و قوله « و مدركاتها اوائل الكيفيات الاربع » يعني انّها تميّز بين هيئات مبادي الحرارة و الرطوبة و البرودة و اليبوسة و من ثم قال بعضهم ان قوّة اللمس حاكمة بين الحاۤرّ و البارد و بين الرطب و اليابس و بين الصّلب و اللّيّن و بين الاملس و الخشن و قيل و بين الثقيل و الخفيف و الوجه الاولي بالتّحقيق انّ حكمها ليس للتمييْز بين المتَقابلات و انْ حصل ذلك من باب اللّزوم و انما تميّز بين المتقابلات و بين المفردات في مراتبها في الشّدّة و الضَّعْفِ للفاۤئدة [ص 27] المذكورة و حيث ثبت ان جميع الاشياۤء انما تتقوّم بكيفية اعتداليّة بنسبة رتبة كل شيء منها من الوجود الكوني الامري المفعولي الذي به قام كل شيء قيام تحقّق وجب ان يكون في كل شيء منها قوّة حافظة لتلك الكيفيّة فيكون في المعادن مثلاً قوّة لمسٍ معدنية و في النبات قوة لمسٍ نباتيّة و في الحيوان قوّة لمسٍ حيوانيّةٍ و في الانسان قوّة لمسٍ انسانيةٍ و امّا الذوق فهو بعد اللمس في الظهور و في القرب مِن الاجسام و اعم الاَرْبعة بعد اللّمس لٰكنّه لمّا كان مدرَكه الطف من مدرَكِ اللَّمْس لانّه امّا اجزاۤء لطيفة تنفذ في مساۤمّ اللسان اوْ كيفيّة يتكيّف بها ريقُ الذاۤئق فيُدركها اللّسَانُ و لمّا كان مقتضي الحكمة ان يكون بين المدرِك و ما يدركه مناسبة و مشابَهةٌ و جسد الحيوانِ ليْس كلّه لطيفاً مشابهاً لما تدركه القوة الذاۤئقةُ لميحسن اَنْ تسري الذّاۤئقةُ في جميع الجسد بخلاف اللّامسة و مع هذا فلا بدّ من القوة اللّامسة في ادْراكِ الذاۤئقةِ لاشتراط المباشرة فيها فاللّامسة دليلها فاذا باشر المطعوم آلَة الذوق و هي اللسان فني اعتبار اللامسة و تولّت الذاۤئقة ادراك المطعوم بجذب اجزاۤءٍ لطيفة منه الي جوفها فاذا انجذبت الي جوف آلة الذاۤئقة سواۤء كان بنفس الاجزاۤء ام بواسطة الرطوبة اللعابيّة المعدّة لبذْرقةِ الطّعام المنبعثة من العرقين اللّذين تحت اللسان حصلت لها الملايمة او المنافرة اللّتين يتحقّق باحدهما الذوق بشرط الّايكون في الرطوبة و لا في اللسان طعم ليتأدّي طعم المطعوم الي القوة الذاۤئقة او يكون فيهما او في احدِهِمَا طعْمٌ ضَعيف لايغيّر طعم المطعوم و الصورة الذوقيّة هي الملايمة للقوة الذاۤئقة او المنافرة لها و نسبة هذه الصورة الي القوة كنسبة الصورة الي الماۤدّة و كنسبة الانثي الي الذكر و الطعوم ٱلتسعة الحرافة و المرارة و الملوحة و هذه الثلاثة من فعل الحرارة و الحموضة و العفوصة و القبض و هذه الثلاثة من فعل [ص 28] ٱلبرودة و الدسومة و الحلاوة و التفاهة و هذه الثلاثة من فعل الكيفية المتوسّطة و المراد من التفاهة احد معنيين الاول عدم الطّعم حقيقة و التفه بهذا المعني يسمي مَسيخاً و الثاني اَلَّايحسّ بطعمه لشدّة تلازم اجزاۤئه فلاتنحلّ منه اجزاۤء تخالط اللسان و لايتكيّف الرطوبة اللعابيّة به بسرعةٍ فلايحس منه بطعم الّا اذا عولج تحليل اجزاۤئه او تكريره في اللعابيّة فانه يحسّ به كالحديد و النحاس و هذا معدوم الطعم دون الاوّل كذا ذكروا و اعترض عليه بان حصر الفاعل في محض الحرارة و البرودة و الكيفيّة المتوسطة ممنوع لحصول الفاعل من غيرها فان مراتب الحرارة و البرودة في الشدّة و الضّعف و في اللطافة و الكثافة غير محصورة فكيف تنحصر في التسعة و ايضا الخيار و الحنطة النّيّة يحس منهما طعم بسيط ليس من التسعة فالاختلاف في اللَّطافة و الكثافة و الشدّة و الضعف ان اقتضي الاختلاف في النوع تتعدد الطعوم بلا حصر و ان لميقتض الاختلاف كان القبض و العفوصة واحداً اذ لا فرق بينهما الّا في الشّدّة و الضَّعْف فانّ القابض يقبض ظاهر اللّسان و العفص يقبض ظاهره و باطنه و ايضا الترياق مر و هو بارد و العسل حلو و هو حار و كذلك السمن و الماۤء له طعم غير التسعة و هو بارد فلعلّ ذكرهم التسعة من باب الاغلبية و الّا فالحصر لايصحّ بالاستقراۤء و لا بالعقل نعم يمكن ان نقول ذكرهم الفاعل الغالب اذ لايوجد طبيعة بسيطة او الفاعل باعتبارين كما نقول طعم الماۤء طعم الحيوة و الفاعل الحرارة و الرطوبة او الرطوبة و البرودة فالاول فاعل الكون و الذات و الثاني فاعل البقاۤء و الصفة فتدبّر و لي مسلك تعديل بين هذه الاضطرابات الّا انّه يحتاج الي تطويل لايفيد فيما نحن بصدده فائدة يعتدّ بها .
و امّا الشمّ فكما قلنا قبلُ انه الطف من الذّوق و لهذا تَقدّم الذوق عليه في الحصول و تأخّر الشم و لانّ مدركه و هو الهواۤء الطف من مدرك الذوق [ص 29] سواۤء قلنا انّ الهواۤء يتكيّف بكيفيّة ذي الرّاۤئحة وَ يُؤَدّٖي بها الي حَلمتَيِ الخَيْشُوم او يحمل (ظ) اجزاۤء لطيفة من ذي الراۤئحة قد انْبثّت فيه و يؤدّي بها الي الحَلَمتين اي العَصبتين اللتين في المنخرين عند الخيشوم في كلّ واحدٍ واحدةٌ شبيهة بحَلَمتي ثدي الامرأة ينبسطانِ عند وصول الراۤئحة الطيّبة و ينقبضانِ عند وُصُول الراۤئحة الخبيثة و بالانبساطِ و الانقباضِ يحصل الشمّ للقوّة الشاۤمّة اذْ هُمَا آلةُ ادْراكِها للراۤئحةِ و الارجح عندي في الذَّوْق و الشمّ انّ المدرك بفتح الراۤء الكيف لا الاجزاۤء ففي الذوق بتكيّف الرطوبة اللعابيّة بطعم ذي الطعم و في الشمّ بتكيّفِ الهواۤء براۤئحةِ ذي الراۤئحة و قول اصحاب الاجزاۤء لتوهّم عدم انفكاك الطعم عن الاجزاۤء و الراۤئحة عن الاجزاۤء لعَدمِ انْتقال الاَعْراض ضعيف لان الماۤء و الهواۤء اَلْطَفُ من الاجزاۤء و اَشَدُّ نُفُوذاً و مماۤسّةً وَ اَقْرَبُ اِلَي الصُّورة الشّمّية و الصّورة الذوقيّة من الاجزاۤءِ لانّ الماۤء مقوِّم للصّورة الذَّوْقية و الهَواۤء مُقَوِّمٌ للصُّورةِ الشّمّية و نسبة هذه الصورة الي القوّة الشّاۤمّة كنسبة الصورة الذّوقية الي القوة الذاۤئقة و قد اشرنا الي مثال النسبة في بحث الذوق و كون الاجزاۤء هي الحاملة للاعراض و الاعراض لاتنفك عنها لو سُلِّم ذلك لايلزم من ذلك كونها ركنا للصورة بل حاملة لركن الصورة و حججهم و استدلالهم بمثل فناۤء الكافور و تفرق اجزاۤئه و نقصه بخروج راۤئحته و ذبول التفاح بشمّه و ما اشبه ذلك مدخول .
