و الائمة الطاهرين عليهم السلام الّا انّها بالنِّسْبَةِ الي باقي النفوس قليلة جدّاً و اكثر النفوس ناقصة لمتكمل و لايلزم من عدم كمالها بطلانها بعد الموت بل لها كون بعد الموت و قبل يوم القيمة في نعيم او عذاب اليم و نقل عن اسكندر الافروديسي ان النفوس تبطل بعد الموت قال و مبني ظنِهٖ علي انّ العالم عالمانِ عالم الاجسام الماۤدّية و عالم العقول و النفوس النّاقصة ليست من واحد منهما فيجري عليها حكمه فاذا لمتكن من عالم العقول عالم البقاۤء و لا من عالم الاجسام عالم الفناۤء كانت باطلة فردّ عليه المصنف بانه ليس كذلك بل ان في الوجود عالماً آخر ثالثاً متوسطا بينهما حيوانيا محسوسَ الذاتِ و هو عالم برزخي لا كهذا العالم لايدرك بهذه الحواۤسّ الدَّاثِرَة بل بحواۤسَّ حقيقيّةٍ و هذا بناۤء علي مذهبه كما تقدم ان للنفس حواۤسَّ [ص 132] ملكوتية و انّها تدرك بها الملموسات و المذوقات و المشمومَات و المسموعات و المبصرات بصورة ملكوتيّة مماثلةٍ لهذه المدركات و قد تقدّم الكلام علي كلامه و يريد انّ هذه النفوس الناقصة تحشر الي ربها في البرزخ كلٌّ بعمله لان هذا العالم منقسم الي جنّة محسوسة فيها نعيم السعداۤء من اكلٍ و شربٍ و نكاح و شهوة و وقاع و كلّ ما تشتهيه الانفس و تلذّ الاعين و الي نارٍ محسوسة فيها عذاب الاشقياۤء من حميم و زقّوم و حيّات و عقارب و قوله في هذه الجنّة و هذه النار انها محسوسة تشعر باَنّ جنّة الاخرة و نارها معقولتانِ فان اراد ذلك فقد قال بغير قول المسلمين و ان اراد بمحسوسة انّها في الاجسام الماۤدّية كما يوهمه ظاهر الاخبار انّ الجنّة عند مغرب الشمس و النار عند مطلعها فهو كلام قشري و انّما هما في الاقليم الثامن و الجنة عِند مغرب الشمس و يكون الليل و النّهار فيها كما قال تعالي لايسمعون فيها لغوا الّا سلاماً و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيّا و النار عند مطلع الشمس و يكون فيها الليل و النهار كما قال تعالي النار يعرضون عليها غدوا و عشيّا لما علم انّ الاخرة ليس فيها غدوّ و لا عشيٌّ لا في الجنة و لا في النار .
و قوله « و نكاح » قد اختلف العلماۤء في جنّة الدنيا هل فيها نكاح ام لا و الحق انّ فيها نكاحاً فان ابانا ادم عليه السلام تزوّج امّنا حواۤء عليها السلام في هذه الجنّة و لانّها هي الجنّتان المدهاۤمّتان كما تفيده الاخبار و قد ذكرها سبحانه و قال حور مقصورات في الخيام لميطمثهن انس قبلهم و لا جاۤنّ و هذا الاقليم اعْني الثامن الذي فيه جنة الدنيا و نارها اسفله علي محدّب محدّد الجهات رتبةً فافهم ثم اعلم ان النفوس الناقصة علي ثلاثة اقسام : قسم مَن محض الايمان محضا و هؤلاۤء بعد الموت تأوي ارواحهم الي الجنّة التي في المغرب اعني المدهاۤمّتان و اذا كان فجر يوم الجمعة و الاعياد [ص 133] صاح بهم الملك و ركبوا نجاۤئب من نور عليها قباب الزبرجد فيأتون وادي السلام بظهر الكوفة و يكونون هناك الي الزوال ثم يستأذنون الملك في زيارة اهاليهم و حفرهم فيأذن لهم فاذا كان وقت العصر صاح بهم الملك فيركبون نجاۤئبهم فيطيرون بين السماۤء و الارض الي غرفات الجنان و قسم من محض الكفر او النفاق محضاً و هؤلاۤء بعد الموت تأوي ارواحهم الي النّار الّتي عند مطلع الشمس فاذا كان وقت غروب الشمس حشرت ارواحهم الي برهوت في حضرموت و امّا اجسامهم فمن محض الايمان يخدّ له خدّ من الجنّة الي قبره يدخل عليه منها الروح الي يوم القيمة و من محض الكفر و النفاق محضاً يخدّ له خدّ من النّار الي قبره يدخل عليه منها الشّرر و الدّخان الي يوم القيمة و قسم ليس له محض في شيء فهؤلاۤء تكون ارواحهم مع اجسادهم في قبورهم و ليس لهؤلاۤء برزخ و انما ينامون في قبورهم الي نفخ الصّور و يمكن ان يحمل كلام اسكندر الافروديسي علي نفوس اهل القسم الثالث فانهم اذا ماتوا بطلت نفوسهم بالنسبة الي حكم البرزخ و هو حمل بعيد لان نفوسهم لاتبطل و انما هي متميزة في قبورهم و لو اراد بها النفوس الحيوانية الحسّيّة الفلكية صحّ الحمل لانها هي التي تعود بعد الموت الي ما مِنه بُدِئت عودَ مُمَازجة فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودها و يضمحلّ تركيبها فاذا كان يوم القيمة حشرت الي ربّها فحاسبها باعمالها فامّا الي الجنّة و امّا الي النار .
