( نقل في هذه النسخة بعض الحواشي لمولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني (اع) علي هذا الكتاب المستطاب )

* * * * *

[ص 1]

شرح العرشية الجزء الثاني

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي الهجري هذا الجزء الثاني من شرح العرشيّة لصدرالدين الشيرازي الشهير بملّا صدرٰا .

قال : المشرق الثاني في علم المعاد و فيه اشراقات الاول في معرفة النفس و فيه قواعد :

قاعدة اعلم ان معرفة النفس من العلوم الغامضة التي ذهلت عنها الفلاسفة ذهولا شديداً مع طول بحثهم و قوّة فكرهم و كثرة خوضهم فيها فضلاً عن غيرهم من الجدَليين اذ لايستفاد هذا العلم الّا بالاقتباس من مشكوة النبوة و التتبع لانوار الوحي و الرسالة و مصابيح الكتاب و السنّة الواردة في طريق ائمتِنَا اصحاب الهداية و العصمة عن جدّهم خاتم الانبياۤء عليه افضل صلوات المصلين و علي ساۤئر الانبياۤء و المرسلين .

اقول قوله « المشرق الثاني » كما تقدم انه لمّا كان يبحث عن حقيقة الشيء التي لاتعرف الّا من اصل بدئه عبّر بالمشرق تشبيهاً للبصيرةِ المدركة او للشيء المبحوث عنه بالكوكب الظاهرة من المشرق و لان المعاد كالبدء الثاني و يراد من المعاد عود الارواح الي الاجساد بعد مفارقتها بالموت [ص 3] في عالم البرزخ فانها تبقي الارواح الي نفخة الصعق ساهرة كما قال الصادق عليه السلام في تأويل قوله تعالي فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهرة قال عليه السلام تبقي الارواح ساهرة لاتنام فاذا نفخ اسرافيل نفخة الصعق و هي نفخة جذبٍ لا نفخة دفعٍ كالنفخة الثانية فانها نفخة دفعٍ فاذا نفخ نفخة الصعق انجَذبت الارواح كلها و دخلت في الصور و هو شكل صنوبري له شعبتان شعبة لاهل الارض و شعبة للسَّماۤء و صورته هكذا و النفخ في الجذب و الدفع من طرفه الدقيق و لكلّ روحٍ فيه ثقبة تختصّ بها لاتصلح لغيرها و فيه اي في الثقب ستة بيوت فاذا انجذبت الروح الي ثقبها القت صورتها اي مثالها في البيت الادنَي و ماۤدّتها في البيت الذي فوقه و طبيعتها في البيت الثالث و نفسها في البيت الرابع و روحها في البيت الخامس و عقلها في البيت السادس و تبطل صورتها و يضمحلّ تركيبها اربعمائة سنة فاذا اراد عز و جل اعادتها للجزاۤء امر اسرافيل بعد احياۤئه و اقامته فنفخ في الصور نفخة الفزع الاكبر و هي نفخة دفعٍ فدفع عقلها اوّلاً ثم روحها معه ثم نفسها معهما ثم طبيعتها معها ثم ماۤدتها ثم صورتها فتألّفتْ كما ركّبها في ايّ صورة ما شاۤء ركّبك و كان قبل النفخ امطر علي وجه الارض مطراً من بحرٍ تحت العرش اسمه صاد كما قال تعالي صۤ و القرءان ذي الذكر حتي كان وجه الارض بحراً فضربته الامواج فاجتمعت اجزاۤء كل شخص في قبره و تألفت و نَمتْ و تمّ الجسد كحالته يوم قُبِرَ في قبره فاذا تمّ تركيب الروح طارت الي قبره و ولجَتْ في جسدِهَا و انشقّ القبر و خرج الشخص ينفُض التّراب عن رأسِهٖ ،

و قوله « انّ معرفة النفس من العلوم الغامضة ، الخ » اعلم ان العلماۤء اختلفوا في معني قول النبي صلي اللّه عليه و اله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربّه و قول [ص 4] اميرالمؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربّه فقيل هذا من باب التعليق علي المحال فانّ معرفة النّفس محال و معرفة ذات الله تعالي محال و قيل هو كما قال نبي اللّهِ داود علي محمد و اله و عليه السلام من عرف نفسه بالجهل عرف ربّه بالعلم و من عرف نفسه بالعجز عرف ربّه بالقدرة و من عرف نفسه بالفناۤء عرف ربّه بالبقاۤء و هكذا و قيل من عرف نفسه بانها ليست في مكان من جسده و لايخلو منها مكان منه و انّها غير ممازجةٍ للجسد و لا مفارقة و انّها مدبّرة له و غير مشاركةٍ له في الغذاۤء و امثال ذلك عرف ربّه بالنسبة الي ساۤئر خلقه و قيل اذا قُلتَ نفسي و روحي و عقلي و جسدي و ثوبي و بيتي و ملكي و ما اشبه ذلك كان ما اضفتَ اليه هذه المذكورات غيرها فاذا عرفته عرفتَ ربّكَ في قوله عبدي و ارضي و سماۤئي و بيتي و خَلقي و ملكي فان الّذي اضفتَ اليه تلك الاشياۤء هو اللّه سبحانه و الاصحّ من هذه كلها لمن طلب المعرفة الحقّة الكاملة انّ الانسان مركب من ماۤدّة و صورةٍ و حقيقة الماۤدّة مِنْ فيْضِ كرمِ اللّه و هي وَصْفُ اللّهِ نفسه لعبده لان الله سبحانه لمّا كان لايمكن معرفته لغيره من نحو ذاته و احبّ ان يعرفه عبْده وصف نفسَهُ وصفَ تعريفٍ و تعرّفٍ و جعل ذلك الوصف حقيقة عبده و تلك الحقيقة هي ماۤدّته و هي وجوده و هي جهته من ربّه و هي نور اللّهِ الذي ينظر به المؤمن المتفرّس و هو فؤاده و هو آية الله في نفسه التي اراهم اللّه ايّاها و هي انموذجٌ فَهْوانيّ فايَّ لفظٍ سمعتَ منا من هذه الامور السبعة فانّا نريد بها وصْفَ اللّهِ سبحانه نفسه لعبده فمن عرف الوصف عرف الموصوف و لمعرفته طريقانِ طريق مجمل و طريق مفصّل فالاوّل ان وجودك بالمعني الثاني للوجود كما ذكرنا سابقا هو ان تجد نفسك اثراً و نوراً و صنعاً و الاثر يدلّ باللزوم علي المؤثر و النور يدل علي المنير و الصنع [ص 5] يدل علي الصانع فهذا اجمالي لمعرفة النّفس و الثاني اعني الطريق المفصّل اَنْ تنفي في وجدانِك جميع سبحاتِ نَفْسِك حتي لاتجد الّا نفسك و هو الحقيقة التي سئَل كميل عليّا عليه السلام عنها فقال له ما لك و الحقيقة يا كميل فقال كميل اوَلستُ صاحبَ سرِّك قال بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح منّي فقال اومثلُكَ يخيّبُ سَاۤئلا قال عليه السلام الحقيقة كشف سبحاتِ الجلال من غير اشارة قال زدني بياناً قال (ع) محو الموهوم و صحو المعلوم قال زدني بياناً فقال (ع) هتك الستر و غلبَة السِّرِّ قال زدني بيانا فقال (ع) جذب الاحديّة لصفة التوحيد قال زدني بياناً فقال (ع) نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثارهُ قال زدني بيانا فقال اَطْفِئِ السراج فقد طلع الصبح ه‍ ، فقوله عليه السلام كشف سبحات الجلال جمع سبحة و هي النور و الشعاع و هي اعمالك وَ اقوالك و افعالك و احوالك و اوضاعك و نسبك و ملكك و فعلك و انفعالك و ما اشبه ذلك فان كل ما سوي ذاتك ليس من ذاتك فحركتك غير ذاتك و سكونك غير نفسك و كونك ابنا او اباً اَو من او علي او في او لكذا او عن كذا او بكذا و اكلك و نومك او كونك حادثا او قديما او ممكنا و هكذا كل شيء ينسب اليك او يوصف بك او توصف به كلّ ذلك غير نفسك فاذا محوتَ من وجدانك كلّ ما سوي نفسك حتي المحو لم‌يبق الّا محض الانموذج الفَهْواني الّذي خاطبك الله به و وصف نفسه به لك و هو نفسك التي خاطبك بها خطاباً فَهْوانيّا اي مشافهة جهراً عياناً بغير رمزٍ و لا اشارةٍ فهو شيء ليس في شيء و لا علي شيء و لا لشيء و لا بشيء و لا من شيء و لا منه شيء و لا الي شيء و لا اليه شيء و ليس كمثله شيء و لا داخل في شيء و لا خارج عن شيء و لا مع شيء و لا معه شيء و لا بعيد و لا قريب و لا عالٍ و لا دانٍ و لا مصمت و لا مجوّف و لا قائم و لا قاعد و لا ناۤئم [ص 6] و لا ابيض و لا اصفر و لا اخضر و لا احمر و لا ازرق و لا املح و لا ذو لون و الحاصل هو شيء ليس كمثله شيء لان المشابهة غير الذات و اذا افردْتَ نفسك عن كل ما هو غير محض نفسك فقد عرفتها لانّك قد عرفت ان هذه الاغيار غيرها و من عرف نفسه فقد عرف ربّه لانه عرف وَصْفَ اللهِ سبحانه و من عرف الوصف عرف الموصوف لانه تعالي كذلك ليس في شيء و لا فيه شيء و لا من شيء و لا منه شيء و هكذا كما قلتَ في تفريد نفسك عن سُبُحَاتها الّتي ذكرنا بعضها فانها غير نفسك مثلا اذا قيل لك انت في الارض فكونك في الارض خارج عن نفسك و كونك فوق شيء غير نفسك و كونك ابن فلانٍ او ابو فلانٍ غير نفسك و كونك من شيء او منك شيء غير نفسِك و هكذا في كلّ شيء و كذا انتَ و هو و انا فان نفسك غير الخطاب و التكلم و الغيبة و الحاصل تعرف نفسك بعد كشف جميع سبُحاتها حتّي الكشف نفسه كما اشار عليه السلام اليه بقوله من غير اشارة فانّ الاشارة ايضا غير نفسك لانها من جملة السبحات و باقي فقرات الحديث يرجع الي هذا المعني و قد تكلّمنا عليه بتمامه في بعض رساۤئلنا و باقي كلام المصنف في هذه القاعدة ظاهر ليس فيه اشكال و انّما الاشكال في دعواه .

