و قوله « من جنس قريب و فصل قريب مأخوذين » يعني اخذ الجنس من ماۤدة بدنيّة اي اُخِذ الحيوان الذي هو الجنس من الجسم النامي المتحرك بالارادة و من صورة نفسانية اي اخذ الناطق الذي هو الفصل من النفس الناطقة و بين كلامه هذا و ما سبق من كلامه تناقض و فيه اضطراب لانه قرّر فيما سبق ان حركة الجسم عرضيّة بمعني انها من النفس و هنا جعل الجسم هو الحصّة الحيوانية و الفصل من النفس اي الصورة فامّا ذكره ان الصورة من النفس الناطقة فقد اخذه من قوله ناطق و هو صحيح و ان كان ينافي كلامه السابق و امّا الماۤدّة اعني الحصّة الحيوانية فكيف يصح ان تكون الماۤدة التي هي الاصلُ جسماً و الجسم بجميع انواعه ظل و الصورة التي هي الفرع نفساً و النفس بجميع مراتبها هي ذو الظل و لايصح ان نريد بهذا الجسم الذي عبّر عنه بالبدن الجسم الذي هو النفس لان النفس جسم مجرّد عن المواۤدّ العنصريّة و الجسم البدني عنصري نباتيّ بل الحيوان المأخوذ في تعريف الانسان خلق قبل الاجسام النّامية و غيرها و قبل الحيوان المأخوذ في تعريف ساۤئر الحيوانات العُجْم و هو اي المأخوذ في تعريف الانسان الحقيقي نور عقليّ و حياته و تحركه عقليان البس صورة نفسانية ناطقة ثم اهبط علي نحو ترتيب ما قدمنا الي الانسان الحسّي الفلكي فهو نفس الحيواني الفلكي الحسّي و الحيواني الحسّي [ص 99] الفلكي نفس الحيوان الذي هو الجسم النامي المتحرك بالارادة و حركته هذه من الحسّي الفلكي و ليست هذه الحيوانية هي المأخوذة في تعريف الانسان الناطق و كأن المصنّف نسي ما ذكر عن المعلم الاول من كتاب الربوبية او لم‌يفهم مراده .

و قوله « لكن النفوس الانسانيّة بعد اتفاقها في النوع في بداية الامر » فيه انها ليست متّفقة في النوع و انما المتفق منها افراد كل رُتبة فالمؤمنون متفقون في نوع رتبتهم و لم‌تتفق الانبياۤء عليهم السلام معهم و المؤمنون لم‌يتفقوا مع المنافقين نعم خلق اللّه المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته كما قال جعفر بن محمد عليهما السلام و لم‌يخلق المنافق من نوره نعم خلقه من شيء من الظلمة شبيهٍ بالنور و لو فرض ان المنافق امن خلق من النور حين امن و هذا الذي اشير اليه خفي جدّا قد انحطت عن نيله افهام العلماۤء و الحكماۤء و لايعرفه الّا ائمة الهدي عليهم السلام و انما اوقفوني عليه و ان كتب لك اوقفوك عليه ● و هو سرّ قول الباقر عليه السلام ما من عبد حَبَّنا و زاد في حبّنا و اخلص في معرفتنا و سُئِل مسئلة الّا نفثنا في روعه جواباً لتلك المسئلة و قوله عليه السلام ان حديثنا صعب مستصعب اجرد ذكوان ثقيل مقنّع لايحتمله ملك مقرّب و لا نبي مرسل و لا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان قيل فمن يحتمله قال نحن و في رواية من شئنا او مدينة حصينة قيل فما المدينة الحصينة قال القلب المجتمع ه‍ ، و ورد في توجيهه روايات بغير معني ما ذكر و الشاهد فيه قوله عليه السلام مَن شئنا و الاشارة الي ذلك الامر الخفي الذي هو من سر القدر ان افراد نوع كل رتبة تؤخذ لهم ماۤدة معرّاة عن حكمي السعادة و الشقاوة و تكون حصصاً كل حصّة قابلة للسعادة و الشقاوة و اذا دعاهم خلقوا من طينة اجابتهم او انكارهم و هذا الخلق الثاني فيه يخلق الله المؤمن المجيب من نوره و المنافق المنكر من الظلمة [ص 100] و هو الخلق الصوري الذي تنقلب فيه الحقاۤئق الصوريّة و ليس المراد انّ التغيير الذي هو منشأ السعادة و الشقاوة في خصوص الصورة كما توهّمه الاكثرون لان هذا الحرف هو الذي خفي علي الاكثر فان العذرة تنقلبُ ترابا و قالوا حقيقة التراب و العذرة واحدة و انما التغيير في الصور و خفي عليهم السّر بل التراب حين كان ترابا ليس من العذرة في الحقيقة لان المخلوق من ذلك التراب طاهر و يعود الي التراب و المخلوق من العذرة يعود اليها و هذان المخلوقان لايعودان الي العناصر ابداً و الّا لانقطع الثواب و العقاب و هذا مثل خفي و المخلوق من العناصر التي هي اصل العذرة و التراب عاد الي اصله فاذا ثبت ان كل شيء يعود الي اصله و قد علمتَ ان الله سبحانه خلق النور و خلق الظلمة من نفس النور من حيث نفسه لا من حيث فعله ربّه و هما حٰادثان بفعل الله الذي هو النور فمن خلق من النور يعود الي النور و من خلق من الظلمة يعود الي الظلمة و لايعود الي النور ابداً فمعني قولنا في ساۤئر كتبنا خلق مَنْ اَجاب بصورةِ الاِجابة و من الاجابة و من النور انه صوّر صورته علي هيئة الاجابة او الانكار خاصة بل الصورة و الماۤدّة معاً كما قلنا من ان المنافق خلق بنفاقه من الظلمة و اذا اٰمن خلق بايمانه من النّور اي خلق ماۤدّته بايمانه من النور و صوّرت صورته علي هيئة الْاجابة و لايعود الي الظلمة ابدا ما لم‌ترتد و الحاصل انّ لفظة مِنْ انما تدخل علي الماۤدة كما تقول صغتُ الخاتم من فضّة و عملتُ السرير من الخشب فتدخل من علي الماۤدة و لاتدخل علي الصورة فلاتقل عمِلتُ السّريرَ من التربيع فقولهم بامتناع انقلاب الحقاۤئق يريدون به الحقاۤئق الثلاث لا غير الوجوب الذاتي و الامتناع الذاتي و الامكان و عندنا انما هي حقيقة الوجوب الذّاتي و الامكان و امّا الامتناع الذاتي فلا حقيقة له [ص 101] الّا مجرّد اللفظ اذ لا حقيقة له في الخارج و لا في الذهن و لا في نفس الامر و لا في الاعتبار و الفرض و انّما الحقيقة الحاۤقةُ للوجوب و المُحَقَّقَةُ للامكانِ فافهم و اذا توحّش قلبك من قولي هنا فافهم بياني و هو ان كل شيء يرجع الي اصله و المنافق بنفاقه خلق من الظلمة و اليها يعود فلو آمنَ بعد نفاقه خلق بايمانه كما قلنا من النور و اليه يعود و لايعود الي الظلمة ابداً و بالعكس المؤمن لو نافَقَ و لو صح امتناع انقلاب الحقاۤئق غير الوجوب و الامكان لعاد مَن آمَن بعد نفاقٍ الي اصله الظلمة و من نافق بعد ايمانٍ الي اصله النور و ليس كذلك اذ خصوصُ الصور لاتغيّر حقاۤئق المواۤدّ ما لم‌تتغيّر المواۤدّ بتغيّر الصُّوَرِ لكن تغيّر الحقاۤئق و المواۤد من جهة الامكان يجري في كلّ شيء و لذا قال تعالي و لو نشاۤء لجعلنا منكم ملاۤئكة في الارض يخلفون و قال تعالي و لئن شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك و قال تعالي و من يقل منهم اني الهٌ من دونه فذلك نجزيه جهنم و امّا الواقع فلايقع الّا بين افراد كل مرتبةٍ فلايكون رجل من ساۤئر الناس نبيّا و لا العكس و علي هذا الواقع مبني ما نحن بصدده .

