و قوله « و منها ان تلك الاضافة غير صحيحة اذِ النسبةُ بين ما لا وضع له و بين ذات الاوضاع » اقول و هو كما قال علي دعويهم و لكنهم يعارضونه بهذا في دعواه بان النفس تدرك صورة مماثلة للمحسوس لان الصورة المذكورة ممّا لا وضع لها فالنسبة بينها و بين ذات الاوضاع في المماثلة غير صحيحة بل رُبَّما يكون عدم النسبة فيما قال من المماثلة اولي منه فيما قالوا من الادراك لانّه اشراق و الاشراق العلمي كما يكون في الصورة الملكوتية يكون في الجماد لانّ المراد من الاشراق العلمي حضور المعلوم بنفسه في رُتبة كونه و وجوده عند العالم و تتساوي المعلومات فيه .

و قوله « الّا بواسطة ما له وضع » صحيح و لكن الصورة الملكوتية المماثلة مما لا وضع له فلم جعل النفس مدركة للمحسوس بواسطة ادراكها لها الّا ان يجعلها الروح البخاري فلاتكون ملكوتية بل جسميّة .

و قوله « و علي تقدير صحتها بالواسطة لم‌تكن اِضافة علمية اشراقيّة » فيه انا نريد الّايكون ادراك المحسوسات الخمسة علميا اشراقيا بل وضعي مادي و لذا يضعف ادراك المحسوسات ببعدها عن الحواس الظاهرة البعد المحسوس و لايختلف في حق النفوس .

و قوله « اذ جميع افاعيل القوي المادّية و انفعالاتها بمشاركة الوضع » صحيح و لكنه المطلوب .

و قوله « بل الحق في الابصار كما افاده اللّٰهُ لنا بالالهام انّ النفس ينشأ منها بعد حصول الشراۤئط المخصوصة باذن اللّه صور معلقة قاۤئمة بها حاضرة عندها متمثّلة في عالمها لا في هذا العالم » و اقول كلامه هذا بِعَيْنِ معناه ذكره قبل هذا و قد تكلّمنا عليه هُناك فَلَا فاۤئدة في كثرة التكرار مرة بعد اُخْرَي و اِن كانَتْ عَادَتي انّي اَعْتَنٖي بالتكريرِ للبَيان الّا انه مع الفاصلة [ص 52] الطويلة او لخفاۤءٍ في البيان الاوّل .

و قوله « و الناس في غفلةٍ ، الي اخره » نقول : عليه لعلّه هو الذي غفل فان المواۤدّ اذا لم‌يتعلّق بها ادراك كانت من عالم الغيب و عالم الغيب يكون من عالم الشهادة لتعلّق الادراك و علم الطبّ كلّه مبني في التنمية و التحليل و التبريد و التسخين و الترطيب و التجفيف و غير ذلك علي ثبوت ادراك القوي الماۤدّية لهذه الكيفيات و لو انحصر الادراك في النفس و الصور الملكوتية بطل علم الطب المجرّب المقطوع علي صحته و تأثير بعض الماديات في بعضٍ و ادراك بعضها لبعض كيف لا و هي النامية و الفاعلة و القابلة و الحاۤسة و المحسوسة و قد اتفق الفلّاحون علي انّ النخلة تأنس و تستوحش و تعشق و تخاف و قد صحّح هذه الامور و امثالها المجرّبون بلا نكيرٍ بينهم كما هو مذكور في علم الفلاحة و صحّ لكل مَن جرّبه مع انها ليس لها نفس ملكوتية و انما نفسها نباتية من هذا العالم مُؤلفة من هذه العناصر المشاهدة و احساسها لذلك من نوع احساس هذه الخمس الظاهرة و كل مَن فهم كلامي و امثاله عرف انّ المصنف هو الذي كان في غفلةٍ عن هذا لا العلماۤء و الحكماۤء الذين سمّاهم الناس .

و قوله « و الذي حصّلناه من كيفية الابصار هو الحريّ باسم الاضافة الاشراقية ، الي اخره » ليس كذلك فان الاضافة الاشراقية لم‌يفهم المصنف مراد القاۤئلين بها منها فانها كما تتحقق من العُقول و النفوس تتحقق من الجمادات من بعضها لبعضٍ فان بيتك اذ بنَي زيد له بيتاً عن يمين بيتك فقد حصلت النسبة الاشراقية لبيتك من نفس حضور بيت زيدٍ و كونه عن يمين بيتك و لو هدمَهُ و نقله زالت النسبة اليمينيّة الاشراقيّة فلم‌يتّصِف بيتُك بها فاذا فهمتَ معني النسبة الاشراقية و الاضافة الاشراقية و العلم الاشراقي من هذا [ص 53] المثال فهمتَ معني الاشراقي الذي يريدون اهله لا انه شيء ينبعثُ من المشرق كما يتوهم .

و قوله « لان المضاف اليه كالمضاف موجود بوجودٍ نوريّ كالذات » ليس بصحيح بل قد يكون المضاف اليه نوريا دهريا و سرمديّا و ازليا و المضاف جماداً و حجراً فان الاضافة تتحقق في بيتك الذي هو حجر و طين اليك و انت المضاف اليه بنفسك فتقول هذا ملك نفسي فهو منسوب الي نفسك في الملك له و العلم به و كلّ ما خلق الله سبحانه حاضر عنده مضاف الي ملكه و ليس هذا العند في الازل بل كلها في الامكان في الاوقات السرمد كالفعل و كالحقيقة المحمدية صلي الله عليه و اله باعتبار و الدهر كالعقل الكلي و الروح الكلية و النفس الكليّة و الطبيعة الكلية و جوهر الهباۤء و الزمان كالاجسام من المحدّد الي الارض السابعة السفلي و كل هذه معلومة له بالعلم الاشراقي بحضورها كل في رتبة كونه او امكانه و وقته من ملكه و هو تعالي سيدي في عز جلاله متعالٍ في توحّده عمّن سواه وحده لا شريك له و هو الأن علي ما كان و لايؤده حفظهما و هو العلي العظيم ان في هذا لبلاغاً لقوم عابدين و نورا و هداية لقوم عارفين و مايعقلها الا العالمون و لا حول و لا قوة الّا بالله العليّ العظيم .

قال : قاعدة ان الصور الخياليّة للانسانِ جوهر مجرّد عن هذا العالم اعني عالم الاكوان الطّبيعيّة و المواۤدّ المستحيلة و الحركات و عليه براهين قطعية اوردتها في الاسفار الاربعة و ليست هي مجردة عن الكونين و الا لكانت عقْلا و معقولا بل وجودها في عالمٍ آخر يحذو حذو هذا العالم في كونه مشتملا علي افلاك و انواع ساۤئر الحيوانات و النباتات و غير ذلك باضعاف اضعاف هذا العالم و جميع ما يدركه الانسان و يشاهده بقوّة خياله و حسّه [ص 54] الباطن ليست حٰاۤلّة في جرم الدماغ و لا في قوة حالّة في تجويفه و لا هي موجودة في اجرام الافلاك و لا في عالم منفصل عن النفس كما زعمه اتباع الاشراقيّين بل هي قاۤئمة بالنفس لا كقيام الحال بالمحلّ بل كقيام الفعل بالفاعل .

