[ص 75] اقول قوله « للنفس كينونة » اي حصول و كونٌ سابقة علي البدن يعني كينونة سابقة علي البدن و المفهوم من كلامه انّ ذلك سَبْقٌ زمان لان التقدّم بهذا النمط تقدّم زماني و هو ينافي قوله انّها من الملكوت و معلوم عند جميع العلماۤء و الحكماۤء انّ الملكوت ليس من عالم الملك و انّ عالم الملك هو الذي في الزمان و ان عالم الملكوت سابق علي الزمان فلايكون سبقه زمانيّاً بل دهريّا و لكنه في ساۤئر كتبه يذهب الي انّ الزمان لايتقدّم عليه الّا البارئ سبحانه و الذي يظهر لي انه لايتصوّر الدهر و لا كيفيّة سبقه كما هو شأن الجمهور حتّي انّ منهم من يقول انّ المجرّدات سابقة علي الماۤدّيات سبقاً دهريّاً و لايتصوّر الّا السبق الزماني و انا امثّل لك بالتقدم الدّهري لعلّك تتصوّره و لو بعد حينٍ فاقول انّ المحقّقين من اهل العلم و المعرفة ذهبوا الي انّ الاجسام قبل الارواح في الزمان و الارواح قبل الاجسام في الدهر ● و بيانه يتوقف علي ذكر مسئلةٍ ذكرها الرضا عليه السلام و هي انه قال ان الله خلق الحروف الي ان قال عليه السلام و الحروف لاتدل علي غير انفسها قال المأمون كيف لاتدل علي غير انفسها قال الرضا عليه السلام لان اللّه تعالي لم‌يجمع لها مِنْها شيئا لغير معني ابداً فاذا الّف منها اربعة او خمسة او ستة او اكثر من ذلك او اقلّ لم‌يؤلّفها لغير معني و لم‌يكن الّا لمعني محدثٍ لم‌يكن قبل ذلك شيئا الحديث ، فاخبر عليه السلام بانّ المعني لم‌يكن قبل تأليف الحروف شيئا فافهم هذا و تفهّم به مثالي و هو انّي اذا قلتُ لك قامَ زيد و انت لم‌تعلم بقيامه الّا من اِخباري لم‌يحصل لك هذا المعني الّا بعد اِخْباري و اِخْباري لفظ سمعتَه انتَ باذُنِك لانه من عالم الزمان سمعتَه الأن و فهمتَ معناه الذي ماحصل لك الّا بعد اِخْباري ايّاكَ بعقلك و عقلك خلق في الدهر و مكانه المجرد قبل الزمان و قبل الاجسام باربعةٰ‌الاف سنةٍ و عقلك الأن هو هناك فقد فهمتَ معني قولي [ص 76] بعقلك في رتبة عقلك و وقته قبل خلق السموات باربعة‌الٰاف سنةٍ فافهم كيف سمعتَ كلامي في الزمان قبل معناه و فهمتَ معناه قبل كلامي باربعة‌الٰاف سنةٍ فتصوّر سبق الدهر لان الدهر ظرف العقول و المعاني و الارواح و الرقاۤئق وَ النفوس و الصور الجوهرية و الاجسام و الجسمانيات في الزمان و قد لوّح قول علي عليه السلام الي هذا حين قال الروح في الجسد كالمعني في اللّفظ بقينا في فاۤئدة و هي انّ ما بالفعل علي مذهبنا تبعا لمذهب ائمتنا عليهم السلام سابق في الكون علي ما بالقوّة لانّ اوّل فاۤئضٍ من المبدءِ الفيّاض و هو فعله عز و جل اقوي من الفاۤئض الذي بعده و اشرف و هكذا كل سابق اقوَي من لاحقه و اشرف و لا ريب ان ما بالفعل اقوَي ممّا بالقوة و اشرف فيكون ما بالفعل سابقا علي ما بالقوة بالذات كالحبّة الحنطة فانها سابقة علي السنبلة الخضراۤء و العود الاخضر ثم تغيب في العود الاخضر ثم تكون السنبلة ثم تعود الحبّة و تظهر من غيبها مع امثالها متكثّرة بتكثُّرِ قوابلها لانّ اصلها و هي ٱلحبّة واحدة و تكثرت المواۤدّ منها بحسب تكثر القوابل كتكثّر الصور في المرايا المتعددة من صورة الوجه الواحدة و اختلافها لاختلاف قوابلها اعني المرايا المختلفة كذلك الحبّة و النفس فسبق النفس علي البدن سبق دهري لان وقتها قبل البدن هو عين وقتها بعد البدن .

و قوله « من غير لزوم التناسخ » ردّ علي مَن توهم انها اذا كانت موجودة قبل الابدان ثم انتقلت الي البدن لزم التناسخ المجمع علي ان القول به كفر و التناسخ انتقال الارواح بعد مفارقة ابدانها الي ابدانٍ غيرها و افترق اهل هذا القول علي اربعة مذاهب النسوخية و المسوخيّة و الفسوخية و الرسوخيّة فالنسوخيّة بالنون جوّزوا تناسخ الارواح من الٰادمي الي الادمي و مِن هؤلاۤء من اوجب التناسخ للنفوس الشقيّة وحدها حتي تكمل بالترداد من بدنٍ الي بدن فتتخلّص [ص 77] من الجسد الكثيف و تلحق بعالمها و المسوخيّة بالميم جوّزوا انتقالها من الادمي الي البهاۤئم و السباع و الطّير و منهم من جوّز ان السعيدة ترجع الي حيوان شريف كالفرس و الشقيّة ترجع الي حيوانٍ خسيس كالكلب و الخِنزير و منهم من زعم انها تَرجع الي حيوان يشاكلها بالطبع و بالعمل حتي ان روح القصّار ترجع الي حيوان الماۤء و روح الصيّاد الي جوارح الطير و الفسوخية بالفاۤء اوجبوا انتقالها الي جميع دواۤبّ الارض من الحيات و العقارب و الديدان و ساۤئر الحشرات و ربما يستشهدون علي ذلك من كتاب الله بقوله تعالي و ما من داۤبّة في الارض و لا طاۤئر يطير بجناحيه الّا امم امثالكم و قوله حتي يَلج الجمل في سم الخياط زعموا انه تدخل روح جمل في دودة كانت في الصغر تدخل في سمّ الخياط الابرة اي في ثقبها فتدخل الكافر الجنّة و ربّما استشهد لهم بما روي عن الصادق عليه السلام ما معناه انه سئل عن الخنفس و الحية و العقرب فقال عليه السلام ان الله تعالي يقول اولم‌يهدِ لهم كم اهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ان في ذلك لايات افلايسمعون اخرجوا من النار فقال الله لهم كونوا نِشْنٖيشاً ه‍ ، و الرسوخيّة بالراۤء جوّزوا انتقالها الي نوع الشجر و النبات و منهم من يُعِدّ لذلك بعض الاشجار كالغرس في الغرب و غيرها و كلّها خباط و ظلمات بعضها فوق بعض انّ اللبيب بمثلها لايخدع و قد صدق مَن قال الناس كلهم اكياس فاذا جاۤؤا الي الاديان افتضح الاكثرون كذا في سراج العقول مع اختلاف قليل و اصحاب التناسخ يقال لهم الخُرميّة بضمّ الخاۤء المعجمة و علي ما ذهب اليه من تقدّم كينونة النفوس قبل الابدان توهّم بعض بانه يلزم منه التناسخ و ليس بصحيح لان التناسخ انّما يلزم لو قلنا بانها تنتقل الي ابدانٍ غريبة منها و امّا [ص 78] اذا قلنا بانّ البدن ظهورها و تنزّلها فلايلزم ذلك علي انّ الذين حكموا بكفرهم لانكارهم المعاد لا بقولهم بانتقالها من اجساد الي اجساد .