فقوله « ستصير بحسب نشأةٍ اخري و فطرة ثانية متخالفة الذوات كثيرة الانواع واقعة تحت اجناسٍ اربعةٍ » العقول و الشياطين و الحيوانات و السباع انما يكون في افراد رتبةٍ واحدة فان كان في رتبتَيْنِ فمن جهة الامكان بحسب صاحب المعجز و امّا تطوّر بعض افراد الانسان في بعض احواله في الاجناس الاربعة و دورانه عليها في تقلّب احواله فلعدم تحقّق الانسانية فيه اعني النفس المطمئنّة فما بعدها فانه قبل التحقق في رتبة الثلاثة الاخيرة اعني الشياطين و الحيوانات و السباع و هي رتبة واحدةٌ اذِ الثلاثة مشتركة في ثلاثة ارواح روح الشهوة و بها يأكلون و يشربون و ينكحون و روح المدرج و بها يدبّون و روح القوّة و بها يحملون الاثقال فالثلاثة ليس في واحدٍ منها روح الايمان ليخالفهم [ص 102] في الرتبة و هي لاتتحقّق اِلَّا في النفس المطمئنّة و هم اهل الجنس الاوّل و هو لايتطوّر في شيء من الثلاثة بحسب الواقع فلو فرض انه تطوّر في شيءٍ منها فبحسب الامكان لا بحسب الواقع .