و امّا السمع فهو عبارة عن ادراك الصوت و الصوت يحدث من بين شيئين يكون بينهما قرع او قلع او ضغط فيصدم ما بينهما من الهواۤء باحد الثلاثة ما يليه و يصدم ما يليه ما بعده بهيئة ما صدمه ما قبله و هكذا يتدافع الهواۤء بعضه لبعضٍ بهيئة الدفع الاول و الدفع الاول الذي حصل بالهواۤء المتحرك بالقرع او القلع او الضغط يكون بتلك الهيئة في الشدة و الضعف و الجهر [ص 30] و الهمس و الرخاوة و اللين و القلقلة و ما اشبه ذلك من صفات الحروف و امثالها كالدقّ علي القرطاس و النحاس و الماۤء فانّ هذه الاصوات المختلفة هيئات تلك الحركات الثلاث بين جسمين فيخرج من بينهما الهواۤء حاملا لتلك الهيئات و الاوضاع و يدفع ما يليه اي يصدم ما يليه بنحو ما صدمه به الجسمان و هكذا حتي يصل الجزء الاخير من الهواۤء الي الصماخ من اذن السامع فيصدم تلك الجلدة الرقيقة التي تلي الدماغ كهيئة الطبل بما حمل من الهيئات فتتوجه القوة السمعية عند دَقِّ بابها لهيئة الدّقّ فتدرك الصدم الاوّل بما حمل لها الهواۤء من هيئاته بتدافعه كما يتدافع ماۤء الحوض و يكون من جميع الجهات فيسمع كلامك من هو امامك و خلفك و يمينك و شمالك و فوقك و تحتك لانه يتموج الهواۤء بالصدم الاول مستديراً كما تري اذا حركتَ وسط حوض الماۤء الا انه قد لاتستوي جهات امتداده علي الحقيقة و ان تساوت في الجملة لان الهواۤء المدفوع اوّلاً و هو المصدوم الذي يصدم ما وراۤءه ربما يكون في جهة انبعاثه اطول و اظهر و اقوي و لا بد من الهواۤء في حمل الهيئات او ما يشابهه في التخلل و السيلان الّا انه ضعيف جدا لايحكيها كما هي الّا الهواۤء و لهذا قد يسمع الدق و الصوت تحت الماۤء لسيلانه و امكان تدافعه و لكنه لايتميّز الصوت لاجل ثقله و بالجملة ليس الحافظ للحروف مثلا العقل او النفس او غير ذلك كما توهّمه بعضهم و انما يحملها الهواۤء اذ هو المجانس لها و المتكيّف بها فاذا دقّ باب السامعة تلَقّته من وراۤء الحجاب و ذكر احتجاجاتهم و ابطالها مما يطول به الكلام فاذا دقّ بابها حفظت صورته بواسطة الحس المشترك المسمي ببنطاسي فيرفعه الي خزانته الخيال و حفظته النفس و تناول العقل معناه من الصورة النفسية فاذا اراد مالك القرية ابراز ذلك كما وصل اليه امر خدّامه فصاغوا اَصْوَاتاً بهيئاتٍ كما وصَلَها و اَلْبَس [ص 31] تلْكَ المعاني و الصور تلك الهيئات المُصَاغة علي هيئة ما حمله اليه الهواۤء و الاصح ان المسموع هو الصوت القاۤئم بالهواۤء القارع للصماخ و هو المحسوس لا الصوت القاۤئم بالهواۤء الخارج عن الاذن و شرط تحقّق السَّماع علي كماله توسط الهواۤء بين السّامع و ذي الصوت وَ امّا مَا نقل عن قدماۤء الحُكماۤء باكتفاۤء (ظ) تماۤسّ الافلاك بعضها من بعضٍ كما نسب الي اساطين الحكمة كافلاطون و مَن قبله انهم يثبتون للافلاك اصواتاً عجيبة و نَغماتٍ غريبة يتحيّر من سماعها العقل و حُكي عن فيثاغورس انه عرج بنفسه الي العالم العلوي فسمع بصفاۤء جوهر نفسه و ذكاۤء قلبِهِ نغمات الافلاك و اصوات حركات الكواكب ثم رجع الي استعمال القوي البدنيّة و رتّب عليها الالحان و النَّغَمات كذا ذكر المصنّف في الاسفار بعد ان ذكر احتياج السَّماع الي الهواۤء بما يدلّ علي انّه فهم ان الحكماۤء ذكروا سَماعاً للاصوات المحسوسة لميشترط في تحقّقه توسّط الهواۤء و هٰذا الكلام ليس بمستقيمٍ لان السماع الذي يشيرون اليه ليس المراد منه السماع الحسّيّ الذي نحن بصدده حتّي يشترط فيه توسط الهواۤء و انّما السامع لتلك الاصوات اذن القلب الواعية و ينزل معانيها القلب الي الروح فتخلع عليها الخلع الصُّفْر و تنزلها الروح الي النّفس فتلبِسُها ثياباً خضراً من سندسٍ و استبرق و تنزلها النفس طيناً و ذرّاً و تتقاسمها القوي الخمسة النفسانيّة علي نسبة سيرها في افلاكها فتخرجها بتلك النسب الحاناً موسٖيقية و ان اردتَ انّي اتكلّم بها تكلمتُ فاقول كما قال علماۤء العروض انّ الكلام باعتبار الحركات و السكنات يجمعها قولهم لَمْ اَرَ عَلَيْ ظَهْرِ جَبَلِنْ سَمَكَتَنْ ، لَمْ سبب خفيف و هو كحركة زُحَل و اَرَ سببٌ ثقيل و هو كحركة المشتري و عَلَيْ وتد مجموع و هو [ص 32] كحركة المرّيخ و ظَهْرِ وتد مفروق و هو كحركة الخَيال و جَبَلِنْ فاصلةٌ صغري و هو كحركة عطارد و سَمَكَتَنْ فاصلة كبري و هو كحركة القمر لان فلك القمر يماۤسّ فلك عطارد بنقطةٍ هي شخصية من فلك القمر و نوعية من فلك عطارد و عطارد يماس فلك الزهرة او الشمس مثلا و الّا فالثلاثة متقاربان فتختلف النوعية و الشخصيّة فيها بالمحاذاة و نحن نريد التمثيل للالحان فنقول لاجل البيان النقطة من عطارد او الزهرة او الشمس شخصية و من المريخ نوعيّة و من المريخ شخصيّة و من المشتري نوعية و من المشتري شخصيّة و من زحل نوعية و من زحل شخصية و من فلك البروج نوعية فاذا نسبْتَ حركات الافلاك الاربع و العشرين الحركة بنسبة ما مثّلنا بالشخصيّة و النّوعية حصل من تناسب الاوضاع بين الشخصيّة و النوعية و نوعية النوعية و بين النوعية و نوعية نوعية النوعيّة و بالعكس و نحو هذا هيئات و اَوْضاع بين الاسباب و الاوتاد و الفواصل اذا اُخرِج الصوت عليها خرج بالحان و نغمات تكون اقرب كل شيء الي مطابقة النفوس و ملايمتها لان النفس مركّبة من تلك الالحان حياتها من الفاصلة الكبري و فكرها من الفاصلة الصغري و خيالها من الوتد المفروق و وهمها من الوتد المجموع و علمها من السّبب الثقيل و تعقّلها من السبب الخفيف و ليس سماعهم لتلك الالحان بالاذن التي يسمع العواۤمّ بها كلام امثالهم المراد بهذا البحث هنا و ان كان الحكيم الماهر الذي راض نفسه بالعمل الصالح يرفع اذنه المحسوسة بتنزل اذنه العقلية اليها حتي توصلها الي رتبة الحان الافلاك و يسمع بالاذن الظاهرة تلك الاصوات و يسمع تسبيح الجمادات و النباتات و كثيراً من تسبيح الملاۤئكة و الي سرّ ما اشرنا اشار تعالي بقوله و لكن لاتفقهون تسبيحهم و لميقل لاتسمعون تسبيحهم لانّهم يسمعون تسبيحهم و لكن لايفقهونه لان من [ص 33] ذلك التسبيح ما يسمعونه بجميع اعضاۤئهم و جوارحهم و منه ما يسمعونه باَلْسِنتهم و منه ما يسمعونه بٰالاتِ شمّهم و منه ما يسمعونه باذانهم و منه ما يسمعونه باعينهم و عندهم انهم ماسمعوا الّا ما سمعوه باذانهم و هذا ايضا اكثره لايفقهونه اذ لايفقهون منه الّا ما كان بلغة ابناۤء نوعهم و الكلام في طعوم الافلاك و رَواۤئحها التي ذكرها الحكماۤء كالكلام فيما ذكروا من اصواتها و اَلْحٰانِها و نغماتها فافهم فانّي قد اشرتُ الي طريق سماعهم لتلك الالحان و شمهم لتلك الرواۤئح و ذوقهم لتلك الطعوم و هنا ابحاث اعرضنا عنها كما في غيره .
