و امّا قول المصنّف « متّحدة بالبَدن ، الخ » صريح في ان المراد منها الجسم العنصري و هي النباتيّة لا غير و ان اراد بالاتّحاد السريان احتمل تناول الحسّيّة لانها شعلة من نفوس الافلاك و قد ذكرنا ذلك و هو ان البدن سارٍ فيه الدَّمُ و الدّم متعلّق بالعلَق التي في تجاويف القلب اعني الجسم الصنوبري في الجانب الايسر منه اكثر كما يشير اليه المصنف بقوله بجنبها الايسر وَ العلق متقوّم بدمٍ اصفر حاملٍ للحرارة الغريزيّة بابخرته لان الابخرة مركّبة من جزءٍ من الحرارة الناريّة و جزء من الرطوبة الهواۤئيّة و جزءين من البُرودةِ الماۤئيّة و جزء من اليبوسة التّرابيّة فامتزجت الاجزاۤء الخمسة من العناصر الاربعة بالطباۤئع الاَرْبَع و بكرّ الافلاك و القاۤء اشعّة الكواكب حتي نضجت الاجزاۤء نَضْجاً مُعْتدِلاً و تلَطّفَتْ بالطبخ حتّي سَاوَتِ ٱلْاجزاۤء في اللطافة [ص 304] و الاعتدال فلك القمر فاشْرَقَتْ نفسُه عَلي تلك الاجزاۤء فتحركت بالحركة الاراديّة و لذا قال عليه السلام قوّة فلكيّة و حرارة غريزيّة اصلها الافلاك و هذه هي النفس الحيوانيّة الحسّيّة و لاتكون عقلاً لانها اذا فارقتْ تلك الاَبْخرة رجعت الي نفس الفَلَك فامتزجت به كامتزاج قطرة الماۤءِ بٱلبَحْر و هو قوله عليه السلام فاذا فارقَتْ عادَتْ الي ما منه بُدئت عَوْدَ ممازجة لا عَوْدَ مجاورةٍ فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودُها و يضمحلّ تركيبُها فَاِنْ كٰانَ يَعْتَقِدُ اَنَّ اميرالمؤمنين عليه السلام كان عارِفاً بالنّفس كان كلامه كله خطأ .

و قوله « تصير عقلا محضاً هو صورةُ نوْعِها » فيه ما قلنا فاِنَّ العقل لايكون صورةَ نوع الاَجْسام المتّحدة بالْعُنْصُرِيّات بل صورة نوع ٱلنّاطقة القدسيّة التي هي من المفارقات بذاتِها .

قال : و امّا المفارقاتُ المحضة و الصور المجرّدة ففيها كلام آخر يعرفه الموحّدون المكاشفون من اَنْ لا وجود لها بحسب انفُسِها و ذواتها مطموسة منغمسةٌ في بحر الاحَديّة و هي صور ما في علم اللّهِ و حُجُب الاِلهيّة و سرادقات عَظمَتِهٖ و لو لم‌تكن هذه الحجب النوريّة لاَحْرقت سُبُحَاتُ وجهه كلّ ما في السموات و الارضين كما وَرَدَ في الحَديث فله سبحانه شؤُنٌ الهيّةٌ وَ مراتبُ نُورِيّة ليْسَت هي من افراد العالَم و لا من جملةِ ما سوي اللّهِ لانها صور ما في القضاۤء و العالَم الربوبي .

اقول « و امّا المفارقاتُ المحضة » يعني الخالصة احترازاً عمّا فيها اقترانٌ و لكنه يخرج النفوس و ان كانت مفارقةً بالذّات لانها مقارنة بالافعال و الافعال عنده تتّحد بالذات فتخرج النفوس عن المفارقات المحضة و القياس علي قاعدته انها تدخل في المفارقات المحضة لان الافعال اذا اتّحدت بالذات كانت بحكم الذات فتكون افعالُها مفارقةً بالذات كالذات و ان اقترنَتْ بالعرض [ص 305] فالحكم للذاتي لا للعرضي فاخراجها لايصحّ علي قاعدته و لا علي قاعدتنا و يريد بالصور المجردة الصور العلميّة و هي في علمه الذي هو ذاته و لايصح هذا الكلام سواۤء جعل الصور في علمه الذاتي لانها في ذاته ام خارجةً عن الذات لازمة له معلّقة بها تعلق الظل بالشاخص يعني ان هاتَيْن المفارقات المحضة و الصور المجردة فيها كلام اي لها توضيح لغامِضِ سرّها يعرفه من عرّفه الله سبحانه ذلك و لا شَكَّ ان ذلك من الاسرار الّا انه لايعرفه الّا المكاشفون و يعني بهم الصوفيّة فليس بصحيحٍ و انّما يعرفه مَن عرّفه اللّه و هم المعصومون عليهم السلام و مَن اقتصر علي الاَخْذ منهم ثمَّ انّه بيّن تلك الْاسْرار علَي ما عنده و عند اصحابه الصوفيّة فقال من ان لا وجودَ لها بحسب انفسها و ذواتُهَا مطموسةٌ منغمسةٌ في بحر الاحديّة و يريد ان الوجود المنسوب اليها ليس وجوداً لها و انّما هو وجود الحق سبحانه و تعالي فهي اللّه بلا هِيَ كما يقول هو و اتباعه و اصحابه انا الله بلَا انا لِانّه مبني عَلي القول بوحدة الوجود و انما قال وَ ذوٰاتها مطموسة لِاَنّ مُشَخِّصٰاتِها موهومةٌ مثل خط المهر في القرطاس فانّه ابيض لانه جزء من القرطاسِ و انما تميّز انّه خطّ بتحديد المداد من المهر فالخَطّ الابيض ذاته مطموسة في القرطاس و لا شكّ انّ هذا هو وحدة الوجود لانَّ القرطاس و الخطّ الابيض من المهر شيء واحد و المدَاد المحدّد للخطّ و لهذا قال منغمسة في بحر الاحَديّة قال في كتاب السير المرتبة الاحديّة هي المرتبة المستهلك فيها جميع الاسماۤء و الصفات و تسمّي جمع الجمع انتهي ، و قال عبدالكريم الجيلاني في كتابه الانسان الكامل : و الاحديّة عبارة عن مجليً ذاتيّ ليس للاسماۤء و لا للصفات و لا لشيء من مؤثّراتها فيه ظهور فهي اسم لصرافة الذات المجرّدة عن الاعتبارات الحقيّة و الخلقيّة انتهي ، و هذا تفسير الصوفيّة للاحديّة و المصنف الظاهر [ص 306] من كلامه هنا و غيره انّه يريد ما ارادوا من ان اوّل تَجَلٍّ للذاتِ البحتِ ما تجلّت بذاتِها فيه من غير فعلٍ و لا ارادةٍ و اعلي مظاهرها هو الالوهية و هي عندهم جميع حقاۤئق الوجود و حفظها في مراتبها قال في الانسان الكامل : و اعني بحقاۤئق الوجود احكامَ المظاهر مع الظاهرِ فيها اعني الحق و الخلق انتهي ، و الاحديّة عندهم اعلي الاسماۤء التي تحت هيمنة الالوهية فيريد المصنّف بانغماس تلك المجرّدات انّ ذلك المظهر الذاتي اي بالذات من غير فعل و لا ارادةٍ غير العلم الذاتي كما مثّلنا بالقرطاس و هو الاحديّة ان تلك المفارقات المحضة منغمسة فيه كانغماسِ الخط الابيض من المهر في القرطاسِ و الاحدية و ما فيها بعد رتبة الاُلوهيّة و هي بعد رتبة الذات و وجود الكل نفس وجود الذات اذ الكلّ ازليّ و الكل واجب بوجوب الذات و انَّ هذه المفارقات المحضة لم‌تدخل تحت كُن و هي صور ما في علم اللّٰهِ فتلزمه في كلماته مفاسدُ منها ما يلتزمها و يري انها مصالح لا مفاسد و انّها مذهب ائمّتنا عليهم السلام و منها تلزمه من غير شعور فمن الاوّل القول بوحدة الوجود و منها انها اشياۤء غير اللّه تعالي معه و انّها غير مجعولة بل هي لوازم الذات و شؤنه و منها انها متغايرة متمايزة غير مغايرةٍ لذاته و انها خارجة عن ذاته لان رتبتها بعد رتبة ذاته و انها صور علمه الذي هو ذاته و انها معلّقة بالذات تعلّق الظلّ بالشاخص و انّ وجوداتها من سنخ وجوده و امثال هذه المفاسد و كلها يلتزمها و ما يلزمه فيها و في امثالها ما ذكرنا فيما تقدم كثيراً من ذلك انّ القول بوحدة الوجود نقل علماۤء الشريعة الاجماع الكاشف عن دخول قول صاحب الشريعة عليه السلام علي كفر القاۤئل به مع ما دلّت الاخبار الصحيحة علي ذلك و مع بطلان الوعد و الوعيد و الثواب و العقاب بل اصل الجنة و النار و بطلان النظام و من ذلك تعدّد القدماۤء و انَّ الاشياۤء قديمة و هي لوازم الذات [ص 307] و اثبات اللوازم للذات موجب لحدوث الذات لما بينهما من الاقتران المستلزم للاجتماع او الافتراق و انّ شؤن الذات ليست مع الذات في رتبتها فاثبات القدم لها تناقض اذِ القديم هو الذي لايسبق بغيره و لايفقد في رتبةٍ قبله و كذا اذا كانت متمايزة غير مغايرةٍ للذات البسيطة الاحديّة المعني و كذلك كونها خارجة عن ذاته و كذا في كونها صور علمه الذي هو ذاته و انها معلقة بالذات و كذا ما بين هذه و بين كونها عين ذاته و من سنخ وجوده اذ هذا كلّه هو المعروف من خطاب صاحب الشريعة عليه السلام الذي امره الله ان تبلّغ المكلّفين ما ارسله به فان كان قول هؤلاۤء حقّاً فمابلغ رسول اللهِ صلّي اللّه عليه و اله رِسَالَةَ ربِّهٖ لانه خاطبهم بغير ما اراد الله من امره و نهيه و ما اشرنا اليه من مراد المصنّف هو مثل قوله فله شؤن الهيّة و مراتب نوريّة ليست هي من افراد العالم و لا من جملة ما سوي اللّه فاذا ثبت شؤن و مراتب ليست من افراد العالم و لا من ما سوي اللّه و هي كثيرة متعدّدة متغايرة و ليست هي سواه كان هو تعالي متعدّدا متغايراً .