و قوله « و لا استيجاب قدم النفس كما اشتهر عن افلاطون » يعني انّ كونها سابقة علي البدن لايوجب قدمها اذ علي قوله من انها زمانيّة يكون زمانها سابقاً علي زمان البدن و لا محذور فيه و الزمان كل ما فيه حادث و علي قول غيره بتقدّمها علي الزمان كما هو الحق لايلزم قدمها لانّها محدثة بتوسّط العقل و المسبوق بالغير لايكون قديماً و نقل عن افلاطون انه قال انّ النفوس كانت في عالم الذكر مغتبطة مبتهجةً بعالمها و ما فيه من الرّوح و البهجة و السرور فاهبطَتْ الي هذا العالم حتي تدرك الجزئيّات و تستفيد ما ليس لها بذاتها بواسطة القوي الحسّيّة فسقطت رياشها قبل الهبوط و اهبِطت حتي يستوي ريشُها و تطير الي عالمها باجنحةٍ مستفادةٍ من هذا العالم انتهي ، و اراد بعالم الذكر العلم و يحتمل بعيداً انه اراد بعالم الذكر اللوح المحفوظ فان اراد الاحتمال الثاني فقد اصاب الحقّ و ان اراد بالعلم علي الاحتمال الاول العلم الحادث فقدْ اَصَاب الحقّ الّا انا قد قرّرنا انَّ العِلْمَ الحادث علي قسمين علم امكاني راجح الوجود و هو عين معلومه و علم كوني و هو ايضا عندنا عين معلومه و هما علمانِ اشراقيّان حضوريّان حصوليّان لان المعلوم في رتبة حصوله و وقتِهٖ حاضر عند العالم بما هو به هو و هذا معني لايذهب اليه المصنّف و لا افلاطون و ان اراد بالذكر العلم الذي هو الذات كما يذهبون اليه من الاعيان الثابتة بمعني انّها لا موجودة و لا معدومة بل ثابتة فقد اخطأ الحقّ اذِ الذات ليس فيها شيء غيرها لا في الذهن و لا في الخارج و لا في نفس الامر و انما اسقط اللّه رياشها لانه نقل انه تعالي لمّا خلقها قال لها مَن انا فقالت فمن انا فاركسها في بحر الرجوع الباطن حتي وصلت الي نشأتها و خلصت عن رذاۤئل دعوي الانّيّة فقال لها [ص 79] مَن انا قالت انت الله الواحد القهار فلهذا قال اقتلوا انفسكم فانها لاتنال مقاماتها الّا بالقتل ه‍ ، و معني سقوط ريشها انها كانت في حال تجرّدها تتصرّف فيما لها كيف شاۤءت بلا تكلّف فلكراهة ان تدّعي الربوبيّة اهبطت الي هذا البدن و حبست في هذا السجن الضيّق بعد مكانها الواسع الفسيح فاذا استفادت ما ليس لها الي ما لها حدثت لها اجنحة ملكيّة و ريش ملكوتي فطارَتْ في العالم الملكوتي بالطول و في العالم الملكي بالعرض و الي هذا المعني اشار ابن‌سينا في ابْياته التي في الروح في قوله :

ان كان اهبطها الالهُ لحكمةٍ طُوِيَتْ عن الفطِن اللبيبِ الارْوعِ

فهبوطُها لا شكَّ ضربةُ لازبٍ لِتكونَ سامعةً بما لم‌يُسمَعِ

و تكون عالمةً بِكلّ خفِيّةٍ في العالمَيْنِ فخرقُها لم‌يُرقَعِ

و قوله « و لا تعدّد افراد نوعٍ واحدٍ و امتيازُها من غير مادة و استعدادٍ » يريد به ان النفس مجرّدة فلو كانت سابقة علي البدن مع تساوي ما في الابدانِ في الحقيقة و لايصحّ تعدّدها لان التعدّد في متحد الحقيقة انما يكون بالمميّزات و حصولها في البسائط يلزم منها التركيب المنافي للتجرّد لكانت تلك الحقيقة نوعاً لتلك الافرادِ المتعدّدة و لزم تعدّد افرادها و التّعدّد يمتنع في الشيء الذي لا ماۤدّة له و لا استعداد لزيادةٍ او نقصان كما هو شأن المجرّداتِ و عدم التعدّد منافٍ للواقعِ فاجاب بانّ تقدّمها علي الاجسام و الابدان لايلزم منه ذلك المحذور و هو كما قال امّا عنده فلانّها ماديّة الاصل كما تقدّم و لكنها تتقلّب في اطوارها حتي تلحق بمراتب العقول فتكون عقلا و تقلّبها في اطوارها هو تقلُّبُها في الابدان الماۤدّية و عودُها عقولا مجرّدة طارٍ علي اصلها و قد بيّنّا بطلان هذه المعاني التي عناها سابقاً و امّا عندنا فلايريد بالمجرد عن مطلق الماۤدّة الّا الواجب الحق عز و جل و كلّ ما سوي الذّاتِ القديم تعالي فهو ليس بمجرّد [ص 80] عن مطلق الماۤدّة بل ما هو غير الذات البحْت تعالي فهو محدث و كل محدث فانما خلق من ماۤدة و صورة محدثتين مخترعتَيْن لا من شيء نعم الماۤدة لاتنحصر في العناصر بل تكون ماۤدة عنصريّة للحوادث التي في الارض و ما عليها و ما تحتها و ماۤدّة طبيعية للافلاك و الكواكب و ملاۤئكتها و ماۤدة برزخيّة لهورقليا و جابلقا و جابرسا و من فيها و ماۤدّة جوهريّة للنفوس و ماۤدة نورانية للعقول و ماۤدة سرّيّة لعالم الامر و ماۤدة عرضية للاعراض و الصِّفات فماۤدّة كلّ شيء بحسبه و كذلك المميّزات فانها في كلّ رتبة من مراتب الممكنات الراجحة و المتساوية من نوعِ هيئات تلك الرتبة فالنفس مجردة عن الماۤدة العنصرية و المدّة الزمانيّة لا انها مجردة عن مطلق الماۤدة و مميّزاتها من نوع هيئاتها فتكون سابقة علي الاجسام و لايلزم تعدّد افرادِ نوعٍ واحدٍ من غير ماۤدّة و استعداد بل تتعدّد افراد نوعها لوجود الماۤدة الجوهريّة و الاستعداد و المميّزات الجوهرانيّة و لانقول انها نشت من المواضع الطبيعية بل كما قال ابن‌سيناۤء في ابياته :