و قوله « لانّها في اوّل تكوُّنِها بالفعل صورة كماليّة لماۤدة محسوسةٍ و ماۤدة » يريد اَنّ النّفس هيئة كمالٍ تكون لما يتألّف من ماۤدّةٍ عنصريّة و ماۤدّة روحانيّة بالتّدبير التكويني كما قرّر في العلم الطبيعي المكتوم مع ما بين الماۤدَّتَيْنِ من المواۤدّ المتوسطة فتكون تلك الهيئة لاجل جامعيّتها لهيئة العالمَيْنِ صالحةً لقبول العالي و السافل فقد تقبل الصورة العقليّة فتتّحد بها بحيث تخرج بسببها من القوة الي الفعل اي بان تكون عقلاً بالفعل بعد ما كانت بالقوّة و قد تقبل الصورة الوهميّة الشّيطانية فتكون شيطنةً بالفعل كذلك و كذلك لو قبلت الصورة الحيوانية البهيميّة او الصورة السَّبُعيّة و مرادُه انّها تتّحد بما قَبِلَتْ فلايكون شَيْئانِ و لهذا لم‌يقل بثبوت عقلٍ للانسان فانّها بنفسها هي العقل اذا تخلّقَتْ باخلاق الروحانيين و تأدبَتْ بٰاداب الشريعة فان هذه الصفات هي الصورة العقليّة و كذلك حال النفس مع باقي الصور و يشكل عليه انّه يدّعي ان ادلّته مستفادة من الكتاب و السنّة و من التدبر في آيات اللّهِ في الافاق و في الانفس و طريق ذلك بيّنه الصادق عليه السلام كما مر في الحديث السابق و هو قوله العبوديّة جوهرة كنهُها الربوبيّة فما فُقِد في العبودية وُجِد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبية اُصٖيبَ في العبوديّة الحديث ، و من اعمّ ذلك و اشملِهٖ الانسان فانه نسخة العالم الكبير كلّه ما فُقِد فيه وجد في العالم و ما خفي في العالم وجد فيه و اصيب و العالم الكبير له عقل غير نفسه لان هذا هو القلم و النّفس هي اللوح المحفوظ و يجب ان يكون في الانسان عقل و نفسٌ كما في العالم الكبير فهما اثنان و علي قول المصنّف انما هو نفس [ص 103] تعقل و هي الّتي في اصلِ نشوِها كانَتْ طبيعيّة جسمانيّة و الحَقّ انَّ هذه النَّفْس جوهر صوري مجرّد عَن المدة الزّمانيّة و الماۤدة العنصريّة صالح لقَبُول تعَلُّق العقل بها كَتَعلُّقِ ٱلنَّفْسِ بالجسْم مع عدم الاتّحاد بل العقل عقل و النفس نفس و الجسم جسم الاتري انّه اذا قبِلَتْ صورةً حيوانيّةً بهيميّة و اتّحدَتْ بها لم‌تكن لها حالةٌ بهٖيميّة لا غير بحيث تخرج عن فصل الناطق الي الصاهل بل تكون لها حالةٌ بهيميّة لباعث الطبيعة التي نشأتْ عن تغيير الفطْرة و تبديلها و تكون لها حالة انسانيّة لباعث الفطرة التي فطر عليها فبالاولي التّطبعيّة يفعل الشهوات و بالفطرة الاصليّة يعترف بتقصيره في فعلِه ما فعلَ و يعرف الخير و اهله و بهما يكون صدره ضيِّقاً حرِجاً كأنما يصّعّد في السّماۤء لتوارد الداعيين من الطبيعتين من المختلفتين علي طرفي كلّ فعلٍ و ليس ذلك الّا لكونهِما غير متّحِدَتينِ نعم هما متمازجتان تمازجَ تداخلٍ من غير استهلاكِ احديهما في الاخري كما قد قرّرناه في الماهية و الوجود فقد قلنا هناك ان نور السراج القريب من السراج اشدّ نوراً و اضعف ظلمةً و كلّما بعد عن السراج ضعف النور و قويت الظلمة و هكذا حتي يَكون اخره فيه من النّور بقدر ما في اوله من الظلمة و ليس ذلك تمازج استهلاكٍ بَل جميع الاشعّة متعلّقة بالسّراج و جميع اجزاۤء الظلمة متعلّقة بالكثافة الحاجبة ففي هذه الحالة تكون القوّة البهيميّة متعلّقة بجهة اتّصاف النفس بالاعمال التي هي منشأ البهيمية و هي التي عوّجت فطرتها تعويجا لايخرجها عن الصورة الانسانية و الّا لكان ذلك الشخص من العجم لاينطق كما جري علي من مسخوا قردة و خنازير فانهم بقوا ثلاثة ايام يمشون علي اربع و لاينطقون و كذلك الحال في الشيطانية و السَّبُعيّة و العقلية و اضرب لك مثلا هو ان الجدار ليس فيه لنفسه نور و لا من شأنه ان يكون له نور من نفسه و لا بما اتّحدَ به ( اي بصورة اتحد به ، يم ) فاذا اشرقت عليه الشمس كان فيه [ص 104] نورٌ من الشمس فالنور هو ما اشرق عليه من الشمس لا غير فالنفس كالجدار و العقل كالنور المشرق عليه القاۤئم به قيام ظهور و هو قاۤئم بالشمس قيام صدور و هو منها و الشمس كالعقل الكلي و النفس ايضا من النفس الكلّية كذلك اي اشراق منها علي الجدار الذي هو الجسم النامي و الحسّيّ الحيواني الفلكي و المثالي و الهباۤئي و الطبيعي النوراني فان هذه الخمسة هي كالجدار للاشراق النفسي فافهم و قوله « تحشر اليها و تقوم بها عند البعث في نشأة اخري ، الخ » يريد انّ النفس تقوم بما اتّحد به من قبرها عند البعث يوم القيمة و هي نَشْأةٌ اخري لا في هذه النشأة يريد انّ النفس الانسانية لو انتقلَتْ الي الصُّورةِ البَهيميّة مثلاً في هذه النّشأة الّتي فيها لاتّحدَتْ بها كان تَناسُخاً و امّا اذا انتقلت اليها في نشأةٍ اخري فلا بأس اذْ لَا تناسخ كذا قاله هو و غيره لانّهم لمّا قالوا بسبق الارواح علي الاجسام فلمّا انتقلت الي الاجسام قيل لهم هذا تناسخ فلم‌يكن لهم جواب الّا اَنَّ التناسخ الممنوع منه وقوعه في عالم واحد و نشأة واحدة و امّا اذا كانت في نشأتين فلا محذور فيه و ممّا استدلُّوا به حشر بعض النفوس في الصور الحيوانية و ما اقرب دليلهم من المصادرة علي انّ قولهم في نشْأةٍ اخري غير مسلّمةٍ فانّ كثيرا من العلماۤءِ اعترضوا علي ما روي عنهم عليهم السلام انّ المؤمن اذا مات جعلت روحه في قالب كقالبه في الدنيا بانّ هذا تناسخٌ مع انه في نشأةٍ اخري و لم‌ينفع الجواب بنشأةٍ اخري و انّما الجواب في الصورتين واحد و ليس بنشأةٍ اخري بل بانْ نقول القالب الذي جعلت فيه الروح هي الأن فيه و هو الثوبُ الثالث الذي ذكرناهُ قبل هذا فلمّا خرجت من الجسد خرجت بثوبها الذي هي الأن لَابسةٌ له و معني ان الروح جُعِلت فيه انّها قُبِضت به و نقول فيما نحن فيه انّا ذكرنا انّ كل الحيوانات تشترك في ثلاثة ارواح روح الشهوة و روح [ص 105] المدرج و روح القوّة و المؤمن خاصة فيه اربعة ارواح الثلاثة و روح الايمان وَ بهذا تكون النّفس انسانيّة لانّ النفس الناطقة ( اي الانسانية الشرعية ، يم ) لاتفارق روح الايمان و اذا لم‌تكن فيها روح الايمان فليست مخلوقة من النور اعني النفس الكليّة و انما هي من النفوس الفلكيّة مع ما لبسَتْها من النفس الامّارة الّتي هي وجه الجهل الاوّل المعبّر بالماهية عنه ● و هذه النّفس مقابلة للنّفس الانسانية لانّها من الثّري كما انّ الانسانيّة من اللّوح المحفوظ و هذه الامارة اذ انتقل بها المؤمن كانت مطمئنّة و تكون اخت العقل كما مر ثم تكون راضية بقسم اللّه ثم مرضية للّه تعالي ثم كاملة اذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد كما تقدّم و قبل اطمئنانها تكون لوّامة او ملهمة و قبل ذا تكون ملهمة او لوّامة كما مرّ و قبل هذا هي كما برزت امّارة بالسوء و هي الّتي تتقلّب بالحيوانية الحسيّة الفلكيّة في الصور كيف ما شاءت من صور كتاب الفجار و صورها الذاتية لها اما شيطانيّة و اما حيوانيّة بهيميّة و اما سبعيّة و اما مسوخية و ايّها غلب ميلها اليه حشرت فيها و النفوس الفلكية مركبها في جميع صور المعاصي كما انها اي الفلكية مركب النفس الانسانية في جميع صور الطاعات فاذا سمعت منا نقول ان النفس تحشر في صورة شيطان او حيوان او سبع او مسخ فانا نعني بها النفس الامّارة التي هي مقابلة للعقل فانها اذا محضت في ميلها و اطلق صاحبها عنانها كانت هي النكراء و الشيطنة التي عناها الامام الصادق عليه السلام و هي شبيهة بالعقل في التمييز و ليست بعقل و ليست بالنفس الانسانية التي من اشراق اللّوح المحفوظ الّتي هي مركب العقل و انّما هي التي هي مركب ٱلجهل و لذا قال تعالي ان هم الّا كالانعام بل هم اضلّ ، و قال الباقر عليه السلام النّاس كلهم بهاۤئم الّا قليل من المؤمنين و المؤمن قليل و المؤمن قليل و ليس الكلام في الاية و الحديث علي سبيل [ص 106] المجاز بل علي الحقيقة و لكن بيانه مما يطول ذكره فالنفس الانسانيّة صورتها هذه الصورة الانسانيّة فاذا تخلق الشخص بطبيعة السَّبُعيّة مثلاً حتي انحصرت اعماله في اعمال السباع او كان الغالب في اعماله ذلك كان في هذه الدنيا ذا نفْسَيْن نفس سَبُعيّة قويّة مؤيدة بالعمل بمقتضاها و نفس انسانيّة محجوبة عن مقتضاها لا تعلق لها بذلك الشّخص الّا بصورته الظاهرة الانسانية فاذا مات علي هذه الحال و كان يوم الحشر و رجع كل شيء الي اَصْلِه سلبت عنه الصورة الانسانيّة بمتعلّقها من النفس الانسانية الّتي من شأنها الايمان لكنها كانت مغلوبة فحبست في صورتها و لم‌يكن لها تسلّط علي اصلاح شيء من البَدَنِ و ظهرت السَّبُعيّة بصورتها الباطنة في ظاهر الشخص لمّا زالت عنه الصورة الانسانيّة و لم‌تكن النفس الانسانيّة محشورة في صورة سَبُع ليحتاج في دفع شبهة التناسخ الي انّها نشأة اخري لان ما سوي المؤمن فليس بانسانٍ في الحقيقة بل من الحيوانات الاربع اما شيطان و امّا مسخ كالقرد و الحيّة و العقرب و الخنافس و امّا حيوان كالفرس و الحمار و الثور و امّا سبع كالاسد و الهرّ و البازي و انما النفس المحشورة في احدي صور الحيوانات هي النفس الامّارة الملعونة و هذه صورها في الحقيقة لكنّه في هذه الدنيا البس صورة الانسان لاجابته الظاهريّة و هي محلّ صور علّيين فاذا كان حيوانا فان كان ذلك في الدنيا سلبت منه الصورة الانسانية الباطنة فاذا مات كذلك سلبت منه الظاهرة ايضاً و الحاصل كل ذي روح يحشر علي صورة حقيقته لا علي صورةٍ غيرها فاذا لم‌يكن مؤمناً لم‌يكن في الحقيقة انْساناً و النفس الناطقة بالحقيقة لاتكون الّا في المؤمن و لايحشر الّا فيها .