اقول لمّا فرغ من الكلام علي المشاعر الظاهرة اخذ في بيان المشاعر الباطنة و الذي يناسب ان يبتدئ امّا باوّلها ذكرا كالحس المشترك ثم الفكر ثم الخيال اَوْ باقربها الي الجسمانيات من حيث الافلاك الحاملة لها كالحيوة ثم الفكر ثم الخيال لكنه ذكرها علي سبيل التعداد و اكتفي به من جهة انه تابع للقوم و لهم كلام طويل عجيب علي الخيال و لعلَّهُ لم‌يقف علي ما قالوا في الفكر و نحْن نشير الي ما لم‌يذكره و الي ما ذكره امّا الحسّ المشترك فانه في الحقيقة من البرازخ و البرزخ ● جامع للطرفين فهو قوّة في مقدم الدماغ حياته من نوع حيوة الحشرات كالخنافس و الذباب و البق و ما اشبهها لانه قوّة نفسانيّة تحجّرت و تجسّدت فهي ذات وجهين وجهها الاسفل جسماني يشاهد الجسمانيات كالقوي الظاهرة الخمس علي المذهب الحق و يأخذ منها ما حصّلَتْه من المدركات الخمس الملموس و المذوق و المشموم و المسموع و المبصر و يشافِهُ الخيال بوجهه الاعلي النفساني و يؤدّي اليه ما اكتسبه بعد ما يترجمه بلغة الخيال لانه يتلقّاهُ بلغة الاجسام و الجسمانيات و الخيال لايعرف لغتهم و هذا بابه المترجم لما يكتسبه منها لخازنه الخيال و امّا الفكر فمحلّه من الدماغ كمحل عطارد من الافلاك لانّ الفكر في العالم الكبير نفس فلك عطارد و قالوا انه موكل به ثلاثة ملاۤئكة شمعون و سيمون و زيتون و تحت كل من الجنود من الملاۤئكة ما لايحصي عددهم الا الله الذي خلقهم عز و جل فهم موكلون بانزال الخيالات و الصور و ساۤئر الهيئات و هم المركبون للصور المختلفة كصورة اجنحةٍ للانسان و كرجل له الف رأس [ص 55] علي حسب ما يأمرهم الله تعالي مما ينزّل من الخزاۤئن كما قال عز و جل و ان من شيء الّا عندنا خزائنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم فالفكر قوّة نفسانيّة قيل اذا تصرّفت بسبب القوة العقلية فهي فكر و اذا تصرّفت بالقوّة الوهميّة فهي خيال و الحاصل هي في العالم الصغير كنفس فلك عطارد في العالم الكبير فهو يرتّب الصور و يفكّكُها و يؤلفها علي حسب مقتضي باعثه من العقل او الوهم و امّا الحيوة فهي بمنزلة النور للقوي النفسانية و هي في الانسان الصغير بمنزلة نفس فلك القمر للانسان الكبير و قد قال تعالي و جعل القمر فيهنّ نوراً فافهم و قد تقدّم بَيان و مثال للحيوة الحيوانية الحسّية و امّا الخيال فقال المصنف : انّ الصّورَ الخياليّة للانسان جوهر مجرّد عن هذا العالم اعني عالم الاكوان الطبيعيّة و المواۤدّ المستحيلة و الحركات ، اقول امّا انه جوهر فيصحّ باعتبار الباطن من ان الصفات و الاعراض ذوات يعني ابداناً تعليميّة معنويّة و لو ظهرت اعراض زيدٍ لك كحركته و كلامه و حرارته و برودته لم‌تفرق بينها و بين زيد الّا انّ زيداً يسند ما يحكيه عن نفسه و هي تسند ما تحكيه عن زيد و هي تأويل اهل الكهف و الرقيم فهي جواهر بهذا المعْني و بالنسبة الي اعراضها الا انها جواهر مستقلّة و الّا لماكانت قويً للنفس و لكانت نفوسا علي حدة اَلاتري انك انت ذو نفس واحدة و تنسب اليها هذه فتقول حسّي و خيالي و وهمي نعم هي باعتبار انبعاثها من نفسك تكون وجوهاً لها فهي جواهر في رتبتها و هي في رتبة النفس آلٰات فعليّة و امّا انه مجرّد فنعم هو مجرد عن الماۤدة العنصريّة و المدة الزمانيّة و له ماۤدّة نفسانية او برزخيّة مثالية و له مدّة مركّبة من بين الزمان و الدهر و يأتي تمام الكلام .

و قوله « اعني عالم الاكوان الطبيعيّة » قد تقدّم انه يريد بالطبيعة الطبيعة الجسميّة المركبة اما من العناصر الظاهرة او من الطباۤئع كالافلاك .

و قوله « و عليه براهين [ص 56] اوْردتها في الاسفار الاربعة » امّا المبرهن عليه من انه مجرد علي ما ذكرنا و جوهر كذلك فصحيح و امّا البراهين ففيها غلطات كثٖيرة لابتناۤئها علي اصوله و ايرادها يطول به الكلام .

و قوله « و هي ليست مجرّدة عن الكونين و الّا لكانت عقلا و معقولا » يعني انها ليست مجردة عن الكون البرزخي و ان كانت مجردةً عن الجسمي و لو كانت مجردة عن البرزخي كما تجرّدت عن الجسمي لكانت نفساً اذ ليس وراۤء البرزخ الّا النفس ● و النفس اذا كملت كانت عنده عقلا فتكون عاقلةً لغيرها و لنفسها فهي معقولة و يريد به التنبيه علي اتّحاد العاقل و المعقول و قد تقدم بطلانه .