هبطت اليك من المحل الارفعِ ورقاۤء ذات تعزّزٍ و تَمنُّعِ

و قوله و لا صيرورة النفس منقسمةً بعد وحدتها كالمقادير المتّصلة يريد به انه لايلزم من سبقها علي الابدان مع وحدتها في نفسها قبل خلق الابدان و تعدّدِها كونُها منقسمةً بعد تعلّقها بالابدان المتعدّدة كانقسام المقادير المتّصلة كالاجسام فيكون كل بدنٍ تعلّق به جزءٌ غير الجزءِ الذي تعلّق بالبدن الاخر و هو كما قال بل انقسامها انقسام النوع الي افراده الجزئيّة كما سمعتَ و قوله « بل كما بيّنّا دليله ، الخ » نقول عليه بل كما بيّنّا دليله و قوله « و اليه الاشارة في قوله تعالي و اذ اخذ ربّك من بني ادم من ظهورهم ذرّيتهم ، الي اخر الاية » يريد به ان كون النفس لها كينونة قبل الابدان يشير اليه قوله تعالي فان قوله و اشهدهم علي انفسهم دليل علي اعترافهم جميعاً قبل انكارهم في هذه الدنيا بقرينة قوله شهدنا اَن تقولوا يوم القيمة انا كنا عن هذا غافلين او تقولوا الاية ، [ص 81] و بقرينة قوله تعالي في الاخبار عن حال المنكرين في هذه الدار فماكانوا ليؤمنوا بما كذّبوا به من قبل ، و هنا فاۤئدة احب ان تتطّلع عليها علي جهة الاختصار و الاشارة اعلم ان الواقعة الّتي اقام عليها عباده تعالي لتكليفهم بما فيه نجاتهم في عالم الذرّ حين كلّف الارواح كان ذلك في موضعين الموضع الاول جمعهم عند الركن العراقي ● من الكعبة المشرفة و الخلاۤئق حِصَصٌ مواۤدّ متميّزة ( بالتمايز الكوني ، كريم ) غير مصوّرة ( بالصور الشرعية ، كريم ) و جعل فيهم التّمييز و الاختيار متساوين في جهة التكليف ( لا من كل جهة و الا لماكان تمايز ، كريم ) فيهما كما قال تعالي كان الناس امّةً واحدة ليجري التكليف علي الاختيار ليهلك من هلك عن بيّنَةٍ و يحيي من حيّ عن بيّنة ثم كشف لهم عن عليّين كتاب الابرار ( اي صور الطاعات ، كريم ) من نفس فلك البروج و قال لهم يا عبادي هذه صور طاعتي من اجابني و اطاعني البستُه صورة اجابته منها ثم كشف لهم عن سجّين كتاب الفجار من نفس الصخرة التي تحت الارضين السبع و قال لهم يا عبادي هذه صور معصيتي من لم‌يجبني و عصاني البستُه صورة معصيته منها و ما انا بظلام للعبيد ثم قال لهم الستُ بربّكم و محمّدٍ نبيّكم قالوا بلي باجمُعهم الّا ان اجابتهم مختلفة في مقاصدهم فالمؤمنون قالوا بلي بالسنتهم و قلوبهم فخلقهم بصور الاسلام ظاهرا و باطنا و المنافقون و الكفار قالوا بلي عند قوله الستُ بربكم ( الست بربكم كوني لاجابة الكل ، كريم ) بالسنتهم و عند قوله و محمد نبيّكم ( هذا شرعي لوجود الاختلاف ، كريم ) قالوا بلي متوقّفين منتظرين يعني بمعني سكتوا فخلقهم بصور الاسلام ظاهراً و لم‌يخلق بواطنهم ( فلله فيهم المشية الي ان يكلفهم يوم القيمة بنار الفلق ، كريم ) لانهم لم‌يقولوا بلي بقلوبهم و انما قالوا بلي علي جهة الوقف فوقف تعالي كما وقفوا و اليه الاشارة بقوله في التأويل و انتظروا اِنّا منتظرون ، ثم جمعهم ● ايضا في عالم الذرّ ( هذا الموقف مؤخر ظهوراً مقدم وجوداً ، كريم ) مرّة ثانية في الموضع الثاني في غدير خمّ ( لاخذ ميثاق الولاية ، يم ) من الذرّ الاول [ص 82] فقال لهم الستُ بربكم و محمد نبيّكم و علي وليكم و امامكم و الائمة من ولده ائمتكم فقال المؤمنون بلي بالسنتهم و قلوبهم فخلقهم الله بصورة اجابتهم صورة الايمان ظاهراً و باطنا و قالوا المنافقون و الكفار بلي بالسنتهم مستهزئين منكرين جاحدين فانزل الله علي نبيه صلي اللّه عليه و اله الله يستهزئ بهم و انزل و جحدوا بها و استيقنَتْها انفسهم ظلماً و علوا فتمّت كلمته و بلغت حجّته و ما ربّك بظلّام للعبيد ، و كثير من علماۤئنا كالعلّامة و السيّد المرتضي و غيرهما انكروا عالم الذر و قالوا انّ التكليف المذكور في الاية انما هو التكليف في هذه الدنيا بدليل قوله و اذ اخذ ربّك من بني ادم و لم‌يقل من ادم و قال من ظهورهم ذرّيتهم و لم‌يقل من ظهره ذرّيته و ايضا قالوا من المستبعد اَن يكلّف ما هو كالذّرِّ و الحق ان التكليف في الاية سابق علي هذه الدنيا سبقا دهريّا و ان كانت هذه الدنيا سَابِقَةً سبْقاً زمانيّا و امّا قوله تعالي من بني ادم من ظهورهم ذرّيّتهم فانّ للارواح و النفوس توالُداً كتَوالُدِ الاَبْدَان فاخذ تعالي كل نسمة من صلب ابيه و نثرهم بين يديه كما تأخذ بخيالك الف رجل كل واحد من صلب ابيه و اباه من صلب ابيه و هكذا الّا انّك لاتقدر علي ابراز ما في خيالك في الخارج و هو اخذهم هكذا بفعله و اقامهم في الخارج و كلّفهم ثم رجعهم في اصلاب آبٰاۤئهم الّا عيسي المسيح عليه السلام فانه مسح علي ظهر ادم عليه السلام و اخرج منه المسيح و لمّا كلفه لم‌يردّه في صلب ادم عليه السلام بل بقي علي حكم المسح الاول فلذا سمّي المسيح كما روي عنهم عليهم السلام و امّا استبعاد تكليف ما هو كالذرّ فغلط لوجهين الاول ان الذر و ما هو اصغر منه دلّ الكتاب و السنة علي انّه مكلف كقوله تعالي و ما من داۤبّة في الارض و لا طاۤئر يطير بجناحيه الّا امم امثالكم مافرّطنا في الكتاب من شيء ثمّ الي ربّهم يحشرون فقد دلّ الكتاب علي ان كل ذي روح [ص 83] في الارض مكلف و انه يحشر و يحاسب باعماله و كذا قوله و ان من شيء الا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و التسبيح فرع التكليف و امّا السنة فمشحونة من ذلك الثاني ان المراد بقوله كالذر هو الكنايَة عن صِغَرهم بالنسبة الي فسحة عالم التكليف و مثاله انك تري الرجل و الجمل الذي تحت الجبل كالذرّة و الجبل اذا نسبته الي كرة الارض كان كالذرّة و اصغر و الارض علي ما ذكره بعض علماۤء الهيئة قدر جزء من خمسة‌عشر جزءاً من السها النجم الذي عند الوسطي من الثلاث من بنات نعْشٍ و السها اَخْفَي من اكثر النجوم فهو كالذّرّة فكون المكلَّفٖين كالذرّ لعظَم ذلك المكان و سعته و الّا فهم علي هيئتهم في الدّنيا و اشدّ تمييزاً منهم في الدنيا .