و اما البصر فقد قال علماۤء التّشريح انه نبت من الدماغ سبعة ازواج من العصبِ لساۤئر القوي و الزوج الاوّل يبدأ من غور البطنين المقدّمين من الدماغ عند جوار الزائدين الشبيهَيْن بحلمتي الثدي و هو صغير مجوّف يتياسر النابت منهما يميناً و يتيامن النابت منهما يساراً قالوا و يتقاطعان بتقاطعٍ صَلٖيبيٍّ ينفذ النابت يساراً الي الحدقة اليمني و النابت يمينا ينفذ الي الحدقة اليسري و قوّة الابصار في الروح المنفوخة في تجويف ملتقي التقاطع و اختلفوا في كيفية الابصار فقيل انه بالانطباع و قال الرياضيون انه بخروج الشعاع و قال الاشراقيون انه لا شعاع و لا انطباع و انما هو بمقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقيلة و اذا وجدت هذه الشروط مع زوال المانع يقع للنفس علم اشراقي حضوري علي المبصَر فتدركه النفس مشاهدة ظاهرة جليّة و اختاره شهابالدين السهروردي و قيل انه بانشاۤءِ صورة مماثلة للمرئي بقدرة الله من عالم الملكوت النفساني مجرّدة عن الماۤدّة الخٰارجيّة حاضرة عند النفس المدركة قائمة بها قيام الفعل بفاعله لا قيام المقبول بقابله و هو اختيار المصنف [ص 34] و الحق الذي دلّ عليه العقل و النقل انّ الابصار بالانطباع لا بخروج الشعاع و الّا لكان المرئي لك من وجهك في المرءاة مقلوباً بل يكون مواجهاً لَك فتري عينك اليمني في المرءاة مقابلةً لعينك اليسري كما اذا واجهتَ شخصاً غيرك و لكن صورتك في المرءاة مقلوبة فانت ناظر في خَلْفِها فتكون العين اليمني تقابل اليمني في المرءاة و اليسري تقابل اليسري كما اذا نظرتَ في قَفَا زَيْدٍ فانّ يمناك بازاۤء يمناه و يُسراك بازاۤء يُسْراهُ و لا بالعلم الاشراقي لان قولهم : فتدركه النفس الخ ، فيه انّ العلم الاشراقي ان اريد منه ان العلم نفس المعلوم صح الاشراقي و كان العالم بذلك العلم الاشراقي اعني نفس الناظر مدركاً للصورة الحسّيّة بنفسها لانها هي العلم فحينئذ فهي معلوم لا مرئيّ و كونها مرئيّة فبالعين و ان اريد منه ان العلم غير المعلوم فبالطريق الاولي لان المعلومات علي هذا غير العلم و النفس انما تُحصِّل الصور العلمية المجرّدة و لا بصورة مماثلة من عالم الملكوت اذ يلزم انّ الاشياۤء لاتدركها الابصار علي جهة الحقيقة و هذا مخالف للعقلاۤء من عاۤمّة الخلق و مخالف للكتب الالهيّة و النقل من الكتاب و السنة مصرّح بان العيون هي المبصرة كما قال تعالي و لهم اعين لايبصرون بها و هذا كثير في القرءان بان الابصار بالعيون و كفي بكتاب اللهِ مبطِلاً للقول الثالث و للقول الرابع الذي ذهب اليه المصنف و الدليل العقلي مبطل للكل و لخصُوص القول الثاني روي المفيد في الاختصاص في حديث طويل باسناده الي موسي بن محمد الجواد عليه السلام انه سأل اخاه اباالحسن العسكري عليه السلام عن مسائل سألها عنه يحيي بن اكثم فكان جوابه الي ان قال و اما قول علي عليه السلام في الخنثي انه يؤرّث من المبال فهو كما قال و ينظر اليه قوم عدول فيأخذ كل واحد منهم المرءٰاة فيقوم الخنثي خلفهم عريانا و ينظرون في [ص 35] المرءٰاةِ فيرون الشبَحَ فيحكمون عليه ه ، و هو بصريحه يدلّ علي ان الرؤية في المرءاة بالانطباع لا بخروج الشعاع و لا بالنفس و لا بصورة مماثلة من عالم الملكوت لانّ الشبَح هو ظل صورة الشخص المقابل انطبع ذلك الظل في المرءاة و الرؤية بالعين كالمرءاة بتسليم الخصم و اعترافه و ذكره الصدوق في باب العشرة من الخصال ه ، و اعلم انَّ لاهل هذه الاربعة الاقوال حججاً كثيرة و اجوبة طويلة و معارضاتٍ لا فاۤئدة في ايرادها و نقضها مع ما هي عليه من الطُّول و قصر الفاۤئدة فيما نحن بصدده .
و قوله « و قوّة البصر للمبصرات بالفاعل اشبه منها بالقابل ، الي آخِرهٖ » يعني به انّ قوّة البصر فاعلة للابصار لا قابلة له لان الابصار عنده اَنَّ النفس تدرك صورة نفسانيّة من عالم الملكوت تشابه صورة المرئي و ان النفس تخترع تلك الصّورة او تنتزعها من المرئي بواسطة الحس المشترك ثم الخيال و لاجلِ تقريبه لمثل هذا قال انّها اشبه بالفاعل منها بالقابل و في السَّمْع بالعكس لانّه بقرع الهَواء الحامل للصوت لحجاب الدّماغ الشبيه بالطّبل فتكون القوة السّامعة قابلةً لِمَا يَصِل اليها و الحقّ كما تقدّم انّ الابصار ايضاً كالسّمع في كونه قابلاً لانّه عَلي الصّحيح بالانطباع كما مر و علي كلّ تقديرٍ لو قلنا بقوله كيف تكون النّفس هي المبصرة لانها ان فرض ابصارَها للمحسوس فهو ليس بصحيح لانها مجرّدة و لاتدرك المحسوسات بغير الوساۤئط و ان فرض ما ذهب اليه من الصورة المماثلة الملكوتية فالنفس تدركها و لكن المرئي ليس حينئذٍ بمرئيّ في الحقيقة و انّما المرئيّ هي الصورة المماثلة الملكوتيّة مع انّ العين لا فاۤئدة فيها و كونها طريقاً للنفس لايفيده لانه لايقول بان النفس تدرك المرئي و ان كان بوَسائط و انما يذهب الي ان النّفس تدرك صورة ملكوتية يعني من نوع النفوس الّا انها مماثلة للمرئي فالعين يلزمه انها [ص 36] لا مدخل لها .