قال : قاعدة انّ للنفس الانسانيّة مقامات و درجات كثيرة من اوّل تكوّنها الي اخر غايتها و لها نشئات ذاتية و اطوار وجوديّة و هي في اوّل النشئَات التعلُّقِية جسماۤئي ثم يتدرّج شيئا فشيئاً في الاشتداد و يتطوّر في اطوار الخلقةِ الي ان تقوم بذاتها و تنفصل عن هذه الدار الي الدار الاخرة فترجع الي ربّها فهي جسمانيّة الحدوث روحانية البقاۤء و اول ما تتكوّن من نشئاتِها قوّة جسمانيّة ثم صورة طبيعيّة ثمّ نفس حسّاسةٌ علي مراتبها ثم مفكّرة ثم ذاكرة ثم ناطقة ثم يحصل لها العقل النظري بعدَ العِلم علي درجاته من حدّ العقل بالقوّة الي [ص 7] حدِّ العقل بالفعل و العقل الفعّال و هو الروح الامري المضاف الي اللّه في قوله قل الروح من امر ربّي و هو كاۤئن في عدد قليلٍ من افراد البشر وَ لا بُدَّ في حصوله من جَذبةٍ ربّانيّة لايكفي فيه العمل و الكسب كما وَرد جذبةٌ من جَذَباتِ الحقّ توازي عَملَ الثقلين » .

اقول اراد بكلامه في هذه القاعدة تعريف النفس و الكشف عن حقيقتها بما هو عن الكتاب و سنّة محمد و اهل بيته المعصومين صلي الله عليه و عليهم اجمعين كما هو دعْواهُ و لكنه في عمله و اعتقاده يسلُكُ مسلك الفارابي و ابي‌علي بن سيناۤء و ابن‌عربي و ابن‌عطاۤءاللّه و امثالهم و ماكانَ سَالِكاً مسلكاً يوافِقُ طريق الكتاب و السنة لا في اللفظ و لا في نمط الادلّة و لا في المعاني المدلول عليها فايّ معني لتلك الدعوي و العجب من تلك الاتباع كيف قبلوا منه ما يخالف الكتاب و السُّنّة و نسبته الي الكتاب و السُّنّة .