تنبيه و تذكرة - اعلم انّ الجنان الثمان و حظاۤئرها السبع و النيران السبع و حظاۤئرها السبع كلّها من الامور المحسوسة و كلّها في الزمان و كلها حيوة و كلّها عاقلة و كلّها عقليّة و كلّها دهريّة و كلّها جسمانيّة بمعني انّ [ص 134] كلّ ما فيها فيه صفات الاجسام و افعالها و مدد الزمان و تجدّده و صفات النفوس و افعالها و صفات العقول و افعالها و امتداد الدهر و ثباته فتدرك الاجسام في الجنّة ما تدركه العقول و تدرك العقول ما تدركه الاجسام هذا مجمل الوصف و يأتي انشاۤء الله تعالي له تفصيل .
قال : و لو لميوجد ذلك العالم لكان ما ذكره حقا لا مدفع له فيلزم تكذيب الشرائع و الكتب الالهيّة من اثبات البعث للجميع و شيخ الفلاسفة ابوعلي نقل ما ذهب اليه اسكندر و ماقدر علي دفعه في رسالة الحجج العشر و غيرها علي انه قد مال اليه في رسالة اخري في سؤالات ابيالحسن العامري عند اتّصاله بالشيخ و بالجملة المنقول من امام المشاۤئين علي رواية اسكندر ان النفوس الناقصة الهيولانيّة منفسخةٌ بعد الموت و علي رواية ثامسطيوس انّها باقية و هذا مشكل علي ضوابطِهم لانها اذا كانت باقية و لمترسخ فيها رذيلة نفسانيّة تعذّبها و لا فضيلةٌ عقليّة تلذِّذها و لاامكن ان تكون معطّلة من الفعل و الانفعال فقالوا انّ عناية الله واسعة فلا بدّ ان تكون لها سعادة وهميّة ضعيفة من جنس ما يتصوّر من الاوّليّات كقول القائل الكل اعظم من الجزء و ما اشبه ذلك و لذلك قيل نفوس الاطفال بين الجنّة و النار هذا ما قاله الشيخ و ماادري اي سعادة تكون في ادراك العمومات الاوليّة » .
اقول يعني به انه لو لميوجد عالم البرزخ في الكون لكان ما ذكره اسكندر الافروديسي حقاً لا مدفع له لانّ النفوس الناقصة فوق عالم الاجسام فاذا فارقَتْ لمتنتَهِ الي عالم الاجسام و هي تحت عالم العقول فاذا فارقت لمتصل اليها فَتبطل اذْ ليس لها مَأوي و امّا اذا ثبت عالم البرزخ فانّها اذا فارقَتْ عادت اليه لِاَنَّها برزخيّة فلَايتطرّق عليها ابْطال فعلي قوله لو فرض عدم عالم البرزخ يلزم تكذيب الشراۤئع و الكتب الالهيّة فانها ناۤصّةٌ علي بعث جميع [ص 135] النفوس الناقصة و غيرها بل سَاۤئر نفوس الحيوانات و عبارة المصنّف هنا ليست منسبكة بل الاولي اَنْ يقول ان ما ذكره الاسكندر ليس حقّاً لمخالفته لساۤئر الشراۤئع و الكتب الالهيّة و لوجود عالم البرزخ الذي مرجعاً لَها .
و قوله « و شيخ الفلاسفة ابوعلي يعني ابنسيناۤء نقل ما ذهب اليه الاسكندر و ماقَدر علي دفعه » يشير الي انّ دفعَه يكون باثبات عالم البَرْزخ لكنه لميهتدِ الي رَدِّ كلامه بان النفوس الناقصة الهيولانيّة منفسحة بعد الموت و ابنسيناۤء اتّجه عنده كلامه بانّ هذه النفوس ارتفعت عن الاجسام و انحطّت عن العقول فلو لمنقل بانفساحها و بطلانها لزمنا كون متحيّز ذي وضعٍ لا في حيّز و لا ذا تعلّقٍ و المصنّف ردّه باثبات متعلّقها و حيّزها و هو عالم البرزخ .
و قوله « و علي رواية ثَامسطيوس انّها باقية » بعد الموت لانها ليست من نوع الطباۤئع الداثرة و استشكل هذا المصنّف بناۤء علي ضوابطهم من ان القول ببقاۤئها مع عدم كمالها في ظرفي السعادة و الشقاوة يلزم منه التعطيل لانها اذا كانت بعد الموت باقية و لمترسخ فيها رذيلة نفسانية تعذّبها و تخرج بذلك عن حكم التعطيل و لمترسخ فيها فضيلة عقليّة تلذّذها و تتنعم بلوازمها و لمنجوّز تعطيلها من الفعل و الانفعال كما هو شأن ساۤئر الكاۤئنات ثبت الاشكال علي قواعدهم من ان انواع النعيم منحصرة في اكتساب الكمالات و الفضاۤئل النفسانيّة و انواع التألّمات منحصرة في اكتساب النقاۤئص و الرذاۤئل النفسانية فاجاب بعضهم عن الاشكال الوارد علي كلام ثامسطيوس جرياً علي طريقتهم فقال ان عناية اللّه تعالي بصناۤئعه واسعة فاذا قيل ببقاۤئها تبعاً للشراۤئع و الكتب الالهيّة جاز في العناية العامة ان يجعل لها سعادة وهميّة ضعيفة من جنس ما يتصوّر من الاوّليات كقول القاۤئل الكل اعظم من الجزء لان هذه هي رتبة هذه النفوس الناقصة اذ لمتنتقل عن طبعانيّتها باكتساب خير [ص 136] او شرّ و لاجل عدم انتقالها عن طور اوّل نشأتِها قيل في نفوس الاطفال الذين هم كاصحاب النفوس الناقصة نفوس الاطفال بين الجنّة و النار اي لمترسخ فيهم فضيلة يكونون بها في الجنّة و لمتهملهم العناية الي تخليةٍ يكونون بها في النار قال المصنف هذا ما قاله الشيخ من ان العناية الواسعة لمتهملهم من سعادة وهميّة كجاهلٍ يفرض و يتوهم انّه عالم و يفرض ما يترتّب علي العلم و خاملٍ يتوهّم انّه ملِك و يفرض ما يترتّب علي السلطنة و كفقيرٍ يفرض انّه غني و يتوهم ما يترتّب علي الغني فانه يتلذّذ و يتنعّم بذلك التوهم و التّخيّل او بحصول علمٍ بالاوّليّات كمعرفة ان الكل اعظم من الجزء فبهذه الامور و امثالها يتخلّص من لزوم التّعطل من الفعْلِ و الانفِعَالِ ثم توقّف المصنّف في ظاهر كلام