و قوله « و الّا لكان تناسُخا لا حشراً ، الخ » يريد به تقرير ما قدّم من انّه لو كان في النشأة الاولي لكان عودُهُ في صورةٍ اُخْرَي تَنَاسُخاً لا حَشْراً وَ التَنٰاسخ [ص 107] قد مَنعَ النَّقْلُ و العقل منه و انما الذي اثبته النقل و ٱلعَقْلُ هو الحشر و هو عودُ الارواح الي اجسادها و حشرُهَا مع اَجْسٰادِها و اقول انّما يكون كونها في صورةٍ غير صورته الظاهرة تناسُخاً اذا كانت الصورة المنتقل اليها اجنبيّةً من المنتقل و اما اذا كانت صفةً له و هي هيئته و من هيئة اعماله خلقت فلايكون تناسخاً سواۤء كان في نشأة واحدة كما اشار اليه تأويل قوله تعالي بل هم في لبس من خلقٍ جديدٍ ام في نشأتين فان الشخص في هذه الدنيا يخلع صوراً و يلبس صوراً اذا نَمَّ بين الناس لبِسَ صورة العقرب او الحيّة و اذا اشتهي الشهوة المنهيّ عنها شرعاً لبس صورة خنزيرٍ او حيوانٍ و اذا غضِب لمحرّم لبس صورة سَبُعٍ و اذا ترك الغضب و اخذ في النميمة خلعَ صورة السبع و لبس صورة العقرب و هكذا و اذا خلع صور كتاب الفجّار و رَجَع الي ما امر اللّه كما اَمره تعالي لَبِسَ صُورةَ الانسان و هي صور كتاب الابرار و لايزال هكذا حتّي يأتيه الموت فاَيَّ صورةٍ قبَضَهُ عَلَيْها حُشِر عَلَيْهَا و هو قوله تعالي و جاۤءَتْ سكرةُ الموتِ بالحقّ ذلِك ما كنتَ منْه تَحٖيدُ ، و امّا الحشر فلايرتابون فيه الّا انّ حشر الأَرواح قام عليه الدليل العقلي و النقلي عندهم و امّا حشر الاجساد فلم‌يثبتوه الّا من النقل و قالوا ان العقل لايدل عليه و نحن قد اشرنا اليه من جهة العقل و يأتي في محلّه انشاۤء اللّه تعالي بحيث يكاد يصل الي حدِّ الضرورة من جهة العقلِ .

قال : فالانسان في هذا العالم بين اَن يكون مَلكاً او شيطانا او بهيمةً او سبُعاً و يصير ملكاً ان غلب عليه العلم و التقوي او شيطاناً مَريداً ان غلب عليه المكر وَ الحيلة و الجهل المركب او بهيمة اِن غلبت عليه اثار الشهوة او سَبُعا ان غلبت عليه آثار الغضب و التهجّم فان الكلب كلبٌ بصورته الحيوانيّة لا بمادته المخصوصة و الخنزير خنزير بصورته لا بماۤدّته و كذا ساۤئر الحيوانات [ص 108] التي بعضها تحت صفات النفس الشهويّة علي اقسامها كالبغال و الحمير و الشاة و الدبّ و الفارة و الهرة و الطاووس و الديك و غيرها و بعضها تحت صفات النفس الغضبية كالاسد و الذئب و النمر و الحيّة و العقرب و العقاب و البازي و غير ذلك .

اقول يريد انّ الانسان بما هو انسان متردِّد في هذا العالم اي عالم الدنيا عالم التكليف بين ان يكون ملكاً بسبب اعماله الصالحة او شيطاناً بسبب اعماله الطّالحة او بهٖيمةً بسبب غلبة شهوته او سَبُعاً بسبب شدّة غضبه فيصير ملكاً ان غلب عليه العلم المقرون بالعمل و اتّقي اللّٰهَ و آمنَ به و عمل صالحا و اتّقي نفسه فلم‌يُمَكِّنها من شهواتها و اتّقي الناس بان عمل معهم ما يحبّ ان يعملوا معه او يصير شيطانا مَريداً انْ غلب عليه في اعماله المكر و الكيد و العناد و الحيلة و الخديعة و الاستهزاۤء و السّخريّة و الكسل عن الطاعات و المبادرة الي المعاصي و الجهل المركّب بان يدّعي ما ليس له و لا معه او يصٖير بهيمة ان غلبت عليه في اعماله و احواله آثار الشهوة ( علي خلاف محبة الله و رضاه و الا فلاتكون ذلك من صفات البهائم و كذلك في الغضب ، كريم ) من حب النكاح و النسل و المال و الجاه و الاكل و الشرب و اللباس اَوْ يصير سَبُعاً ان غَلبَتْ عليه آثار الغَضب و الجراۤءة و التهجّم و البطش و الامر فيما ذكر كما ذكرنا لك انّ النفس المنتقلة في هذه الصور المخالفة للانسانيّة باعمالها المخالفة لِمُرادِ اللّٰه سبحانه هي النّفس الامّارة مع مركوبها من النّفس الحيوانية الحسيّة الفلكيّة لا النفس النّاطقة القدسيّة فانّ هذه لاتفارق روح الايمان الّا لَمَماً ثم ترجع الَيْهَا روح ٱلايمان .

و قوله « فانّ الكلب كَلْبٌ بصورته الحيوانية لا بماۤدّته ، الي قوله و غير ذلك » يريد انّ النفس و ان كانت اِنسانيّةً لكنها حين لَبِست الصورة الاخري كان ذلك الشخص علي حسب مقتضي تلك الصورة و ان كانت النفس انْسٰانيّة [ص 109] لان الكلب النّابح المعروف لم‌يكن كلباً بحصّته الحيوانية و انما هو كلب بفصله الذي هو صورته اعني النّابح اقول نحن نقول بموجب هذا و لكن المادّة الّتي في الكلب حال تعلق صورته بها ليست بصالحةٍ للفرس الصاهل لانّ الحصّة قبل تعلق الفصل بها تصلح لكل منهما لانّها ماۤدة جنسية و بعد التعلق كلّ واحدة ماۤدة نوعيّة لا جنسيّة و لاتكون الماۤدة نوعيّة لغير نوعها مع انّا نسلّم لهم تساوي الحصص النوعية في الجنس و لانسلّم لهم انّ حيوانيّة النفس الناطقة حصّة من جنس حيوانية الصّاهل و النابح نعم حيوانية النفس الامّارة حصة من حيوانية الصاهل و النّابح و الزاۤئر و غيرها و انسانيتها ميتة ● بمعني انّ الاَمَّارة هي الجوارح القابلة للتّعليم مما علّم اللّه العقول فاذا تعلّمت جعل اللّه لها نوراً انسانيّا تمشي به في الناس و كذا ساۤئر الحيوانات اي مثل الكلب و الخنزير في كون كلٍّ منهما بصورته لا بماۤدته ساۤئر الحيوانات التي بعضها تحت صفات النفس الشهويّة علي اقسامها كل واحدٍ بصورته الخاۤصّة به من الشهوة فان منها ما يكون معظم شهوته في النكاح و منها في الاكل و الشرب و منها في اللباس و منها في الجاه و التكبّر و الاستيلاۤء و الفخر و بعضها يدخل تحت صفات النفس الغضبيّة كالاسد و الذئب و النمر و الحيّة و العقرب و العقاب و البازي و غير ذلك علي اختلاف اخلاقها كما هو مذكور في طباۤئع الحيوانات و المراد ظاهر مما تقدّم .

قال : فبحسب ما يغلب علي نفس الانسانِ من الاخلاق و الملكات يقوم يوم القيمة بصورةٍ مناسبةٍ لها فيصير انواعاً كثيرة في الاخرة كما نطق به الكتاب الالهي كقوله و يوم يحشر اعداۤء الله الي النار فهم يوزعون و قوله و يومئِذ يتفرّقون و علي ما ذكرنا تحمل ايات المسخ في القرءان كقوله و ما من داۤبة في الارض و لا طاۤئرٍ يطٖير بجناحيه الّا امم امثالكم و ايات اخري [ص 110] كقوله يوم تشهد عليهم السنتهم و ايديهم و ارجلهم بما كانوا يعملون و كقوله يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الانس و كقوله و اذا الوحوش حشرت و قول الصادع صلّي الله عليه و اله يحشر الناس علي صور اعمالهم و في رواية علي صور نيّاتهم و في رواية يحشر بعض الناس علي صورةٍ تحسُنُ عندها القردة و الخنازير و الي هٰذا يأوّل كلام افلاطون و فيثاغورس و غيرهما من الاوّلين الذين كانت كلماتهم مرموزة و حكمتهم مقتبسة من مشكوة نبوّة الانبياۤء عليهم السلام » .