و قوله : ان للنفس مقاماتٍ و درجات كثيرة من اوّل تكوّنها الي اخر غايتها يدلّ علي ذكر سَيرها في تنزّلها و صعودها لا علي معرفتها و لذا قال لها نَشَئٰات ذاتيات اي حصول و تحقّق لذاتها يعني ذاتيّاً لا عرضيّاً و اطوار وجوديّة امّا عنده فمن طَور النطفة الي طور العلقة و منه الي طور المضغة و هكذا لانّها عنده جسم زماني و امّا عندنا فمن طور العقل اي معني الي طور الروح اي رقيقة و منه الي طور النفس اي صورة جوهريّة و جسم دهري ● كما اشرنا الي بيانه فيما مضي من قوله تعالي افلايرون انّا نأتي الارض ننقصها من اطرافها قال عليه السلام يعني بموت العلماۤء ه‍ ، و ذلك ان الصور العلميّة التي هي اطراف الارض اي نهاياتها بمعني ان ما يصْدق عليه اسم الارض الي النفس التي هي محل الصور العلمية او هي الصور العلميّة و قوله و هي في اول النشئات جوهر جسماني يشير به الي ما قلنا مما عنده فانها عنده في اوّل نشئاتها جوهر جسماني [ص 8] يعْني نطفة ثم يتدرّج شيئا فشيئا اي علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم تكسي لحماً ثم تنشأ خلقا اخر اي نفساً حيوانية حسّيّة في الاشتداد و القوة من اوّل تعلّقها بالمواۤدّ متطوّرةً في مراتب التطوّر الي ان تقوم بذاتها و يستقلّ بقوّتها و تنفصل عما تعلّقت به في هذه الدنيا دَار الضيق و العسر و الحرج حيث كانت محبوسة في قَفَصِ الهموم و الغموم و الامراض و الاعراض الي الدار الاخرة و الفضاۤء الواسع فترجع الي ربّها بما تزوّدتْه من اعمالها الطيّبة او الخبيثة قال فهي جسمانيّة الحدوث روحانيّة البقاۤء يعني انّها حكمها في الحدوث حكم الاجسام النّباتيّة و غيرها لاشتراكهما في الطَّبٖيعة المتجدّدةِ المتبدِّلة و حكمها في الثَّباتِ وَ البقاۤءِ حكم الاَرْوَاح في انّها لَاتفني لان الاَرْواح عنده باقية ببقاۤءِ اللّهِ لا بِاِبقاۤئه لانّ الاَرْواحَ هي العقول عنده وَ اَمَّا عِنْدنا فالنفوس لها بقاۤء اطول من بقاۤء الاجسام و حدوثها اقدم من حدوث الاجسام الّا ان عباراته و مقاصده لاتصدق الّا علي النفوس الحسيّة الفلكيّة و هو يريد الناطقة القدسيّة بدليل انّه يقول هذه لها جنبة عقليّة لانها اذا كملت كانت عقلاً بالفعل و ينكر عقلاً غيرها و ليست الّا الناطقة لانها هي الّتي هو يدّعي ذلك لها و عندنا انّ الناطقة القدسيّة اصلها الذي خلقت منه تنزّلُ العقل و لاتكون عقلاً و ان بلغت غاية الكمال لانها هي في الانسان الصغير كاللوح المحفوظ في الانسان الكبير و العقل هو القلم و لايكون اللوح قلَماً ابداً و امّا حدوثها فقد حدثتْ في وسط الدهر لان العقل حدث في اوّل الدهر كما ان الفلك الاطلس حدث في اول الزمان و حدثت النفس في وسط الدهر كما ان السموات السبع حدثت في وسط الزمان و حدثت الطبيعة في اخر الدهر كما حدثت العناصر في اخر الزمان فالنفس لها تقدّم دهريّ قبل عالم الملك و الزمان باربعةٰ‌الاف عامٍ فلمّا خوطبت النفوس في ذر التكليف بالستُ بربكم قالوا بلي فقال لهم [ص 9] و محمد نبيّكم قال المؤمنون بلي و قال الكافرون بلي بنيّة الوقوف و الانتظار حتي يروا ما العاقبة و كثيراً ما نُعبّر عنه بالسكوت اي لما قال لهم و محمد نبيّكم سكتوا فقال لهم و علي امامكم و وليكم و الائمة من ذرّيّته ائمتكم قالوا بلي فالمؤمنون مصدّقون خاشعون خاضعون و الكفار و المشركون مكذبون مستكبرون منكرون فلما خاطب النفوس و سعد بالاجابة من سعد و شقي بالانكار من شقي رجَعَهم الي الطين يعني كسر صيغتهم و اَذَابهم فكانوا طبيعة واحدةً ثم حَصَّصَهُمْ اي جعلهم حصصاً كل حصّة لشخص و اجراهم في الماۤء و السحاب و الارض و النبات فخرجوا في غيب المطاعم و المشارب ثم انتقلوا الي النطف و النفوس غيب ثم الي العلق ثم الي المضغ ثم الي العظام و النفوس في كل هذه الاطوار غيبٌ كامن فلمّا كسيت العظام لحما و دما و شعراً و بشرا بعد ما نسجت العظام بمخّها و عصبها و عروقها ظهرت النفس الحسيّة الفلكية و هي الولادة الجسمانية يعني ان الجسم ولد ما كان حاملا له في جوفه و هو النفس فلمّا تمت مدّة الحمل و وَلدته امّه و هي الولادة الدنياوية ظهرت النفس الناطقة فالنفس قبل الجسم و انّما نسمّيها بالجسم لانّها جسمانيّة اي مرتبطة بالنفس الحسّيّة التي هي مركبها و حمارُها و لانّها نهايات الارض كما مر من انها اخر ما يصدق عليه اسم الارض لا انّها جسم من اجسام العناصر المركبة و لا من الاجسام المركبة من الطباۤئع البسيطة كالافلاك بل هي نور جامد و العقل نور ذاۤئب فحدوثها قبل الاجسام و بقاۤؤها اطول من بقاۤء الاجسام و اشدّ ثباتا لانها اذا مات الشخص خرجت في عالم البرزخ باقية ما بقي البرزخ و الاجسام فنيت و كانت ترابا و بقي منها الطينة الاصلية و هي طينة الجسد المأخوذ من جابرسا او جابلقا ● اللّتين افلاكهما الداۤئرة عليهما المدبّرة باذن اللّه سبحانه [ص 10] لما فيهما المسمّاة بهورقليا و معناه ملك آخر لان عالم الملك قسمان سفلي و هو عالم الدنيا المشاهَدُ و علوي و هو هورقليا اي عالم الملك الثاني و هو الاوّل للنازلين و الثاني للصاعدين و النفوس باقية كما قال الصادق عليه السلام في قوله تعالي فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهرة قال عليه السلام في تأويلها تبقي الارواح ساهرة لاتنام ه‍ ، الي ان ينفخ اسرافيل نفخة الصعق فحينئذ تبطل صورتها و يضمحل تركيبها وَ يَتفكَّكُ تأليفها كل جزءٍ من اجزاۤئها الستة كما تقدم في مكانه من نوعه في الصور .

و اما « قوله رُوحانيّة البقاۤء » فالذي قام عليه الادلّة العقلية و النقليّة ان التجدد و التبدل و السيلان التي هي علل الحدوث جارية في الاجسام العنصرية و الهورقليويّة و المثالية و الطبيعية و النفسيّة و في الارواح و العقول لعلة الافتقار و الاحتياج الي ايجاد اللّه سبحانه و امداده في الصدور و في البقاۤء فكلّ ما له مفهوم غير مفهوم عنوان الحق عز و جل فهو مفتقر الي اللّه سبحانه و باقٍ بابقاۤئه لا ببقاۤئه و الا لكان مستغنياً عن اللّه تعالي فان قلتَ انّ الباقي ببقاۤءِ الله تعالي لايكون مستغنيا لانّا لم‌نقل انه باقٍ بذاته بل نقول انه باق ببقاۤء اللّه لا بابقاۤئه لانه شأن من الشؤن الذاتية قلتُ تريدون انها محتاجة الي اللّه تعالي في الصدور و البقاۤء في تلقّي مدده ام تريدون انها مستغنية في الحالة الصدورية ام مستغنِية في البقاۤء لا في الصدور فان اردتم الاوّل فمرحباً بالوفاق و ان اردتم الثاني تعدّدت القدماۤء و ان اردتم الثالث فقد جعلتموها محتاجة مستغنية ثم يلزمكم عدم تغيّر شيء من المدد و يلزم منه عدم تغيّر الاشياۤء فاذا ثبت امتناع تعدّد القدماۤء تساوَتِ الحاجة و الفقر الي القديم تعالي من كلّ الاشياۤء التي يغاير مفهومُهَا مفهوم عنوان القديم تعالي لا فرق بين المجرّد كالعقول و الارواح و النفوس و الطباۤئع و بين الماۤدّيات [ص 11] بل المجردات اشدّ افتقاراً من الماۤدّيات و اكثر اسْتمداداً و لهذا كانت ابطأ تغيّراً و اطولَ بقاۤءً و قولي مفهوم عنوان القديم و لم‌اقل مفهوم القديم تعالي لانّ القَدٖيمَ عز و جلّ لا مفهوم له لان المفهوم فرع المدركيّة و هو سبحانه لايُدرَك و لايحيطونَ به علماً و العنوان لايخالف صفة الذات القديم سبحانه في الوصف الامكاني اي الّذي تعرّف به لخلقه و لمّا كان العنوان حادثا في نفسه لانه الدّليل جاز اطلاق المفهوم عليه لانه تعرّف الحق تعالي الَي خلقه فلو لم‌يفهموه لم‌يكن للتعرّف فاۤئدَةٌ و لكونه وصفاً حادثاً صحّ كونه صفة استدلالٍ لا صفة كاشفة و لم‌يصحّ اَن يكون للممتنع عنوان لانه وصف و الوصف لايكون الّا للموصوف الموجود و مِن ثَمَّ ابطلنا ما صحّحه المنطقيّون من قولهم شريك البارئ معدوم و قلنا هذه القضيّة كاذبة اذ شرط الصحة تصوّر الموضوع و ما ليس بشيء لايتصوّر لانّ الصّورة كما بيّنّاه فيما مضي لاتقع في الذهنِ الّا ظلية انتزاعيّة من خارج عن ذلك الذهن و ما ذكروه من ان النفس لها قوّة الاختراع للصور فقد ابطلناه و ما ذكروا من ان تصوّر الموضوع يكفي فيه ادني الالتفات و الذكر و لو اجمالاً باطِلٌ لان ما لايدرك بالحقيقة لايتصوّر و لايحمل عليه منه الّا علي الجهة المدركة فلو لم‌يدرك من شيء الّا انه موجود بمعني هسْت لم‌يحمل عليه قاعد او قائم و لو ادركت انّه قاۤئم لم‌تحمل عليه انّه قاعد فلا بدّ من تصوّر الموضوع بالصفة المحمولة و ايضا قولهم شريك البارئ معدوم هذا العدم المحمول ان كان محمولا علي الصورة الذهنيّة فالقضيّة كاذبة لانها عندهم علي زعمهم موجودة و ان كان علي شيء خارج فهي كاذبة لانه اذا كان خارجاً فهو موجود و ان كان علي عنوانه فَليس للاشيء عنوان مع ان العنوان لو ثبت فهو موجود و ان كان الحمل علي الصورة باعتبارِ لاشيء رجع المعني الي اَنّ الحملَ علي الصورة [ص 12] بخصوصها لان لاشيء ان كان نفياً امكانيا فهو مخلوق كما ذكرنا قبلُ و كما قال الصادق عليه السلام للساۤئل قل بقول هشام في هذه المسئلة يعني ان النّفْيَ مخلوق و ان كان ما يزعمون من النفي الليس المحض اي الامتناع رجع القيد علي خصوص الصورة فالحمل علي كلّ حَالٍ لايكون الّا عَلَي مَوْجُودٍ .