الشيخ في قوله اي سعادةٍ تكون في ادراك العمومات الاوليّة هذا ظاهر علمهم و باطنه و امّا المستفاد من كلام الائمة الاطهار عليهم السلام فهو ان المخلوق انما هو مخلوق بالتكليف و للتكليف فعلّة الايجاد التكليف و مقوّمات التكليف القبول فلولا القبول لما يؤمر به او لمخالفته لميكلّف و لو لميكلّف لميوجد و قبوله علي حسب استعداد كونه فمن قَبِل ما اُمِرَ به اُقٖيمَ في احسن تقويم و مَن لميقبل ما اُمِرَ به رُدَّ اسفلَ سافلين و مَن قصّر عن الغايتَيْنِ كأَنْ خلط عملا صالحا و اخر سيّئا و كالمرجَيْنَ لامْر اللّٰهِ و كالبُلهِ و الاطفال و الشيوخ الّذين ضعفت مشاعرهم و المجانين الذين لميدركوا رتبة التكليف مكلّفين تكون ارواحهم بعد الموت في قبورهم مع اجسادهم فهم كحال النّاۤئم الذي لايجري عليه في نومه الحلم لمتبطل نفوسهم و ليس لها برزخ لا في نعيمٍ و لَا عَذاب كما توهّمه المصنّف و انما هي جامدة في قبورهم مع اجسامهم الي يوم النشور فاذا نفخ في الصور خرجت نفوسهم باجسادها و قد زالت عنها الاعراض المانعة لها من البلوغ الي ما خلقت [ص 137] له باَنْ اكلَتِ الارض ما فيها من الاعراض و رجعت الي حالتها حين التكليف الاوّل في عالم الذرّ فانهم حينئذٍ لا مانع لهم و انّما المانع لهم عرض لهم في هذه النّشأة الدنياوية و لهذا قال تعالي لاولياۤئه و ملاۤئكته اشهدوا قالوا شهدنا ان تقولوا يوم القيمة انّا كنا عن هذا غافلين او تقولوا انما اشرك اباۤؤنا من قبل و كنا ذرّيّةً الاية ، فانه تعالي اشهد عليهم في حالة صحوهم و اجابتهم عن اختيار و شعور فلمّا نزلوا في هذه الدار لحقتهم اعراض الاغيار و غفلوا عمّا عاهدوا عليه الملك الجبّار فاخّر السؤال الي ظهور الحال فبقوا في قبورهم في الارض الي ان اكلت ما فيهم فاذا قاموا يوم البعث قاموا كما خلقوا لا مانع لهم كما قال تعالي و لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة و قال كما بدأكم تعودون فليس جواب اسكندر في اثبات العالم البرزخي بل الجواب الحقيقي انه لايوجد شيء مسلوب الاتصاف بل كل شيء عاملٌ بعمله لا فرق بين النفوس الكاملة و بين الناقصة و لا بين العقول و الاجسام و لا بين الحيوانات و الجمادات و ان من شيءٍ الّا يسبّح بحمده فما من شيء الّا و يبلغ ما خُلِقَ له و النّفوس الانسانيّة فوق النفوس الفلكية الحيوانية الحسّية و الحيوانيّة الحسيّة فوق الاجسام فللنفوس الانسانيّة الناقصة مأوي تلحق به و تجاور النفوس الكاملة و الحسيّة تبطل بعد الموت و يضمحل تركيبها و تعود يوم القيمة ثم الي ربّهم يحشرون و المراد ببطلانها امتزاجها باصلها الذي منه بُدئت لا فناۤؤها و امّا الانسانية فلاتبطل لانّها لاتمتزج باصلها و انّما تبقي في قبرها متميّزة متشخّصة و انّما لمتلحق باحدي الدارين دار السعادة او الشقاوة لانّها لمتستوف مدّة تكليفها فانتُظِر بها مدة التيقّظ و الانتباه لئلّايقولوا يا ربّنا لولااخرْتنا الي اجل قريبٍ نُجبْ دعوتك و لما غلبت علي مشاعرهم الاعراض لميفهموا و ماكان اللّٰهُ ليضلّ قوما بعد اذ هديهم حتي يبيّن لهم ما يتّقون [ص 138] فانتظر بهم حتي صفت مشاعرهم فجدّد لهم التكليف و الحساب يوم الحساب فلحقت كل نسَمةٍ بما منه خُلِقَتْ و ليست سعادة الناقصة و شقاوتها وهميّة بل حقيقيّة و ان كانت تابعة للكاملة لان السعادة و الشقاوة فرع علي التكليف و تسبيح كل شيء بحمده شاهد بحقيقة التكليف كيف و قد صرّح به تعالي في حق الجمادات فقال تعالي فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طاۤئعين و طاۤئعين جمع مذكّر سالم لايستعمل الّا للعقلاۤء لانه سبحانه جعل في الجمادات من العقول مناط تكليفهم بنسبة حالهم كما جعل في الانسان كذلك فكل شيء من حيوان و جماد بلغ ما خلق له و الّا لكان لهم الحجة علي اللّه فسعادة كل شيء و شقاوته علي الحقيقة بنسبة مقامه من الكون فالقول ببطلان شيء من النفوس الانسانيّة باطل و القول ببطلان النفوس الحيوانية الحسّية بعد الموت بمعني امتزاجها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و تعود يوم القيمة و ببطلان النفوس الانسانية بين النفختين بمعني تفكّكِها و تعود يوم القيمة حق كما قال الصادق عليه السلام و السلام علي من اتبع الهدي و اما كون نفوس الاطفال بين الجنة و النار فذلك حال تجديد التكليف لهم و سؤالهم لانهم لايسألون في قبورهم اذ لا برزخ لهم فيوقفون بين الجنّة و النار بمعني تكليفهم بعرضهم علي القيام بامر اللّه بان يأمرهم بالدخول في نار الفلقِ بعد البيان فمن اطاع الله سبحانه و دخلها كانت عليه بردا و سلاما و اخرج منها و ادخل الجنّة و من عصي التقطَتْه و بمعني انهم علي احدي الحالين امّا دخول الجنّة او دخول النار اذ لميتبيّن حالهم في ذلك الموقف الّا بعد التكليف بدخول الفلق فهم بين ان يطيعوا فيدخلوا الجنّة و بين ان يعصوا فيدخلوا النار .