و قوله « بل وجودها » يعني القوّة الخياليّة « في عالم اخر » و هو عالم البرزخ بين المجردات و الاجسام المادّية « يحذو حَذو هذا العالم » يعني علي هيئة تركيبه من الابعاد و الالوان و الرواۤئح و الاصوات و ساۤئر الكيفيات « في كونه مشتملاً علي افلاك » و تسمّي تلك الافلاك هورقليا يعني ملكاً آخر اي عالم مُلكٍ غير عالم ملك الماديات العنصريّة « و عناصر و انواع ساۤئر الحيوانات و النباتات » و هذه عالمه السفلي و هو كما دلّت عليه الروايات يشتمل علي بلدٍ في المشرق يقال لها جابلقا و علي بلدٍ في المغرب يقال لها جابرسا و في بعض الاخبار ان لكل واحدة سبعين‌الف باب بين الباب الي الباب فرسخ و في رواية اخري مائة فرسخ و علي كل باب خمسون‌الفاً شاكي السلاح ينتظرون قيام القاۤئم عليه السلام عجّل اللّٰهُ فرجه و سهّل مخرجه و جعلنا من اعوانه و انصاره و المستشهدين بين يديه و الروايات مختلفة الظاهر في ذكرهما ففي الكافي عن ابن ابي‌عمير عن رجاله عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال انّ الحسن عليه السلام قال انّ لله مدينتين احديهما بالمشرق و الاخري بالمغرب عليهما سور من حديد و علي [ص 57] كل واحدٍ منْهُمَا الفُ‌الف مصراع و فيها سبعون‌الف‌الف لغة يتكلم كل لغةٍ بخلاف لغة صاحبها و انا اعرف جميع اللغات و ما فيهما و ما بينهما و ما عليهما حجة غيري و غير الحسين اخي ه‍ ، و روي الحسن بن سليمن الحلي في منتخب بصائر سعد بن عبدالله الاسعدي باسناده عن الصادق عليه السلام قال انّ للّه عز و جل مدينتين مدينة بالمشرق و مدينة بالمغرب فيهما قوم لايعلمون بخلق ابليس نلقاهم في كل حين فيسألونا عما يحتاجون اليه و يسئلونا عن الدعاۤء فنعلّمهم و يسألونا عن قاۤئمنا متي يظهر و فيهم عبادة و اجتهاد شديد و لمدينتهم ابواب ما بين المصراع الي المصراع مائة فرسخ لهم تقديس و تمجيد و دعاۤء و اجتهاد شديد لو رأيتموهم لاحتقرتم عملكم يصلّي الرجل منهم شهراً لايرفع رأسه من سجدته طعامهم التسبيح و لباسهم الورق وجوههم مشرقة بالنور و اذا رأوا منّا واحداً لحسوه و اجتمعوا اليه و اخذوا من اثره من الارضِ يتبركون به لهم دويّ اذا صلّوا كاشدّ من دويّ الريح العاصف منهم جماعة لم‌يضعوا السلاح منذ كانوا ينتظرون قاۤئمنا عليه السلام يدعون الله عز و جل ان يريهم ايّاه و عمر احدهم الف سنة اذا رأيتهم رأيتَ الخشوع و الاستكانة و طلب ما يقرّبهم الي اللّه عز و جل اذا احتبسنا عنهم ظنوا اَنّ ذلك من سخطٍ يتعاهدون اوقاتنا التي نأتيهم فيها لايسأمون و لايفترون يتلون كتاب الله عز و جل كما علّمناهم و ان فيما نعلّمهم ما لو تلي علي الناس لكفروا به و لانكروه و يسألونا عن الشيء اذا ورد عليهم من القرءان لايعرفونه فاذا اخبرناهم به انشرحت صدورهم لما يسمعون منّا و سألوا لنا طول البقاۤء و اَلَّايفقدونا و يعلمون انّ المنةَ من اللهِ عليهم فيما نعلّمهم عظيمةٌ و لهم خرجة مع الامام عليه السلام اذا قام يسبقون فيها اصحابَ السلاح و يدعون الله عز و جل اَن يجعلهم ممّن [ص 58] ينتصر بهم لدينه فيهم كهول و شبّان اذا رأي شَبابٌ منهم الكهلَ جلس بين يديه جلسة العبد لايقوم حتّي يأمره لهم طريق هم اعلم به من الخلق الي حيث يريد الامام عليه السلام فاذا امرهم الامام عليه السلام بامرٍ قاموا عليه ابداً حتّي يكون هو الذي يأمرهم بغيره لو انهم وردوا علي ما بين المشرق و المغرب من الخلق لافنوهم في ساعةٍ واحدة لايحثـل (كذا) فيهم الحديد لهم سيوف من حديدٍ غير هذا الحديد لو ضرب احدهم بسيفه جبَلاً لقدّه حتي يفصله و يغزوا بهم الامام عليه السلام الهند و الديلم و الترك و الروم و بربر و فارس و بين جٰابرسا الي جابلقا و هي مدينتان واحدة بالمشرق و واحدة بالمغرب لايأتون الي اهلِ دينٍ اِلّا دعوهم الي اللّه عز و جل و الي الاسلام و الاقرار بمحمدٍ صلي اللّه عليه و اله و التوحيد و ولايتنا اهل البيت فمن اجاب منهم و دخل في الاسلام تركوه و امّروا عليه اميراً و مَن لم‌يُجب و لم‌يقر بمحمد صلي اللّه عليه و اله و لم‌يقرّ بالاسلام و لم‌يُسلم قتلوه حتي لايبقي بين المشرق و المغرب و ما دون الجبل احد الّا آمن ه‍ ، و سئل اميرالمؤمنين عليه السلام هل كان في الارض خلق من خلق اللّه تعالي يعبدون اللّه قبل خلق ادم و ذرّيّته فقال نعم قد كان في السموات و الارض خلق من خلق اللّهِ يسبّحون اللّه و يقدّسونه و يعظمونه بالليل و النهار لايفترون فانّ اللّه عز و جل لمّا خلق الارضين خلقها قبل السموات ثم خلق الملاۤئكة روحانيّين لهم اجنحة يطيرون حيث يشاۤء اللّه فاسكنهم ما بين اطباق السموات يقدّسون الليل و النهار و اصطفي منهم اسرافيل و ميكاۤئيل و جبرائيل ثم خلق عز و جل في الارض الجنّ الروحانيين لهم اجنحة فخلقهم دون خلق الملاۤئكة و خَفَضَهم دون ان يبلغوا مبلغ الملاۤئكة في الطيران و غير ذلك فاسكنهم فيما بين اطباق الارضين السبع و فوقهنّ يقدّسون اللّٰه الليل و النهار لايفترون ثم خلق خلقا [ص 59] دونهم لهم ابدان و ارواح بغير اجنحةٍ يأكلونَ و يشربون نَسْنَاس اشباه خلقهم و ليسوا بانسٍ و اسكنهم اوساط الارض علي ظهر الارض مع الجنّ يقدّسون اللهَ الليل و النهار لايفترون قال و كانت الجنّ تطير في السماۤء فتلقي الملاۤئكة في السماۤء فيسلّمون عليهم و يزورونهم و يستريحون اليهم و يتعلّمون منهم الخير ثم ان طاۤئفة من الجن و النسناس الذين خلقهم اللّه و اسكنهم اوساط الارض مع الجن تمرّدوا و عَصوْا عن امر اللّه فمرحوا و بَغَوْا في الارضِ بغير الحقّ و علا بعضهم علي بعضٍ في العتوِّ علي الله تعالي حتّي سفكوا الدّماۤء فيما بينهم و اظهروا الفساد و جحدوا ربوبيّة الله قال و اقامَتْ طاۤئفةٌ المطيعون من الجنّ علي رضوان الله و طاعته و باينوا الطاۤئفتَيْن من الجنّ و النسناسِ الذين عتوا عن امرِ الله قال فحطّ اللّه اجنحة الطاۤئفة من الجن الذين عتوا عن امر اللهِ و تمرّدوا فكانوا لايقدرون علي الطيرانِ الي السماۤء و الي ملاقاة الملاۤئكة ● علي خلاف خلق الجنّ و علي خلاف خلق النسناس يدبّون كما تدبّ الهواۤم ( الهامة الدابة ) في الارض يأكلون و يشربون كما تأكل الانعام مِن مراعي الارض كلُّهم ذكران ● ليس فيهم اناث لم‌يجعل اللّه فيهم شهوة النساۤء و لا حب الاولاد و لا الحرص و لا طول الامل و لا لذّة عيشٍ لايلبسهم الليل و لايغشيهم النهار ليسوا ببهاۤئم و لا هواۤمّ لباسهم ورق الشجر و شربهم من العيون الغزار و الاودية الكبار ثم اراد الله ان يفرّقهم فرقتين فجعل فرقة عند مطلع الشمس من وراۤء البحر و كوّن لهم مدينة انشأها تسمّي جابرسا طولها اثناعشرالف فرسخ في اثني‌عشرالفَ فرسخٍ و كوّن عليها سوراً من حديد يقطع الارض الي السّماۤء ثم اسكنهم فيها و اسكن الفرقة الاخري خلف مغرب الشمس من وراۤء البحر و كوّن لهم مدينةً انشأها تسمي جابلقا طولها [ص 60] اثناعشرالف فرسخٍ في اثني‌عشرالف فرسخ و كوّنَ لهم سوراً من حديد يقطع الارض الي السماۤء و اسكن الفرقة الاخري فيها لايعلم اهل جابرسا بموضع اهل جابلقا و لايعلم اهل جابلقا بموضع اهل جابرسا و لايعلم بهم اوساط الارضين من الجن و النسناس فكانت الشمس تطلع علي اهل اوساط الارضين من الجنّ و النسناس فينتفعون بحرّها و يستضٖيۤئون بنورها ثم تغرب في عين حمئة فلايعلم بها اهل جابلقا اذا غربت و لايعلم بِها اهل جابرسا اذا طلعت لانها تطلع من دون جابرسا و تغرب من دون جابلقا فقيل يا اميرالمؤمنين فكيف يبصرون و يَحْيون و كيف يأكلون و يشربون و ليس تطلع الشمس عليهم فقال عليه السلام انهم يستضيۤئون بنور اللّه فهم في اشدّ ضوْءٍ من نور الشمس و لايرون ان اللّه خلق شمساً و لا قمراً و لا نجوما و لا كواكب و لايعرفون شيئا غيره فقيل يا اميرالمؤمنين فاين ابليس عنهم قال لايعرفون ابليس و لاسمعوا بذكره لايعرفون الّا الله وحدَهُ لا شريك له لم‌يكتسب احد منهم خطيۤئة و لم‌يقترف اثما لايسقمون و لايهرمون و لايموتون الي يوم القيمة يعبدون الله لايفترون الليلُ و النهارُ عندهم سواۤء ه‍ ، و اقول ان هاتين المدينتين و من فيهما و ارضوهم و سمواتهم علي هيئة ارضينا و سمواتنا و انهم في الاقليم الثامن و اسفل عالمهم فوق محدّب محدّد الجهات و مع هذا فقد جمعهم و افلاكهم المسماة بهُورقليا في جوفه و جنان الدنيا و نيران الدنيا في ذلك العالم و من مات من المؤمنين الماحضين الايمان حملت الملاۤئكة روحه علي نجاۤئب من نورٍ الي جنانِ الدنيا في ذلك العالم و ان كان من المنافقين و الكافرين الماحضين قادت الملاۤئكة روحه بكلاليب و سلاسل من نار الي نار الدنيا في ذلك العالم و ماۤء الفرات و النيل و سيحان و جَيحان ينْزل من ذلك العالم الي فلك المحدّد الجهات ثم [ص 61] الي الملاۤئكة ثم الي السحاب ثم الي الانهار الاربعة ماۤء كل نهر من نظيره هناك و في بعض الروايات ما معناه انه يخرج من كل مدينة منهما كل يوم سبعون‌الفاً لايعودون و يدخلها سبعون‌الفاً لايخرجون الي يوم القيمة و اعلم انّ الذي عُلِّمته في هؤلاۤء الخارجين و الداخلين انهم يخرجون من جابرسا لايعودون و يدخلون جابلقا لايخرجون و من خرج من جابلقا دخل جابرسا كذلك و اذا كنتَ في مكان خالٍ لايحسّ بحركة و لا صوت و لا ريح في ليلٍ او نهارٍ فانّك تسمع كلامهم لان المغرّبين و المشرّقين يتلاقون في الهواۤء بين الارض و السماۤء فيتكالمون فتسمع كلامهم و تسبيحهم دَوِيّاً كدَويِّ النّحْلِ و كذلك تسمع صوت الماۤء النازل من عالمهم الي الانهار الاربعة لانه ينزل في حوض واسعٍ و الملاۤئكة تكيل السحاب منه فاذا اردتَ ان تسمع ذلك الانصباب فاربط اُذنَيْك باصبعيك لئلّاتسمع شيئا من هذا العالم فانك تسمع صوت انصباب الماۤء في الحوض و الحوض لايمتلي ابداً لانّ الملاۤئكة داۤئما تغرف منه فافهم و حُكي عن الحكماۤء الاقدمين انّ في الوجود عالماً مقداريّاً غير العالم الحسّي لاتتناهي عجاۤئبه و لاتحصي مُدُنه من جملة تلك المُدن جابلقا و جابرسا و هما مدينتان عظيمتانِ و لكلٍ منهما الف بابٍ لايحصي ما فيها من الخلاۤئق .