و قوله « و اوّل ما تتكوّن من نشْأَتِها ، الي قوله علي مَراتِبها » قد ذكرنا قَبلُ انّ هذا لاينطبقُ الّا علي النّفسِ النّباتيّة لانّها هي التي اوّل ما تتكوّن قوّة جسمانيّة ثم صورة طبيعيّة الٰي هُنَا و امّا النّفس الحَسَّاسة فهي قوّة فلكيّة كما ذكرنَا سابقاً و ان كانت النباتيّة مَركباً لها لانّها انّما تتعلّق بها و تشرق عليها الّا انّ النباتيّة من العناصر و الحسّاسة ليست من العَناصر و انّما هي من المجردات المقارنةِ الّا انها تعدّ من اسافل المجردات المقارنة لانها من نوع البرازخ حتي انّها ربّما نسيتْ اصلها و ذلك لانّها بعدتْ عن مَبْدئِها و اتّصلت بغير نوعها و هي النباتيّة فجمدَتْ فَشابهَتْ مركبها و ذلك لبعض افرادها كنفوس الجراد و الخنافس و امثالهما حتي انها اذا قطع عضو من اعضاۤئِها بقي يتحرّك مدّةً لِاَنَّ نفسها تقبل الفَصْلَ و التّجزي لجمودِها و بُعْدِها عن مبدئها و ممازجتها للنباتيّة الّا انها علي كلّ حالٍ ليْست من نوع النّباتيّة لان النباتيّة استقصّها العناصر منها بدئت و اليها تعود و الحسّاسّة من نفوس الافلاك منها بدئت و اليها تعود و مراتبها تكون بالشدّة و الضَّعْف و لاتكون النباتية حسّاسة كما لاتكون الحسّاسة ناطقة علي ما بيّنّاه سابقا .

و قوله « ثم مفكرة ثم ذاكرة ثم ناطقة » اعلم ان الحواۤس البٰاطنة يقسمونها الَي خمْس الاولي الحس المشترك و يُسَمَّي بنطاسِيَا في اللغة اليونانية و هو يدرك الخيالات الظاهرة اي المحسوسة كما تري اذا ادرتَ شيئاً بسرعةٍ رأيته داۤئرةً لانّ ادراكه داۤئرة مركّب من البصر و الخيال لان الحس المشترك برزخ [ص 13] بين الظاهر و الباطن و انّما يعدّ من الباطنة لانّ مَحلّه فيها و هو مشرف علي الظاهرة مستعملاً لها ليوصل ما تؤدّيه اليه الي خزانتِهٖ اعني الخيال و محله مقدّم البطن الاول من الدماغ لان الدماغ له ثلثة بطون اي تجويفات فالاول فيه بنطاسيا في مقدّمه و الخيال في مؤخّره و الثاني فيه قوّتان المتخيلة في اوله و الوهم في اخره و الثالث هو البطن المؤخّر فيه الحافظة خاۤصة و هي مراتب افعال القلب و هذه القوي الخمس مجردة عن المواۤد العنصريّة بذاتها الّا انها متعلقة بالدماغ بفعلها فهي مشرقة عليه كاشراق الشمس و بمعونة محاۤلّها تتصرف فيما خلقت له فالقوة المسمّاة ببنطاسيا اعني الحس المشترك تؤدّي ما استفادته من الحواۤس بعد غيبتها الي الخيال و هو خزانة الحس المشترك و هو في الانسان الكبير فلك الزهرة لان الحس تكون فيه الصور ما دامت الظاهرة تؤدّي اليه و الظاهرة تؤدي ما دامت الصور المدرَكة حاضرة فاذا غابت انقطع تأدّي الظاهرة و ادّي الحس المشترك ما وصل اليه من الظاهرة قبل انقطاع تأدّيها الي خزانته و هي الخيال لكون بنطاسيا برزخيا لايتحقّق تحصيله بدون البرزخيّة و الخيال هو الثاني قالوا و هو واضع كرسيّه علي الماۤء و طبعه مائل الي الرطوبة و النسيان غالب عليه و كل ما يعرض عليه يحلّه في الوقت و لكن لايحفظه و الثالث الوهم و هو قوّة تدرك بها النفس معاني جزئيّة لم‌تصل اليه من الحواس الظاهرة كالعداوة و الصداقة و الموافقة و المخالفة كما تدرك الشاة معنيً في الذئب و يدرك الكبش معني في النعجة و هذا شخص الوهم قد وضع كرسيّه في النار و طبعه الحرارة و اليبس مائل الي اليبوسة و هو بعيد الفهم و اذا حفظ شيئا لاينساه كذا قالوا و اقول انه شخص ذو قدرة الّا انّه يظهر ما ذكروه للاغيار و يبطن خلاف ذلك للاخيار يبطن الماۤء و يظهر النار علي حد قوله تعالي اذلّةٍ علي المؤمنين اعزّة علي الكافرين [ص 14] و هو نفس المرّيخ فانه نحس في ظاهره و حار يابس و هذا بحسب ظاهره و صورته و امّا بحسب باطنه فانّه بارد رطب و سعد و اليه الاشارة بقوله تعالي باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العَذاب و قد قال الصادق عليه السلام انه سعد و هو بارد رطب و هو نجم سيدنا اميرالمؤمنين عليه السلام ه‍ ، و ذكر علماۤء الصناعة هذا المعني بعينه و لوّح اليه ابن‌ارفع‌رأسٍ و قال علماۤء الطبيعة الحديد ظاهره ذهب و باطنه فضّة يعنون انّ زعفرانهُ حار يابس يدخل في اصباغ الذهب و اذا طُهِّرت اوساخه كان فضّة و قبل هذا الشخص شخص المتخيّلة فالاولي ان يكون هو الثالث و الوهم هو الرابع لان شخص المتخيّلة قاعد في السماۤء الثانية مصاحب للملاۤئكة الثلاثة شمعون و زيتون و سيمون بجوار الكاتب عُطارد و هو مكان الفكر و من ثمّ قيل انّ المتخيّلة مرادفة للمفكّرة و انّما اخّر شخص المتخيّلة عن الوَهْمِ في الذكر لان شخص المتخيّلة يشارك جميع القُوَي و يكون بطبع ما يكون معه و شأنه تركيب الصور بعضها ببعضٍ و المعاني بعضها ببعضٍ و الصور بالمعاني و بالعكس كتركيب اجنحةٍ للانسان و قرون للطير و منه تركيب الف رأس لشخص واحدٍ هذا عندهم و امّا عندنا فكلّ ما في هذه القوي انتزاعية من الاشياۤء الخارجة كما بيّنّاه سابقاً و قيل الاول شخص الخيال لان الحس المشترك برزخ لايعد منها و الثاني شخص الوهم و الثالث شخص الفكر قد وضع كرسيّه في الهواۤءِ و طَبْعُهُ ماۤئل الي البرودة يكذّب و يتّهم و يفتري فيها و يحكم علي الذي لايعرف فلايلتفت اليه و الرابع شخص التذكّر قد وضع كرسيّه علي الماۤء و طبعه ماۤئل الي الحرارة ففي وقت يكون علي صفة الملكيّة و في وقت يكون علي صفة المرأة و الشياطين يؤلّف الاشياۤء و يركّبها و عنده غراۤئبها و عجاۤئبها مثل علوم الصناۤئع و السّيمياۤء و السحر و الناريجات و الشعبذة و هو المهندِس [ص 15] فيها فاحذر اَنْ يغرّك كذا قيل و الخامس شخص الحفظ قد وضع كرسيّه علي الارض و طبعه ماۤئل الي الاعتدال و الغالب عليه المكر و الحيلة و الخدعة و هو حافظها برئ من الخيانة فيما تؤدّي اليه الابواب الاربعة السابقة فيحفظ افعالها فان وقع عنده تغيير فليس منه و انّما هو من البوّابين كذا ذكروا و لي في هذه الاشياۤء كلام يطول ذكره يصحّح بعض ما قالُوا و يُكذِّب بعضاً و قد يسمّي الثالث باسم الرابع لان الذكر لايتم الّا بالحفظ و قيل شخص الحفظ يحفظ المعاني الجزئية و هو في جوار المشتري و نسبته الي الوهم كنسبة الخيال الي بنطاسِيا فالمفكّرة من افعال الناطقة مع استعمال القوّة العقليّة و المتخيّلة من افعال الناطقة مع استعمال القوّة الوهميّة و كذلك الذاكرة فاذا كانت هذه الحواۤسّ احوالاً و افعالاً للناطقة كيف تكون هي الناطقة لانها لو كانت كما ذكره المصنّف من انها تترَقَّي حتّي تكون ناطقة لَماوجدت للنّاطقة و لَماوُجدت حيث توجد الناطقة بل تكون للناطقة كالحصرم للعنب اذا بلغ العَنَبيّة ذهبت الحصرميّة و كالنطفة بالنسبة الي العلقة و العلقة بالنسبة الي المضغة و المضغة بالنسبة الي العظام و هكذا فلايكون للرتبة السفلي تأثيرٌ و لا تحقّق عند وجود الرتبة العليا و الامر فيما ذكره علي العكس اذ لاتوجد المفكّرة و لا المتخيّلة و لا الذاكرة و لا الحافظة ما لم‌توجد الناطقة .