و قوله « لانها صور ما في القضاۤء الالهي و العالم الرّبوبي » يريد انّ المفارقات المحضة هي صور العلم و الحكم الالهي و يريد بالعلم القديم و الحكم بالرضا او العناية علي ما يريدون منهما و يرجع محصّل كلامه علي معني ما ذكرنا مما لا فاۤئدة في اعادته .

قال : و تلك الصور هم المُهَيَّمون الَّذين لم‌ينظروا الي ذواتهم قطّ لفناۤئهم عن ذواتهم و اندكاك جَبَلِ انّيّاتهم مع كونهم اشعّة و اضواۤءً عقليّة للنور الاوّل باقيةً ببقاۤئِه لا بابقاۤئه و ليست هذه الرسالة ما يسع فيه بيان هذا المطلب الغامض الشريف و المقصود هيهنا الاشارة الي حدوث الاجسام و صورها و قواها و امّا العقل فلم‌يثبت وجوده عندنا و المتكلمون انكروه فلا حاجة بنا الي ان نتكلّم في حدوثه » .

[ص 308] اقول يشير الي انّ تلك الصّور العلميّة ملاۤئكة هَيَّمتْهم انوار جمال الله و حبُّه حتّي انهم لم‌ينظروا الي ذواتهم بل قصروا انظارهم علي النظر الي جماله فهيّمهم حبّه عن ذواتهم و فنوا عنها و هذا الي هنا كلّه صحيح و ظاهر كلامه الاول يخالف هذا حيث قال من ان لا وجود لها بحسب نفسها و ذواتها مطموسة منغمسة في بحر الاحديّة لانه يدل علي فناۤء وجودها بحسب نفسها بل هي ممتزجة بالانوار الاحدية و ليس كذلك و انّما فنِيَتْ في تلك الانوار فناۤء وجدانٍ لا فناۤء وجودٍ و ان اراد بقوله بحسب نفسها بمعني عند انفسها فحسن الّا ان العبارة انما تدلّ بمعونة باقي الكلام و انّما وجّهنا عبارته هذه فيما سبق علي غير ما تحتمله من الصحة لانه هو المعلوم من مذهبه فحملناها علي مذهبه لا علي ما تحتمله .

و قوله « و اندكاك جبَل انّيّاتهم مع كونهم اشعة و اضْواۤءً عقليّةً » ان اراد بالاندكاك الفناۤء اصلاً فهو غلط و كلّ من قال بالفناۤء من الصوفيّة فقد غلط لان الفناۤء الذي يتحقق به كمال وصول العبد هو ان يبقي من انّيّته ما يصلح به شعورٌ ما يكون به غير ناظرٍ الي نفسه و يكون به ناظراً الي ربّه و امّا الذي يريدونه فهو في الحقيقة عن نفسه فهو اغماۤء لايحسّ بشيءٍ لا بنفسه و لا بغيره و لا بربّه و لهذا حكم اكثر الفقهاۤء ببطلانِ وضوئه و لو كان ذلك وصولا لماانتقض وضوءه و روي ابن‌حمزة من علماۤئنا نقض الوضوء بالاغماۤء عنهم عليهم السلام و ذكر للصادق عليه السلام عن اهل هذه الطريقة و ان الرجل منهم ليصعق حتي يقع فقال عليه السلام ما بهذا اُمِروا ، و امّا الفناۤء المحمود فهو ان يشعر بربّه الّا انه كالذي في النار و كما قال الصادق عليه السلام في وصف الصادقين قال (ع) و مثل الموصوف بما ذكرنا ان يكون كمثل النازع روحه ان لم‌ينزع فماذا يصنع ه‍ ، و ما ذكره بعض منهم عبدالكريم الجيلاني في كتابه الانسان الكامل : انّ الوصول ليس [ص 309] هو الفناۤء في الله و انما هو البقاۤء باللّه ، و هو ردّ منه علي القاۤئلين بالفناۤء و لكنه لم‌يرد ما نريد من انّ الواصل هو مَنْ وَجدَ الله لا غير و انّما يريد انّ الواجد و الموجود و الوجدان شيء واحد و لهذا يقولون هو و اصحابه انا اللّهُ بلا انا و كذبوا و انّما هم حمير من ساۤئر خلق اللّه الذين اصواتهم و كلامهم انكر الاصوات بل الواصل مَن لم‌يجد بالوجدان الذاتي الّا اللّه و له جهة بها يجد عرضيّةٌ كالناظر في المرءاة ليري وجهه فانه يري الزجاجة بالعرض و اذا نظر الي صفاۤء زجاجة المرءاة فانه ينظر وجهه بالعرض و لم‌يصل احد من حمير الصوفيّة و اتباعهم الرّعاع اتباع كل ناعقٍ مثل ما وصل رسول الله صلي الله عليه و اله ليلة ٱلمعراج من مقامِ اَوْ اَدْنَي و لافني احد كفناۤئه و بقي من انّيّته جهة عرضيّة بها سمع الخطاب و ردّ الجواب و قد اشار الصَّادق عليه السلام الي ما قلنا كما رواه في الكافي قال عليه السلام الي ان قال و كان كما قال الله تعالي قاب قوسين اوْ ادني قيل ما قاب قوسين اوْ ادني قال ما بين سٖيتها الي رأسها قال فكان بينهما حجاب يتلألَأُ بخَفْقٍ و لااعلمه الّا و قد قال زبرجد الحديث ، و المراد بالحجاب و اللّه اعلم اِنِّيّتُه و قوله يتلألأ بخفقٍ اي باضطرابٍ يكاد يفني من سطواتِ الانوار و لم‌يقل ليس بينهما اَوْ فني اصلاً بل قال باضطراب .