و قال بعض العلماۤء : في كل نَفَسٍ خلق الله عوالم يسبّحون الليل و النهار لايفترون و خلق اللّه من جملة عوالمِها عالماً علي صُوَرنا اذا ابصرها العارف يشاهد نفسه فيها ثم قال و كلّما ما فيها حيّ ناطق و هي باقية لاتفني و لاتتبدّل و اذا دخلها العارفون فانما يدخلون بارواحهم لا باجسامهم فيتركون هياكلهم في هذه الارض الدنيا و يجرّدون ارواحهم و فيها مداۤئن لاتحصي تسمّي مداۤئن النور لايدخلها من العارفين الّا كل مصطفي مختار و كلّ حديثٍ و آيَةٍ وردَتْ عندنا فصرفها العقل عن ظاهرها وجدناها علي ظاهرها في هذه [ص 62] الارض و كلّ جسدٍ يتشكّل فيه الروحاني من ملكٍ و جنٍّ و كل صورة يري الانسان فيها نفسه في النوم فمن اجساد هذه الارض انتهي .

اقول في كلام هذا البعض بعض الكلام امّا قوله : لايدخلها من العارفين الّا كل مصطفي مختار ففيه انها مدينتان قاۤئمتان و بازاۤئهما مدينتان منكوستان و هما متشابهان في الشكل مختلفتان في الحقيقة فامّا القاۤئمتان فلايدخلها الّا كل مصطفي مختار و امّا المنكوستان فلايدخلها الّا الفجّار و سكّان النار و امّا : قوله وجدناها علي ظاهرها ان كان ظاهرها حقّا وجد في القاۤئمتين و ان كان باطلا وجد في المنكوستين و اعلم انّ لنا كلاماً في ترجمة لغات اهل هاتين المدينتين علي جهة الاجمال و التمثيل لاتحتمله اكثر الافهام فلذا اقتصرنا علي ذكر الروايات و انما قلنا علي جهة الاجمال لان تفصيلها لايعلمها كلها الّا العالم من آل‌محمد صلي الله عليه و اله .

و قول المصنّف « باضعاف اضعاف هذا العالم » مراده به ان جميع الخلق من الانس و الجن و الملاۤئكة و الحيوانات البريّة و البحريّة و الجن و النسناس و الشياطين و النباتات و المعادن و الجمادات كلها مَن نزل من الخزاۤئن و مرّ علي هذا العالم اكتسي منه حلّة ينزل بها و مَن صَعِدَ منها و مرّ عليه القي فيه حلّته و خلق اللّه علي شكل هذا العالم عوالم مشابهة له بعدد كل واحدٍ من سكان عالمِنا مما له روح في قناديل و عَلّقها بهذا العالم فتكون اضعاف اضعافِه مضاعفة و مايعلم جنود ربّك الّا هو .