فقوله « اول ما تتكون من نشأتها قوّة جسمانيّة » غلط لان ما يشير اليه هو النفس النباتية و لكنه نظر الي العود الاخضر من زرع الحنطة و لم‌ينظر الي الحبّة الَتي ظهر منها العود الاخضر فان الحبّة اصله فاذا زرع ظهر في ظاهره العود الاخضر و الحبّة كامنة فيه حتي تخرج فكذلك النفس الناطقة فانّها غيب في النفس الجسمانية اعني النباتيّة و ليست هي ايّاها و ان كانا معاً من الوجود ظاهراً الّا انها ليست منها و ان كانت النباتية من اثرها فان الناطقة كالشمس و [ص 16] النفس الفلكية الحيوانية الحسيّة كالشعاع من الشمس لانها من شعاعها و النفس الجسميّة النباتيّة كالعكس من الشعاع اي شعاع الشعاع فلايكون شعاع الشعاع شعاعاً في جميع احواله و ان بلغ الغاية في التكمل و لايكون الشعاع شمساً في جميع احواله و ان بلغ كمال الترقّي فكيف تكون النباتية التي هي شعاع الشعاع ناطقة كما لايكون نور الظل الذي هو عكس شعاع "٢" الشمس و شعاعه "-٢" شمساً لان الناطقة اوّل ما تتكوّن من تنزّل العقل و ظهوره و ليست جزءاً من العقل و لا جزئيّاً له و انّما هي بمنزلة الثلج من الماۤءِ فان الجمود الذي هو حقيقة الثلج ليس من الماۤء و لايكون ماۤءً و انما هو صورة خارجيّة عرضت للماۤء بواسطة البرودة الخارجيّة لا البرودة التي هي جزؤ الماۤء و الّا لكان الماۤء علي الدّوام جامداً فلاتكون الناطقة عقلاً بحالٍ من الاحوال .