و قوله « صلي الله عليه و اله الارواح جنود مجنّدة ، الحديث » لا دلالة فيه علي تقدّمه علي الابدان و انّما المراد انّها بنسبة بعضها الي بعضٍ عالم متجانس و متناوِعٌ كما انّ الابدان كذلك و قد ذكرنا في الفواۤئد و شرحها كيفيّة تعارف الارواح و تناكرها و تخالفها و تماثلها نعم فيه تلويح الي التقدّم الّا انّه لايقطع حجة الخصم .

و قوله « و عن ابي‌عبدالله عليه السلام انّ اللّه خلقنا من نور عظمته ثم صوّر خلقنا من طينةٍ مكنونة تحت العرش فاسكن ذلك النور فيه فكنا نحن بشراً نُورَانِيّين و خلق ارواح شيعتنا من طينتِنا ه‍ » فاعلم انّ بيان هذا ليس علي ظاهر لفظه و الاستدلال علي البيان جلّه من الاحاديث المتكثرة المتفرقة و لايمنعنا من الايراد الّا طول الكلام و لكن اشير لك الي معني من مَعانيه مُجرّدا عن الادلّة فقوله عليه السلام من نور عظمته المراد بالنور هنا هو الماۤء و هو الوجود و هو مادّتهم عليهم السلام و ليس المراد به الشعاع اذا اريد بالعظمة المفعولية اعني الحقيقة المحمدية صلي اللّه عليه و اله لانهم منه كالضوء من الضوء [ص 84] لا كالنور من الضوء و ان اريد بالعظمة الفعلية احتمل كون المراد بالنور الشعاع بمعني متعلّق الفعل فان الحدث اعني الضرب بسكون الراۤء ناشٍ من فعل زيد اعني ضرب بفتح الراۤء لان الحدث تأكيد الفعل مثل ضَربتُ ضَرْباً و لايصح ان يراد من العظمة الازليّة لان الازل لايخرج منه شيء و لايدخله شيء و لايخلق منه شيء و قوله عليه السلام ثم صوَّرَ خلقنا اي صورتنا اعني هَيْكل التوحيد الّذي حدوده غايات الخيرات و الطّاعات من المعارف و العلوم و الاعمال و الحدود هي الطينة اعني الصورة و هي صورة القابليّة و كانت تلك الهيئات الشريفة مكنونة تحت العرش الفعْلي او المفعولي فان اريد بالعرش الفعلي كان المعني انّه تعالي صوّر صُوَرنا علي هيئة فعله و مشيته و ارادته كما يصوّر الكاتب الكتابة علي هيئة حركة يده و ان اريد به المفعولي كان المعني انه تعالي صوّر صورنا علي هيئة صورة نبيّه محمد صلّي اللّه عليه و اله و هو سرّ التحتيّة فاسكن ذلك النور فيه يعني اسكن تلك الماۤدة في تلك الصورة بمعني انه البس تلك الماۤدة التي هي النور تلك الصورة التي هي الطينة لانّ الطينة التي هي منشأ الحسن و القبح هي الصورة كما مثّلنا في السرير الطيب و الصنم الخبيث كلاهما من الخشب فكنّا نحن بشراً نُورانيّين البشر عبارة عن الخلق العنصري الجسمي فان جعلنا الفاۤء في فكنّا للتفريع لم‌يكن في ظاهر الحديث دلالة علي المدّعي لكون الظاهر ان المراد بالنور الماۤدة الطبيعية الجسمانية و الطينة الصورة الانسانية البشرية لقرينة قوله فكنّا نحن بشراً فانه مقتضي التفريع و لقرينة قوله و خلق ارواح شيعتنا من طينتنا فقد نطقت الاخبار عنهم عليهم السلام ان الله خلق قلوب شيعتهم من فاضل اجسامهم و المراد من الفاضل هنا الشعاع و ان اريد بالفاۤء الاستيناف امكن الاستدلال به علي المدّعي هذا كلّه علي رأي الغير و اما عندنا فهو ظاهر في [ص 85] المدّعي لِانَّ ماۤدتهم عليهم السلام سابقة علي جميع المكوَّنات سبْقاً سرمديّاً علي ارادة التفريع و الاستيناف و ما رواه ابن‌بابويه في كتابه التوحيد عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه قال انّ اللّه تعالي خلق المؤمنين من طينة الجنان اعني من صور علّيّين اي صوّرهم بصور الاجابة و الطاعة كما تقدّم و اجري صورهم اي الصور الجوهريّة من ريح الجنان و هي الرّوح المنفوخة في تلك الطينة و هي الماۤدة النوريّة المعبّر عنها بالصور لان الارواح و النفوس صور جوهريّة و معني الحديث الثاني مثله و ما روي عن ابي‌عبداللّه عليه السلام المؤمن اخو المؤمن لانّ ارواحهم من روح اللّه يعني ان المؤمن اخو المؤمن لابيه و امه كما روي عن الصادق عليه السلام انّ اللّه خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امّه الرحمة الحديث ، و المراد بقوله عليه السلام ابوه النور اي المادة و امّه الرحمة اي الصورة و هذا بخلاف ما اشتهر عن الحكماۤء من ان الاب هو الصورة و الام هي المادة و هذا غلط لانه قال صلي الله عليه و اله السعيد من سعد في بطن امّه و الشقي من شقي في بطن امّه ه‍ ، و لايصح ان يكون السعادة و الشقاوة في المادة و انما تكون في الصورة كما مثّلنا بالسرير و الصنم المعمولين من الخشب و قوله عليه السلام لان ارواحهم من روح اللّه علي حدّ قوله تعالي و نفختُ فيه من روحي لان المعني روح لله تعالي خلقها و قدّسها و نسبها اليه تعظيما لها و تشريفا و هي روحهم عليهم السلام و معني انّ المؤمن ينفخ فيه من روحهم عليهم السلام انه يخلق من شعاع روحهم عليهم السلام لا انّ روح المؤمن جزؤ من روحهم عليهم السلام و انما روح المؤمن من شعاع ارواحهم عليهم السلام و مثاله انّ روحهم عليهم السلام كجرم الشمس المنير و هو في السماۤء الرابعة و شعاعُها الذي في الارض مثل لارواح الانبياۤء من [ص 86] روحهم عليهم السلام و اذا وضعت مرءاة في شعاع الشمس الذي في الارض انْعكس عنها نور و هذا المنعكس مثال لروح المؤمن من شعاع روحهم عليهم السلام اي شعاع الشعاع .

و قوله « و ان روح المؤمن اشدّ اتّصالاً بروح الله من اتّصال الشمس بالشعاع » في ما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام ما معناه و ان شيعتنا لاشدّ اتّصالاً بنا من شعاع الشمس بها و انّا لاشدّ اتصالاً باللّهِ من شعاع الشمس بها و معني هذا الاتصال في الحديثين واحدٌ و المراد باتّصال شيعتهم بهم ما اشرنا اليه من الخلق من الشعاع و المراد باتّصالهم باللّه اتّصالهم بفعله و مشيته و ارادته فاتّصالهم بمشيته في المواۤدّ الكونية الاصلية و بارادته في الصور العينيّة و وجه الاشديّة مع ان الشعاع و الشمس ضربه الله تعالي مَثلاً و اية لاولي الالباب فليس فيه نقص بوجهٍ ما هو ان الشمس و شعاعها امثال و ايات و هي صفات استدلالٍ و تعريف و هم عليهم السلام و شيعتهم ذوات و موصوفون و الحكم في الموصوف اقوي و اشدّ من الحكم في الصفة .