و امّا التشبيه باندِكاك الجبل لموسي عليه السلام فهو تشبيه مطابِقٌ من جهة المعني فانّ جبل موسي عليه السلام لمّا تجلّي له النّور تَقطَّع فكَان ثلثه ذرّاً و هو الموجود في الهواۤء بين الارض و السّماۤء و ثلث منه سَاخَ في البحر و ثلث ساخ في الارض فهو يهوي الي السَّاعة كذلك الانيّة انْدَكَّ جَبَلُها فذهب ثلثه في هَواۤء الرّوحِ و ثلثه في بحر النفس و ثلثه في اَرْضِ الجَسَدِ و في الجهات الثلاث بقي منه ذرّ و هو بقيّة الشعور الذي اشرنا اليه و كونهم اشعّة اشارة الي استمدادهم و افْتقارهم و كونهم اضواۤء لانهم يمدّون مَن دونهم [ص 310] من فاضل انوارهم و كونهم اضواۤءً عقلية ظاهر .

و قوله « للنور الاوّل » يريد انهم انوار للحق تعالي اي لذاته كما هو المعروف من مذهبه و هو باطل لاستلزامه التشبيه بمثل الشمس و القمر و السراج و ما اشبهها تعالي الله عن ذلك و قد ورد النهي عنه عنهم عليهم السلام و انما المراد انهم انوار لفعله اي آثٰارٌ منيرَةٌ .

و قوله « باقية ببقاۤئه لا بابقاۤئه » هذا ايضا باطل لاستلزامها الاستغناۤء بانفسها و ان كانت بتبعيته اذا كانت غير مجعولة بل هي من اللوازم الذاتية و انّما هي جواهر منيرة احدثها اللّه بفعله و لم‌تك قبل احداثه مذكورة بذكرٍ ما و انما تبقي بابقاۤئه و امداده لا كما يقول العادلون باللّهِ لاستلزامه اسْتغناۤء غير الله عن اللّه تعالي و دعوي انهم ليْسُوا غير اللّه باطلة لما بَيّنّا سابقاً .

و قوله « و ليست هذه الرّسالة ما يسعُ فيه بيان هٰذا المطلب ، الخ » يشير به الي انّ بيان هذه الامور قد اَشْبعنا فيه البحث في كتابنا الكبير و الّذي ذكر في الكتاب الكبير لايزيد علي ما ذكر هنا في بيان كنه المفارقات المحضة و انّما اطال في ذكر صفات افعالها مثل انهم لايغفلون عن ذكر اللّه مستغرقون في انوار جماله مُسْتهترون بذكر آلاۤئه و افضاله و امثال هذه و ليس في هذه بيان زيادة مطلب علي ما هنا فراجع تجد .

و قوله « و امّا العقل فلم‌يثبت وجوده » صحيح في حقه و حقّهم فانهم لو ثبتت لهم عقول لماقالوا ما قالوا و لماانكروا مَا اثبته اللّٰهُ و صاحب الشريعة عليهم السلام حيث الله يقول افلايعقلون و يقول انّ في ذلك لذكري لمن كان له قلب اي عقل او القي السمع و هو شهيد و ايات الكتاب و احاديث الائمة الاطياب عليهم السلام مثل ما في اوّل الكافي و البحارِ و غيرهما لاتكاد تحصي كلّها صريحة في اثبات العقول لجميع المكلّفين و ايضا كيفَ يثبت عقل الكل للانسان و انه غير نفسه نفس الكل و هما القلم و اللوح و يعترف [ص 311] بان الانسان الصّغير انموذج من الكبير و كل ما في الكبير يوجد مثاله و صورته الجزئيّة في الصغير و يستشهد علي مطالب كثيرة بقولِ علي عليه السلام علي قول كثير من العلماۤء :

اتحسبُ انّك جرمٌ صغير و فيك انطوي العالم الاكبرُ

و انت الكتاب المبينُ الذي باحرفه يظهر المضمرُ

و لايثبت لغيره عقلاً فينبغي ان يثبت لغيره و ان لم‌يثبت لنفسه امّا لغيره فالدليل الذي يعترف بصحّته و امّا هو فلاعترافه علي نفسه و ايضا اذا كان ينفي الطّفرة في الوجود و يقول انّ النفوس من النفس الكلّي و الارواح من الروح الكلي و النفس الكلي من الروح الكلي و الروح الكُلِّي مِنَ الْعَقْلِ الكلّي فَاِنْ كَانت النفوس الجزئيّة من العقول الجزئيّة ثبتت لنا عقول و ان كانت من النفس الكليّة لم‌تكن عقولاً كما لم‌تكن النفس الكلية عقلا بالطريق الاولي و ان كانت من العقل الكلّي ثبتت الطّفرة في الوجود و لم‌يثبتها هو و قد دلّت الروايات علي ان الله سبحانه خلق الف‌الفِ عالم و الفَ‌الفِ ادم نحن في اخر العوالم و اخر الٰادَميّين و كل ادم فَذُرِّيتُه من نوعه فالاول هو المشيّة الكليّة و اولاده المشيّات الجزئيّة كلّ مشيّة تتعلق بفردٍ من الخلق لاتصلح لغيره و الثاني النور المحمدي صلي الله عليه و الِه و ذريّتّه انوار الانبياۤء مائة و اربعة و عشرون‌الف نبي و الثالث ارض القابليات المسماة بالارض الجرز و بالبلدِ الميت و بالزيت الذي يكاد يضيۤء و لو لم‌يمسسه نار و ذرّيّاته قابليات من هو دون محمد و اله صلي اللّه عليه و اله كالانبياۤء عليهم السلام و تطلق الدَّواةُ مرة علي الثاني و مرة علي الثالث و الرابع عقل الكلّ و هو النور الابيض و القلم و ذرّياته العقول الجزئيّة لا النفوس و الخامس الروح الكلية و هو النور الاصفر و ذرّيّته الارواح الجزئيّة و السادس النفس الكلية و هي نفس [ص 312] الكل و اللوح المحفوظ و هو النور الاخضر و ذرّيته النفوس و السابع طبيعة الكل و هو النور الاحمر و ذرّيّته الطباۤئع الجزئيّة و هكذا الي اخر العوالم ماتري في خلق الرحمن من تفاوُتٍ و هذا من دليل الحكمة و هو الحجة القاطعة لاولي الافئدة فافهم .