و قوله « و جميع ما يدركه الانسان و يشاهدُه بقوّة خياله و حسّه الباطن ليست حاۤلّةً في جرم الدماغ » يريد به ان القوي الباطنة ليست من عالم الاجسام لتكون حالة في الاجسام كالماۤء في الكوز او كالماۤء في العود الاخضر و انّما هي من عالم الملكوت و اقول انّها ليست من عالم الاجسام كما قال [ص 63] و لكنّها تتعلق بلطاۤئف الاجسام الماديّة لانّها انّما تظهر آثٰارُهَا في انتزاع الصور الخياليّة الّتي هي هيئات و اشعة من الصور المتّصلة الحاۤلّة بالمواۤدّ علي الصحيح بالنفس البُخَاريّة المتعلّقة بمثل الدماغ و ليس ما في الخيال اصلاً للخارجيّة كما زعمه الصوفيّة بل عندهم انّ ما في الخيال اصلٌ للصور الخارجيّة و المواۤدّ ٱلمتقوّمة بها حتّي قال بعضهم ماتتحرّك نملةٌ في المشرق او المغرب الّا بقدرتي علي اَنَّ القوة الحاۤسّة الخياليّة من اعالي الاجسام كما تصدق علي الماۤدّية تصدق علي المجرّدة عَن المواۤدّ و يشير قوله عليه السلام في تأويل قوله تعالي افلايرون انّا نأتي الارض ننقصها من اطرافها قال عليه السلام يعني بموت العُلماۤء و ما دلّ علي ان النفس جسم .

و قوله « في تجويفه كما قلنا » اي ليست حاۤلّة كحلول الاجسام الماديّة بعضها في بعضٍ و انما هي اشراق من نفس فلك الزّهرة يتعلق بالنفس البخاريّة و هي تتعلّق بالدّماغ و سريانها في النفس البخاريّة بواسطة نور نفس فلك القمر الساري في جميع الالٰات بتوسّط النفس البخاريّة قال الله سبحانه و جعل القمر فيهنّ نوراً لان الحيوة الحيوانية الّتي هي اشْراق من نفس فلك القمر سريان جميع القوي الادراكية بتوسطها فافهم سر قوله تعالي و جعل القمر فيهنّ نوراً .

و قوله « و لا هي موجودة في اجرام الافلاك » فيه ان اصلها موجود في اجرام الافلاك و هي النفس المتخيلة الكلية في نفس فلك الزهرة اذ ليس فلك الزهرة و غيره من الافلاك كما توهّمه كثير انها متحجّرة صلبة كما نقل عن بليناس انها في صلابة الياقوت فانّ هذا غلطٌ و مَن صَعِد منهم الي السّمواتِ و وجدها بصلابة الياقوت حتي يخبر بذلك و انما هي كما اخبر عنها خالقها العالم بما خلق في قوله تعالي ثم استوي الي السماۤءِ و هي دخان فاخبر بانه تعالي خاطبها و هي دخان و الخطاب بعد تمام الصنع و كون الخطاب كناية عن [ص 64] التكوين خلاف الظاهر بمعني انه بمعني التكوين في التأويل و علي ظاهره في التكليف و كلّ منهما مراد و الدليل القاطع المؤيد بقول الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايكون الّا بما هنا ه‍ ، هو ان العلماۤء و الحكماۤء اتفقوا علي ان الانسان هو العالم الصغير و انه فيه كل ما في العالم الكبير فهو انموذج منه و آية عَليه و شاهدهم قوله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحقّ و قوله تعالي و في انفسكم افلاتبصرون و ما نسب الي عليّ عليه السلام من قوله :

و انت الكتابُ المبينُ الذي بِاَحْرُفهٖ يظهر المُضمَرُ

اَتَحْسبُ انك جرمٌ صغير و فيك انْطَوي العَالم الاكبَرُ

فاذا ثبت انك نسخة العالم الاكبر ثبت ان فيك افلاكاً سبعة فلك حياتك كفلك القمر و فلك فكرك كفلك عطارد و فلك خيالك كفلك الزهرة و فلك وجودك الثاني كفلك الشمس و فلك وهمك كفلك المريخ و فلك علمك كفلك المشتري و فلك عقلك اي تعقّلك كفلك زحل و فلك نفسك و صدرك اعني خزانة علومك كفلك الثوابت و فلك قلبك اي عقلك كفلك الاطلس و جسدك كالعناصر الاربعة فهل فيك افلاك جزئيّة في صلابة الياقوت ام تكون افلاكك دخاناً بُخَاريّا فقد كشفتُ لك السرّ و اريتك الغيبَ شهادة في نفسك فان فهِمْتَ و الّا فخطابي مع غيرك فظهر لمن فهم ان السموات دخان بخارية و فيك كذلك فتلك القوي النفسانية الكليّة تعلّقت بافلاكها البخاريّة الدّخانية تعلّق اشراقٍ بتوسط نفس فلك القمر و كذلك القوي النفسانية الجزئيّة تتعلّق بافلاكها الجزئية اعني بطون الدماغ الثلاثة فانها خمسة و واحد باعتبار مقدّم كل بطن و مؤخّره كما ذكروا خمسة و الواحد الذي هو بمنزلة اشراق نور نفس فلك القمر علي الافلاك تتعلق تلك القوي بتوسط اشراقه هو نور الحيوة .

[ص 65] و قوله « و لا في عالم منفصل عن النفس كما زعمه اتباع الاشراقيين » صحيح و الّا لزم كون تلك القوي نفوساً متعدّدة متباينة و ليس هذا موجوداً فينا فهو باطل .

و قوله « بل هي قاۤئمة بالنفسِ لا كقيام الحاۤل بالمحلّ » صحيح سواۤء اريد بالحاۤل العرض ام الجوهر .

و قوله « بل كقيام الفعل بالفاعل » يعني قيام صدور ، و قوله كقيام الفعل بالفاعل بناه علي ما ذهب اليه من ان المدرك هو النفس بلا توسطِ شيء و انما هذه المتوسطات مُعِدّات لادراكها و هذا ليس بصحيح بل الصحيح انها تدرك بهذه الوساۤئط و الوساۤئط هي المدركة المترجمة و امّا النفس فتدرك ما ترجمَتْه الوساۤئط لا انّها تدرك بها قبل الترجمة كما توهمه اتباع الاشراقيّين و لا انها تدرك امثال ما ادركته الوساۤئط و ان الوساۤئط غير مدركة بل معدّة كما توهمه المصنّف نعم تلك القوي قاۤئمة بالنفس كقيام نور الشمس المشرق علي الجدار بالشمس قيام صدور .

قال : و تلك الصورة الحاضرة في عالم النفس قد تتفاوت في الظهور و الخفاۤء و الشّدة و الضعف و كلما كانت النفس الخيالية اشدّ قوّة و اقوي جوهرا و اكثر رجوعا الي ذاتها و اقل التفاتا الي شواغل هذا البدن و استعمال قواها المحرّكة كانت الصورة الممثّلة عندها اتم ظهوراً و اقوي وجوداً و هذه الصور اذا قويت و اشتدّت كانت لا نسبة بينها و بين موجودات هذا العالم في تأكد الوجود و التحصيل و ترتب الاثر و ليست هي كما ظنّه الجمهور انّها اشباح مثاليّة لايترتّب عليها اثار الوجود كما في المقامات غالباً لان ذلك لسبب اشتغال النفس بالبدن عند النوم ايضا و تمام ظهور تلك الصورة و قوة وجودها انما يكون بعد الموت حتي ان التي يراها الانسان بعد الموت يكون هذه الصورة التي يراها في هذا العالم كالاحلام بالنسبة اليها [ص 66] و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا و حينئذ صار الغيب شهادة و العلم عينا و فيه سرّ المعاد و حشر الاجساد .