و قوله « ثم يحصل لها العقل النظري » يعني به اَنَّ النفس ترقّت مِن جسمانيّتها الي ان حصل لها العقل النظري اي الاكتسابي و هو الدرجة الثانية للعقل و اعلم انّ العقل في تعريفه سبعة اقوال السابع منها ان العقل هو النفس النّاطقة الانسانية باعتبار مراتبها في استكمالها علما و عملا كما يراه المصنّف و اهل هذا القول يطلقون العقل علي نفس تلك المراتب و علي قوي النفس في تلك المراتب و ذلك ان للنفس قوّة باعتبار تأثّرها عمّا فوقها و تَلَقّيها منه ما يكمّل جوهرها من التعقّلاتِ و يسمّي تحصيلها ذلك عقلا نظريّاً كما اَنّ باعتبار تأثيرها في البدن بتكميل جوهره عقلا اختياريّا لانّ البدن آلةٌ لها في تحصيل العلم و العمل و لها قوّة اخري و تسمّي عقلا عمليّا قالوا و للعقل النظري مراتب اربع الاولي استعداد بعيد للكمال و هو محض قابليّة النفس للادراك و يسمّي عقلاً هيولانيا تشبيها بالهيولي الاولي المجردة لانها قابلة لكل صورةٍ كذلك محض [ص 17] قابليتها صالحة لكل استعدادٍ مِن الاكتسابيّة النظريّة و لهذا شبّهت بالهيولي الاولي احترازاً عن الهيولي الثانية التي اُخِذ فيها الصُّوَر الثانية استعداد متوسّط لتحصيل النظريات بعد حصول الضروريات بالاولي و يسمي عقلاً بالملكة يعني بالقوّة لا بالفعل لكنّه استعداد ثابت الثالثَةُ استعداد قريب لاستحضار النظريات و هذا العقل منهم من يسمّيه عقلاً بالفعل و منهم من يسميه عقلاً مستفاداً الرابعة الكمال و هو تحصيل النظريات مشاهدة اي حصولها له بغير كسب و يسمي عقلاً مستفاداً و منهم من يسمي هذا عقلاً بالفعل و يريدون بالفعل و بالمستفاد المدركات لا الادراكات و ربّما اعتبر في المرتبة الثالثة حصول البعض بغير كسب و في الرَّابعة حصول الكلّ بحيث لايغيب عنه شيء و من اعتبر الكلّ في المرتبة الرابعة قال بعضهم لايكون هذا في الدنيا و انما يكون في الاخرة و قال الاخرون يجوز ان يكون في الدنيا للنفوس القويّة الّتي لاتشتغل بشيء و هذا اقوي و لكن الكليّة اضافية لانّ الاشياۤء مع تحقّقها كلها في عالم الامكان قد يتحقّق بعضها في الاطوار الكونية من الغيب و الشهادة و قد لايتحقّق بعض منها و قد يكون بعض منها مشْروطا و منه ما يحصل شرطه و منه ما لايحصل و علي هذا لاتحصل جميع المدركات و لذا قال تعالي رب زدني علما ، و قال صلي اللّه عليه و اله اللهم زدني فيك تحيّراً مع انّ احداً لايجوّز رتبةً لاحدٍ من الخلق تساوي رتبة النبي صلّي الله عليه و اله فضلا ان تكون فوق رتبته و انّ احداً لايشكّ في بلوغه صلي الله عليه و اله الرتبة الرابعة من العقل كيف لا و قد قال تعالي في خطاب العقل و لااكملتك الّا فيمن احبّ و هو حبيب اللّه صلي الله عليه و اله و الله سبحانه امره بطلب زيادة العلم و هو عليه السلام طلب زيادة التحيّر في اللّهِ عز و جل و قوله « بعد العملي علي درجاته » يعني به انه يحصل للنفس الناطقة العقل [ص 18] النظري بعد اَنْ تحصِّل العقل العملي علي درجاته فان له مراتب اربعاً كالنظري الاولي تهذيب الظاهر باستعمال الشّراۤئع النبويّة الثانية تهذيب الباطن من المهلِكات المردية و ترك الشواغل عن عالم الغيب الثالثة تحلّي النفس بالصور القدسيّة بعد القرب و الاتصال بعالم الغيب الرابعة انجلاۤء ضياۤء المعرفة بالفؤاد و استغراقه في انوار الجلال و الجمال و هو مقام الصّدق في المحبّة و مقتول الحب الذي اشير اليه في الحديث القدسي مَن احبّني قتلته و من قتلتُه فعليّ ديته و من عليّ ديته فانا ديته ه‍ ، و ليس وراۤء ذلك في العقل العملي علي هذا الاصطلاح رتبة و اقول المراد من قوله تعالي و من عَليّ ديتُه فانا ديته مثل قوله تعالي في حديث الاسرار كلّما رَفَعْتُ لهم علماً وضَعْتُ لهم حِلماً و ليس لمحبّتي غاية و لا نهاية ه‍ ، و هو كناية عن القرب و تقريب مَن احبّه منه بلا غاية بل دائما يرفعه في درجات القرب اليه تعالي بلا غاية و لا نهاية لذلك السير و لاتقصر المسافة بينهما و الحاصل يريد المصنف بعد مراتب العقل العملي الاربع المذكورة و التّحلّي بها يحصل للنفس العقل النظري و اقول اذا حصلت للانسان هذه المراتب الاربع و تخلّق بادٰابِها و تحَلّي بحليتها علي النّحو الّذي قرّره الشّارع عليه السلام ظاهراً و باطنا حَصَل له العقل الشرعي الّذي به يُعبد الرحمن و يكتسب به الجنان و لكن الاشكال في تصحيح المقدّمات لان صحة النتيجة متوقفةٌ علي صحة المقدّمات و كثير ممن يسمع هذا يقرأ بيت مجنون ليلَي :

و كلٌّ يدّعٖي وصلاً بلَيْلَي و ليلَي لاتُقِرُّ لهم بذاكا

فاُجٖيبه ببيت مجنون ليلي :

اذا انبجست دموع في خدودٍ تبيّن مَن بكي مِمّن تباكا

فاذا اردتَ ان تعرف الحقّ لتطلبَ به النجاة فخذ من الكلام ما نطقت به اخبار [ص 19] محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و اهل بيته الطاهرين و ايّاك ان تدخل عليك شبهة ان الامور الاصولية الاعتقاديّة لاتكون الّا بدليل العقل او شبهة ان هذا طريقة الاخباريين او شبهة انّ العلماۤء الفحول الاجلّة علي خلاف هذا او واهمة عظم الاموات و كبرهم و جلالتهم في النفوس و صِغَر الاحياۤء المشاهدين فان الحقّ ان تعرف الرجال بالمقال لا ان تعرف المقال بالرجال و ان ابيتَ الّا ان تعرف المقال بالرجال فمحمدّ و اله المعصومون المسدّدون المؤيّدون من الله سبحانه الصادقون علي الله صلي الله عليه و عليهم اولي من غيرهم بذلك فالزم النصيحة لئلّاتحلّ بك الفضيحة و قول المصنف « من حد العقل بالقوة ، الخ » يعني ان النفس التي منشاؤها القوّة الجسمانية علي زعمه تخرج و تنتقل من حد الجسمانية الي الحيوانية الحسّاسة ثم الي القوي النفسانية كالفكر و الخيال و الوهم و العلم و التعقل علي الترتيب فاذا بلغت التعقل بالفعل ترقّت الي العقل الفعّال اي عقل الكل و نحن قد بيّنّا فساد هذه الترقيات كما تقدّم من ان الاثار لاتكون هي المؤثرات لها و لاتساويها في حالٍ من الاحوال و لم‌يخلق الله تعالي مفعولاً من فاعله و اذا عاد كل شيء الي اصله و ما منه بُدِئ لم‌يَعُد المفعول الي فاعله عود اتّحادٍ و لا مساواةٍ و انما يعود اليه عودَ افتقارٍ و سؤالٍ كما بدأه كذلك كما بدأكم تعودون و لو جاز ان تؤل القوّة الجسمانية الي العقل الفعّال و قد علم مما لا خلاف فيه و لا اشكال يعتريه ان كل شيء يعود الي اصله لكان اصل القوّة الجسمانية مِن العقل الفَعّال فيقال انها قوّة عقليّة لا جسمانية و العقل الفعال عند اصحاب العقول العشرة هو عقل العناصر و عند الاكثر هو عقل الكل الذي يسمّونه اصحاب العقول العشرة بالعقل الاوّل و هو مراد المصنّف و اعلم انّ لي هنا ابحاثا شريفة يطول بذكرها الكلام فربّما اذكر بعضاً منها [ص 20] مفرّقا في هذا الشرح و في غيره ممّا يتعلق بالعقل .