و قوله « و الروايات في هذا الباب من طريق اصحابنا ، الي قوله من ضروريات مذهب الاماميّة (رض) » ليس بمتّجهٍ بل الخلاف بين العلماۤء من الفريقين مشهور نعم الروايات ظاهرة في كينونة الارواح قبل الاجساد الّا انها قبليّة دهريّة كما قلنا .

قال : قاعدة في ان باطن هذا الانسان المخلوق من العناصر و الاركان انسانا نفسانيا و حيَوانيّاً برزخيّاً بجميع اعضاۤئه و حواۤسه و قواه و هو موجود الأن و ليست حياته كحيوة هذا البدن عرضيّة واردة عليه من خارج بل له حيوة ذاتية و هذا الانسان النفساني جوهر متوسط في الوجود بين الانسان العقلي و الانسان الطبيعي و هذا شبه ما ذهب اليه معلّم الفلاسفة في كتاب معرفة الربوبيّة [ص 87] فقال ان في الانسان الجسماني الانسان النفساني و الانسان العقلي و لستُ اعني انه هما لكني اعني به انّه متَّصِل بهما و انه منه لهما و ذلك ان يفعل بعض افاعيل الانسان العقلي و بعض افاعيل الانسان النّفساني و ذلك ان في الانسان الجسماني كلتا الكلمتين اعني النفسانيّة و العقليّة الّا انها فيه قليلة ضعيفة نزرة لانه صنم الصنم و قال في موضعٍ آخر منه انّ هذا الانسان هو صنم الانسان الاول الحق و قال ايضا ان قوي هذا الانسان و حياته و حالاته ضعيفة و هي في الانسان الاول قويّة جدّا و للانسان الاوّل حواۤسّ قويّة ظاهرة اقوي و ابين و اظهر من حواسّ هذا الانسان لان هذه انما هي اصنام لتلك كما قلنا مراراً انتهي » .

اقول قول المصنف « ان في باطن هذا الانسان المخلوق من العناصر و الاركان الي قوله و قواه » يريد ان في هذه الصورة الجسمية البشريّة المخلوقة من العناصر الاربعة النار و الهواۤء و الماۤء و التّراب و الاركان الاربعة اعني الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة الجوهريات انساناً جسمانيا نفسانيّا و هذا مكانه من عالم المجردات وسط الدهر و هو تمام الصوغ الاول كالانسان الذي ولجته الروح في بطن امِّه من الزماني و في اوّل الدهر الانسان العقلي و هو اوّل الصوغ الاول كالنطفة للانسان الزماني و الانسان الروحي و هو وسط الصوغ الاول كالمضغة للانسانِ الزماني و في اخر الدهر الانسان الطبيعي النوراني و هو الكسر الثاني و الانسان الجوهريّ الهباۤئي و هو اوّل الصوغ الثاني و فيه تَحْصٖيص الحِصص و انسانا حيوانيا برزخيّا اي في الانسانِ الجسمي البشري ايضا انساناً حيوانيا برزخيّا و هو يعني بالانسان النفساني الانسان الذي هو الحيوان الناطق و بالانسان الحيواني الانسان البرزخي و قد حفظ شيئا و غابَتْ عنه اشياۤءُ بل الوصف الحق الحقيق بالتحقيق ما اُمليه عليك مما يتلي عَلَيَّ بهم عليهم السلام هو انّ هذا [ص 88] الانسان الجسمي البشري هذا هو الانسان النّباتي النامي و في جوفه الانسان الحيواني الحسّي الفلكي اهبطه اللّه علي الانسان النباتي من الافلاك من نفوسها و ابن ادم يشارك في هاتين النفسين النباتيّة و الحيوانية الحسّيّة جميع الحيوانات و في هذين الانسانين النباتي و الحسّي الفلكي انسان برزخيّ صوري مثالي البسهما صورته الظاهرة و في هذا البرزخي انسان نفسيّ نزل من النفس الكلّية و لبس ثوبه الاحمر النوراني الطبيعي و لبس فوقه ثوباً لا لونَ له ثم لبِسَ فوقه باطن الثوب البرزخي و تزمّل بالثياب الثلاثة و نزل الي الانسان الحيواني الفلكي و ولج في جوفه و دخل به في جوف الانسانِ النباتي فترتيب هذه الاناسي الانسان النفسي في الانسان الطبيعي النّوراني و هو الثوب الاوّل و هما في الانسان الهباۤئي الجوهري و هو الثوبُ الثاني و هم في الانسان البرزخي الصوري و هو الثوب الثالث و هم في الانسان الحيواني الفلكي الحسّي و هو الثوب الرابع و هم في الانسان النباتي و هو الثوب الخامس و الثياب الثلاثة السفلية اعني الصوري و الفلكي الحسّي و النباتي لكل واحدٍ منهم حواۤس و قويً و اعضاۤء بنسبة رتبته من الوجود الكونيّ و كذلك لكل واحد ايضا حيوة و تمييز و شعور و اختيار بنسبته ايضا و هذه الثلاثة الاناسي و مٰا لها ممّا ذكرنا كلها زمانيّة جسميّة عنصريّة كالانسان النباتي و ما ينسب اليه او طبيعية ● ركنية كالانسان الحيواني الفلكي و ما ينسب اليه او صوريّة ● وصفية بدنيّة ظلّية كالانسان البرزخي و امّا الثوبان الاوّلان الاحمر و الذي لا لون له و هما الانسان الطبيعي النوراني و الانسان الهباۤئي الجوهري فتنسب اليهما الاعضاۤء و الحواۤس و القوي و الحيوة و التمييز و الشعور و الاختيار نسبة صلوح و هي نسبة كونهما لا انّها فيهما [ص 89] متمايزة تمايزاً حسِّيّاً كما في الاثواب الثلاثة و لا صوريّا جوهريّا كتمايزها في النفس و لا معنويّا كتمايُزِهَا في العُقُول و امّا النفوس و الارواح و العقول فتنسب اليها هذه الامور السبعة بنسبة رتبتها من الوجود الكوني بحيث لو تجسّم واحدٌ منها ظهر علي هيئة الانسان الجسمي النباتي و ليس المراد انّ الاعضاۤء توجد فيها علي هيئة الجسميات الّا انها اَعْضاۤء جوهريّة و معنويّة بل الموجود من هذه الاشياۤء فيها و ان كان بنسبة ذاتها انّما هو ما تحتاج اليه منها و ما لاتحتاج اليه منها ليس موجوداً فيها لان هذه الامور انما جُعِلت للانسان مطلقا لحاجته اليه مثل الرجل من الاعضاۤء تكون في الانسان النباتي لاجل الانتقال من مكان الي مكان و في الحسّي الفلكي لان النباتي صنمه و المنتقل هو الحسّي في الحقيقة و في المثالي لكونه سارٍ في اقطارهما و امّا النوراني الاحمر و الهباۤئي فحيث كانا في مرتبة الكسر كانت تلك الامور فيهما بالقوّة و الصلوح و امّا الثلاثة العالون فلاتحتاج في وصولها الي مكانٍ ليست فيه الي الانتقال لعدم الحاجب لها فلايحتاج الي رجلٍ معنويّة ينتقل بها كما يحتاج اليها الانسان الجسمي و الجسماني و لهذا صح ان توصف افعال اللّه بالعين و الاذن و الوجه و اليد و لايصحّ اَنْ توصَف بالرِجل لانّها اٰلَةُ الانتقال لا غير و ايضا حواۤسّ الثلاثة العالين انّما هي لادراك ما هو تحت عالمها فتحتاج الي الٰاتٍ تتوصّل بها اليها فتكون تلك المدركات بفتح الراۤء من نوع الٰالٰات لا من نوع ذلك العالي لانه لو فرض من رتبته ادركه بنفسه لكنه لايكون من رتبته الّا ذاته و ذاته يدركها بذاته لا بٰالٰاته لان سمعه و بصره و علمه و حياته و امثال ذلك من صفاته الذاتية هي ذاته لا انها شيء غيره و لا الٰات له خارجة عنه و لكنها افراد من جملةٍ كالجسد فانه هو مجموع الرأس و الرقبة و اليدين و الصدر و البطن و الرجلين و هذه في الجسد [ص 90] كالحيوة و العلم و السمع و البصر و القدرة في ذاتك و ليْست علي حد الاعضاۤء في الجسد فانها فيه متغايرة في انفسها فالرأس غير اليد و اليد غير الصدر و هكذا في انفسها لا ان تغايرها باعتبارِ تَغاير متعلّقاتها كالسمع و البصر و العلم و القدرة و الحيوة فانها في ذاتك كل واحدٍ منها عيْن الاخر و كل واحدٍ منها عين ذاتك مثلا انت الحيّ و انت العليم و انت السميع و انت البصير و انت القدير و لايقال انت الرأس و انت الصَّدْر و انت البطن و انت اليد و انت الرّجل الّا انّ الصفات الذاتية من الذات كالاعضاۤء من الجسد بمعني انّ كمالها عين كماله باعتبار الذّات فيهما و ابعاض كماله الفعلي اذا اريد منها الصفات الافعالية باعتبار متعلّقاتها علي نحو البدليّة ففي الحقيقة ليس في العالين باعتبار الذات اعضاۤء و لا حواۤسّ و امّا اعضاۤؤها و حواۤسّها فهي آلاتُ افعالِها و لاتدرك بها ما كان من رتبة ذاتها و انما تدرك بها ما تحْتَ عَالَمِها و المصنف يريد ان الانسان النفسي الذي هو احد العالين يعني النفس له اعضاۤء و حواۤس ذاتية من نوع جوهره و ليس كذلك و انما له اعضاۤء و حواۤس فعليّة ليست من سنخ عالمه و انما هي آلٰاتُ افعاله لانّ النفس مقارنة بافعالها للاجسام لِتدرك احوال الاجسام و ما اودع الله سبحانه فيها من العلوم و معلوم ان الٰالات المتوسطة بين الجسم و بين النفس بان تكون حاملة لافعال النفس لاتكون الّا اقرب الي سنخ الاجسام من افعال النفس فضلاً عن النفس فافهم .

و قوله « و هو موجود الأن » يعني به انّ الجسم المحسوس غير خالٍ عن تعلّقه به و ان كان تعلّق تدبيرٍ و التعبير بالأن للاشارة الي حالة الجسم مع تعلّقها به و الّا فالأن للوقت الملكي و اوقاتها كلها في اوقات الملكوت و هي الدّهر الّا ان التعبير بغير ما قال يَصْعُبُ و يخفي المعني المراد منه الّا علي الاَوْحدٖينَ .

[ص 91] و قوله « و ليست حياته كحيوة هذا البدن عرضية واردة عليه من خارج » فاعلم ان البدن له حيوة ذاتية كما يأتي في كلام المعلّم الاوّل لان البدن وجود جامد بعيد عن مبدء الفيض اعني النور المحمدي صلي اللّه عليه و اله فيكون فيه جميع ما في العقل الكلي من الحيوة و الشعور و الاحساس و الاختيار الّا انها ضعيفة بنسبةِ وُجُودِه فان وجوده ضعيف و ما في العقل قويّة بنسبة قوة وجوده و المصنّف يعني بالحيوة العرضية للبدن الحيوة الحيوانيّة الحسّاسة و هي بالنسبة اليه ليست ذاتية و انما هي ذاتية للانسان الحيواني الفلكي و حيوة الانسان النفسانيّ ليست كحيوة البدن الذاتيّة و لا كالعرضية الحيوانية و قد حقّقنا الحيوانيّة التي يفسرونها بالتحرك بالارادة و يجعلونها جنساً للانسان و الطير الذي يسمّي بالبَبْغَا الذي يتعلم الكلام و الكلب و الخنفس و ما اشبهها في الفواۤئد و شرحها علي نحوٍ لم‌نسبق عليه و لم‌يعرف الّا من كلامنا و حاصله ان الحيوة التي هي الحصة الحيوانيّة التي فصلها الناطق غير الحيوة التي هي الحصة الحيوانية التي فصلها الصاهل و التي فصلها النابح و تفصيل المسئلة يطلب من الفواۤئد و شرحها الّا انّ الصفات امثال الموصوفات فلذا قال تعالي و ما من داۤبّة في الارض و لا طاۤئر يطير بجناحَيْه الّا اُمَمٌ امثالكم ، و قال الصادق عليه السلام كلّ ما ميّزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود عليكم او قال اليكم ه‍ ، و قال عليه السلام العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة فما فُقِد في العبوديّة وُجِد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبية اُصٖيبَ في العبوديّة قال الله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحق اولم‌يكف بربّكَ انه علي كل شيء شهيد يعني موجود في غيبتك و في حضرتك ه‍ ، و ذلك لانّ الحيوة النباتيّة مثال الحيوة الحسّيّة و هذه مثال الحيوة النفسيّة و هي مثال [ص 92] الحيوة العقليّة و هي مثال الحيوة الفعليّة و الحيوة الفعليّة ملكُ الحيوة التي هي الحق عز و جل .

و قوله « و هذا الانسان النفساني جوهر متوسّط في الوجود بين الانسان العقلي و بين الانسان الطبيعي » في الجملة متّجه بمعني انه ليس في بساطة العقلي و لا في كثافة الطبيعي لان العقلي مجرّد عن الماۤدة العنصريّة و الطبيعية و عن الصورة الجوهرية و المثاليّة و عن المدّة الزمانية و الطبيعي الذي عناه عنصري صوري زماني و النفساني ليس بعنصري و لا طبيعي و لا زماني الّا انّه صوريّ كالطبيعي و جوهري دهري كالعقلي فتكون البَيْنيّةُ تمثيليّة لا حقيقيّة لان الحقيقيّة للانسان الحيواني البرزخي و امّا النفساني في وسط الدّهر و ذاته من المفارقات فهو بالغيب اولي منه بالشهادة .