اقول قوله « و تلك الصورة الحاضرة في عالم النفس » يخالفه قوله قبل هذا بل وجودها في عالم اخر الي اخره يعني به عالم المثال و البرزخ و ذلك تحت عالم النفس فان كل واحدٍ منهما عالم علي حدةٍ و هنا جعله في عالم النفس و كلامه الاوّل اصحّ من كلامه هذا و قد نصّ علي الاوّل بانه ليس ما فيه مجرّدا عن الكونين و ذكرناه هناك فراجع و هنا جعله مجرّدا عن الكونين الكون الملكي و الكون ٱلبرزخي .

و قوله « قد تتفاوت في الظهور و الخفاۤء و الشدّة و الضعف » ظاهر .

و قوله « و كلّما كانت النفس الخياليّة اشدّ قوّة الي قوله و اقوي وجوداً » ظاهر لا اشكال فيه .

و قوله « و هذه الصور اذا قويت و اشتدّت كانت لا نسبة بينها و بين موجودات هذا العالم في تأكد الوجود و التحصيل و ترتّب الاثر » فَاقول : المفهوم من كلامه انّها قبل اشتدادِها بينها و بين موجودات هذا العالم نسبة في تأكّد الوجود و بناۤء منطوق كَلَامه علي ما قدّم من انّها جواهر و ان الجواهر لها حركة تسير بها الي اللّه تعالي في السلسلة الطولية و بناۤء مفهوم كلامه علي انّ النفوس اصلها جسمانيّة و تترقي في معارج كمالاتها الي اَنْ تكون هي العقل اذ ليس عقل غيرها عنده و في المنطوق و المفهوم هفوات و اغلاط امّا انّها جواهر ففيه انها من عالم المثال كما هو صريح كلامه و كل ما في عالم المثال اشباحٌ و اظلّة و توهّم جوهريّتها ممّا روي و ممّا قيل انهم رجال و انهم يعبدون الله تعالي و بايديهم سيوف و اسلحة ينتظرون قيام القاۤئم عليه السلام عجل الله فرجه غفلة فان كلّ شيء يعبد اللّه و كل ينصر القاۤئم عليه السلام الجواهر و الاعراض اماسمعت قوله تعالي و ان من شيء الّا يسبح بحمده ، و قوله عليه السلام في الزيارة الجامعة الصغيرة [ص 67] يسبح الله باسماۤئه جميع خلقه و خطاب الحسين عليه السلام للحمّي التي كانت في عبدالله بن شداد حين عاده فلما دخل عليه السلام عليه طارت عنه الحمّي فقال عبدالله رضيتُ بما اوتيتم و الحمي تهربُ منكم فقال عليه السلام والله ماخلق الله شيئا الّا و امره بالطاعة لنا ثم قال عليه السلام يا كبّاسةُ قال فسمعنا الصوت و لم‌نر الشخص تقول لبّيك فقال عليه السلام الم‌يأمركِ اميرالمؤمنين الّاتقربي الّا عدوّاً او مذنبا ليكون كفارة له فما بال هذا رواه الاميرزا في كتاب الرجال الكبير فانظر فان الحُمَّي من انصارهم و مايعلم جنود ربك الّا هو و اذا تأمّلت في الحديث المتقدم عن اميرالمؤمنين عليه السلام في اهل جابرسا و جابلقا انّهم كلهم ذكور و هم برزخ يشعر بانّهم اشباح بخلاف الملائكة و الشياطين في كونهم ذكوراً و ليسوا باشباح لانهم ليسوا برزخا و البرازخ منهم كذلك و مرادنا بالبرازخ ليست الجامعة بين الشيئين فانّهم جواهر و انما المراد بها الواصلة بين العوالم المتباينة كالافعال و الصفات فانها لاتكون الّا اعراضاً و عالم البرزخ هذا ظل العالم الاخروي قد مررنا عليه في النزول و نحن الأن ساۤئرون الي الاخرة و نمرّ عليه في الصعود .

و قوله « و ليست هي كما ظنه الجمهور انها اشباح مثاليّة » اضطِرابٌ منه فان الصور الخيالية ليست جواهر خلافا للصوفية فانك اذا تخيّلتَ زيداً لم‌تكن تلك الصورة زيدا و لا ذاتا قاۤئمة بنفسها و انت لاتذكرها الّا بان تلتفت الي زيدٍ فينتزع خيالك منه صورة شبَحِهٖ كما نطقت به الاخبار فاذا ثبت انها امثلة و اشباح و اظلة لم‌تترتّب عليها الاثار الوجودية و انما تترتب عليها الاثار من جهة مقبولاتها فانها كانت حاملة للجواهر الهباۤئيّة المجرّدة فلمّا نزلت الي هذا العالم لحقتها الاعراض المادِيّة منه و تلك الاشباح دالّة علي تلك الجواهر كما تدل صورتك الشّبَحيّة في المرءاة عليك فترتّب اثار الوجود عليها في [ص 68] الرؤيا و المنام و في اليقظة انما هو لدلالتها علي تلك الجواهر الهباۤئيّة كما اذا رأيتَ صورة زيد في المرءاة فان كل ما يترتّب عليها فانما هو لدلالتها علي زيد ● .

و قوله « لان ذلك لسبب اشتغال النفس بالبدن عند النوم » لايلزم مع هذا عدم حصول الاثار بل قد توجد الاثار ايضا قبل الموت كما هو شأن الاقوياۤء و اصحاب المعاجز .

و قوله « و تمام ظهور تلك الصورة و قوّة وجودها انما يكون بعد الموت » يريد به انّها جواهر و لكن المانع من ترتّب الاثار انما هو اشتغال النفس و ليس كذلك لان الامثال للامور الحقّة الصالحة كلها الموجودة في نفس فلك البروج و هي جواهر في رتبتها و اشباح لما فوقها و الامثال للامور الباطلة الطّالحة كلها الموجودة في الثري ● الذي تحت الطمطام الذي تحت جهنم التي تحت الريح العقيم التي تحت البحر الذي تحت الحوت التي تحت الثور الذي تحت الصخرة التي هي كتاب الفجّار المقابلة لفلك البروج الذي هو كتاب الابرار فالامور الحقة في نفس فلك البروج و امثالها في فلك البروج و هو كتاب الابرار و الامور الباطلة في الثري و امثالها في سجّين و هي الصخرة التي هي كتاب الفجار فالخيال الحق ينتزع الصور في الغاۤئب من كتاب الابرار و في الشاهد مما امره به الشارع عليه السلام و الخيال الباطل ينتزع الصور في الغاۤئب من الصخرة سجّين كتاب الفجار و في الشاهد مما نهاه عنه الشارع عليه السلام فتتّصِفُ النّفس بصفات افعالها ● كما اَشَار تعالي اليه في قوله سيجزيهم وصفهم و قوله و لكم الويل مما تصفون و الاثار المترتّبة عليها انما يمنع النفس من اظهارها عدم كمال اتّصافِها بها لغفلتها و تقصيراتها كمن يتعلّم صنعة و لم‌يتم له العلم بها فانه لايقدر علي اظهار آثارها و ليست تلك القوي جواهر مستقلّة لتظهر [ص 69] اثارها اذا قويت و كملت و انما هي صفات فعليّة للنّفس فاذا قويت النفس في الاتّصاف اظهرت الاثار باَنْ تشرق من نور وجودها نوراً و تلبسه صورة واحدة من تلك الصور اذا شاۤءت فيخرج كذلك جوهراً او عرضاً كما شاۤءَتْ باذن اللّهِ تعالي كما امر الهادي عليه السلام صورة السبع الّتٖي في مَسْندِ المتوكل ان يقوم سَبُعاً و يفترِسَ الساحر الهندي لانه عليه السلام تصوّرها سَبُعاً بان اعطاها ماۤدّة من فاضلِ وجوده و البس ذلك الفاضل اعني الشعاع تلك الصورة و اخرجه باذن اللهِ سبُعاً فلمّا افترسه امرها بالرجوع الي المسند و جذبَتْ صفة ذاته شعاعَها فقال المتوكل يا ابن الرضا لو رجعتَهُ من الصورة يعني الهندي فقال عليه السلام لو رجعَتْ عصيّ السحرة و حبالهم من عصَي موسي عليه السلام لرجع فليست الاثار ● من الصفة و انّما هي من الموصوف بمعني ان الموصوف اذا تحقّق في الاتّصاف اظهر بفعله ما شاۤء من الاثار بان يظهر من اثر فعله ما شاۤء و يلبسه صورة من صور تلك الصفة و التحقق قد يكون في الدنيا و قد تحصل موانع للتّحقق مثل اشتغال النفس بالبدن و باحْوال الدّنيا فيكون في الاخرة لتساوي الخلاۤئق يوم القيمة في التحقق بصفات اعمالهم بنسبة قوابلهم من الاعمال و الاقوال و الاحوال .