و قوله « و هو الروح الامري المضاف الي اللّه ، الخ » اعلم ان الروح يطلق علي ملكَيْن من العالين اذا نسب الي امر اللّه و امر الرّب احدهما علي النور الابيض من اركان العرش و هو الايمن الاعلي و هو العقل الكلي اي عقل الكل المسمي بالقلم و ثانيهما علي النور الاصفر من اركان العرش و هو الايمن الاسفل و هو الروح الكلي اي روح الكل و يطلق علي ملكين اخر من العالين ايضا احدهما علي النور الاخضر من اركان العرش و هو الايسر الاعلي و هو النفس الكلية اي نفس الكل المسمي باللوح المحفوظ و ثانيهما علي النور الاحمر من اركان العرش و هو الايسر الاسفل اي الطبيعة الكلية اي طبيعة الكلّ فالاولان هما الروح من امر الله و الاخيران هما الروح الذي علي ملاۤئكة الحجب و قد اشار الي هذا زين‌العابدين عليه السلام في الصحيفة في دعاۤء الصلوة علي الملاۤئكة فقال : و الروح الذي علي ملاۤئكة الحجب ، و اراد به الاخيرين و الروح الذي هو من امرك و اراد به الاوّلين و المراد من الامر الامر الفعلي و هو المشيّة و الارادة و الامر المفعولي و هو الحقيقة المحمّدية و هذا اظهر لان قوله من امر ربّي اتي فيه بمن الابتداۤئيّة الّتي تدلّ علي التبعيض فانها تدخل علي اصل الماۤدة مثل صغتُ الخاتم من الفضّة و خلق الانسان من التراب فانّ من تدخل علي الماۤدة المُبتَدأِ منها فالروح من الحقيقة المحمديّة صلي اللّه عليه و اله كما ان عقلك خلق من حقيقتِك اي وجودك فالامر هنا هو المفعولي و العقل تقوّم به تقوّم تحقّقٍ اي تقوّما ركنيّا لا الامر الفعلي الذي يتقوّم به العقل تقوّم صدورٍ لانّ مِنْ اذا دخلت عليه كما لو قلتَ الكتاب المكتوب من حركة يد الكاتب كانت للمجاز بخلاف ما لو قلتَ المكتوب من المداد فانه حقيقة لانّ المداد هو الماۤدّة [ص 21] و المراد من ملاۤئكة الحجب الملاۤئكة الكروبيّون و هم مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الف ملكٍ و روي ابن‌ادريس في مستطرفات السراۤئر عن الصادق عليه السلام و قد سُئِل عن الكروبيّين فقال قوم من شيعتِنا من الخلق الاوّل جعلهم الله خلف العرش لو قُسِمَ نورُ واحدٍ منهم علي اهل الارض لكفاهم و لمّا سئل موسي ربّه ما سأل امرَ رجلاً من الكروبيّين فتجلّي للجبل فجعله دكّا ه‍ .

و قوله « و هو كاۤئن في عددٍ قليل من افراد البشر » ماادري ما اراد بالقليل هل هو قليل اضافي يعني به الانبياۤء (ع) او هم و الاولياۤء اَمْ هم مع العرفاۤء ام قليل حقيقي و مقتضي مذهبه انه يريد به الانبياۤء عليهم السلام و الاولياۤء و العارفين و امّا مذهب الائمة عليهم السلام فانّه عندهم لايوجد بذاته الّا في محمد و اله الثلاثة‌عشر المعصوم عليه و اله السلام لان احاديثهم عليهم السلام دلّت بان هذا الروح لم‌ينزل الي الارض قط قبل محمّد صلي اللّه عليه و اله و منذ وجد صلي الله عليه و اله نزل و لم‌يصعد قطّ و يكون المراد انه ينزل علي الانبياۤء عليهم السلام بوجهٍ من وجوهه بل و علي ساۤئر المؤمنين بل و علي غيرهم كما قال صلي الله عليه و اله لحسّان ابن ثابت و هو من المخالفين لمّا قال شعره المعلوم الذي اوّله : يناديهمُ يوم الغدير نبيّهم ، قال (ص) لازلتَ يا حسّان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتَنا بلسانِك ، نعم يَكون مع الانبياۤء عليهم السلام بوجهٍ من وجوهه كلٌّ بنسبة مرتبته من القرب من اللّه تعالي و يكون مع محمد و اهل بيته المعصومين صلي الله عليه و اله كلّه بجميع وجوهه و بذاته و لذا قالوا عليهم السلام لمْ‌يَنْزِل قبل محمد صلي اللّه عليه و اله و لمّا وجد عليه السلام نزل عليه و لم‌يصعد ابداً و المراد انّه مع النّبي صلّي اللّه عليه و اله و بعد وفاته انتقَلَ الي وصيّه و لايزال مع الاوصياۤء عليهم السلام و هو الأن مع الحجة عليه السلام .

[ص 22] قوله « و لا بدّ في حصولِهٖ من جذبةٍ ربّانيّة لايكفي فيه العمل و الكسب » يريد منه ما يذكره الصّوفيّة فان قوله كما ورد : جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثّقلَيْنِ ، ليس من طُرُقِنا و انّما هو من روايات الصوفيّة و يفهم من كلامه انّ روح القدس ينزل علي الصوفيّة اذا حصلتْ لهم جذبة من جذبات الحق و لقد شاهدنا اشخاصاً مجانين سلبت عقولهم فلايصلّي و لايصوم و لايترك محرّما و العاۤمّة يعظمونه و يقولون هذا مجذوبٌ فيستدلّون علي المجذوب بكونه مجنوناً او مخالفاً لجميع اوامر ٱللّٰهِ وَ نَواهيه فلذا تري بعضهم يصعق و يقع من شدّة الطرب عند سماع الملاهي و يبقي كالسكران ساعة و يقولون هذا جذبٌ الهي و نحْن وجدناهم لايزدادون بهذا الجذب الّا جهلاً و تهتّكاً للحرمات و امّا علي طريقة الحقّ المفهومة من اخبار ائمة الهدي عليهم السلام فلايحصل روح القدس المشار اليه لغير محمد و اله صلي الله عليه و اله و انّ الجذب جنون شيطاني لا الهي كما زعموه و انّما طريق تحصيله لمحمد و اله صلي الله عليه و اله العمل الخالص و الاقبال علي الله سبحانه في جميع الاحوال بحيث لم‌يفقدهم حيث يحبّ و لايجدهم حيث يكره فهم عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبّحون الليل و النّهار لايفترون فطريق تحصيله العمل و الكسب بصدق القوابل الظاهرة للايجاد و الباطنة بالاعمال و المجاهدٰات لانّ القوابل هي الطّين بفتح الياۤء و الاعمال من مقتضي الطّينة و ذلك لان الفطرة التي علي كمال الاعتدال تقتضي اقتران النور بها لانها نور و علي غاية كمال قابلية النور و كمال اعتدال الفطرة ان تُصْنَع من طين و ماۤءٍ صافيين معتدلين في النسبة و في التخمير فالماۤء الصافي هو الوجود اعني الماۤدة و معني صفاۤئه تلاشي انّيّته اعني قابليته حتي تكاد تفني لانها اوّل الكون و اوّل الكون ماۤدة بحت لكن وُسِمت في جهتها السفلي بشيء ما من الانيّة و هي الانفعال و انما [ص 23] قلّ انفعالها و ضعف لانها محلّ الفعل المقوّمة لَهُ فاثّرت في تحقّقه كما اثّر في تحقّقها فرجحت فيها جهة الفعلية في حال مفعوليّتها فرقّت انّيتها لان الفعل لايتعدّد فهي من جهة جنبة الفعلية غير متعددة و اعتبار تعدّدها بحيث يقال لها انيّة فمن جهة جنبة المفعولية فليس فيها الّا اقل ما يمكن ان تتقوّم به من الانّية فهي ماۤء صافٍ وَ هُوَ اوّل فاۤئضٍ من الفعل و ثاني الكون اجابتها حين قال تعالي اَلَسْتُ بربّكم فاَجَّج نارَ التّكليف عَلي اكمل ما يحتمله الامكانُ من اِحْسَان الاجَابة الّذي هو الطّينة الّتي هي القابليّة الّتي هي الامّ التي يَسْعَدُ مَنْ سَعِدَ في بطنها و يشقي الشّقِيُّ في بَطْنِهَا و اما التخمير ● فتدبير ذلك باسمه الرحمن في سبعة اشواط حول بيت مشيّته تعالي و هو كسره في الالف الاول اي النفس الرحماني الاوّلي بفتح الفاۤء سبع مرات للّطف ثم صلوة ركعتين خلف مقام ظهوره و هو صوغه الاوّل في السحاب المزجي ثم في سبعة اشواط اخر و هو كسره للتخليص بين صفا القدر و مروة القضاۤء ثم اَحلّه في الصّوغ الثاني و زاوج بينه و بين الوحي بالسَّقْي بالالطاف و الامدادات مرّة بعد اخرَي و طاف به حول القدرة ثمانين‌الف عام ثم حول العظمة ثم عضده باعضادٍ علّاهم بتَعْليته و سَما بهم الي رتبته فاذا خلق ابوه اعني ماۤدّته في الملك القديم و خُلِقتْ امّه اعني الصورة في اَحْسَنِ تقويمٍ مِنْ ماۤءٍ هُوَ نورٌ لا ظلمةَ فٖيه خَرَج الشخص مستحقّاً لثناۤءِ الله سبحانه بقوله و انك لعلي خلق عظيمٍ ، و داعيا الي اللّهِ باذنه و سراجا منيراً ، اللّه اعلم حيث يجعل رسالته فاذا تأملتَ هذه الايات و امثالها و مثل الحديث القدسي مازال العبد يتقرّب اليّ بالنوافل حتّي احبّه فاذا احببتُه كنتُ سمعَهُ الذي يسْمَعُ به و بصره الّذي يبصر به و لسانه الذي ينطق و يده الذي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته و انْ سَكتَ ابتدأته و نظاۤئر هذا علمتَ انّ حصول الروح المذكور [ص 24] ليس الّا بالعمل و الكسب خاۤصّةً و امّا التأييدات الالٰهيّة و الامدادات الابتداۤئيّة و ان كانت لاتجب علي المالك اعطاۤءها المستحقّين لها لان استحقاقهم ليس ملكا و لا سبباً للملك و ان كان سببا للتّمليك و التملّك بمقتضي عادة الكرم بمعني انّ تمليكه بسبب ذلك التّأهل مخرج للافاضة و الاعطاۤء عن العبث و الترجيح بلا مرجّح و ليس ذلك السبب ناقلاً للملك عن تملّك مالكه عز و جل و ذلك لان الجذب المدّعي مقتضي فعل القدرة العاۤمّة الغير المشروطة في تعلق افعالها علي شيء بحال من الاحوال و لو جاز اجراۤء الجذب بلا سبب و لا ترجيح لجري علي جميع الخلق من الانسان و غيره حتي الجمادات لتساوي القدرة و افعالها الي جميع الاشياۤء علي السواۤء فجميع الامدادات و الالطاف و الخيرات كلها علي حسب القوابل التي هي الاعمال الظاهرة و الباطنة و ان كانت تلك النعم ابتداۤئيّة بمعني عدم الاستحقاق لها بالتملك الناقل اذ يجوز ان يستحق العبد شيئا و لايعطيه الربّ تعالي لان العبد لايملك شيئا لانه مملوك و الملك لايملك و انما يعطي المستحق كرما ابتداۤئيا و ان كان لانه اهل له و في الدعاۤء و جعل ما امتنّ به علي عباده كفاۤءً لتأدية حقّهِ ه‍ ، و قد ذكر الصادق عليه السلام كون النعمة بالاستحقاق علي النحو الذي ذكرنا لا الاستحقاق الناقل عن ملك المالك تعالي قال عليه السلام لمّا سأله الساۤئل من اين لحق الشقاۤء اهل المعصية حتي حكم لهم في علمه بالعذاب علي عملهم فقال ابوعبدالله عليه السلام ايها الساۤئل حكم الله تعالي اَلّايقوم له احدٌ من خلقه بحقّه فلمّا حكم بذلك وهب لاهل محبّته القوّة علي معرفته و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم اهله و وهب لاهل المعصية القوّة علي معصيته لسبق علمه فيهم و مَنْعِهِمْ اِطاقةَ القبول منه الحديث ، فتأمل هذا الحديث الشريف يرشدك الي ما ذكرنا حرفاً حرفاً فما [ص 25] ذكره المصنّف من التوقّف علي الجذب علي معني ما يذكرونه اهل هذه الدعوي غلط جري منهم بغير علم و لا هدي و لا كتابٍ منيرٍ .