قال : و امّا النفوس العامّية الغير الفاجرة التي لمتكتسب شوقا الي [ص 139] العلوم النظريّة فالفلاسفة عن آخرهم لميكشفوا القول عن معادها و معادِ مَن في درجتها اذ ليس لها درجة الارتقاۤء الي عالم القدس العقلي و لايصحّ القول برجوعها الي ابدان الحيوانات لبطلان التناسخ و لا بفناۤئها رأسا لما علم من استحالة الفساد علي غير المنطبعات فطاۤئفة اضطرّوا الي القول بان نفوس الصلحاۤء و الزهّاد تتعلّق في الهواۤء بجرم مركّب من بخار و دخان يكون موضوعا لتخيّلاتهم لتحصل لهم سعادة وهميّة و كذلك لبعض الاشقياۤء فيه و طاۤئفة اخري نفوا هذا القول في الجرم الدخاني و صوّبُوه في الجرم السماوي و صاحب الشفاۤء نقل هذا الرأي من بعض العلماۤء و وصفه بانه ممن لايجازف في الكلام حقّا و كذا صاحب التلويحات استحسن القول بالتعلق بالجرم الفلكي في السعداۤء و امّا الاشقياۤء فقال انه ليست لهم قوّة الارتقاء الي عالم السماۤء ( لانها ظ ) ذوات نفوس نوريّة و اجرام شريفة قال و القوة تحوجهم الي التخيل الجرمي و ليس بممتنع ان تكون تحت فلك القمر و فوق كرة النار جرم كريٌّ غير منحرقٍ هو نوع بنفسه موضوعاً لتخيّلاتهم من نيرانٍ و حيّات تلسع و عقاربَ تلدغ و زقّوم يشرب فهذه اقوال هؤلاۤء الافاضل و هي عن مسلك حقيقة العرفان و منهج انوار القرءان بعيدة بمراحل كما بيّنّاه في الشواهد الربوبيّة من وجوه المفاسد العقلية اللازمة لها .
اقول ذكر هنا بعض اقوال الفلاسفة المبنية عندهم علي قواعدهم النظريّة المخالفة للشراۤئع الالهيّة و هو انهم بنوا مذاهبهم في النعيم الاخروي انه هو التلذّذ بالعلوم النظريّة و الّا طريق الي تحصيل النعيم الاخروي الّا معرفة ما قرّروا من الحكمة و توصيف الحقاۤئق مثل معرفة قوس السحاب و الهالة و ما حقيقة ذلك و اين هو موجود في بصر الناظر او في الغيم الرقيق مع اشراق اشعّة المنير عليه و ما حقيقة تلك الالوان و ما العلّة في ترتيبها و استدارتها [ص 140] و معرفة استضاۤءة النار و اين هي من السراج و ما المنير منه و امثال ذلك و كأني بكثير منهم ربّما لايصلّي و لايصوم و لايفعل مقتضي الشرائع السماوية و يعتقد ان النجاة فيما يقرّره بتخمينه و ظنونه و لهذا قالوا النفوس العامّية هي الّتي لمتكتسب شوقا الي العلوم النظريّة و لميكشفوا عن حقيقة معادها لانهم ماعرفوا حكمها من جهة انهم وجدوها ليس لها درجة الترقّي الي مراتب العقول لانهم لاتعرف البحث في تلك المساۤئل النظريّة و ثبت عندهم بما قرّره اهل الشراۤئع عليهم السلام من بطلان التناسخ و لميقدروا علي القول بنفيها و عدمها اصلاً لما قرّروه من ان الفساد انما يتطرّق علي هذا العالم المتغيّر المتبدّل و امّا ما ثبت ارتفاع رتبته عن الموادّ الطبيعيّة فلايمكن الحكم عليه بالفساد لانه عندهم ثباتٌ باۤتٌّ فوقف الاكثر عن الكلام في احوال تلك النفوس بعد الموت اذا فارقت اجسادها و ما يكون حالها قبل القيامة الكبري وقوف حيرةٍ و من جسر و تكلّم قال بما تسمع مما نقله المصنف عنهم مما يشهد عليهم انّهم جهلاۤء لا حكماۤء فان الحكيم امّا ان يقطع بالشيء عن الدليل القطعي الخاۤصّ لا الدليل التفريعي فانه تخميني مبني علي تخميني و امّا ان يرجع الي اهل الشرع عليهم السلام فينقل عنهم بعد ما ثبت عنده انهم ينطقون عن الوحي الالهي او يسكت كما سكت مَن قبله و لكن الباب الذي دخل عليهم منه هذا و امثاله اسقاط اعتبار العمل بالشراۤئع الالهيّة في تحصيل السعادة الاخرويّة و عدم اعتقاد انحصار الحق فيما اتت به الشراۤئع فلذا كانوا صُمّاً و بكما في الظلمات من يشأ اللّه يضلله و من يشأ يجعله علي صراط مستقيم فمن القاۤئلين مَن لمّا لميجد ملجأً الي القول بالتناسخ و لا الي القول بالتعطيل و الفناۤء قال ان نفوس الصلحاۤء و الزهاد لعدم ارتقاۤئهم الي درجة العلوم النظريّة و لعدم انهماكهم في الشهوات الدنياويّة لمتصل نفوسهم الي [ص 141] مراتب العقول لجهلهم بالعلوم و لمتنحطّ نفوسهم الي حضيض التّراب مع اجسادها في القبور لتجافي نفوسهم عن بعض الامور الدنياويّة فِي الجملة و حيث كانت نفوسهم لها تخيّلٌ ما وجب ان يكون لها تعلّق بشيء مناسِبٍ لمرتبة تخيّلها فتنصرف الي جهة الهواۤء فتتعلّق بجرمٍ مركّب من بُخارٍ و دُخانٍ يكون موضوعاً لِتخيُّلَاتهِمْ فتحصل لهم بعد مفارقة الارواح للاجساد سعادة وهميّة لان حظّ تلك النفوس من العلوم النظريّة صورة وهميّة و كذلك تحصل في ذلك الجرم الدخاني لبعض الاشقياۤء شقاوة وهميّة لتخيّل بعض الصور التي هي من صور الجهل فيه لانه اي ذلك الجرم البخاري الدخاني بين السماۤء الدنيا و بين الكرة البخاريّة اذ لايتجاوز ذلك مبلغ علم الفريقين عوام الصلحاۤء و عواۤم الاشقياۤء و منهم طاۤئفة اخري نفوا هذا القول في الجرم الدّخاني و صوّبوه في الجرم السماوي لعدم وجود جرم بخاري دخاني غير السّماۤء تكون فيه صور متخيّلة تتعلق به كما برهن عليه علماۤء الهيئة من انه ليس الّا كرة البخار و الطبقة الزمهَريريّة و الهواۤء البسيط و كرة النار و السّماۤء نعم سماۤء الدنيا يصلح لحصول الصور الخياليّة فهؤلاۤء في هذا الرأي كالّذين قبلهم في كل ما اعتبره الاوّلون اّلا في المتعلّق فان هؤلاۤء منعوا من وجود الجرم البخاري ٱلدخاني و جوّزوه في السّماۤء سماۤء الدنيا و امّا الشيخ في الشفاۤء فقد نقل هذا القول الثاني عن بعضهم و وصف مَنْ نقل عنه بانه ممّن لايجازف في الكلام حقّا و كأنّه ماۤئل اليه و مثل الشيخ في استحسان هذا الرأي صاحب التلويحات فانه استحسن تعلق ارواح عواۤمّ السعداۤء بجرم السماۤء و امّا الاشقياۤء من العوام فقال انّه لَيْست لهم قوّة الارتقاۤءِ الي عالم السماۤءِ لان السموات ذوات نفوس نوريّة و اجرام شريفة طٰاهرة لانها فوق عالم العناصر اذْ اَجْرامُ الافلاك [ص 142] خلقت من الطباۤئع لا من العناصر و لاتنحَطُّ الي التّراب كالنفوس النباتيّة فاحوجتهم القوّة الي التخيّل الجرمي و ليس بممتنعٍ ان يكون تحت فلك القمر و فوق كرة النار جرم كري غير منحرقٍ بالكرة الاثيريّة هو نوع بنفسه اي ليس من الافلاك و لا من العناصر يكون ذلك الجرم الكري موضوعا لتخيّلاتهم القبيحة من نيران تلذعُ و حيّاتٍ تلسع و عقاربَ تلدَغ و حميم ينصبّ و زقّوم يشرب ثم قال المصنف فهذه اقوال هذه الافاضل و هي عن مسلك حقيقة العرفان و منهج انوار القرءان بعيدة بمراحل و اقول كلامه هذا فيهم صحيح امّا انه بعيد عن مسلك حقيقة العرفان فلان حبسهم للنفوس الناقصة في الرجوع الي الاجسام التي هي من عالم الملك و النفوس من عالم الملكوت لايطابق مسلك اهل العرفان لان النفوس اذا كانت من عالم الملكوت فلا اقل من رجوعها بعد الموت الي ما منه خلقت اي الي الملكوت فان كانت كاملة بالعلم و العمل كانت بنات العقل او اخواته كما اشار اليه سيد العارفين اميرالمؤمنين عليه السلام و خلق الانسان ذا نفسٍ ناطقةٍ ان زكّاها بالعلم و العمل فقد شابهت اوائل جواهرِ عللِها فاذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارَك بها السبع الشّداد ه ، و ان كانَتْ ناقصة جري علي من محض الايمانَ مَحْضاً حساب القبر ثم تلحق روحه بقول مجمل الي جنة الدنيا و علي مَن محض النفاق و الكفر محضا حساب القبر ثم تقاد روحه الي نار الدنيا و ان كان ممّن لميمحض الايمان و لا النفاق فهو ممن لميصل اليه البيان و هذا ان كان له عمل صالح خدّ له خدّاً من الجنّة الي قبره يدخل عليه منه الروح بفتح الراۤء فاذا كان يوم القيمة حاسبه بعمله فامّا الي الجنّة و امّا الي النار و ان كان له عمل طالح خدّ له خداً من النّار الي قبره يدخل عليه الدخَان و الشرر فاذا كان يوم القيمة حاسبه بعمله فامّا الي الجنّة و امّا الي النار و لكن علي تفصيل يطول ذكره و كذلك [ص 143] يفعل بالبله و المجانين و المستضعفين و الاطفال و في تفسير علي بن ابراهيم في قوله تعالي ذلكم بما كنتم تفرحون في الارض بغير الحق و بما كنتم تمرحون في الصحيح عن ضريس الكناسي عن ابيجعفر عليه السلام قال قلتُ له جعلتُ فداك ما حال الموحدين المقرّين بنبوة رسول الله صلي الله عليه و اله من المسلمين المذنبين الذين يموتون و ليس لهم امام و لايعرفون ولايتكم فقال اما هؤلاۤء فانّهم في حفرهم لايخرجون منها فمن كان له عمل صالح و لمتظهر منه عداوة فانه يخدّ له خدّا الي الجنة التي خلقها الله بالمغرب فيدخل عليه الروح في حفرته الي يوم القيمة حتي يلقي الله فيحاسبه بحسناته و سيّئاته فامّا الي الجنّة و امّا الي النار فهؤلاۤء من الموقوفين لامر الله قال و كذلك يفعل بالمستضعفين و البله و الاطفال و اولاد المسلمين الذين لميبلغوا الحلم الحديث ، و الفرق بين من محض النفاق محضا كما هو في اشارة آخر هذا الحديث في الناصب و انه يخد له خدا الي النار التي خلقها الله بالمشرق و بين العاصي الذي لميمحض انّ الماحض يخرج بعد الحساب الي النار بالمشرق و يوم القيمة مصيره الي الجحيم و من لميمحض لميخرج من قبره و يوم القيمة امّا الي الجنّة و اما الي النار .