و قوله « حتّي ان التي يراها الانسان بعد الموت تكون هذه الصورة التي يراها في هذا العالم كالاحلام بالنسبة اليها » يعني انّ الصور الخيالية في الدنيا بالنسبة اليها في الاخرة كالصورة التي يراها الشخص في المنام بالنسبة اليها في اليقظةِ و التشبيه امّا تبعاً للحديث او لظنّه مغايرة المنام لما في الخيال و الحق انّ الخيال يدرك الصور الشبَحيّة في المنام في عالم المثال و في اليقظة لانه مرءاة تنتزع الصور من الجواهر و من الصور و الالوان و الاعراض فتتّصف به النفس لانه من باب الكيف و ظهور الاثار منها كما ذكرنا و قوله عليه السلام [ص 70] الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا ه‍ ، يعني انّهم انّما يدركون الصور كالناۤئم و هم ساۤئرون الي الاعيان فاذا ماتوا وصلوا اليها مثاله انك تسمع باصفهان و تتصوّرها من السماع فاذا اتيتَ البلد اصفهان عرفت انّ هذه هي صاحبة تلك الصورة التي عندك و المطابقة و الاختلاف ممّا فهمتَ و لو كانت اصفهان بذاتها هي التي في خيالك لوجبت المطابقة لكل احدٍ لانّ وجدان الشيء بنفسه لايختلف و لايختلف فيه .

و قوله « و حينئذ صار الغيب شهادة و العلم عينا » لايصح علي مراده اذ مراده ان ذلك الذي في الخيال هو بعينه ذات زيد الغاۤئب فاذا حضر زيد حضر بتلك الذات المتخيّلة و هو غلط و انّما الغيب الخيالي هو الوصف و الحاضر هو الموصوف .

و قوله « و فيه سر المعاد و حشر الاجساد » يشير به الي ان هذا الحاضر هوَ ذلك الخيال كما ان هذا المعاد هو ذلك الفاني و قد بيّنّا لك بطْلان هذا نعم هو دليله و آيته كما روي ما معناه ان نبيّا من انبياء الله عليهم السلام انكر قومه المعاد و قالوا ان كنتَ صادقاً فارجع لنا اسلافنا الماضين فسأل الله تعالي ان يبيّن لهم فالقي الله سبحانه عليهم الرؤيا في المنامات فكان احدهم يري اباه و جدّه و امّه و امّها فاستدلّوا بذلك علي البعث و لم‌تعد اٰباۤؤهم و انّما رأوا صورهم و اشباحهم و امنوا بما لم‌يقبله المصنّف .

قال : قاعدة نفسيّة النفس ليست اضافة عارضةً لوجودها كما زعمه الجمهور من الحكماۤء من ان نسبتها الي البدن كنسبة المَلِكِ الي المدينة و الرَّبَّان الي السفينة بل نفسيّة النفس انما هي نحو وجودها لا كحال الملِكِ و الربّان و غيرهما مما له ذات مخصوصة تعرضها اضافة الي غيره بعد وجود الذات اذ لايتصوّر للنفس ما دام كونها نفساً وجود لم‌تكن هي بحسبه متعلّقة بالبدن مستعملةً لقواه الّا ان تتقلّب في وجودها و تشتدّ في تجوهرها حتّي تستقلّ [ص 71] بذاتها و تستغني عن التعلّق بالبدن الطبيعي و ينقلب الي اهله مسروراً او يصلي ناراً ذاتَ لهبٍ انّ في هذا لبلاغا لقوم عابدين » .

اقول اختلفوا في النفس هل هي نفس بذاتها ام هي نفس لغيْرهَا و يرجع الخلاف الي شيئين احدهما الي الوضع اي وضع لفظِ نفسٍ للذات المعيّنة او وضع لفظ نفس لغيبِ شيءٍ آخر و ذلك الاخر ظاهره و ثانيهما الي استقلالها بذاتها في الذات و الفعل او عدم استقلالها بدون ذلك الغير ذهب المصنف الي الاخيرَيْن من الشيئينِ و هما انّ الوضع لا علي الارتجال لهذا الجوهر المعروف فليست ذات اضافةٍ في اصل التسمية و في الذات و انْ ليس لها وجودٌ مستقِلّ لم‌تكن هي من جهته متعلقة بالبدن مستعملةً له و لقُواه في ساۤئر مداركها نعم يؤل امرُها الي ان تلحق بالمُفَارقات الجزئيّة بعد ان تتقلّبَ في اطوارِها و تتخلّص ممّا تلوّثَتْ به من اوساخ البدن الماۤدّي و انت اذا تتبعتَ استعمالات لفظة النفس وجدتها مستعملة في المعنيين الاستقلالي و الاضافي و الّذي اعرفه انّ ما ذكره المصنف من اوّل الاولَيْنِ اعني الوضع لذاتٍ معيّنة من غيْر ملاحظة اضافةٍ صحيح و انّ استعمالها في ذاتٍ تعرض لها الاضافة انّما هو لملاحظة الاشتقاق الذي افادَهُ قصدُ الواضع من المناسبة بينَ اللفظِ و المعني فلاجل ملاحظة المناسبة قيل نفس هذا البَدَن مثل مَلِك المدينة و رَبّان السفينة و انّ ما ذكره من اوّل الاحتمالين الاخيرين من ان ليس لها وجود مستقلّ لم‌تكن هي من جهته متعلّقةً بالبدن الخ ، فان المراد بهٰذَا الوجود ليس نفس ماۤدّتها كما ذكرنا سابقاً مكرّرا عندنا مِن انّ ماۤدّتها في اصل كونها مجرّدة عن المواۤدّ العنصريّة الزمانيّة بخلاف ما ذهب اليه المصنف من انّ اصلها من الطبيعة العنصريّة الّا انها تتقلّب في مراتب اطوارها حتّي تكون عقلاً بل ماۤدّتها الاصلية نوريّة و لكنها ذات ابعاد نفسانيّة [ص 72] ملكوتية و الافعال تتبع هيئات الاشياۤء لا مواۤدّها فلذا كانت مقارنة في افعالها فلاتنفكّ عن التعلق بالابدانِ ابداً لانّها جسم و لاتكون بنفسها عقلاً لانها اذا كملت كانت تعي عن العقل و تدلّ عليه و اليه تشير فهي ابنته و مطيّته الحاملة لثقله الي بلدٍ يجتني من شجرها المعاني و لم‌يكن بدونها بالغا لها الّا بشق نفسه فثاني الاحتمالين الاخيرين علي هذا صحيحٌ .