قال : قاعدة الفاعل المباشر للتّحريك في جميع اقسام الحركة ليس الّا الطّبيعة و هي مبدأُ كل حركة بالذّاتِ سواۤء كانت باستخدام النفس ايّاها كما في الحركة الاراديّة او بقَسْرِ قاسرٍ كما في القسريّة كحركة الحجر الَي فوق اوْ بغيرهما كما في المسمّاة في الطّبيعة فالحركة بمنزلة شخصٍ روحُه الطبيعة .

اقُول الفاعل المباشر للتحريك اِنْ اُرٖيدَ بالمباشرة الملامسة اي ملاصقة الفاعل بالمفعول فلو قلنا بانّ الطّبيعة غير الحركة فقوله متّجِهٌ و انْ قلنا انّ الطَّبيعة هنا هي الحركة فان معني ذلك انّ طبيعة المفعول هي الانفعال الذي هو قابليّته هو الحركة اي حركته لقبول تأثير الفاعل و انْ اريد بالمباشر المؤثّر للفعل لا المؤثر للانفعال فالفاعل هو المؤثر القريب و هو الملك الخلّاق باذن اللّهِ تعالي كما هو ثابت في المذهب و دلّت عليه الاخبار كما رُوِي عن الصادق عليه السلام ما معناه ان النطفة اذا وقعت في الرحم ارسل الله مَلكين خَلّاقَيْن يقتحمانِ بطن الامرأة من فمِها فيقولان يا ربّنا نخلقه ذكراً ام انثي فيأمرهم ثم يقولان شقيا ام سعيداً فيأمرهم بما يريد و الي نحو هذا اشار بقوله تعالي عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون ، و لايصح اَن يكون الفاعل المباشر هو الطبيعة و لو علي فرض كونها غير الحركة الّا علي رأي الدهريّة او علي رأي هذه الجماعة من انّ الفاعل هو المفعول كما صرّح به في اتّحاد المعقول بالعاقل و المفعول بالفاعل قال [ص 313] الملّا محسن في الكلمات المكنونة كما تقدّم من قوله : ذات اسم الباطن هو بعينه ذات الاسم الظاهر و القابل بعينه هو الفاعل فالعين الغير المجعولة عينه تعالي فالفعل و القبول له يدان و هو الفاعل باحدي يديه و القابل بالاخري و الذات واحدة و الكثرة نقوش فصحّ انّه مااوجد شيئاً الّا نفسه و ليس الّا ظهوره انتهي ، و اَمّا علي مذهب اهل البيت عليهم السلام فالفاعل ليس هو المفعول و الطبيعة التي نسبوا اليها الفاعليّة ليست في الفاعل و انّما هي في المفعول و المفعول لايخلق نفسه الّا علي رأي هذا الخلق المنكوس الّا ان اراد بالفاعل المباشر للتحريك فاعل القبول للايجاد فتصح نسبة الفاعلية الي القابليّة كما قال تعالي فيكون بعد قوله كن .

و قوله « سواۤء كانت باستخدام النفس ايّاها كما في الحركة الاراديّة او بقسر قاسرٍ كما في القسريّة » قد قدّمنا عليه انّ الطبيعة غير النفس فيكون ذرّات النفس في انفسها غير متحرّكة لان المتحرّك هو طبيعتها لا هي و هي غير طبيعتها فينتقض عليه حدوث النفس لانّ ذرّاتها قاۤرّة ساكنة لذاتها فيكون الكون غير متعلّق بها و انّما تعلق بمقاديرها و نظمها و هي حركات في اوضاعها لا في ذرّاتها فهو قول بقدم الاجزاۤء التي لاتتجزّأ و ثبوتها وَ قَدْ قدّمنا انّ القسر لايتحقق في الكون علي جهة الواقع و الحقيقة اصلاً كما حقّقناه في الفواۤئد و في شرحها و اِنّما وُجُوده في العالم كلّه صُوريّ اذ كان الفاعل مختاراً و الفعل اَحْدَثهُ ٱللّٰهُ بنفسه اَيْ نفس الفعل بالاختيار و المفعولاتُ كلها اٰثار الفعل و تأكيداته كلّها يجب اَنْ تَكُونَ مختارةً بموجب دليل الحكمة و القسر ليس له مبدءٌ و الموجود ممّا يصدق عليه الاسم ظاهراً ما يرجع الي العسر و الحرج و الضّيق التي جرت احكام الملّة الحنيفية السَّهْلة علي نفيها لان اللّه سبحانه يريد بعباده اليسر و لايريد بهم العسر فقال ماجعل عليكم في [ص 314] الدين من حرج ، و استخدام النفس لصفتها في التّحرُّكِ موجب لتبدّل الحركة بل و المتحرّك اعني الطبيعة و هي صفة المستخدم و تجدّد الصفة لايستلزم تجدّد الموصوف ما لم‌تكن متّحدةً به و تحريك القاسر لو ثبت لايستلزم تجدّد المقسور و التشبيه بحركة الحجر الي فوق لدافعٍ قويٍّ لقسرِ القاسر مبني علي الامر المتعارف عند عواۤمّ النّاسِ و الّا فالحجر في صعوده مختار الّا اَنّ اختياره ناقص فتمّم نقصَه الدّافعُ لان الصعود ممكن في حقِّهٖ الّا انّ النّزول ارجح لان الله سبحانه وكّل به ملكاً ينزل به الي حيث امره الله عز و جل لحكمة حمل الانسان و جعل شهوة الحجر تابعة لميل الملك و اذا دفعه دافع الي فوق اعان قوّةَ العضو الملكُ الموكّل بعضو الدّافع و جعل شهوة ميل الملك المنزِلِ للحجر تابعة لميل الملك الموكّل بالعضو الدافع الي ان ينتهي ميله الي الصعود و هو مقدارُ ما امره اللّه عز و جل به فاذا انتهي ميله و ارتفع نزل الملك المؤكل بانزال الحجر الي اسفل فامكان الصعود من الحجر من نوع امكان النزول منه و انما ترجّح النزول لحكمة حمل الانسان و هذا الكلام الذي ذكرته في بيان هذا السّرّ الاعظم و الطّلسم المُبهم نبّهوا عليه ائمة الهدي عليهم السلام و عرفه اولوا الافئدة و ما اكثر من ينكره لقصور عقله عن نيله .