و قوله « و هذا شبه ما ذهب اليه معلم الفلاسفة » اي ارسطوطاليس يعني به انّ قولنا ان في باطن هذا الانسان المخلوق من العناصر و الاركان انساناً نفسانيا و حيوانيا برزخيا شبه ما ذهب اليه المعلم الاول في كتاب معرفة الربوبيّة و هو قوله ان في الانسان الجسماني الانسان النفساني و الانسان العقلي و لست اعني انه هما لكني اعني به انه متّصل بهما و يريد المعلّم كما مرّ الّا انّ كلامه مجمل و تفصيله ان النفساني يَتّصل به الجسماني و ان كان بواسطة البرزخي و الهبائي و الطبيعي الاحمر و يتّصل بالعقلي ايضاً و ارَاد بالاتّصال انّه منه لهما اي ان من الجسماني يعني به في بعض احواله يكون منه لهما اي يفعل بعض افاعيل كلٍّ منهما لكن بتخلّقه باخلاقهما او باستعمالهِما له فيما لَهُمَا كما يسمع المرتاض تسبيح الجمادات و النّباتات و الافلاك و الملاۤئكة و يفهم نطقها و معني ثانيا لقوله انّه منه اي من الجسماني للنفساني و العقلي اي فيه من نوعهما يعني ان في الجسماني نفساً و عقلاً ذاتيّين بهما [ص 93] يتّصل بالنفساني و العقلي و يفعل بعض افاعيلهما الا ان نفسه و عقله ضعيفان بنسبة رتبته من الوجود الكوني و بهما خاطبه اللّه و كلّفه و اُثيبَ او عُوقبَ بهما و قول المعلّم الاول : و ذلك انّ في الانسان الجسماني كلتا الكلمتين ، يعني به الكلمة العقليّة و الكلمة النّفسيّة يشير بهما الَي ما فيه لذاته من الكلمتين الضعيفتين و انما سمّي النفساني و العقلي كلمتين لانّهما صورتا التكلم مثل الضرب فاِنه صورة ضرَبَ و عند اكثرهم لايقال لغير المجرداتِ كلمة قالوا وَ لذا قال و كلمته القاها الي مريم في حقِّ لاهوتِ عيسي و في حقاۤئق الائمة عليهم السلام و لم‌يسمّ شيئا من الاَجْسَام بالكلمة و من هنا ذهب المصنف الي اتّحاد بالصورة العقليّة لانّها كلمة العاقل و صورة ادراكه و لم‌يجوّز اتّحاد العاقل بالماديّات و قد تقدّم الكلام عليه و قول المعلم : لانه صنم الصّنم ، يشير به الي ان الانسان الجسماني ظرف و صنم لتلك الكلمتين الضعيفتينِ و هما صنما النفساني و العقلي فالانسان الجسماني صنم الصنم و قوله ايضا : ان هذا الانسان صنم الانسان الاوّل ، الحقّ فيه شيء و هو ان مرادَهُ بالانسان الاول الحقّ ليس الا الانسان العقلي لانّه عنده هو الانسان الاول بمعني ان ليس قبله انسان و ليس بصحيح لان الانسان الكامل اعني نور الانوار صلي الله عليه و اله و هو النور الذي تنوّرت منه الانوار قبل العقلي و ايضا قوله الحق يشير به الَي انّ هذا الانسان غير حقّ امّا للاتّحاد المدّعي بالعقلي دون الماديّ و اِمّا لفناۤئه دون العقلي فانه غير فانٍ بَلْ بَاقٍ ببَقاۤءِ الله دون ابقاۤئه كما ذهب اليه المصنف و قد تقدم الكلام عليه هنا و في شَرْح المشاعر و اِمّا لان الجسماني تجديدي الكمال و الذات و تدريجيّهما بخلاف العقلي فانه فيما له بالفعل غير منتظرٍ و قد اشرنا سابقاً الي بطلان هذا بل الانسان العقلي و الانسان الماۤدّي بحكم واحدٍ في كل شيء لان المخلوقية تجمعهما فلايتّحد احد منهما بعاقله [ص 94] و لايخرجان عن الامكان بل كل منهما منتظر فيما له متجدّد متدرّج في ذاته و صفاته و افعاله و ان اختلفت صورة التغيّر و التبدّل و الحاجة فيهما كما تختلف في النبات و الجماد .

و قوله « انّ قوي هذا الانسان و حياته و حالاته ضعيفة و هي في الانسان الاول قويّة جدّا » صحيح ظاهر .

و قوله « و للانسان الاول حواۤسُّ قويّة ظاهرة اقوي و ابين و اظهر من حواۤسّ هذا الانسان » ايضا صحيح و لكن علي نحو ما ذكرنا قبل هذا .

و قوله « لان هذه اصنام لتلك » نقول هي اصنام للكلمتين الضعيفتين فيما يحتاج الغيبُ اليه من امثالها كالعين و اليد و امّا الانسان الاول فقواه و حواۤسّه الذاتية لاتكون قوي هذا الانسان و حواۤسّه اصناما لها كما قدّمنا و اما قواه و حواۤسه الفعلية فكما قال لانّه يصطاد بها الصيد الذي بعد عن حريمه و قد تقدّمت الاشارة اليه فراجع .

قال : و اعلم ان مذهب هذا العظيم اثباتُ الانسان العقلي و الفرس العقلي و الحيوانات العقليّة و النبات العقلي بانواعه و الارض العقلية و النار العقلية و الجنة الحقّة الالهية و السموات العلي العقلية و ساۤئر الصور المفارقة الالهية و الطباۤئع النوعية الموجودة في علم الله و علم قضاۤئه و مظاهر اسماۤئه الباقية عند الله ببقاۤئه لانها ليست مستقلّة الوجود لكنها من شؤن الذات و حجب الربوبيّة و هو بعينه مذهب استاده افلاطون و سقراط في باب الصور و صاحب الشفاۤء لم‌يتيسّر له تحصيل هذا المطلب و سلوك سبيله و لذلك صار يطعن علي القول بوجودِها و يقدح في شأن افلاطون و سقراط قدحا قديما و كأنه لم‌ينظر الي كتاب اُثولوجيا او كأنه لم‌ينسبه الي ارسطوطاليس بل الي افلاطون و بالجملة هذه المسئلة من احدي الغوامض الحكمية التي مَن اوتيها فقد اوتي خيرا كثيرا و لم‌يتيسّر لاحد من الفلاسفة بعد عصر السابقين الاولين تحقيقها و تهذيبها عن المطاعن و الشكوك الّا لبعضٍ من هذه الامّة المرحومة حمداً [ص 95] له و شكراً علي فضله و كرمه .

اقول اثبات هذه الامور العقلية التي ذكر بعضها تمثيلاً مما لاينبغي التوقف فيه بعد تصريح الكتاب و السنة من غير معارض و بعد شهادة ٱلعَقْل المهذّب لَهُمَا .