قال : و مدركاتها الخمس كما اشرنا في اللمس مُثُل نوريّة غيبيّة موجودة في عالم آخر لا الكيفيّات المسماة بالمحسوسات الّا بالعرض فهي من جنس الكيفيات النفسانيّة و ان سألتَ الحقّ فهذه القوي ليست قاۤئماتٍ بالاعضاۤء بل الاعضاۤء تقوم بامرها لانّ البُرْهان ناهض علي انّ الحالّ بالشيء الذي وجوده في نفسه هو وجوده لمحلّه لايمكن ان يكون وجوده في عالم و وجود المحلّ في عالمٍ آخر فالحال و المحل في عالمٍ واحدٍ وَ المدرِك و المدرَك من نحوٍ واحدٍ فالحرارة الملموسة بالذات مثلا ليست التي وجدت في الجسم المجاوِرِ للعضو كالنارِ و لا التي في العضو المتسخّن المسمّي باللّامس بل صورة اخري غاۤئبة عن هذا العالم حاصلة في نشأةٍ النفس تدركه بقوّتها اللمسيّة و كذا القياس في ساۤئر المحسوسات و ما فوقها و فيه سرّ و للنفس في ذاتها سمع و بصر و شمّ و ذَوق و لمس غير هذه المكشوفة و قد تتعطّل هذه بمرضٍ اوْ نومٍ او اغماۤءٍ او زمانة اوْ موتٍ و تلك الحواۤسّ غير منعزلةٍ عن فعلها و هذه ٱلظواهر حجبٌ و اغشية عليها و هي اصل هذه الداثرات و فيه سرّ .
اقول قوله « و مدركاتها الخمس » يعني ما تدركه هذه الحواس الخمس و هو ما تدركه القوة اللّامسة من الملموس و ما تدركه القوة الذاۤئقة من المذوق و ما تدركه القوة الشاۤمّة من المشموم و ما تدركه القوة السامعة من المسموع و ما تدركه الباصرة من المرئي مُثُلٌ بِضمّ الميم و الثاۤء جمع مثال اي الصورة نوريّة غيبيّة يعني اَنَّ مدركات تلك القوي صُور من عالم الملكوتِ مماثلة للمحسوسة موجودة في عالمٍ اخر لانّ المحسوسة في عالَمِ الملكِ عالَمِ الاجسام و تلك الصُّور المماثلة للمحسوسة في عالم آخر اي في عالم [ص 37] الملكوت و مرادُهُ انّ النفس من عالم الملكوت و هذه القوي قواها فهي في عالَمِها و يجب ان تكونَ مدرَكاتها معها في عالم واحدٍ و لمّا كانت المرادة من المدركات هي من عالم الملكِ و لايمكن ان تباشرها النفس الغاۤئبة وجب اَنْ تُبَاشر صوراً تشابِهُهَا فتعرف النفس المحسوسة و تدركُهَا باِدْرَاكِ المُشابهِ لَهٰا و الحقّ غير ما ذكر المُصَنِّفُ لانّا قد ذكرنا ان النفس من عالم الغيب و عالم الغيب لايدرك شَيْئا من عالم الشّهادة الّا بواسطةِ شيء له جهتانِ جهة تناسب المدرك بكسر الراۤء و جهة تناسب المدرَك بفتح الرّاۤء امّا في اللّمْسِ فالقوّةُ اللّامِسَةُ من عالم البرزخ جَنْبتُها ٱلعُلْيَا من نوع النفسِ و جَنْبتُهَا السُّفْلَي من اَعْلَي مراتبِ عالم الاَجْسامِ اعني الروح البخاريّ اعني الابخرة المعتدلة في الوزن الطبيعي بان يكون جزء من اليبوسة و جزء من الرطوبة و جزء من الحرارة و جزءان منَ ٱلبرودة و في التّدبير الاعتدالي كما اشرنا اليه سَابقاً في بيان النّفس الحيوانية الحسيّة بتسخين الحرارة الغريزيّة و معونة كَرِّ الافْلاك باشِعّةِ الكواكب فهو برزخ بين النفس الحيوانية الفلكية و بين النفس النامية النّباتيّة المتقوّمة بالدَّم السَّاري في جميع اَقْطارِ البدن مما تحلّه الحيوة لانّ الحيوة الحيوانيّة من نفس فلك القمر و هي تتعلّق بذلك الروح البخاري بواسطة الطباۤئع الاربع فتدرك تلك القوة النفسانية هيئة الملموس من حرارة او برودة او صلابة او لين او ما اشبه ذلك بواسطة الرُّوح البُخَاري المدرك بواسطة الدَّم السَّاري في ما تحلّه الحيوة بواسطته لان المدرَك بفتح الراۤء جسماني عارض بالجسم و دعوي المصنِّف بانّ المدرك مجرّد ملكوتي غير متّجهةٍ لان الشيء اذا جُرِّد عن رتبة كونِهٖ سقطت منه العوارض الخارجيّة و اذا سقطت لميبق للقوّة اللّامسة ما تدركه و ليس في ٱلصورة الملكوتية ما يشابهُ الهيئة الّتي تدركها اللّامسة اذ لو امكن حصولها كَانت الهيئات [ص 38] الجسمانيّة في الملكوت و كانت الموجودة في الجسم الملموس اولي من المشابِهَةِ لها و القوة الذاۤئقة و القوّة الشاۤمّة علي نحو القوّة اللّامسة و امّا القوّة ٱلسَّامِعةُ و القوّة الباصرة فهما و وساۤئطهما من نوع القوي الثلاث السّابقة الّا انّ هاتين خالفا السابقات في كيفيّة الواسطة الاخيرة المباشرة للمدرك بفتح الراۤء فَلَمَّا كٰانَ المدرك هو هذه الاشياء الظاهرة وجب اَنْ تكون الواسطة التي تَلٖي المدرَك بفتح الراۤء و تباشره مِنْ نَوْعِهٖ فلمّا كانَتْ مُدْرَك القوّة السَّامعة هي الاصواتَ ناسبت اَنْ تكون الواسطة الّتٖي تباشرها ممَّا يمكن تأثر الصوت فيها و هي الجلدة الشَّبٖيهةُ بالطَّبْلِ و لمّا كان مدرَكُ القوةِ الْباصِرَةِ الاَلْوانَ و الصُّورَ ناسب اَنْ تكون الواسطة الَّتي تُباشِرُهَا تناسب الالوان و الصُّور و هي الجليديّة الصَّقيلة الرّطبة لِتَنْطبع فيها الالوان و الصُّوَر وَ هٰذا اظهر من كل دليلٍ لمَنْ يفهم عَلي اَنَّ مدرَك القوة الباصرة هو الالوان و كذا السَّامعة كما قلنا و الّا لميكن للعين في الابصار و الاذن في السمع فاۤئدة لوْ كان المدرك صورة ملكوتيّة مشابهة للمرئي فان المصنف اذا جعل الابصار انما هو بالنفس لَايحتاج الي العين فان قال فائدة العين انطباع الصورة و المدرك للّون هو النفس فانها تدرك مثل المنطبع من عالم الملكوت قلنا ادراك النفس لما في الملكوت لايتوقّف علي الحواۤس الّا لِتكونَ طريقاً للنَّفْس و اذا فرض هذا كان مَا ادركته صورة المرئي لا مثلها في عالمٍ آخر كما قال المصنِّف .