و قولهم ان نفسه بعد الموت تلحق بجرم بخاري دخاني تحت فلك القمر او بفلك القمر او بجرم غير منحرق كما توهّمه صاحب التلويحات نشأ عن عدم معرفة بما في نفس الامر و عدم اطّلاع علي طرق الشراۤئع الالهيّة فان مدار عدم التعطيل علي ثبوت القوابل من المكلفين و اعظمها قوابل الاعمال فمن اٰمنَ و عمل صعدت نفسه الي المكان الذي ذكرت ربها فيه بطاعته و اجتناب معصيته و ذكرها فيه برحمته و هو درجات متعددة متفاوتة و لكلٍ درجات مما عملوا و مَن لميؤمن و لميعمل هبطت نفسه الي محل معصيته لله تعالي في [ص 144] المكان الذي ذكرها فيه بسخطه و غضبه و هو مقابل لعليّين سافل بنسبة علو عليّين فعليّون كتاب الابرار و سجّين كتاب الفجّار فضابطة مسلك العرفان انه اذا جعل نفوس عواۤمّ السعداۤء يتعلق تخيّلها بالجرم الفلكي جعل نفوس عواۤم الاشقياۤء يتعلّق تخيلها بالجرم الارضي و هذا في كل شيء بحسابه مثلا نفوس السعداۤء الكاملة تتعلق بنفس كتاب الابرار اعني علّيّين و هو الفلك الثامن المسمي بالكرسي و نفسه اللوح المحفوظ لايمسّه الا المطهّرون و مَن نزل عن هؤلاۤء ففي السموات السبع و نفوسها و هي الجنان السبع و التي فوق الكرسي هي الثامنة و لكل درجات مما عملوا و نفوس الاشقياۤء الكاملة في مراتب الشقاۤء تتعلّق بنفس كتاب الفجار اعني سجّين و هو الصخرة التي تحت الملك الحامل للارض السابعة و نفسه الثري الذي هو تحت الطمطام اعني الظلمة و هي تحت جهنم و هي تحت الريح العقيم و هي تحت البحر و هو تحت الحوت و هي تحت الثور و هو تحت الصخرة سجين و مَن نزل عن مقام هؤلاۤءِ من الاشقياۤء ففي الارضين السبع و نفوسها و هي النيران السبع و جعلهم تخيّل الشقي في جهة تخيّل السعيد بعيد عن حقيقة العرفان و انوار القرءان فانّ الذي يفيده العرفان و الكتاب و السنة ان محلّ تخيّل الخيرات و الطاعات في السموات فالخيال الحق في السماۤء الثالثة اعني فلك الزهرة و محل تخيّل الشرور و المعاصي في الارضين فالخيال الباطل في الارض الثالثة و هي ارض الطبع قالوا لونها اصفر كالزعفران و العلم بالخير خزانته نفس فلك البروج و العلم بالشرّ خزانته الثري و هو نفس كتاب الفجار و امّا النفوس العامّية الجاهلة فانها لميصل اليها البيان من اللّه لانها كانت مسجونة في سجن الطبيعة قد غطّت بصيرتها غشاوات الاعراض و كثافات [ص 145] الجبلّات البشريّة و ارتبطت بها اشباك المواۤد العنصريّة بثقلها و كدوراتها فبقيت مع جسدِها مقبورة في لحود الطباۤئع الي يوم القيمة فمن خلص منها قبل يوم القيمة لحق بامثاله و اخر تخلّص الاكثر يوم القيمة فيقوم خالصاً قد وصل اليه البيان و ظهر له البرهان فيحاسب فامّا الي الجنّة و امّا الي النار و لايلزم من هذا التعطّل لان التكليف في هذه الدنيا انما هو للتخلّص الارادي الحيواني اي الاختياري الانساني فاذا كان الكدورات و الكثافات متراكمة بحيث عجزت الارادة الاختياريّة الانسانية عن تخليصها دفنت في الارض لتخلّصها الارادة الطبيعية الجبليّة بمعونة قلّة الاغذية البدنيّة التي هي علة الاغشية النفسانية و اكل الارض لما بقي بعد الموت من الرطوبات و المواۤدّ و الاعراض كما تأكل النحاس الممتزج بالذهب خاۤصة دون الذهب اذا دفن فيها مدّة طويلة فانها تأكل النحاس كله و يبقي الذهب فاذا غسل بالماۤء و صفّي خرج الذهب خاۤصة كذلك النفوس الناقصة في الابدان الغليظة الكثيفة فجعلها مع ابدانها ابلغ في التخليص و انفي للتعطّل لان التكميل لمثل هذه النفوس الناقصة بالدفن مع اجسادها اقوي في التخلص و اشمل و ان كان بطاعات الله سبحانه و اجتناب معاصيْه بالارادة الاختياريّة الانسانية اعدل و اكمل و ادلّ و اجلّ و لكن هذا يكون لمن كان اقرب مزاجاً الي الاعتدال ممّن لطف حسّه و صفا ذهنه و من كان علي خلاف هذا توقّف تخلّصه علي الدفن في الارض فتفهّم ما اشرنا اليه .