و قوله « في علم اللّهِ » يريد به في علم الله الذي هو ذاته و قد بَيّنّا فيما تقدّم ان علم اللّه الذي هو ذاته ليس فيه شيء موجود لا طبايع نوعيّة و لا صُوَر و لا معاني و لا اعيان ثابتةٌ و لا موجودة اذ لو ثبت في علمه الذي هو ذاته شيء غير ذاته لكان في ذاته شيء غيرها اذ لايعني بالعلم الذي هو ذاته امراً لفظيا او اعتباريّا و انّما نعني به المعبود عز و جل و انما هو تعالي علم و لا معلوم في ذاته لا عينا و لا معني و لا صورة بل جميع المعلومات مما هو غير ذاته البَحْت في الامكانِ و تعلّق العلم بها في الامكان في مراتب اماكنها و اوقاتها و هذا التعلق اشراقي نسبي يوجد بوجودِها و يفقد بفقدِها و قد تقدم الكلام مُفَصّلا لكن المصنّف و اتباعه يثبتون في علمه الذي هو ذاته كلّ معلومٍ ليس بمادِيٍّ و ذكرنا قبل ما يلزمهم من خلوّ علمه عن الماۤدّيات و كون الازل ظرفاً لغير الله تعالي و لذا الملا محسن كما ذكرنا عنه سابقا قال الازل يَسع القديم و الحادث و يلزمهم انّ الازل شيء قديم مكان او وقت غير اللّه تعالي الله عما يقولون عُلُوّاً كبيراً .

و قوله « و في علم قضاۤئه » يحتمل انّه اَرادَ بالعطف التفسيري و يحتمل ما يصطلحون عليه من ان القضاۤء هو العلم الكلّي الاجمالي الذي هو عبارة عن وجه الاشياۤء الاعلي الحاصل للّهِ تعالي او الحكم الازلي علي الاشياۤء بما هي عليه فيما لايزال فيكون في الاحتمالين اضافة علم الي قضاۤئه بيانيّة و عندنا الوجوه الثلاثة غير صحيحة اذ ليس للقضاۤء ذكر في رتبة الذّات و لا وصفيّة و انّما هو من الافعال الامكانيّة .

و قوله « و مظاهر اسماۤئه الباقية عند اللّه [ص 96] ببقاۤئه » يريد به كما تقدم انها باقية ببقاۤئه لا بابقاۤئه و قد قدّمنا ما معناه انّ الاسماۤء و مظاهرها بل كل ما هو غير الذات بالوجود او المفهوم او الاعتبار فهو محدث انّما يبقي بابقاۤء الله لا ببقاۤئه و لانعرف شيئا مطلقا غير الذات البحت تعالي الّا حادثا محتاجا في بقاۤئه الي امداده تعالي و قوله « لانها ليست مستقلّة الوجود لكنّها من شؤن الذات و حجب الرّبوبيّة » يريد به انّها لوازم الذات ليست مستقلة الوجود بدونِهٖ فَيا سبحان اللّه اذا كانت غير مستقلّة ثبتت المغايرة بينه و بينها اذ ليس في الذات جهة غير مستقلّةٍ و لزمه اما القول بقدمها فتتعدّد القدماۤء ان جوّز قديما غير مستقلٍ و اِمّا حدوثها و لزمه علي الفرضين الاقتران الممتنع من الازل الممتنع من الحدث و كيف لاتكون حادثة و هي خارجة عن الذات فان الشئون غير ذي الشؤن و الحجب غير المحتجب و باقي كلامه ليس فيه شيء من العلم .

قال : اَفراد البشر متّفقة النّوع هيهنا واقعة تحت حدٍّ واحدٍ نوعيّ مركّب من جنس قريب و فصلٍ قريب مأخوذين من ماۤدّة بدنية و صورة نفسانيّةٍ لكنّ النفوس الانسانية بعد اتفاقها في النوع في بداية الامرِ ستصير بسبب نشأةٍ اخري و فطرة ثانيَة متخالفة الذوات كثيرة الانواع واقعة تحت اجناسٍ اربعةٍ لانّها في اوّل تكوُّنِها بالفعْل صورة كماليّة لمادّةٍ محسوسة و مادّة روحانية من شأنها ان تقبل صورة عقليّة تتّحد بها و تخرج بسببها من القوّة الي الفعل او صورة وهميّة شيطانيّة كذلك او صورة حيوانيّة بهيميّة او سبعيّة تحشر اليها و تقوم بها عند البعث في نشأة اخري لا في هذه النشأة و الّا لكان تناسخا لا حشراً و التناسخ ممتنع و الحشر الجسماني واقع .

اقول افراد البشر عندهم متّفِقة النوع يعني يجمعُها نوع واحد و هو الحيوان الناطق و يريدون بالحيوان ٱلجسم النّامي المتحرّك بالارادة و حصته [ص 97] هي الماۤدة و يريدون بالناطق النفس الملكوتيّة و حِصّتها و هي الفصل هي الصورة و هذا النوع عندهم للانبياۤء و المرسلين و الكافرين وَ المنافِقينَ و المؤمنين و المسلمين و هو قوله واقعة تحت نوعٍ واحدٍ نوعي و اَرادُوا به علي جهة الحقيقة و امّا عند اهل البيت عليهم السلام كما تفيده احاديثهم انّه علي جهة المجاز و اما علي جهةِ الحقيقة فافراد البشر اي الذين يصدق عليهم اللّفظ علي اقسامٍ مختلفة الحقيقة فمنها نوع محمد و اله الطاهرين الاربعة‌عشر صلي الله عليه و عليهم اجمعين فانّ مَاۤدة خلقتهم عليهم السلام النّور الّذي تنوّرَتْ منه الانوار المعبّر عنه بالحقيقة المحمّدية صلي الله عليه و اله و هي اوّل محدثٍ بفعل الله تعالي فقسمه سبحانه علي اربعة‌عشر حِصّةً لم‌يفضل منها شيء بعد العدد المذكور و لمْ‌ينقص عنه شيء و لم‌يجعل لاحدٍ من غيرهم فيها نَصٖيباً و البس تلك الحصص صُوَراً من هيئة مشيّته ناطقةً بتوحيده و الثناۤءِ عليه و بقوا الفَ دهرٍ كل دهرٍ مائة‌الف سنةٍ يسبّحون الله و يمجّدونه ثم خلق من شعاع ذلك مائة و اربعة و عشرين‌الف نور و خلق من كل نور نور نبيّ و جعل تلك النسمات رجالا كروبيّين خلف العرش تتوقد تلك الانوار لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم و بعث اليهم محمّداً و اهل بيته عليه و عليهم السلام نذُراً كما قال تعالي في شَأن نبيه صلي الله عليه و اله هذا نذير من النذر الاولي و بقوا يعبدون الله بدين نبينا صلي اللّه عليه و اله الف دهرٍ كل دهر مائة‌الف سنةٍ ثم اشرق من تلك الانوار اشعة فخلق من كل شعاع روح رجل من المؤمنين ثم خلق من شعاع انوار المؤمنين الملاۤئكة و من شعاع الملاۤئكة الحيوانات و من شعاع الحيوانات النباتات و من شعاع النباتات المعادن و من شعاع المعادن الجمادات و لك عبارتان بايّهما قلت و ارَدْتَ جاز ان شئت قلتَ خلق من شعاع النبيين المؤمنين و ان شئت قلتَ [ص 98] خلق من فاضل طينة النبيين المؤمنين فقد عبّر باحدهما عن الاخر الفاضل و الشعاع في اخبارهم عليهم السلام فحيوانية محمد و اهل بيته صلي الله عليه و اله ليست من نوع حيوانية الانبياۤء عليهم السلام و لا صورهم صلي الله عليهم من نوع صورهم عليهم السلام و كذلك اهل كل رتبة بالنسبة الي اهل الرتبة التي دونها نعم هي من شعاعها فلو اراد بدخول جميع افراد البشر تحت نوع واحد علي جهة المجاز و التسمية اللفظية صحّ و الّا فلا .