و قوله « كما في المسمّاة في الطبيعة » يعني غير الحركة الاراديّة و القسريّة الطّبيعيّة و قد سمعتَ الكلام في ان كلّ حركةٍ اراديّةٌ بمعني ان شاۤء فعل المتحرّك و ان شاۤء تَركَ الّا ان الارادة مختلفة بالنسبة الي افراد العالم في الشدّة و الضعف كلّ شيء ارادته و اختياره بنسبة مرتبته من الوجود و لاجل هذا انكر اكثر الافهام الاختيار و الارادة فيما سوي الحيوان لانّهم يطلبون من اختيار الجمادات و اراداتها مثل اختيار الانسان المكلف و ارادته [ص 315] و لم‌ينظروا في كل شيء بحسبه فلذا فاتَهُمْ اكثر الاسرار و الحقاۤئق .

و قوله « فالحركة بمنزلة شخصٍ رُوحُهُ الطبيعةُ » هذا علي فرض مغايرة الطبيعة للحركة الذاتية صحيح .

قال : و الذي استشكله بهمنيٰار موافقاً لاستاده في النفسانية من انّه كيف استحالت الطبيعة محرّكة للاعضاۤء خلاف مقتضاها و لا رعشة عند تجاذب مقتضي النفس و مقتضي الطبيعة انّما ينحلّ اشكاله بانّ الطبيعة المسخّرة للنفس طوعاً التي هي قوّة من قواها تستخدمها و تفعل بتوسّطها افاعيل البدن غير الطبيعة الموجودة في عناصر البدن و اعضاۤئه بالعدد بل مرتبة من مقامات النفس و التي تبقي في البدن بعد انقطاع علاقة النفس غير ما ذكرنا و انما يقع الاعياۤء و الرعشة و المرض و الفساد و غير ذلك بسبب تعصّي الثانية عن النفس دون الاولي فللنفسِ طبيعتان مقهورتانِ احديها منبعثة عن ذاتها و الثّانية لعنصر البدن يستخدم احديهما لها طوعا و الثانية كرهاً .

اقول انما ذكر اشكال بهمنيار لانه لمّا نسب الحركة الي الطبيعة ذكر الاشكال و هو انه كيف تكون الطبيعة تحرّك الاعضاۤء و مقتضي الاعضاۤء و ساۤئر الاجسام السكون فتحرّكها و مقتضاها السكون و لاتقع رعشة و هي المركّبة من حركة غير مستقرة تاۤمّة و من سكون غير مستقر تاۤمّ لان الذي ينبغي ان يحدث من مقتضي الطبيعة و هو الحركة و مقتضي النفس في محبّتها لسكون الاعضاۤء طلباً للرّاحة لان النفس مع تحرّك الاعضاۤء كحال الماشي و العامل تحتاج الي التبديل من الامزجة عند التحليل و يحصل لها تعبٌ بخلاف حالها في النوم و السكون رعشة اي تحدث رَعْشةٌ عند تجاذب مقتضي الطبيعة و مقتضي النفس و تصادمهما فقال المصنّف في حَلِّ الاشكال اَنّ الطبيعة المسخّرة للنفس طوعاً بمعني الباعثة لها علي تحريك الاعضاۤء [ص 316] لا علي نحو القَسر لانّها طبيعتها و طبيعة الشيء قوّة من قواهُ فهي قوّة من قوي النفس و قوّة الشيء لاتقسره لانّها عبارة عن ميله او عن باعثه الي الميل و هو محبّته للميل فهو باختياره فهي تستخدم النفس و تفعل الطبيعة بتوسّط النفس او بالعكس علي اختلاف المقامات و المراتب تفعل افاعيل البدن هي غير الطبيعة الموجودة في عناصر البدن و طباۤئعه سارية في اعضاۤئه فان تلك غير هذه بالعدد و ان كانت الثانية مَركباً للاولي و الاولي رُوحُها فان الاولي مرتبة من مقامات النفس و اوّل تنزلاتِها و امّا التي في الجسم اي البدن و هي التي تبقي في البدن بعد انقطاع علاقة النفس عنه لانّها طبيعة نباتيّة نامية و اختيارها ضعيفٌ لايحسّ في مقام اختيار الحيوان و الاولي حيوانيّة حسيّة فلكيّة شأنها الحركة و النفس شأنها الحركة فلاتكون بينها في التحريك و بين النفس تجاذُبٌ و تدافع فلاتقع بمقتضاهُمَا رعشةٌ لعدم التنافي و انّما يقع التنافي بين النفس في مقتضاها و بين الثانية و مقتضاها فيقع الاعياۤء في الاعضاۤء عند مصادمة الدافع للماسك و بالعكس و الرعشة لاجتماع الحركة و السكون و تداخل اجزاۤئهما و المرض لمصادمة الدّافعة للجاذبة و الماسكة للهاضمة و بالعكس بسبب تعصّي الثانية عن طاعة النفس لانّ النفس اذا استخدمت الجاذبة لتحصيل الغذاۤء و عارضتها الماسكة او الماسكة لحفظ المزاج و ثباته و عارضتها الجاذبة او الدافعة او الهاضمة لاصلاح الكيموس او الكيلوس و عارضتها الجاذبة او الماسكة حدث المرض و الفساد فللنفس طبيعتان مقهورتان تحت سلطنتها احديٰهما طبيعة ذاتيّة شأنها كشأن النفس منبعثة عنها لانهما معاً فلكيتانِ متحركتان بالذات و ثانيتهما لعنصر البدن نباتية نامية منبَعثة من الهاضمة تنسب الي النفس لكونها من القوي الحاملة لها فهي بيت من بيوت النفس فالنفس تستخدم الاولي طوعا [ص 317] من الاولي و اختياراً لما اختارت النفس لانّها صفتها الموافقة لها في المقتضي و تستخدم الثانية كرهاً علي الظاهر لكون شأنها السكون و هو غير شأن النفس و امّا علي الباطن فتستخدمها طوعاً الّا انّها لكثافة ذاتها و ضعف نورانيّتها تكون بطيئةً فتثقل علي النفس لسرعة حركة النفس فلذا قيل مكرهةً و هي مطيعة لكنها ليست من السابقين .

قال : تفريع فعلي هذا تظهر صحة كلام الفيلسوف الاوّل ان حركة الفلك طبيعية و ان نفسَهُ منطبعة وَ الّذي ظهر لنا بالبرهان الكاشف النيّر اَنّ ذات الفلك و طبيعته و نفسَهُ الحيوانيّةَ شيء واحدٌ بالوجود و التشخصِ متفاوتٌ في النشئاتِ الثلاثِ و ليست للفلكِ نفسٌ مجرّدةٌ بل له نفس حيوانية خياليّة حاكية لصورةٍ عقلية متشبهةٌ بها متّصِلة بها كاتّصال الشعاع بالنور كما ان طبيعة الفلك مُتّصلة بنفسه الخياليّة كاتّصال الظّل بالشاخص لكن طبيعة الفلك و نفسه الحيوانية بقوّتها العلميّة داثرتانِ هالكتانِ لتجدّدهما و سيلانهما و له كلمة باقية عند الله ثابِتةٌ في علمه لقوله ما عندكم ينفد و ما عند اللّٰهِ بَاقٍ .