و قوله « لا الكيفيّات المسمّاة بالمحسوسات الّا بالعرض » يعني به ان المدرك مثال للكيفية المحسوسة نوري غيْبي موجود في عالم الملكوت لانّه من جنس الكيفيات النفسانية كَما ذكَرهُ مُكرّراً وَ انْتَ قد سَمعتَ ردّ هذا الكلام فَاِنّ المدرَك ليس الّا الكيفيات المحسوسة و لهذا اجمع العقلاۤء من المتقدّمين و المتأخرين علي تسمية المدرِكات لهذه الكيفيات المحسوسة بالحواۤسِّ [ص 39] الظاهرة و يريدون اَنَّها هي المدركة لهذه الكيفيّات الظاهرة و هذا هو المعقول و لو كان المُدرِك لَهٰا هو النفس كما يدّعيه المصنّف لماسَمّوها بالحواۤسّ الظاهرة .
و قوله « و ان سألتَ الحق فهذه القوي ليست قاۤئمات بالاعضاۤء بل الاعضاۤء تقوم بامرها » فيه انّ الحق في هذه المسئلة ليس علي ما قال بل القوي المدرِكة لهذه الاشياۤء قويً نفسانية و لكنها ليست هي الّتي في النّفس لانّ النفس ليس فيها شيء غيرها و هذه القوي التي يذكرونها هي ادْراكات النفس و النفس لاتدرك في رتبة عالمها الّا ما كان مجرّدا عن المواۤدّ العنصريّة و هذه الامور المدرَكة اعني الملموسة و المذوقة و المشمومة و المسموعة و المبصرة ليست من عالم الملكوت عالم النّفس بل هي اجسام اَوْ جسمانيات و كلا الامرين من هذا العالم و قد ثبتَ انّ المدرِك لها لايكونُ خارجا عن عالمها الّا بوسايط من عالمها و النفس واحدة و تدرك ما تدركه بفعلٍ منها فان كان ما ادركته من عالم الملكوت ادركته بنفسه بلا توسّط شيء و ان كان في عالم الملك ادْرَكتْه بٰالٰاتِها و خلق الله سبحانه لها آلٰاتٍ فخلق النفس البُخاريّة السارية في الدّم تدرك بها هيئة الملموس و المذوق و المشموم و خلق الجلدة الرقيقة التي علي الصِّماخ تُدْرِك بها الاصوات و خلق الجليديّة الصقيلة الرطبة في العين تنطبع فيها الصورة المرئيّة فتدركها بالقوة التي في التقاطع الصَّليبي بين القَصبتين فاذا ارادت النفس ادراك شيء من احد الخمسة المذكورة اشرق احساسها عَلَي حاۤسّته فحييَ باحساسها كما اذا اشرقت الشمس علي الجدار فاستنار باشراقها فكما انّ الجدار ينوّر ما يقابله لما فيه من اشراق الشمس عليه و لايقال ان الشمس نوّرَتْ ذٰلِكَ المقابل لان الانارة للجدار اذ الاستنارة علي حسب قابليّته بل يقال انّ الجدار هو المنوّر لما قابله كذلك [ص 40] تلك الحواۤس فانّها باشراق النفس عليها كانت حاۤسّةً بنفسها و لهذا يختلف الاحساس في القوّة و الضعف بصحّتها و عدمها و النفس واحدة فالحاۤس للمبصر القوّة التي في التّقاطع الصَّلٖيبي و الحاۤس للمسموع القوّة التي في جنبتيِ الدماغ الّتي تلي جلدة الصّماخ و هما عصبتان مضاعفان بحذاۤءِ كلّ اُذُنٍ و عدّهما المشرّحون واحداً لتقارب منشئهما و هما يدخلان في ثقبتين احدهما من قدّام و هو مجري السمع يفضي الي الجلدة الشبيهة بالطبل و علي باب القصبة التي من قدام كما ذكرنا ترجمان السّمع يترجم الصَّوْت القارع لجلدة الطبل فكان حاۤسّا بالاصوات بسببِ ما اَشْرقَ عَليهِ من اشعارِ النفسِ و كذلك باقي الحواۤس الخمس فانها هي الحاۤسّة و ان كانت بسببِ ما اشرقت عليها النفس فقول المصنف فهذه القوي ليست قاۤئمات بالاعضاۤء غلط و الّا لماسمّيت بالحواۤس الظاهرة بل هي قاۤئمة بتلك الاعضاۤء قيامَ اشراقٍ كقيام حركة اليد فيها من النفس فانّها حين تعلّقت باليد كانت حركة جسمانية من عالم الملك و ان كان مبدؤها حركة نفسانية من عالم الملكوت فافهم .
و قوله « لان البرهان ناهض علي انّ الحاۤلّ بالشيء الذي وجوده في نفسه هو وجوده لمحلّه لايمكن ان يكون وجوده في عالمٍ و وجود المحلّ في عالمٍ اخر الي قوله من نحو واحدٍ » غير صحيح لانه يريد بالحال العرض و ان وجوده في نفسه وجوده لمعروضه كما ذهب اليه تبعا لبعض الحكماۤء و المشبّه به ليس بصحيح و المشبّه غير مطابقٍ و غير مرادٍ امّا كون المشبّه به ليس بصحيح فقد ذكرناه في شرح المشاعر عند ذكره هذه المسئلة و وجه عدم صحته ان الحكماۤء اتفقوا علي انّ العرض ممكن و المصنف قاۤئل به اذ لا خلاف فيه و كل ممكن زوج تركيبي فالعرض لا محالة مركب من مادة و صورة اي من وجود و ماهية و المراد بالوجود امّا المادّة او المعني [ص 41] المصدري و الرابطي و ما اشبههما و ما سوي هذين النوعين وهم نشأ من عدم فهم الوجود و المراد به هنا الماۤدة فالعرض مركب من ماۤدّة اي وجود و من صورة امّا ماۤدته فليست من نفس المعروض و انّما هي صفة و امّا صورته فمن حدودٍ احدها وجودُ مَعْروضِهٖ فقولهم انّ وجود العرض في نفسه هو وجوده لمعروضه ان ارادوا بوجوده الذي هو مادته و حقيقته فهو غلط ظاهر لان حمرة الثوب ماۤدّتها من القرمز مثلا او الفوّة و ان ارادوا بوجوده ظهوره في الاعيان فلاتبعد الصحة لانّ وجوده لمعروضه من تمام قابليّته للظهور فحينئذٍ يراد بالوجود المعني الوصفي لا الذاتي و الّا فليس بصحيح و اما كون المشبّه غير مطابق فلان ادراك النفس و ان كان عرضاً لها بمعني انّه فعل لها ليس حاۤلّا بها لانّه انّما قام بها قيام صدور كالشعاع من السِّرَاج فانّه و ان كان عرضا الّا انه قاۤئم بالجدار لا بالسراج فليس معه في محلّ واحدٍ كَما مثّلنا بحركة اليَدِ فانّها قاۤئمة باليَدِ التي هي من عالم الملك و هي ايضا من عالم الملك مع انّها صفة للنفس التي هي من عالم الملكوت لانها ليست قاۤئمة بها قيام عروض و انّما هي قاۤئمة بها قيام صدور فلاتكون معها في مكان واحدٍ و لا في عالَمٍ واحدٍ و اما كونه غير مرادٍ فلان المراد ممّا تدركه الحاۤسّة من ذي المجسّة و الذوق و الراۤئحة و من اللون و الصوت الظاهرة لا المتخيّلة فانّها ليست مرادةً لجميع العقلاۤء فجعْلُهُ انّ الحاۤسّة انّما تدرك صورة من عالم الملكوت مشابهة لهذه الظاهرة مخالفٌ للمعلوم المقطوع به من ان المدرَك انّما هو الاشياۤء الظاهرة الاتراهم يقولون للامور الظاهرة التي هي من عالم الملك الاجسام و الاعراض هذه الاشياۤء المحسوسة يعني الظاهرة حتي المصنف فان كتبه مشحونة من هذه العبارة غير منكر لها بل يحتجّ بها و لا معني للمحسوسة الّا المدركة بالحواۤسّ و هذا شيء لا غبار عليه [ص 42] و انما الغبار علي القلوب .