قال : الاشراق الثاني في حقيقة المعاد و كيفيّة حشر الاجساد اما معاد الارواح و ثبوت السعادة الحقيقيّة للمقربين و الشقاوة بازاۤئها للاشقياۤء المردودين فهو مما بيّنّاه في كُتبنا المبسوطة و لا خلاف معنا للفلاسفة فيه و ان كان التحقيق فيه فوق ما حصّلوه و ضبطوه و نحن الأن في بيان حشر الابدان [ص 146] و فيه قواعد : قاعدة في اصولٍ تكشف الحجاب عن كيفيّة حشر الاجساد و ان الابدان الانسانية الشخصيّة محشورة في القيامة كما وردَتْ به الشريعة الحقّة كما قال تعالي افحسبتم انما خلقناكم عبثا و انكم الينا لاترجعون و قوله قال من يحيي العظام و هي رميم قل يحييها الذي انشأها اوّل مرّة و هو بكل خلقٍ عليم و قوله قل كونوا حجارة او حديداً او خلقا مما يكبر في صدوركم الاية .
اقول شرع في بيان خصوص المعاد و كيفية حشر الاجساد فقال اما معاد الارواح و حشرها الي ربها يوم القيمة و سعادة السعداۤء و شقاوة الاشقياۤءِ للجزاۤء علي الاعمال الصالحة الحسنة بالحسني و علي الاعمالِ السيّئة بالسوۤءٰي فممّا لا اشكال فيه فقد تطابقت عليه نوازع العقول لان التكليف توجّه اليها لما اُودِعَ فيها من الحيوة و الشعور و التمييز و معرفة الخير و الشر و الجيّد و الرّدٖي و التمكين من فعل الطاعات و ٱلمعاصي و صلوح كلّ الاشياۤء لشؤنها بحيث لايختلف فيه احد من العقلاۤء من المتّبعين للشراۤئع فليس بيننا و بين الفلاسفة فيه خلاف قال « و ان كان التحقيق فيه فوق ما حصّلوه و ضبطوه » و امّا معاد الاجسام فلميثبت لهم ذلك من طريق العقول لان المعاد انّما تعلّق بالارواح لانها مكلّفة مشعرة مختارة فيصحّ ثوابها و نعيمها و يصح عقابها و تأليمها لانّها حيّة مميّزة مختارة و اَمّا الاجسام فانّما اثبتوا معادها من جهة الشّرْع فانه هو المثبت لِمَعادِ الاجسام اذْ لمْيَكن لها شعور و لا تمييز و لَا اختيار فلايتوجّه اليها التكليف و لاتنتفع بثوابٍ و لا عقابٍ فليس في العقول ما يدلّ علي معادها و قد صرّح بهذا المعني المصنف في شواهد الربوبية و هنا اشار الي ذلك بقوله « محشورة يوم القيمة كما وردت به الشريعة الحقّة » و اقول انّ العقل يدل عليه بعين ما يدلّ علي معاد الارواح فان العلّة واحدة و مَن [ص 147] اطّلع علي مرءاة الحكماۤء شاهَد ذلك ببصَرِه و المراد بمرءاة الحكماۤء عمل الصناعة المكتوم اعني عمل الاكسير لانهم وضعوا مرءاة يشاهدون فيه كلّ شيء من العالم من عينٍ او معني ففيه اعادة الاجسام و بعثها بنحو اعادة الارواح و بعثها و صورة الاستدلال علي ذلك من جهة العقل ان الوجود المادّي لكل شيء من العالم فاض من فعل اللّه سبحانه كافاضة النور من السراج و معلوم انه حيوة و شعور و تمييز و اختيار و كل ما قرب من المبدأ كان اقوي و كل ما بعد كان اضْعفَ في الامور الاربعة كما ان نور السراج متساوٍ في نفس الاضاۤءة و اليبوسة و الحرارة و كل ما قرب من السراج كان اقوي في هذه الثلاثة الامور و كل ما بعد كان اضْعَف فيها حتي يفني النور فتفني الثلاثة جميعاً بفناۤئِهٖ و الوجود بهذه النسبة في كلّ شيء كل ما بعد من المبدأ ضعفت الامور الاربعة حتي يفني فتفني جميعا فالحيوة التي في الروح و الشعور و التمييز و الاختيار بحقيقتها في الجسد و سائر الجمادات الّا انها اضعف منها في الروح فالاجسام مكلفة لانها حيّة مشعرة مميّزة مختارة بنسبة كونها من الوجود و لهذا قال تعالي فقال لها وَ للارض ائتيٰا طوعا او كرها قالتا اتينا طاۤئعين و قال و ان من شيء الّا يُسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و قد تقدّم لهذا بيان كثير فالارواح نور وجودي ذاۤئب و الاجسام نور وجودي جامد و الفرق بينهما كالفرق بين الماۤء و الثلج فالدليل الموجب للقول باعادة الارواح بعينه هو الموجب للقول باعادة الاجسام و ايضا لذّات النائم و آلٰامُه مختصّ بالروح و ان لحق الجسم منها شيء فبالتبعيّة للروح و لذّاتُ اليقظان للروح و الجسم معاً و لهذا تري الجاۤئع اذا شبع في المنام