اقول مراد الفيلسوف يوهم ظاهره موافقة كلام المصنّف من انّ الطبيعة هي المحرّكة لذي الطّبيعة و هي ٱلّتي تَنْشأ منها حركة ذي الطبيعة لا انّ الحركة هي نفس طبيعته كما رجّحناه بدليل الحكمة و ذلك ان قول الفيلسوف ان حركة الفلك طبيعية منسوبة الي طبيعة الفلك فهي ناشيَةٌ عنها و قوله ان نفسَه اي الفلك منطبعة فيكون لنفسِه طبيعةٌ و لطبيعته حركة و هذا موافق لرأي المصنّف و الذي اراه انّ كلام الفيلسوف كما يحتمل كلام المصنف يحتمل انه اراد بطبيعية معني ذاتيّة كما نقول و ذلك ان الفلك حركته هي حركةُ نفسِه و نفسُه حيوانيّة حسّيّة و الحيوان طبيعته هي الحركة [ص 318] و لهذا كان بفتح الياۤء اشعاراً بانّ وضعه لذي الحركة كما قيل في الطيَران و الغلَيان و النزَوان فالحركة ليست صفة للطبيعة و انما هي صفة لذي الحركة و المتحرك الّذي طبعه الحركة كالنفوس و الارواح يقال له تحرّك بطبيعته يعني من شأنه التّحرك و الّذي طبعه الحركة لايراد منه اَنّ فيه طبيعةً غيرَهُ و غيرَ حَركته بل الحركة هي طبعه و نفسه منطبِعَةٌ اي نفسه طبيعيّة يعني ليست ناطقة قدسيّة و انّما خلق الفلك بطبعه متحرِّكاً و لذا قال المصنّف و ليست للفلك نفسٌ مجرّدة يعني النّاطقة .

و قول المصنف « و الذي يظهر لنا بالبرهان الكاشف النَّيِّر ، الخ » مثل ساۤئر اقواله فيما يدّعيه فنقول اِنْ اَرَادَ ان الفلك نفسه هو طبيعته و هو نفسه فالحركة من الجرم انبعثت من غير تعدّدٍ لا في الخارج و لا في نفس الامر و ان كانت متعددة في الذهن لتعدّد المفهوم كما هو ظاهر كلامه ان ذات الفلك و طبيعته و نفسه الحيوانية شيء واحد بالوجود و التشخُصِ فيكون قوله متفاوت في النشئاتِ الثلاث انّ الفلك في نشأة النفوس تشخّص بنسبتها في اللطافة و في هذه النّشأة تشخّصَ بتشخص الاجرام و في ٱلنّشأة الطبيعية يتشخّص بالتشخّص الطبيعي اللطيف الذي هو بمنزلة اجسام الاخرة و الّا فليس الّا شيء واحدٌ يتطوّر في كُلِّ نشأةٍ بطوْرِها و هو باطل لما ذكرنا سابقاً من اَنَّ صُنْعَ الحكيم تعالي في كُلِّ شيء علي نمطٍ متشابهٍ و هو سرّ قوله تعالي ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفسٍ واحدةٍ و قوله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، و قول الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب انّ الاستدلال علي ما هناك لايُعْلَمُ الّا بما هيهنا ه‍ ، و نحن نجدُ انفسنا غير اجسادِنا و غير طباۤئعنا و نَجدُ لُبَّ اللوز دهنه غير ثفله و نجدُ الاشجار نفوسها النامية النباتيّة غير خشبها و اذا يبس الخشَب ذهبَتْ نفسه و بقي الخشب كالميتِ من الحيوانات [ص 319] و لم‌نجد شيئا في العالم الّا و لَهُ نفس قام بها و جرمٌ تقوّمَتْ به نَفسُهُ فلو صحّ اتّحاد الفلك و وحدته لوجد له مثلٌ سبحان من لا مثل له قال الرضا عليه السلام ان الله تعالي لم‌يخلق شيئا فرداً قاۤئما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه و اثبات وجوده ه‍ ، و ان اراد ان الثلاثة جرم الفلك و طبيعته و نفسه كلها من نوع واحدٍ او من جنسٍ واحدٍ فنفس الفلك و طبيعته و جرمه ليس منها شيء مما في الفرس و مما في النخلة و مما في الانسان و بالعكس بل من نوع الافلاك كما انها في الانسان من نوعه لا من نوع الشجر و لا من نوع الحيوان و هكذا فهذا في الظاهر صحيح لكن الفلك لايختص بهذا التخريج بل كل الاشياۤء هكذا فلا فاۤئدة في خصوص ذكره و ايضا لايحسن تعقيبه لو كان المراد هو الفرض الثاني بقوله متفاوتٌ في النَشئَاتِ الثلاث لانّه لاينطبق الّا علي الاوّل .

و قوله « بل له نفس حيوانيّة خياليّة » اي مدركة كما للحيوانات العجم و كلامه هذا بان له نفساً لاينافي اتّحادها فله ان يقول له نفس هي طبيعته و جرمه حاكية اي مشابهة لصورة عقليّة اي لنفس الانسان فانّها عنده صورة لعقل كما مرّ متشبِّهةٌ بها في صفاتها الّا انّها عرض لنفس الانْسان لقوله متشبّهة بها في تحريكها و في ادراكها للصُّوَر متّصلة بها كاتّصال الشّعاع بالنّور لانها مركب لنفس الانسان و اعلم انّ العارفين اتفقوا علي ان العالم الصغير اعني الانسان طبق العالم الكبير فيه جميع ما في الكبير ففي الكبير عرش و كرسي و سبع سموات فيجب ان يكون في الصغير كذلك فقابلوا بينهما فالعرش في الصغير هو قلبه و الكرسي فيه نفسُه و العقل فيه اي تعقّله فلك زُحل و العلم فيه فلك المشتري و الوهم فيه فلك المرّيخ و الخيال فيه فلك الزهرة و الفكر فيه فلك عُطارد و الحيوة فيه فلك القمر فالافلاك لها [ص 320] نفوس كنفوس القوي المذكورة من الانسانِ و ما في الانسان مثل لما في الافلاك لانها كلّيّة بالنّسبة الي الانسان و لان الانسانَ خلق من عشر قبضاتٍ من اشعّة الافلاك التسعة و القبضة العاشرة من العناصر فالاصل هو الافلاك و ما في الانسان فرع من اشعَّتِهٖ و ذلك لان اللّه تعالي امر كلمتَهُ فقبض من كلّ فلكٍ من الافلاك التسعة قبضة كما ذكر و القبضة العاشرة من العناصر الاربعة لماۤدّة جسده لكن لتعلم انّ كل قبضة من الافلاك يأخذها كلمتُه من نفس الفلك للروح و من جرمه للجسد مثلاً قبض من فلك المحدِّد القلب ظاهره من ظاهره و باطنه من باطنِهٖ فيكون مخّ الدماغ من جرم فلك زحل و التعقّل المتعلق به كاشراق نور الشمس علي الجدار من نفس زحل و هكذا الجميع و مثال القبض للنفوس من نفوس الافلاك مثل ما اذا وضعتَ المرءاة في نور الشمس فانه ينعكس عن المرءاة نور من دون ان ينقص النور الذي في الجدار او الارض و امّا قبض الاجسام فحيث دارت الافلاك و القت اشعّتها بواسطة الملاۤئكة الحاملة القَتْها مصحوبة لابخرةٍ ماۤئيّةٍ اَثارَتْها قدر اربعة اجزاۤء تقريباً و ترابيّةٍ من الهباۤء المنبثّ في الهواۤء الذي يلي الارض قدر جزءٍ تقريبا فانحلّت اليبوسة في الرطوبة بحرارة النزول و اشعّة الكواكب فوقعٰا ماۤءً عَلَي الارض فاختلط به نباتُ الارض باَنْ انْحَلَّ منه جُزءانِ في جزءٍ من الارض فكان منهما النبات فكان منه الطعام فكان منه النطفة فكان منها الجسد ذلك تقدير العزيز العليم و الحاصل اَنَّ جرم الفلك كجسَدِ الحيوانات لِانَّ الحيوانات منه كما اشرنا اليه فقوله حيوانيّة خياليّة صحيح حاكية لصورةٍ عقليّة ليس بصحيح و انّما تحكي لصورةٍ نَفْسِيَّةٍ متشبّهة بها لانّها ظاهرها متّصلة بها كاتصال الشعاع بالمنير لا بالنور لان النور هو الشعاع الّا ان يراد به كاتّصال شعاع الشعاع به او كان [ص 321] الشعاع في جرمٍ و الشعاع منه و من الشعاع الواقع عليه كالقمر و النور و ان كان يستعمل في المنير و لا عيب في اطلاقه لكن المصنّف لما كان لايلتفت الي هذا نبّهتُ عليه علي نحو التنبيه لا علي نحو الرّدّ لانّ الخطب في هذا سهل .