و قوله « فالحرارة الملموسة بالذاتِ ليست الّتي وجدت في الجسم المجاور للعضو كالنار ، الخ » غلط لان هذه الحرارة في الجسم و التي في العضو المتسخّن المسمّي باللّامس ايّ شيء يقال لها المحسوسة ام يقال لها شبيهة المحسوسة و لم سُمِّيت هذه بالحواۤسّ الظاهرة و تلك بالحواۤس الباطنة اعني الحسّ المشترك و الخيال الخ ، علي ان قوله قبل هذا قوّة اللمس و تسري في الاعضاۤء من جهة الروح البخاري صريح فيما نقول نحن و ذلك حين غلبت طبيعته الفطريّة طبيعة تكلّفه نطق بالحق بان قوّة اللمس تسري في الاعضاۤء من جهة الروح البخاري و الروح البخاري من عالم الملك و القوّة اللامسة قاۤئمة فيها قيام حلول سارية معها في الاعضاۤء كُلّها لانّها في الدّم الجٰاري في اللّحم .
و قوله « بل صورة اخري غاۤئبةٌ عن هذا العالم حاصلة في نشأة النفس ، الخ » قد تقدم الكلام عليه بما لا مزيد عليه مكرّرا .
و قوله « و فيه سرّ » لعلّ المراد بالسرّ ما صرّحَ به من انّ العاقل متّحدٌ بالصورة المعقولة و امّا الجسمية و الجسمانية فلميتّحد بها و انما تدخل في المعلوميّةِ بالعرض لانه عز و جل انما يعلمها بالصورة المعقولة و نحن قد ذكرنا فيما سبق بطلان كلامه هذا و هو ههنا فرّع علي ذلك ادراك النفس للمحسوسات بصورة ملكوتية مشابهة للمحسوسة و قد سمعتَ بطلان كلامه هنا ايضا و هذا سرٌّ مفضوحٌ .
و قوله « و للنفس في ذاتها سمع و بصر و شم و ذوق و لمس غير هذه المكشوفة » جوابه ان للنفس ذلك الّا انها هي نفسها بمعني ان الله سبحانه اعلمها معرفة هذه المدركات و اقدرها علي ادراك صورها النفسانية الملكوتيّة ادراكا علميّاً و اقدرها علي ادراك هذه الظاهرة المكشوفة بما خلق لها من الٰالٰاتِ علي نحو ما ذكرنا سابقا لا كما ذهبَ اليه .
[ص 43] و قوله « و قد تتعطل هذه بمرض او نوم او اغماۤء ، الخ » جوابه انّها ادَوات للنفس فاذا حصل للنفس معطِّل تعطّلتْ لانها انما هي توجهات النفس و تصوراتها لا غير .
و قوله « و تلك الحواۤس غير منعَزِلَةٍ عن فعلها » جوابه انّا نقول مانثبت لها من الحواس الملكوتية الّا ما هو فعلها بنفسه و الّا ما معناه عينها لا فعلها و هي علمها و قدرتها كما اشرنا اليه و ما تدركه في عالمها من هذه الامور الظاهرة فهي صورها العلمية و اذا ارادت ادراكها بانفسها تنزّلت و استعملَتْ آلٰاتِها فتدركها بالتّناول بمعني ان الطعم مثلا تدركه القوة الجسمانية التي في اللسان و تلك القوّة مدركة للطعم لحياتها باشراق نور النفس عليها فتؤدّي معرفة ذلك الطعم الي فعل النفس فينتزعها صورة علميّة لا كيفيّة جسمانيّة و المدرَك بفتح الراۤء هو المحسوس و النفس عالمة بذلك بصورته الانتزاعية العلمية كصورة زيد في خيالك و المدرك جسماني تدركه قوّة جسمانية اي الروح البخاري الجسميّ الساري في العضو الظاهر و ان كان بواسطة حيوة النفس و فعلها كما قلنا في حركة اليدِ .
و قوله « و هذه الظواهر حجب و اغشية عليها و هي اصل هذه الداثرات » جوابه ان هذه الحجب آلٰاتٌ للادراكِ و المدرِكة هي بما سري فيها من الحيوة البخاريّة الّتي هي النفس النباتيّة و انّما كانت مدركة بها لان البخاريّة حاملة للحيوانية الحسّيّة التي هي من الافلاك كما ذكرنا سابقا فافهم .
و قوله « و هي اصل هذه الداثرات » يعني ان تلك القوي المجردة الملكوتية الباقية اصل هذه الحواۤسّ الداثرات بمعني انّ هذه اشباح و اظلّة لتلك الملكوتية و نحن نقول هذه حواملها حين تنزلّتِ العليا فجمدت كان الجامد منها هذه الداثرات و الذاۤئب ملكوتي .
و قوله « و فيه سرّ » مثل سرّه الاوّل و يشير الي سرّ [ص 44] مفضوح و هو ان حقائق الاشياۤء كلها ثابتة في علمه الذي هو ذاته تعالي و هذه الاشياۤء الظاهرة الداثرة تنزّلتْ من تلك الثابتة تنزل الاشباح و الاظلال و حيث كانت هذه الظاهرة ايات للغاۤئبة فرّع معرفة هذه علي ما يدّعيه من معرفة تلك و لو عكس فعرف هذه اوّلاً لانها مشاهدة يمكن معرفتها و استدلّ بها علي الغاۤئبة فعرف الغاۤئبةَ بالحاضرة لأصاب و لنصره قول الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب انّ الاستدلال علي ما هناك لايعلم الّا بما هنا .
قال : قاعدة الاِبصار ليس بخروج الشعاع من البصر كما ذهب اليه الرياضيّون و لا بانطباع شبَح المرئي في العضو الجليدي كما ذهب اليه الطبيعيون لفسادِ كلٍّ منهما بوجوه عديدة مذكورة في الكتب و لا بمشاهدة النفس للصورة الخارجية القاۤئمة بالماۤدة كما ذهب اليه الاشراقيّون حَسْبما هو المشهور و استحسنه جمع من المتأخرين كابينصرٍ الفارابي و شهابالدّين المقتول .