اقول قوله « فبحسب ما يغلب علي نفس الانسان من الاخلاق و الملكات يقوم يوم القيمة بصورة مناسبة لها » يريد ما تقدّم و قد عرفتَ ما نريد نحنُ من ان النفس المتصوّرة بالصور المذكورة ليست هي النفس الانسانية الناطقة فان هذه لاتفارق روح الايمان و انما المتصوّرة بتلك الصّور القبيحة انما هي النفس الامّارة و الصور المذكورة علي اختلافهٰا و تعدّدِها صوَرها لا انّها مناسبةٌ لها لان الامّارة مادة صالحة لان تلبس كل واحدةٍ من صور المعاصي المرسومة في كتاب الفجّار سجّين باعمالها الّتي هي حدودُ صُوَرِها فيكون المَحْشُور من تلك الماۤدة و تلك الصّور فهو كلب او خنزير او حمار او سبع او قرد و انّما كَانَ ناطِقاً و مميّزاً لان ماۤدّته من الامّارة التي هي مقابلة لِعَقْلِ الانسٰان و العقل اعطاه اللّه جنودا كما هو مروي علي ما في الكافي و غيره فقال الجهل يا رب انك قد قوّيته بجنود و انا ضدّه فقوّني فقوّاه بجنود ضدّ جنود العقل و هذه النفس الامّارة من الجهل فهو ناطق لصلوحه للانسان بان يكون اخاً لعقله و يَصْلح وجهه الذي هو النفس الامارة ان تكون اختا للعقلِ و من شأن الصلوح النطق و التمييز .

و قوله « فيصير انواعا كثيرة » يريد انّ الانسان بعد ان كانت جميع افراده [ص 111] داخلة تحت نوع واحد و هو الحيوان الناطق كان باعماله الباطلة التابعة لهوي نفسه خاصة انواعا كثيرة كالشياطين و الكلاب و الخنازير و القردة و الحيوانات و السّباع ، و لقد كنتُ في اوّل امري مقبِلا علي شأني منقطعا عن الخلق في اغلب احوالي و كنتُ اري في المنام اموراً عجيبة و بياناتٍ لما اشكل عليّ في اليقظة لااكادُ اُحصيها لايخالف منها شيء شيئا من الامور المنقولة و المعقولة و قد اتت بلدنا امرأة من العاۤمّة فاجرة ذات علمٍ و قد تولّعَتْ بها الزناة حتّي ماتت في بلدنا و كانت جميلة الصورة فرأيتُ في المنام مقبرة فيها قبور يفور منها الشرر و الدخان و رأيت بعض الرجال فيها امواتا غير مقبورين بل هم جِيَفٌ مرميّة و اجسامهم عظيمة و هي مفتولة كالحبال و الخيوط بصورٍ تذهل من قبحها العقول و رأيتُ تلك المرأة الفاجرة و كان اسمها حسناۤء جيفة عند تلك القبور غير مقبورة و هي في صورة فرس عظيمة قبيحة المنظر لايكاد الناظر اليها يملأ عينه منها لقبحها و ذلك لمّا كانت الفرس الغالب عليها شهوة النكاح جدّا كما ذكره العلماۤء و الحكماۤء في خواۤصّ الحيوانات و كانت تلك المرأة بهذه الحالة كانت بصورة الفرس قد عظّم جرمها للنار اَسْتجيرُ بالله من النار مع اني رأيتُ المرأة في صغري و وقت رؤيتي لها بعد اقبالي و لكن قبل علمي بطبع الفرس و بالجملة كل شخص يحشر علي صورته و صورته ما قبل من الصانع صنعه عليها و ذلك القبول هو الاعمال و هو قوله صلي الله عليه و اله يحشر الناس علي صور اعمالهم لانها هي صورهم الذاتية و قوله كما نطق به الكتاب الاِلٰهي كقوله و يوم يحشر اعداۤء اللّهِ الي النار فهم يوزعون و معني يوزعون قال القمي في تفسيره يجيئون من كل ناحية و قال الباقر عليه السلام يحبس اوّلهم علي اخرهم يعني ليتلاحقوا و ليس في هذه الاية دلالة علي شيء ممّا ذكر و انّما توهّم انها تدلّ علي [ص 112] تنويعهم و ليس كذلك .

و قولُه « و قولِهٖ و يومئذٍ يتفرّقون » و المراد من الاية ان اهل الجنة يحشرون اليها و اهل النار يحشرون اليها كما دلت عليه الايات بعدها لكنه اوّل التفرّق علي اختلاف الصور و الانواع و لا فاۤئدة في الكلام عليه .

و قوله « و علي ما ذكرنا » يعني من حشرهم في صور اعمالهم تحمل ايات المسخ يعني الايات التي ظاهرها المسخ في القرءان انما المراد منها حشرهم في صور اعمالهم كقوله و ما من داۤبّة في الارض و لا طاۤئر يطير بجناحيه الّا امم امثالكم يريد ان ظاهر الاية ان كل داۤبة تدب في الارض و كل طائر يطير بجناحيه كانوا من بني ادم كما هو ظاهر امم امثالكم لكنهم مسخوا دواۤبّ و طيراً و لمّا ثبت بطلان المسخ كان المراد بالامم و الامثال كونهم دواۤبّ و طيراً يوم القيمة حين يحشرون في صور اعمالهم فمنهم غداً عقبان و رخم و منهم خَيْلٌ وَ بِغَالٌ و حمير و منْهم قردة وَ خَنَازير و اَفْيٰال و منهم سباع و ذئاب و ليس المراد من الاية ما توهّمه بل المراد منها اَنّ كُلّ داۤبّة في الارض و كل طاۤئرٍ اُمَمٌ جري فيهم عدل اللّه بان ندبهم الي ما فيه صلاحهم من التكليف و ارسل اليهم نذراً من نوعهم لان كل نوع من الحيوانات امّة بنص القرءان و ان من امةٍ الّا خلا فيها نذير بنصّ القرءان و ماارسل سبحانه رسولاً الي امة من الامم الّا بلسان قومه ليبيِّنَ لهم بنصّ القرءان و ان كل امّة من الامم تحشر الي ربّها فيحاسبها فيقتصّ للجمّاۤءِ من القرناۤء و ليس في خصوص هذه الاية ما يوهم المسخ كما توهمه المصنّف الّا اذا اَوَّلَهَا بهذا التّأويل البعيد ثم يحتاج الي تأويلِ تأويله بما ذهب الَيْه و ليس هذا طريق التّأويل انّما يصح التأويل فيما يكون ظاهر الاية يوهم المسخ فيصرف ظاهرها الي معني صحيح و امّا هو فقد صرف ظاهرها الصحيح الي تأويله الغير الصحيح ثم حمله [ص 113] علي معني غير صحيح .

و قوله « و آيات اخري كقوله تشهد عليهم السنتهم و ايديهم و ارجلهم بما كانوا يعملون » فيه ما في ما قبله فان ظاهر هذه الاية ليس فيه ما يحتمل مدّعاه و انما المراد انهم يُختم علي افواههم فلاينطقون كما قال تعالي ثم تشهد عليهم جوارحهم و امّا انه انما شهدت عليهم جوارحهم لانهم كانوا من نوع العُجْم الصمّ البكم من الحيوانات فهو تأويل بَعٖيد بعدَ قوله تعالي اليوم نختم علي افواههم و تكلمنا ايديهم و تشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون .

و قوله « و كقوله يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الانس » فكذلك ليس في هذه الاية دليل علي مدّعاه و لا شاهد لِمٰا رءاه و انّما المراد منها هو ما في الاية الاخري قوله تعالي و انه كان رجال من الانس يعوذون برجالٍ من الجنّ فزادُوهم رهقا و ذلك كلّ ما توهّم بعض من الانس او اعتقدوا في الجن بانهم يضرّون او ينفعُونَ زادُوا في اغواۤئهم و امّا تأويلها بان الجنّ قد اغووا كثيراً من الانس حتّي اطاعوهم فيحشرون علي صور الجنّ من تفسير ظاهر الظّاهر فهو غير صحيح لانه و ان انطبق اخذ كثرة الجنّ بهم علي تفسير ظاهر الظاهر الّا انه يلزم منه ان كل منْ اغوته الجن حتي خرج بطاعتهم عن اصحاب اليمين يكون من الجن لا غير ذلك و ليس كذلك فالاولي عدم تأويلها علي مدّعاه .

و قوله « و كقوله و اذا الوحوش حشرت » مثل ما مضي اذ لا دلالة في الاية علي مُدّعاه و انما تدلّ علي ان الوحوش تحشر و لو ثبت في السنة او في الكتاب عدم حشر الوحوش جاز له تأويلها بانّ المراد بالوحوش العصاة من بني ادم لكن الامر علي العكس فلايَصح تأويله و امّا الايات التي تصلح شاهداً له فهي كثيرة لكنه لم‌يذكر منها شيئا و هي مثل قوله تعالي افلم‌يهد لهم كم اهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم انّ في ذلك لاياتٍ لاولي النّهي فان له ان يأوّلها بكَوْنِ ضميرِ [ص 114] الجمع في يمشون يعود الي المهلكين من القرون فانهم الان حيات و عقارب و خنافس و فيران يمشون في بيوت المخاطبين فيحمل ما يوهم المسخ علي انهم كذلك الأن مستورون تحت غطٰاۤء الصورة الانسانية و يوم القيمة يكشف عنهم الغطاۤء و مثلها فيما روي عن الصادق عليه السلام انه سئل عن العقرب و الخنفس و الحية فقال ان الله يقول اَولم‌يهدِ لهم كم اهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ان في ذلك لايات افلايسمعون اخرجوا من النار فقال لهم الله كونوا نِشْنٖيشاً ه‍ ، نقلتُه بالمعني و مثل قوله ان هم الّا كالانعام ، اولۤئك كالانعام بل هم اضلّ ، متاعاً لكم و لاَنْعامِكم و امثال ذلك فانّها هي التي يمكن الاستدلال بها علي المدّعي في تأويلها .

و امّا قوله « و قول الصادع صلي الله عليه و اله يُحشر الناس علي صور اعمالهم و في رواية علي صور نيّاتِهِم و في رواية يحشَرُ بعض النّاسِ علي صورةٍ تحسُن عندها القِرَدةُ و الخنازير » فهو صريح في المدّعي .

و قوله « و الي هذا يَؤُل كلام افلاطون و فيثاغورس و غيرهما من الاوّلين الّذينَ كانت كلماتهم مرموزة و حكمتهم مقتبسة من مشكوة نبوّة الانبياۤء عليهم السلام » يشير به الي ما نقل عنهم و مثله و اما كون كلامهم مقتبس من مشكوة النبوّة فصحيح و لكنه وقع فيه التّغيير من وجوه ثلاثة الاوّل ان احدهم اذا قرأ علي نبي من الانبياۤء عليهم السلام انفرد و اخذ يفرّع فروعاً فقد يقع الغلط في تلك الفروع لانه ليس بمعصوم و لا مسدّد من اللّه كالنبي عليه السلام الثاني ان كتبهم كتبوها باللغة السريانية و غيرها و المعرِّبون لها منهم من يفسّر كل كلمة بمعناها العربي لا كل كلامٍ و تكون الترجمة مخالفة للاصل كما لو فسّر في اللغة الفارسية قسم بُخُرْ فقال قسم يعني يمين و بُخُرْ يَعْني كُلْ فانّ المعني يبطل لانّ التَّرجمة كانت مخالفة للاصل اذِ [ص 115] الاَصْل احلف و الترجمة كُلِ اليمين و لوْ فسّرَ الكَلَام بكَلَامٍ لَصحَّ المَعْنَي فمن هذا و مثله يقع الغلط و الخَطاء الثالث انّ الحكماۤء في غالب اقوالهم يستعملون الاشارات و الرموز و اللوازم البعيدة و لايكاد يفهمها الّا مَن كان طبيعته من نحو طباعهم و خاض في علومهم و ربّما يكون المترجم لايفهم مرادهم فيكتب بخلاف مرادهم كما قالوا بان العقل مجرّد ففهم كثير منهم و منهم المصنّف ان العقل لا ماۤدة له اصلاً و انه بسيط الحقيقة فهو كلّ الاشياۤء كما ذكره في اوّل كتابه المشاعر و مرادهم انّ العقل مجرد عن المادة العنصريّة و المدّة الزمانيّة لا انه مجردٌ عن مطلق الماۤدة و الدليل علي انّ هذا مرادهم انهم قالوا اوّل ما خلق الله العقل فدلّ كلامهم هذا علي ان العقل ممكن و قالوا كل ممكنٍ زوج تركيبي فاذا كان مركّبا كان غير بسيط الحقيقة و انما مرادهم بالتجرد ما قلنا فمن مثل هذا يكثر الغلط بل قد يحصل الغلط من تحريف الكُتَّابِ في الاصل او الترجمة و لاجل ذلك و مثله قد يخالف قولهم قول الانبياۤء عليهم السلام و حيث جهل كلام الانبياۤء عليهم السلام فالمميّز للموافق لكلامهم عليهم السلام و المخالف هو الكتاب و السّنة لا غير و لاجل هذا ترانا لانكاد نجدُ قولاً من كلام المصنّف و امثاله موافقاً حتي انّ من لم‌يفهم ربّما توهّم انّا نتعمّد الردّ عليهم و انا اعوذ باللّه اَنْ اَكُونَ من الجاهلين و اَسْئل اللّه العالم بسرّي و جهري اَلّايَكِلَني اِلَي نفسي و لا اِلي اَحدٍ سواهُ .

قٰالَ : و الّذي يذكر في كتب الحكمة الرّسميّة انّ شيئا واحداً لايكون صورة لشيءٍ و ماۤدة لشَيْءٍ آخرَ انّما يتمّ بحسب نشأةٍ واحدة و فيما لا تعلّق له اصلاً بمادّة جسمانيّةٍ فان النَفْسَ المتعلّقة بالماۤدة من شأنها ان تتصوّر بصورةٍ بعد صورة و تتّحد بها و ايضاً الصورة الحسّيّة مع كونها صورة لمادّة جسمانيّة بالفعل فهي معقولة بالقوّة و نحن قد اقمنا البرهان علي ثبوتِ الحركة الجوهريّة [ص 116] في جميع الطبائع الماۤدّيّة وَ النفس الانسانيّة اسرع المكوّنات استحالة و انقلابا في الاطوار الطبيعية و النّفسيّة و العقليّة و هي في فطرتها التكوينيّة نهاية عالم المحسوسات و بداية عالم الروحانيات و هي باب الله الاعظم الذي يؤتي منه الي الملكوت الاعلي .