و قوله « كما انّ طبيعة الفلك متّصلةٌ بنفسه الخياليّة كاتّصال الظلّ بالشّخص » فيه ما تقدّم من الكلام فان طبيعة الشيء عنده ليْست بمجعولة كما انّ الظِلّ ليس بمجعولٍ لانه من اللوازم التي توجد بتبعيّة ملزوماتها و قد بيّنّا انّ هذه الامور كلّها انّما قالوا فيها بما سمعوا لا عن علمٍ بل كلّها مخلوقة موجودة بايجادٍ غير ايجاد ملزوماتها و ان كانت ملزوماتها ربّما يَكون وجودها من تمام قابلية اللوازم فاتّصال الطبيعة بالنفس علي المعني المتعارف عندهم كاتّصال النور بالمنير و في الحقيقة هي طبيعتان الاولي هي نزول ذي الطبيعة و كسره و مثاله للبيان اذا كان عندك دواۤء مركّب من حاۤر و بارد فانه يفعل بكلٍّ من الطبيعتين فاذا انحلّا حَلّاً تاۤمّا حتي كانا ماۤءً واحداً بذاتهِما لٰا بماۤء غيرهما ثم عُقِدَا كان دواء واحدٌ بطبيعةٍ واحدةٍ يفعل فعلاً واحداً و بهذا النحو تتّحد الاجزاۤء المختلفة الجسمانية و تكون طبيعة واحدة و تكمن نفوس الاجزاۤء المختلفة المجرّدة في غيب تلك الطبيعة الواحدة اذ لايمكن ظهورها مع اختلافها في محلّ واحدٍ فاذا استنبط الحكيم الاجزاۤء المنحلّة و اخرجها بالتّربيَة حتّي تمايزت ظهرت كل نفس في محلّها و هذه طبيعة ذاتيّة اي ذات الشيء و الثانية طبيعة فعليّة و هي انبعاثها الي الافاضة علي الاثار المفعولات فهذه تكون قائمة بنفس ذي الطبيعة قيام صدور و هي في اتصالها بنفس الشخص كاتّصال الكلام بالمتكلم مع قيامه بالهواۤء و كاتّصال الضرب بالضارب بخلاف الاولي فان انبعاثها للاستفاضة من المؤثر فَهذه هي مطلوبة [ص 322] المصنّف لوْ وَجَدها و امّا الثانية فتدلّ علي الحدوث اذا فرض عروضها لذي الطبيعة و الّا فلا و الاولي المطلوبة هي ماهيته و هي قابليته و هي انفعاله و نريد بالماهيّة هنا بالمعني الاول كما قدّمنا في ذكر الماهيّة و الوجود لا بالمعني الثاني و هي في الشّيء كالظّلمة في نور السّراج فان نور السّراج كلما قرب من السّراج كان اقوي نوراً و اضعف ظلمة و كلّما بعد قَوِيَت الظلمة و ضعف النّور كذلك حكم الشيء و طبيعته اذا نُسِبَ الي مَبْدَئِهٖ .

و قوله « لكن طبيعة الفلك و نفسه الحيوانيّة بقوّتها العلميّة داثرتان هٰالِكَتان ، الخ » هذا الكلام اذا اريد بالهلاك فيه و الدثور عَوْدُها الي ما بُدِئَتْ منه و امتزاجُها به كامتزاج قطرة الماۤء بماۤءِ النّهر اذَا وَقَعَتْ فيه فهو صحيح و ان اُرٖيدَ بالدّثور و الهلاك ٱلفناۤء فليس بصحيح اذْ ما دخل في مُلْكِ اللّه تعالي لايخرج منه و انّما اسْتَدرك الدثور و الفناۤء بعد تشبيهه لها بالنفوس الناطقة للاشعار بانّ النّفس النّاطقة غير داثرة و لا هالكةٍ مع انّه ذكرها و وصَفَها بِمَا وصفَ به نفس الفَلكِ من ٱلدثور و الهلاكِ فان لم‌يرد ذلك كان استدراكه لا فاۤئدة فيه و امّا قوّة ٱلْفَلكِ ٱلعلميّة ففي فلك ٱلمشتري و الخياليّة في فلك الزّهرة و الفكريّة في عطارد و الوهميّة في المريخ و التَّعَقُّلِيّة في زحل و الحيوة في فلك القمر و الوجود الثاني من الشمس كذا قاله بعض العارفين و انا اكتب هذا فيما كتبتُ حيث قرّبه قلبي استناداً الي اعتبارات منها قطعية و منها ظنّيّة متاخمة للعلم و المستند ما تشير اليه الاخْبار و ايضاً قد ذكرنا نحن فيما تقدم انّ الاشياۤء كلها من الذّوات و الصفات الماۤدّيّات و المجردات من عالم الغيب من كلّ ما سوي الله سبحانه لا فرق عندنا بين المفارقات المحضة و بين الجمادات كلها بنسبةٍ واحدةٍ في الافتقار الي الله سبحانه و في احتياجها في وجودها و بقاۤئها الي المدد فكُلّهٰا عندنا مشتركة في التجدّد [ص 323] و السَّيَلانِ و ان اخْتَلفَتْ في سرعة ٱلتجدّد و ٱلتَّبَدُّلِ و بُطْئِهٖ و طول البقاۤء و قصَرِهٖ .

و قولهُ « و له كلمةٌ باقية عند اللّٰهِ ثابتةٌ في علمه » معناه ظاهرٌ و ليس مختصّا بالفلك بل هو شاملٌ لكل شيءٍ .

قال : توضيح اكمالي اذا علمتَ انّ لكلِّ فَلَكٍ محرِّكاً مُزَاوِلاً وَ مُحَرِّكاً مفارقاً هو الغاية في الحركة و انّ مباشر التحريك السَّماوي متجدِّد الهويّة سيّال الذات ظهر لك ان الدنيا دار فناۤءٍ و زوال و انتقال و الاخرة دار قرار و ان هذه الدار و ما فيها منتقلة الي الدار الاخرة و ان السموات مطويّات و الكواكب ساقطة و حركاتها واقفة و انوارها مطموسة فاذا قامت القيمة كوّرت الشمس و انكدرت النجوم و وقف الفلك عن التّدوار و الكواكب عن التّسْيٰار و ذلك لا محالة كاۤئن لا ريب فيه و لكن علم السَّاعةِ عند اللهِ .