لايشبع جسده و لايقوم به و اذا شبع في اليقظة شبعت الروح و الجسد و الاعمال في هذه الدنيا التي يثاب عليها او يعاقب كانت بالروح مع الجسد و اذا بعث يوم القيمة ليجازي علي [ص 148] عمله كان مقتضي العدل ان يكون الثواب و العقاب علَي طبقِ مَنشأهما و سَبَبِهما فلو اثيبت الروح خاۤصّة علي العمل الذي وقع من الروح و الجسد لكان العامل قد نقّص من اجره و اللّه سبحانه يقول و ماالتناهم من عملهم من شيء و يقول اني لااضيع عمل عاملٍ منكم من ذكر او انثي ، و الشاهد علي هذا ايْضا في عمل الصناعة ان الاجساد البالغة التامّة في العمل هي مياهٌ جامدة كما قال علي عليه السلام علي ما رواه ابنشهراشوب في مناقبه و ابوالعباس في كتابه السر المنير في علم التكسير ان عليا عليه السلام سئل و هو يخطب عن الصنعة فقال عليه السلام هي اخت النبوة و عصْمة النبوة ان النّاس يتكلمون فيها بالظاهر و انّي لاعلم ظاهرها و باطنها هي واللّهِ ما هي الّا ماۤء جامد و هواۤء راكد و نار حاۤئلة و ارض ساۤئلة ه ، فان الارض الساۤئلة هي من الماۤء الجامد كَذلك الاجساد هي من الارواح و قد ذكرنا قبل هذا ان الاجساد اذا عفّنت استحالت دُوداً ذات ارواحٍ و كقصّة عبدالملك بن مروان بن الحكم حين مات و قد تقدّمت و لانّ الاجساد اشياۤء نزلَتْ من الخزاۤئن الي هذه الدنيا كما قال تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم فاذا كانت اصلها في خزاۤئن الغيب عنده و انّما نزّلها بقدر معلوم فاذا كان كلّ شيء يرجع الي اصله فالاجساد اذا لمترجِعْ بقيَتْ في الدنيا او فنيت و لمترجع الي اصلها و هو خلاف مقتَضي القاعدة المقرّرة المتّفق عليها عقلاً و نقلاً فقد دلّ العقل بنحو ما ذكرنا علي اعادة الاجسام و اَمّا الدليل النقلي فقد تواتر من الكتاب و السّنة و اجمع المسلمون و جميع اهل الشراۤئع الالهية علي ذلك و المصنف اورد شيئا من الكتاب بياناً لنوع الدليل فقال كما وردت به الشريعة الحقة كما قال تعالي افحسبتم انما خلقناكم عبثا و انكم الينا لاترجعون فاخبر تعالي بانهم يرجعون يعني يوم [ص 149] القيمة و يحتمل في رجعة آلمحمد صلي الله عليه و اله بقرينة قوله و حرام علي قرية اهلكناها انهم الينا لايرجعون فقد دلّت الاخبار علي ان المراد من الاية ان من اهلكوا في الدنيا بالعذاب لايرجعون في رجعة اهل البيت عليهم السلام و اما يوم القيمة فانهم يعودون بلا شك و قوله تعالي قال من يحيي العظام و هي رميم قل يحييها الذي انشأها اوّل مرّة يعني ان الذي اخترعها لا من شيء يعيدها من طينتها فان هذا عندكم بالطريق الاولي و امّا عنده تعالي فَعلي حدٍّ سواۤء و قوله و هو بكل خلق عليم يعني انه يعلم ما اكلت الارض منهم كما قال جواباً لقولهم ائذا كنا ترابا ذلك رجع بعيد فقال تعالي قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و قوله قل كونوا حجارة او حديداً او خلقا مما يكبر في صدوركم يعني انه يعيدكم علي اسهل اعادة سواۤء كنتم حجارة يصعب في نفوسكم اعادة الحجر انْساناً او حديداً الذي هو اصعب عندكم اعادته من اعادة الحجر او خلقاً غير الحديد هو اصعب من الحديد و هو ما في صدورهم من الجحود وَ الانكار للاعادة فانه تعالي يجعلها مقرّة معترفة بالاعادة بعد الانكار بما اقام من الادلّةِ القاطعة عليهم في انفسهم حتي نقل قلوبهم الي التجويز و الاحتمال فَسئلوا مَن المُعيد فقال لهم المُعيد هو المبدئ فتقرّر التجويز في قلوبهم فسئلوا عن وقت الاِعَادة فقال كما يحتمل ان يكون بعيداً يحتمل ان يكون قريباً فلمّا انتقلوا الي احتمال القرب درّجهم الي انّ مَن ابتدأكم بعد اَن لمتكونوا شيئا لميمتنع منكم احد عن ارادته يُعيدكم مُلَبّٖين لدعوته حامدين له علي صنعه و تدبيره و حيث خلق نفوسكم باجابتكم خلقكم و صوّركم علي الحضور لا علي الغيبة فالأن انما استبعدتم البعث لانكم ابناۤء الوقت فاذا حضر وقت الاعادة و اعادكم ظننتم انكم مالبثتم في القبور و في الدنيا الّا قليلاً .