اقول ما ذكروه لايصحّ لا بحسب نشأة واحدةٍ و لا فيما لا تعلق له اصلاً بمادة جسمانية بل يكون الشيء ركناً لمعلوله اي مادة له و صورة لعلته بل كلّ الاشياۤء كذلك من فوق الدرّة الي ما تحت الذرّة فانّ النور الاول الذي هو اوّل فاۤئض من فعل اللّه صورة لفعل الله تعالي مثل ضرباً بسكون الراۤء فانه صورة لضرب بفتح الراء و هذا النور الذي هو صورة لفعله تعالي مادة لعقل الكلِ و صورة العقل الارض الجرز و البَلد الميت و العقل صورة للنور المذكور و ماۤدة للنفس و الصورة النّوعيّة صورة الخَشب و ماۤدة السرير و صورة وجهك المنفصلة اي الاشراقية صورة وجهك و ماۤدّة للصورة التي في المرءاة بل كل الاشياۤء اعراض لعِلَلِها و معروضات لمعلولاتها لا فرق بين ذلك في نشأة واحدة كما قلنا في الخشب و السرير و الصورة في المرءاة او غيرها و لا بين ما لا تعلّق له بالمواۤد الجسمانية كعقل الكل بالنّسبة الي النور الذي تنوّرت منه الانوار صلي الله علي محمد و اله و بالنسبة الي النفوس او غير ذلك و انما اشتبه ذلك عليهم حيث وَجدوا زيداً ذاتاً متقوّمةً بنفسِها استبعدوا ان يكون صفة و عرضاً و ذلك لعدم معرفتهم بفعل اللّه اذ لو عرفوا ان فعل الله سبحانه ذاتٌ قاۤئمة بنفسها بالنسبة الي ما سواها من الخلق و ان تذوّت جميع الذوات انما هو شعاع تذوّتِها و انّما يقال ان فعل اللّهِ و مشيّته عَرض بالنسبة الي ذات الحق عز و جل اذ ليس شيء بحقيقة الشيئيّةِ الا هو تعالي و مشيّته شيء به لا بنفسها و الخلق شيء بمشيّته لَا باَنْفُسِهمْ .

[ص 117] و قوله « فان النفس المتعلّقة بالماۤدة من شأنها ان تتصوّر بصورة بعد صورةٍ و تتّحد بها » بَناه علي نفيه لكون شيء واحدٍ لايكون صورة لشيءٍ و ماۤدة لشيءٍ اخر و قد قدّمنا ما سمعتَ في النفس من انّها من الملكوت و لاتتعلّق بنفسها بالمواۤدّ الجسمانيّة و انّما تتعلّق اَفْعَالُها بالمواۤدّ بواسطة الطباۤئع النورانية و الهباۤئيّة و المثاليّة و الفلكيّة لان النفس من حيث ذاتها من المفارقات فكيف تتعلّق بالمواۤدّ و من ان المتقلّب في الصور ليس هذه التي هي بنت العقل و انما هي الامّارة التي لو صلحت كانت اخت العقل لا بنته نعم لو صلحت هذه الامّارة اتّحدت ● بتلك .

و قوله « و ايضا الصُّورة الحسّيّة مع كونها صورةً لماۤدّة جسمانيّة بالفعل فهي معقولة بالقوّة » اَمّا انّ الصورة الحسيّة صورة للمادة الجسمانية فظاهر اذ لا معني لمحسوسيتها الّا لقيامها بالمادة الجسمية قيامَ عروضٍ او قيامها بالصّورة العارضة قيام صدور و بمحلها قيام ظهور كالصّورة في المرءاة و لكن هذا لا كلام فيه و انّما الكلام في كونها معقولة بالقوّة فانّا لانسلّم انّها معقولة لتكون المحسوسة نفسُها معقولةً و انّما المعقول معناها اذِ العقل لايدرك بذاته الصور و ان كانت جوهريّة كالنفوس و انما يدرك ذلك بواسطة الوَساۤئط الّتي بينه و بين ما يدركه اذا كان تحت رتبة المعاني و اِنْ ارادَ بالمعقولة المتخيّلة فالخيال انّما يدرك صورة ما انتزع له الحس المشترك من الصّور سواۤء كانت المنتزعة من مادة ام من صورةٍ فالذي يدرك الخيال من الصورة المحسوسة صورتها لا انها بنفسها تصعد حتي تكون معقولة و لا انّ العقل ينزل حتي يكون من الحواس الظّاهرة و كأن المصنّف نسي كلامه السّابق في الحواس الظاهرة ان المدرَك من المرئي ليس هو الصورة الظاهرة و انما تدركه النفس بصورة ملكوتية مماثلة للمحسوسة مع ان النفس انزل [ص 118] رتبة من العقل فهلّاقال هناك ان المحسوسة تكون مدركة للنفس بالفعل بعد اَن كانت بالقوّة كما قال هنا او قال هنا انّ الصورة الحسيّة يدركها العقل بصورة مماثلة لها من عالم الملكوت .

و قوله « و نحن قد اقمنا البرهان علي ثبوت الحركة الجوهريّة » يريد انّه اذا ثبتت الحركة الجوهرية بان يكون الجوهر بنفسه يترقي من رتبته الي ما فوقها و هكذا صاعداً كانت الصورة الحسّية مع ارتباطها بالماۤدة صورة عقليّة و نحن قد قلنا له فهلّاقلتَ في الصورة المرئيّة كذلك علي ان الحركة الجوهريّة انّما تتحقق في نوعها فان الجوهر المعدني لايترقي حتي يكون جوهراً نباتيّا و النباتي لايكون حَيَوانيّا نعم المعدني يترقَّي في الرتبة المعدنية كأن يترقّي من الصخرية الي الزجانية ( الزجاجية ظ ) و من الزجاجيّة الي البلّورية و من البلّوريّة الي الالماسيّة و كذلك النباتي يترقي في الرتبة النباتية و هكذا و امّا قوله تعالي و الله انبتكم من الارض نباتا فليس المراد منه انّ النفوس الملكوتية و العقول الجبروتية تكوّنت من التراب و المعدن و النبات كما توهّمه مَن لم‌يعرف ذلك من كلام ائمة الهدي عليهم السلام و انّما انزلها اللّٰه سبحانه من شجرة المزن و وقعت علي النبات و البقول و سرت في صفو النبات الذي تتكون منه النطْفة الظاهرة الحاملة في غيبها للنطفة الباطنة و ترقّت النّطفة الظّاهرة النباتيّة في رتبة النبات علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كساها تعالي لحماً و النطفة الملكوتية الناطقة غيبٌ في النباتيّة في اطوارها هذه فاذا كسيت لحماً و تمّت في بَشرِها و شعرها ظهرت الكامنة في غيب النباتية و هذا الظهور هو الذي سمّاه اميرالمؤمنين عليه السلام بالولادة الجسمانية و ذلك اذا تم لها اربعة اشهر و هذا معني قوله تعالي و الله انبتكم من الارض نباتا فهذا معني حركة الجوهر انه يترقي في رتبة نوعه لا غير فلاتكون [ص 119] الحسّية معقولة كيف و المصنِف انكر كون الماديّات معقولة في باب اتحاد العاقل بالمعقول و جعل المادّية معقولة بالتبع لصورتها العقليّة في حق الواجب تعالي فلاتقل انها ليست معقولة بالذات حال ماۤدّيتها فاذا ترقت عُقِلت بالذات لان الواجب تعالي لايصح هذا في شأن ادراكه للاشياۤء اذ لَيْس له حالتان كالمخلوق .