اقول اختلفوا في ابصارِ المرئيّ علي اقوال اربعة :
الاوّل قول الرياضيّين و منهم هشام بن الحكم فانّهم يقولون الابصار بكسر الهمزة بخروج شعاعٍ من العين علي هيئة مخروطٍ رأسه عند العين ينبعث من التقاطع الصّلٖيبي من بين قصبتين ضيّقتين كما قاله علماۤء التشريح قالوا ثقبة كل منهما قدر ما تمرّ منه شعرة خنزيرٍ و مجتمعهما ضيّق و لذا كان النور علي هيئة مخروط رأسه من التقاطع و قاعدته علي المرئي و اختلف هؤلاۤء فقال بعضهم المخروط مصمت و قال بعضهم مؤلف من خطوطٍ مجتمعةٍ عند رأسه متفرقةٍ عند قاعدته و قال بعضهم ليس علي هيئة مخروطٍ بل خطّ دقيق ثابت عند التقاطع متقلِّبُ الطّرفِ الّذي عند المرئيّ علي اجزاۤئه و قال بعضهم ان الشعاع الذي في العين يكيّف الهواۤء بكيفيته و يصير الكل آلةً [ص 45] للابصار و مَن نظر الي الايات الٰافاقِيّة الّتي ذكرها سبحانه في كتابه في قوله سنريهم اياتنا في الٰافاق و في انفسهم حتّي يتبيّن لهم انَّه ٱلحَقُّ عرف فساد هذا القول بجميع اقواله فانّ المرءاة تكون فيها صورة المرئي و لمينبعث منها نورٌ و ٱلمِرْءاة مثال للاِبْصار بالعين ضربه اللّه سبحانه لاولي الاَبصار و ايضا لو كان الابصار بالشُّعاع لكنتَ تري صورتك في المرءاة مقابلةً لصورتك كشخصٍ اخري فتري عين صورتك اليمني مقابلةً لعينك اليسري و عين صُورتك اليسري مقابلةً لعينك اليمني و هذا ظاهر لان الشعاع يخرج من العينَيْن فيقع علي المرءاة فينعكس الي وجهك فيكون كشخص مواجهٍ لك و لكن الْاَمر علي العكس فَلَايكون بخروج الشّعاع .
الثاني قول الطّبيعيين و هو انّ الاِبصار بانطباع صورة المرئي اي شبَحِهٖ في الرطوبة الجَليدية التي تشبه البرد و الجمد فَاِنّها مثْل مِرْءَاةٍ فَاِذَا قابَلَها متلوِّن مضيۤء انْطبع شَبح صورته فيها كما تنطبع صورة الْاِنْسانِ في المرءاةِ بان يقع ظلّ المرئي و شبَحُه في العين و في المرءاة بشراۤئط ذلك و هي المقابلة المخصوصة مع توسّط الهواۤء المشفّ و استضاۤءة المرئي و المقابل و عدم القرب و البعد المفرطين و اورد عليهم من وجهين الاوّل ان المرئي يكون صورة الشيء و شبحه لا نفسه مع قطعنا بانا نري نفس الشيء و الثاني انّ شَبَح الشيء مساوٍ في المقدار و الا لميكن صورة له و يلزم الّايري ما هو اعظم من الجليديّة لامتناع انطباع الكبير في الصغير و اجابوا عن الايراد الاوّل بانه اذا كان رؤية الشيء بانطباع شبَحِه كان المرئي هو الذي انطبع شبَحُه لا نفس الشبَح كما في العلم بالاشياۤء الخارجة فان العلم بها مشاهدة صورها الخياليّة و النفْسِيّة و عن الثاني بانّ شبح الشيء لايساويه في المقدار كما نراه من صورة الوجه في المرءاة الصّغيرة لان المراد به ما يناسب الشيء [ص 46] في الشكل و اللون دون المقدار غاية الامر انّا لانعرف لمّيّة اِبْصار الشيء العظيم و ادراك البعد بينه و بين الراۤئي بمجرد انطباع صورة صغيرة منه في الجليديّة و تأديتها بواسطة الروح المصبوب في العَصَبتين الي الباصرة .
و الثالث قول الاشراقيين او المنسوب اليهم و اختاره شهابالدين المقتول السهروردي انه لا شعاع و لا انطباع و انما الاِبصار بمقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقيلة و اذا وجدت هذه الشروط مع زوال المانع يقع للنفس علم اشراقيّ حضوري علي المبصَر فتدركه النفس مشاهدة ظاهرة جليّة و يرد علي هذا القول ما اوردناه علي المصنف في ذكره انّ النفس تدرك صورة ملكوتية مشابهة للمرئي و ايضا العلم الاشراقي هو نفس حضور المعلوم عند العالم به في رتبة كونه كما حُقِّق في محلِّه فانّ معلومات الحق تعالي حاضرة عنده في اَماكِنها وَ اوقاتها في مراتب اكوانها لا في الازل لانَّ الاَزل هو الله سبحانه علي مذهب الحق و امّا علي مذهب المصنف من ان المعلومات صور في علمه الذي هو ذاته تعالي و هي حقاۤئق الاشياۤء و هي متّحدة بالعالم و اما ما انحطّ عن تلك الحقائق فهي بمنزلة الاشباح و الاظلال و هي الداثرات و معلوميتها له بالتبعيّة لا بالاصالة يعني ان العلم بالعلل يستلزم العلم بالمعلولات و قد شحن كتبه من هذه الخرافات و هذا هو اصله في هذه المساۤئل فلذا جعل المدرك هو النفس لكنها تدرك صورة ملكوتية مشابهة للمحسوس و هذا و ان كان باطلا لكنه لميجعل النفس مدركة بذاتها للمحسوس و من قال بان النفس تدرك المحسوسات بذاتها مع وجود تلك الشروط مع زوال المانع مشاهدة جليّة فقد قاس هذا الذي ذكر للنفس علي ما يثبته لله تعالي و قياسه باطل لان النفس لاتدرك المحسوسات بذاتها و انما تدركها بالوساۤئط و المدرك المباشر لادراكها جسماني حامل لفعل النفس [ص 47] يؤدي اليها بواسطة فعلها ما اخذه من المحسوس فتتنعّم النفس او تتألّم بواسطة تنعّم محلّها و تألّمِهٖ و لا كذلك علم الله سبحانه فان علمه الحضوري لايكون بوَاسِطَةِ شيءٍ غير نفس الشيء .