و قوله « و تستغني عن التعلق بالبدن الطبيعي » ليس بصحيح لانها اذا كان اصلها من البدن الطبيعي العنصريّ كيف تستغني عن التعلق به بل ينبغي علي قوله ان يكون تعلقها بالبدن الطبيعي اذا كملت اقوي لان الشيء اذا كمل اشتدّ ارتباطه باصله و قوي رجوعه اليه و امّا نحن فنقول كما قدّمنا انها هبطت الي البدن من المحل الارفع و هو عالم الملكوت و كانت غيباً في النفس النباتية الّتي في النطفة لخراب مسكنها بعد التكليف الاول و تبقي كامنة في النباتية و النباتيّة تبني لها مسكنها و هي مجتمعة قد وضعَتْ رأسها بين ركبتيها و نامت فاذا تم بناۤء بيتها رفعت رأسها و تربعت علي الطباۤئع الاربع و اخذتْ شيئا فشيئاً تقتنِصُ اطيار الافكار فاذا علّمها العقل مما علّمه اللّه حلّ صيدها له لانها اذا تعلّمت و ارسلها صعِدت الي ما فوق السموات و اتت له بالصيد الحلال المذكّي و ان لم‌يعلّمها او لم‌تتعلّم سقط ريشها و بازاۤء هذه النفس الصالحة نفس امّارة و هي الكلب من اهل الكهف و لها سبع مراتب الاولي امّارة مغايرة لتلك الصالحة و هي كلب الهراش الثانية الملهمة او اللوّامة علي الخلاف الثالثة هي اللوامة او الملهمة علي الخلاف الرابعة هي المطمئنّة و هي حين تعلّمتْ ممّا علّمها العقل مما علّمه اللّه فاذا ارسلها طارت صاعدة الي ما فوق السموات و اصطادت له الصيد الحلال المذكي و في المرتبة الثالثة و الثانية تصطاد مرة من السموات صيداً حلالا مذكّي [ص 73] و مرّة تصطاد من الارضين حراماً او ميتاً و في الاولي تصطاد بغير ارسالٍ من تحت الارضين السبع حراما او ميتا لا غير و المرتبة الخامسة تكون راضيةً و السادسة تكون مرضيةً و السابعة تكون كاملة و في هذه المراتب الاربع الاخيرة تتّحد بالنفس الصالحة التي نحن بصَدَدِها و ليس هنا مكان هذا الكلام فيه و انما ذكرت هذا استطراداً تنبيهاً علي انّ هذه النفس ليست هي الاَمّارة و لا شيئا من مراتبها الثلاث الاولي و امّا الاربع الاخيرة فتتحد معها اتّحاد مجاورةٍ و تعارفٍ و مصافاةٍ و لهذا تكون في المراتب الاربع اخت العقل و مطيته و التي نحن بصددها ابنته ● و تكون مطية له كما مرّ و الحاصل ان هذه النفس ليس اصلها من البدن الطبيعي بل اصلها من الملكوت كما قال علي عليه السلام اصلها العقل منه بدئت و عنه وعت و اليه دلّت و اشارت ه‍ ، فهي بنته و اذا كملت عادت اليه اي الي رتبة بدئها من تنزّله لانها لم‌تُبْدأ منه عقلاً لتعود اليه عقلا و انما بدئت منه نفسا فتعود كما بدئت و لاتستغني عن التعلق بالبدن ابداً لما بينهما لذاتهما من المناسبة و المشابهة من الابعاد المقداريّة .

و قوله « و ينقلب الي اهله مسروراً او يصلي ناراً ذات لهبٍ » يريد به الاشارة الي انّها اذا اشتدّت في تجوهرها لحِقَتْ بالمراتب العليّة فكانت عقلاً و ان بقيت في انيّتها انحطّت من اوج الملكوت الي حضيض الناسوت و اقول انها اذا تزكّتْ شابهت مبدءها من النفس الكلية و اللّوح المحفوظ و ان رَكِبَتْ مناهي اللّٰهِ انحطّت الي سجين و شابهت ما في الثري قال اميرالمؤمنين عليه السلام و خلق الانسان ذا نفسٍ ناطقةٍ ان زكّيها بالعلم و العمل فقد شابهت اواۤئل جَوَاهرِ عللِها فاذا اعتدل مزاجُها و فارقتِ الاضدادَ فقد شارَكَ بها السّبع الشِّدَاد ه‍ ، و قال تعالي كلّا انّ كتاب الفجّار لفي سجّين و [ص 74] ما ادراك ما سجّين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذّبين فانها اذا تزكّت رجعت الي اهلها و هي مباديها من اللّوح المحفوظ فانقلابُها صعودها بعِلمها و عَملِها الي رتبة علّتها من النفس الكلّيّة و اذا ركبت مناهي الله خرّت من السماۤء فتخطفها الطير اي الشياطين او تهوي بها الريح اي هواها و شهواتها في مكان سحيق اي في سجّين انّ في ذلك لايةً للمؤمنين .

قال : قاعدة للنفس الٰادمِيّة كينونة ● سابقة علي البدن من غير لزوم التناسخ و لا استيجاب قدم النفس كما اشتهر عن افلاطون و لا تعدّد افراد نوع واحدٍ و امتيازها من غير ماۤدّة و استعداد و لا صيرورة النفس منقسمة بعد وحدتها كالمقادير المتّصلة و لا تعطيلها قبل الابدان بل كما بيّنّا دليله و اوضحنا سبيله في حواشي حكمة الاشراق بما لا مزيد عليه و اليه الاشارة في قوله تعالي و اذْ اخذ ربّك من بني ادم من ظهورهم ذرّيتهم و اشهدهم علي انفسهم الستُ بربكم قالوا بلي ، و قوله صلي الله عليه و اله الارواح جنود مجنّدة الحديث ، و عن ابي‌عبدالله عليه السلام انّ اللّه خلقَنا من نور عظمته ثم صوّر خلقنا من طينةٍ مكنونةٍ تحت العرش فاسكن ذلك النور فيه فكنّا نحنُ بشراً نُورانيّين و خلق ارواح شيعتِنا من طينتِنا و روي محمد بن بابويه قدس سرّه في كتاب التوحيد مسنداً عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه قال ان الله عز و جل خلق المؤمنين من طينة الجنان و اجري فيهم من روحه و عن ابي‌جعفر عليه السلام مثله و هو ان اللّه خلق المؤمنين من طين الجنانِ و اجري صورهم من ريح الجنان و عن ابي‌عبدالله عليه السلام المؤمن اخو المؤمن لانّ ارواحهم من روح الله عز و جل و انّ المؤمن اشدّ اتّصالاً بروح الله من اتّصال الشمس بالشعاع و الروايات في هذا الباب من طريق اصحابنا لاتحصي كثرةً حتّي انّ كينونة الارواح قبل الاجساد كأنّها كانت من ضروريات مذهب الاماميّة رضوان اللّه عليهم .