و قوله « و النفس الانسانيّة اسرع المكوّنات استحالةً و انقلاباً في الاطوار الطبيعية و النفسيّة و العقليّة » فيه كما قلنا ان المُتَطوّرة هي الامّارة لانها نشأت من نفس العالي و بعدت منه حسداً الي السفل فشأنها التقلّب في اطوار السافلين من صور الحيوانات و الشياطين و لاجل كونها من نفس العالي كانت هيئتها تشابه هيئته فلاجل هذه المشابهة قد تقبل تعليمه فاذا تعلّمت مما علّمه الله كانت اخته و الّا ردّت الي اسفل السافلين .

و قوله « و هي في فطْرتها نهاية عالم المحسوسات و بداية عالم الروحانيات » ليست نهاية عالم المحسوسات و لا بداية عالم الروحانيات لان نهاية عالم المحسوسات و بداية عالم الروحانيات عالم المثال و امّا النفس الانسانية فهي وسط عالم الروحانيات لانّ تحتها من الروحانيات الجوهر الهباۤئي و الطبيعة النورانية و فوقها الارواح و العقول .

و قوله « و هي باب اللّهِ الذي يؤتي منه الي الملكوت الاعلي » يدلّ علي توسّطها لانها باب الملكوت الاعلي فهي من الملكوت الاوسط كما قلنا و هذه صفة النفس الانسانية لا النفس المتقلّبة في صور المركبات الخبيثات المسخوطات كما قال جعفر بن محمد عليهما السلام .

قال : و فيها ايضا من كل باب من ابواب الجحيم جزؤ مقسوم و هي السدّ الواقع بين الدنيا و الاخرة لانها صورة كلّ قوة في هذا العالم و ماۤدّة كل صورة في عالمٍ اخر فهي مجمع بحْرَي الجسمانيات و الروحانيات [ص 120] و كونها اخر المعاني الجسمانية دليل علي كونها اول المعاني الروحانية فان نظرتَ الي جوهرها في هذا العالم وجدتها مبدأ جميع القوي الجسمانية و مستخدم ساۤئر الصور الحيوانية و النباتية و ان نظرتَ الي جوهرها في العالم العقلي وجدتها في بداية الفطرة قوّة مَحْضةً لا صورة لها في عالم العقل » .

اقول في النفس بقولٍ مطلقٍ كل بابٍ من ابواب الجحيم لانها فيها باب العلم و باب الوهم و باب الخيال و باب الفكر و باب الحيوة و باب العناصر سادس الابواب و هي ( اي النفس ) الباب الاعظم السّابع فيه ثلاث طبقاتٍ الفلق و هو جُبٌّ في جهنم اذا فتح اسعر النار سعراً و هو اشدّ النّار عذاباً و صَعُود و هو جبل من صفرٍ من نار وسط جهنم و اثام وادٍ من صفرٍ مذابٍ يجري حول الجبل فهو اشدّ النار عذاباً فالباب الاول ( العناصر ) الجحيم و الثاني ( الحيوة ) لظي و الثالث ( الفكر ) سقر و الرابع ( الخيال ) الحطمة و الخامس ( الوهم ) الهاوية و السادسة ( العلم ) السعير و السابعة ( النفس ) جهنم و ابتداۤء العدد علي هذا الترتيب من باب العناصر لانّه الاول و الثاني الحيوة و هكذا صاعداً علي الترتيب و فيها سبعة ابواب من النعيم جَنّة الفردوس ( النفس ) و جنة العالية ( العاقلة ) و جنّة النّعيم ( العالمة ) و جنّة دار المقامة ( الواهمة ) و جنة الخلد ( الخيال ) و جنّة المأوي ( الفكر ) و جنّة دار السّلام ( الحيوة ) فان عمل بطاعة الله كانت تلك الابواب ابواب الجنان و ان عمل بمعصية الله كانت تلك الابواب ابواب النيران و امّا الجنة الثامنة و هي جنّة عدن ( العقل ) ليست بابا في النفس و انّما هي باب في العقل و هو مطيع للّه و لايعصيه ابداً فلهذا لايكون باباً من النيران و من ثَمّ كانت الجنان ثماني و النّيران سبعاً و لكلٍّ من ابواب النيران السبعة حظيرة و هي ضحضاح من نار كلّ حظيرة تسمّي باسم اصلها نسبتها الي اصلها نسبة الواحد الي السبعين في ضعف العذاب و شدّته و لكل باب من ابواب الجنّة السّبعة حظيرة و هي جنّة خُلِقت من ظلّ اصلها نسبتها في النعيم الي اصلها نسبة الواحد الي السبعين و [ص 121] نيران الحظاۤئر لعصاة المؤمنين و جنّات الحظاۤئر لثلاث طواۤئف مؤمني الجنّ و المؤمنين من اولاد الزنا الي سبعة ابطن و المجانين الذين لم‌يقع عليهم تكليف و ليس في اَهاليهم احد من اهل الجنّة ليشفعوا فيهم و اما الجنّة الثامنة جنة عدن فلا حظيرة لَها و انت قد علمتَ ما قلنا في النفس .

و قوله « وَ هي السدّ الواقع بين الدنيا و الاخرة » اي و النفس هي السّدّ اي البرزخ المضروب بين الدنيا لما تضمّنَتْ مِن صور جميع القوي اي الدّواعي النفسانية التي تتجسَّدُ الي مَواۤدِّها في الاخرة و هو قوله لانّها صورة كلّ قوّة في هذا العالم و ماۤدّة كل صورة في عالم اخر غير هذا يعني انها تتصور بصور دواعيها الشيطانيّة او الحيوانية او السبعيّة في الدنيا بان تلبس علي انسانيّتِها صورة شيطان او حيوان او سبع و في الاخرة تخلع الانسانيّة و تكون تلك الصور مواۤدّ لاصحاب تلك الصُّوَر و هذا مبني علي تجسم الاعمال لانه قال انها صورة في الدنيا مادة في عالم اخر اي في الاخرة و الحق في المسئلة انّ الاعمال لاتجسّم لانّها صور و اوصاف و لكن العاملين تلبس صور اعمالهم لانّ مادة العامل تستحيل الي ماۤدة ذي الصورة و حقيقة ذلك انه هو ذو الصورة ● و لكنه في الدنيا بصورة الانسان للمجاورة و في نفس الامر هم شياطين قال تعالي و كذلك جعلنا لكل نبيّ عدوّاً شياطين الانس و الجنّ و هم حمير قال تعالي ان انكر الاصوات لصوت الحمير و قال تعالي كمثل الحمار يحمل اسفاراً ، و امّا التجسم في الصفات فصورة العمل الموافق لامر الله و ارادته صورة الثواب و ماۤدته من امر اللّه الذي امتثله و حياته من الله سبحانه اي من رحمته و امّا صورة العمل المخالف لامر اللّهِ فصورة العقاب و ماۤدته من الامر الّذي خالفه و حياته من الله سبحانه اي من غضبه و الحق انّ النفس اللابسة لصورة الشيطان انها ماۤدة شيطانية و اللابسة لصورة [ص 122] الحيوان ماۤدة حيوانية و كذا لابسة صورة السبع ماۤدة سبعيّة و هي في الدنيا كما هي في الاخرة فهم شياطين و حيوانات و مسخ و سباع في الدنيا و لكن البِسُوا صورة الانسان للمجاورة من قوله ان الساعة آتية اكاد اُخْفيها لِتجزَي كلّ نفسٍ بما تسعي و لو كشف لك الغطاۤء في الدنيا لرأيتَ شياطين و كلابا و خنازير و قردة و حيوانات و لقد كان الصادق عليه السلام اراهم ابابصير كذلك ثم ردّه منحجباً .