و القول الرابع ما ذهب اليه المصنف و قال به ارسطوطاليس في كتابه اُثُولُوجيَا و هو ان الاِبصار بانشاۤءِ صورة مماثلةٍ له بقدرة الله تعالي من عالم الملكوت النفساني مجرّدة عن الماۤدة الخارجيّة حاضرةٍ عند النفس المدركة قاۤئمةٍ بها قيامَ الفِعل بفاعله لا قيام المقبول بقابله و قال : المصنف ايضا و البرهان عليه يستفاد ممّا برهنّا به علي اتحاد العاقل بالمعقول فانّه بعينه جارٍ في جميع الادراكات الحسّيّة و الخياليّة و الوهميّة و قد نبّهنا علي هذا المطلب في مباحث العاقل و المعقول و قلنا ان الاحساس مطلقاً ليس كما هو المشهور بين عاۤمّة الحكماۤء انّ الحسّ يجرّد صورة المحسوس بعينه من مادته و يصادفها مع عوارضها المكتنفة و كذا الخيال يجرّدها تجريداً اكثر لما علم من امتناع المنطبعات بل الادراك مطلقا انما يحصل بان تفيضَ من الواهب صورةٌ اُخري نوريّة ادراكيّة يحصل بها الادراك و الشعور فهي الحاۤسّة بالفعل و المحسوسة بالفعل و اما وجود صورة في ماۤدّةٍ فلا حسّ و لا محسوسَ الّا انّها من المعدّاتِ لفيضانِ تلك الصورة مع تحقق الشراۤئط ، انتهي كلامه من كتابه الاسفار و قد تقدّم ابطال كلامه فان العقلاۤء قولا واحداً يسمّونها الحواۤسّ الظاهرة و يعدّون الحس المشترك من الحواۤس الباطنة مع كونه برزخاً و كونه انزل من الصورة المماثلة علي زعمه انّها من الملكوت مجرّدة عن المادة الخارجيّة علي ان المحسوس هو الكيفيّة الحاۤلّة في الزنجبيل و اذا جرّدتها النفس و رفعتها الي عالمها كان الصورة المدركة هي الصورة العلمية فالنفس تعلم ان صاحب هذه الصورة يحدث حرارة في الجسم المباشر له [ص 48] كاللسان حتي يتألّم اللسان و ربّما تشقّق او حدث فيه السلاق لا اَنّ النفسَ تُحِسُّ به و انّما ؾتألّم آلٰاتُها الجسمانيّة بكيفية الزنجبيل فينطوي اشراقها الذي علي آلٰاتها كما يتغيّر اشراق الشمس علي الجدار المبيّض اذا غيّر بياضه فالتقاطع الصليبي انّما يدرك المرئي مع شراۤئط الرؤية بما اشرق عليه من حيوة النفس و هذه الحيوة جسمانيّة من عالم الملك كحركة اليد فانها و ان كانت من حيوة النفس المجردة التي هي من عالم الملكوت الّا انها لمّا اشرقت علي اليد و انصبّت بواسطة الدّم في العروق و العصب كانت جسمانية من عالم الملك مع انها معلومة انها هي الحركة الملكوتية اذ ليس في اليد حركة الّا حركة النفس و قد تقدم ما ذكرنا من الحديث و من القرءان حيث عاتب المنكرين للايات بقوله لهم اعين لايبصرون بها و لهم اذٰانٌ لايسمعون بها فنطق كتاب الله بانّ الابصار بالعيون و السماع بالٰاذانِ و دعوي انّه جارٍ علي ما يفهمه العواۤم جاريةٌ علي ما يفهمه العواۤمّ و الذي يدركه الخيال من ذلك و الذي تدركه النفس من الصورة التي افاضها الواهب عز و جل هي صورة العلم بذلك و نحن نعْترف به فانّه تعالي اعطي كل ذي حقّ حقّه فاعطي العين الابصار من لون المرئي و اعطي النفس العلم من حاۤسّةِ البصر و اعطي العقل المعني من صورة العلم النفسيّة و هو تعالي مع كل شيء بما له من فيض فعله و عطاۤء صنعه و ما ذكره من كون دليله علي ان النفس تدرك حرارة الزنجبيل بصورة ملكوتية متّحدةٍ بالنفس هو برهانه علي اتّحاد العاقل بالمعقول و الحاۤس بالمحسوس هو دليلنا علي عدم صحة قوله هناك و هنا و قد تقدّم عند ذكره اتّحاد العاقل بالمعقول في هذه الرسالة و في المشاعر في شرحنا عليه ما يكفي الفاهم و يغني العالم و الحقّ في هذه المسئلة ما ذهب اليه اصحاب القولِ الثّاني لاجماع العقلاۤء علي صحة قول مَن قال سبحان من لاتراه [ص 49] العيون و لاتُحقِّقه الظنون مع ان الظنون من فعل النفس لما تشاهده من الصورة و ان كانت مترددةً بينها و بين غيرها و الّا لكان معني العبارتين مكرّرا و فيما ذكرناه كفاية لمن وُفِّق له و لكل واحد من هذه الاقوال الاربعة حججٌ و ترد عليه ايرادات و له جوابات لها و ليس هذا محلّ ذكرها و هي طويلة ذكروها في الكتب المبسوطة و انّما لمنذكرها لطولها و لعدم تمام الفاۤئدة فيها بدون الكلام علي كل منها و هذا يستلزم تأليف كتاب علي حدة .
قال : لانه باطل من وجوه ذكرناها في حواشينا علي حكمة الاشراق منها ان البرهان قاۤئم علي انّ ما في المواۤدّ الخارجيّةِ ليس ممّا يتعلّق به ادراك بالذات و لا من شأنه الحضور الادراكي و الوجود الشعوري و منها انّ تلك الاضافة غير صحيحة اذِ النسبة بين ما لا وضع له و بين ذات الاوضاع الماۤدّية ممتنعة الّا بواسطة ما له وضعٌ و علي تقدير صحّتها بالواسطة لمتكن اضافة علميّة اشراقيّة بل وضعيّة ماديّة اذ جميع افاعيل القوي الماۤدّية و انفعالاتها بمشاركة الوضْع بل الحَقّ في الاِبصار كما اَفادَهُ اللّه لنا بالالهام ان النفس ينشأ منها بعد حصول هذه الشراۤئط المخصوصة باذن الله صورٌ معلقةٌ قاۤئمة بها حاضرة عندها متمثّلة في عالمها لا في هذا العالم و الناس في غفلةٍ من هذا و يزعمون انّ هذه الصور منغمرة في المواۤدّ ممّا يتعلّق به الادراك و الّذي حصّلناه من كيفيّة الاِبصار هو الحريّ باسم الاضافة الاشراقيّة لان المضاف اليه كالمضاف موجود بوجود نوريّ بالذات و قد علمت ايضا ان الصور الادراكيّة كلّها موجودة في عالمٍ آخر انّ في هذا لبلاغاً لقومٍ عَابِدٖين .
اقول هذا رد علي ما ذهب اليه الاشراقيّون مِنْ اَنَّ الاِبصار بمشاهَدة النفس للصورة الخٰارجية القاۤئمة بالماۤدّة و هو من وجوهٍ قال منها ان البرهان قاۤئم علي ما في المواۤد الخارجيّة ليس مما يتعلق به ادراك بالذات اقول امّا [ص 50] اَنَّ ما في المواۤدّ الخارجيّة ليس مما يتعلّق به ادراك النفس بذاتها و بفعل ذاتها فصحيح و امّا انّه لايتعلّق به ادراكٌ مطلقاً فباطل بل يتعلّق به ادراك القوي الجسمانيّة و لكن المصنف جعل برهانه تفريعا علي مسئلة اتحاد العاقل بالمعقول فانه منع هناك من كون المادّيات معقولة للّه تعالي بالذات بل بتبعيّة عقله لحقاۤئقها المجردة و قد ذكرنا بطلانه و نذكر هنا بطلان الفرع فانه علي زعمه يعقلها بنفس علمه الذي هو ذاته و علي قوله يلزمه الّاتكون الذّات الحق عز و جل متساوية النسبة الي جميع الاشياۤء و هو خلاف الاتفاق علي ذلك .
و قوله « و لا من شأنِه الحضور الادراكي و الوجود الشعوري » امّا الحضور الادراكي فممنوع لان كلّ شيء يحضر بكونه سواۤء في ذلك الماۤدّي و المجرّد و كل مدرك له فادراكه له بنفس حضوره لا بصورة مماثلة اجنبيّة او منتزعة لان المدرك بكسر الراۤء تحضر عنده صورة المدرك بفتح الراۤء في غيبه عند غيبته و امّا عند حضوره فلاتوجد عند ذي الادراك صورة غيره كما اذا غاب عنك زيد حضرت في ذهنك صورته لان ذهنك يأخذها منه اذا غاب فاذا حضر اخذ منك ما اخذتَ منه فلايوجد عندك الّا نفس حضوره الذي هو به هو و هذا تتساوي فيه الاشياۤء كلها و امّا الوجود الشعوري فالذي اعطي العقل الشعور بالمعاني لذاته لا بالصور الجوهريّة و اعطي النفوس الشعور بالصور الجوهريّة لذاتها لا بالجسمانية و اعطي القوي الجسمانية الشعور بالكيفيات الجسمانيّة علي ان كل مدركٍ انما يحضر عند مدرِكه بنفسه لا بمماثله اذ لو كان الادراك انما هو للمماثل النفساني لكانت الصورة هي الصورة العلميّة و لا خلاف في حصول الصور العلمية للنفس لكنها ليست هي الكيفيات الملموسة و المذوقة و المشمومة و المسموعة و المبصرة كما ان صورة زيد في ذهنك ليست زيداً و لا الاحساس بزيد و انما هي به فمُعَارضته ليست بصحيحة و قول [ص 51] الاشراقيين ليس بصحيح ايضا لان النفس لاتدرك الكيفيات المحسوسة بنفسها فالرد و المردود مردودانِ ضعف الطالب و المطلوب .