قال : اول ما ينشأ من رواۤئح عالم الغيب و نساۤئم الملكوت في ذي الروح من القوي النفسانية قوّة اللمس و هي تعم الحيَوانات و تسري في الاعضاۤء من جهة الروح البخارِي و مدركاتها اواۤئل الكيفيات الاربع و ما يجري مجراها ثم قوّة الذّوق لادراك صور المطعومات التسعة و ما يتركب منها ثم الشم المدرك لصور الرواۤئح و هي الطف من الاوّلَين و الطف الخمس و اشرفها قوّتا السمع و البصر و قوة البصر للمبصَرات بالفاعل اشبه منها بالقابل و السمع بالعكس بالقياس الي المسموعات .

اقول لما ذكر الحواس الباطنة ذكر الحواۤس الظاهرة و مقتضي قاعدة رأيه من انّ اوّل نشأة النفس قوّة جسمانيّة ان يذكر الحواس الظاهرة اوّلاً الّا انّه لعلّه انما اخّرها لطول الكلام عليها او من غير ملاحظةٍ و لا عيب فيه و انّما ذكر اللّمس اوّلاً لان اللمس اقربها من الاجسام النّباتيّة فيكون اوّلها وجوداً ثم الذّوق لكون مدركه الطف من الملموس لانه يكون بنفوذ الاجزاۤء اللطيفة او كيفيّة المذوق فالذوق لمس و ادراكٌ وَ ملايمة او منافرة ثم الشمّ لترتبه علي الاولينِ لاخذ غاياتهما فيه و ادراكه علي نحو ادراك الذوق بكون ادراكهما لاجزاء لطيفة او لكيفيّةٍ ثم السمع و ادراكه للاصوات و كيفيّاتها و هي الطف من المدركات الاوّلة و لذا كان السمع الطف مما قبله ثم البصر و ادراكه للاشباح و الالوان و هي الطف من الاصوات و لذا كان الطف من السمع و ربّما قيل بتقديم ● البصر و قوّة السمع لدعوي تقدم بطلان البصر قبله عند ابتداۤء النوم لان النوم اجتماع الروح في القلب و اوّل ما تنجذب من البصر و تقديم السمع في الذكر اولي لانّ البصر يدرك بدون مباشرةٍ [ص 26] بخلافِ ٱلسَّمْع فانه انما يدرك اذا ضرب صوت الكلام الحجاب الذي هو كالطَّبْلِ امّا اللمس فقالوا فيه ان الحيوان الارضي لمّا كان حامل كيفيّة اعتداليّة لايستقيم بدونها و لاتتعلّق النفس الفلكيّة بغير الاعتداليّة بل يكون سببُ فراقها اختلال ذلك الاعتدال احتاج في حفظها الي قوّة حافظة لها بكونها مدركة لما يباشر ذلك الحيوان كالهواۤء و الماۤء بانه مخالف او موافق ليحترز بها من المخالف و يطلب الملاۤئم حتّي لايكون المخالف محرقاً له بحرّه او مجمداً له ببرده او مغرِقاً لَهُ برطوبته و حتي يسكن الموافق و يتقوّي به الاعتدال عن الاختلال و لذا كان اللمس اسبق الحواس حصولا و لانّه انما يكون بالمباشرة التي هي من شأن الاجسام و لان المدرك يكون من جنس ماۤدة الكيفيات المدركات و حيث كانت الكيفيّة الاعتداليّة شاملة لجميع البنية الحيوانيّة وجب ان يكون الحافظ لها كذلك فكذا اللّمس في جميع البَدن و اعدل قوّة اللمس مَا كَانَ في انملة السَّبَّابة و ايضا هذه القوة و ان كانت من اعراض عالم الغيب الّا انّها لما كانت لتمييز احوال الشهادة غلب عليها جانب الشهادة لِانّ تمييزها بالمباشرة فكانت سارية في جميع البدن من جهة الروح البخاريّ الذي هو محل الروح الحيواني فهي تجري حيث يَجري الروح البخاري و الروح البخاري يجري حيث يجري الروح الحيواني .