اقول قوله « توضيح اكمالي » اي توضيح به يكمل البيان ، اذا علمتَ انّ لكلِّ فلكٍ محرّكاً مُزَاوِلاً و هو المباشر يعني به الطبيعة و هي عنده غير الفلك اي غير ماۤدته و صورته مَع انه حكم عليهما مع نفسه بالاتّحاد بالبرهان الكاشف لكنه لمّا كان فيه متكلّفاً من غير معاينة يعني انه نظر في ذلك بفهمِهٖ و الفهم لايدرك لا الغاۤئب و لا الحاضر الّا بمرشدٍ فان كان غاۤئبا كان مرشده مع الكتاب و السنّة مع معرفة ما ضرب اللّه من الامثال و هي آياته في الافاق و في الانفس و ان كان شاهداً كان مرشده مع ذلك كلّه ما رأي ببصره و بعض ما سمع و ما ادركه بشيء من حواۤسّه و لمّا كان المصنّف انّما يدرك ما تكلّفَه فهمُهُ خالفَ مقتضي فطرتهِ فهمه المتكلِّف فكان بمقتضي فطرته ناطقاً بالتّعدّد فالمزاول هو المباشر و هو عنده هو الطّبيعة و عندنا المزاول هو الملك و الطبيعة آلَةٌ للملكِ و المحرِّك المفارق هو العقل عنده و عندنا هو الاسم البديع بالعقل او العقل بالاسم البديع .

[ص 324] و قوله « هو الغاية في الحركة » يعني انه المطلوب بالحركة الناشية من الطبيعة عنده و عنده ايضاً ان غاية الغايات هو الذات الواجب الذي ينتهي اليه كل طالب و منه تنال المطالب عز و جل لان الخَلاۤئق عنده كلّها تنتهي الي الوجوب الحق تعالي و نحن قد بيّنّا ان هذا القول يلزم منه حدوث الواجب او وجوب الحادث علي رأيهم و امّا عندنا فلايلزم علي هذا الّا حدوث الواجب تعالي فالغاية عندنا امر اللّه و هو يطلق علي شيئين احدهما فعل الله تعالي اعني مشيته و ارادته و ابداعه و الاشياۤء تنتهي اليه في العلة الفاعلية فهي قاۤئمة به قيام صدور و نسمّيه امر اللّه الفعلي و ثانيهما نور الانوار اعني الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و اله و الاشياۤء تنتهي اليه في العلّة الماۤدّية لان جميع مواۤدّ الاشياۤء من شعاع ذلك النور الانبياۤء عليهم السلام من شعاعه و المؤمنون من شعاع شعاعه و هكذا الي التّراب الطيب و الماۤء العذْب و الكافرون من عكس شعاعه و شيعتهم من عكس ظلمتهم و هكذا الي الارض السبخة و الماۤء الاجاج و في العلّة الصوريّة لان صور جميع الاشياۤء من هيئات هياكله لكلّ المُؤمنين الي الارض العذبة و الماۤء العذب و للكافرين من خلاف تلك الهيئاتِ الي الارض السَّبخة و الماۤء الاجاج فالاشياۤء كلها قاۤئمة به قياماً ركنيّا قيام تحقّقٍ و في العلّة الغاۤئيّة لان ذلك النور لاجله خلق تعالي ما خلق قال تعالي لولاك لماخلقتُ الافلاك و العلّة الفاعلية لاتتحقّق الّا بذلك النّور فيصاغ منهما المِثال الفاعل مثل قاۤئم المصاغ من الفعل و من اثره اعني القيام فكانت علل الاشياۤء كلها هذه العلل الاربع و كلّها في الحقيقة المحمديّة صلّي اللّه عليه و اله و نسمّيه امر اللّه المفعولي قال الصادق عليه السلام في الدعاۤء كلّ شيء سواك قام بامرك و امّا العقل فهو ينتهي اليها ايضاً و الي هذا الاشارة بقول الحسن العسكري عليه السلام [ص 325] كما في الدرة الفاخرة قال عليه السلام و روحُ القدسِ في جنان الصاقورة ذاق من حَداۤئِقنا الباكورَة و الباكورة اوّل الثمرة و الصاقورة هنا العرش يعني ان روح القدس اعني عقل الكل في الجنان التي سقفها عرش الرحمن و هي التي غرسوها بايديهم عليهم السلام اوّلُ مَنْ ذاق ثمرة الوجود فهو ينتهي الي ذلك النور و اليه تنتهي المخلوقات كلها لانه كما سمعتَ جميع العلل الاربع و لايصحّ ان يكون عقل الكل نهاية للاشياۤء الّا نهاية اضافيّة لانه مسبوق بالخلق الاوّل و العقل غصن من تلك الشجرة كما روي عنهم عليهم السلام انّ القلم اوّل غصنٍ اخذ من شجرة الخلد نقلته بالمعني فالقلم هو عقل الكل و شجرة الخلد هي ذلك النور الاكبر الاعز الاجل الاعظم و لايصح ان تكون ذات الحق تعالي نهاية للمخلوق و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الْجأَه الطلبُ الي شكله الطريق مسدود و الطلب مَرْدُود ه‍ ، و مراد المصنف غير مرادنا لانه يريد ان المحرك المباشر للافلاك و هو الطبيعة متجدّد الهويّة سيّال الذات فهو و ما حرّكه حادث و امّا المحرّك المفارق فهو الغاية و الغاية لايكون متجددةً و الّا لكان لها غاية و يلزم التسلسل و نحن نريد ان المنتهي و المنتهي اليه حادث و لايلزم التسلسل لانها تنتهي الي الفعل المحدث اعني المشيّة و المشيّة جعل نهايتها الي نفسها و اقامها بنفسها و قد نبّه عليه السلام علي ذلك الغافلين فقال خلق الله المشية بنفسها و خلق الخلق بالمشية ، فجعل الخلق منتهياً الي المشيّة و المشيّة منتهيةً الي نفسها لانها ظاهراً هي الحركة الايجاديّة و الحركة الايجاديّة لاتحتاج في ايجادها الّا الي حركة ايجاديّة و هي بنفسها حركة ايجاديّة فلاتحتاج الي ازيد من نفسها فخلقها تعالي بنفسها و انت في جميع حركاتك لاتحدثها الّا بنفسها و لكنّك ماتفطّنتَ في ذلك حتي ان الفقهاۤء اجمعوا علي ان المصلّي [ص 326] يحدث الصلوة بالنيّة و يحدِثُ النيّة بنفسها و الا لزم التسلسل فانتهت المخلوقات الي الفعل و الفعل الي نفسه و انقطعت سلسلة التسلسل فافْهم و قوله « اذا علمتَ ذلك ظهر لك ان الدنيا دار فناۤء » لانّها دار تكليف لا دار بقاۤء فلمّا انزل تعالي الخلق الي هذه الدار الزم بُنْيَتَهُمْ الاعراض و الاغراض و الدّواعي اذ لم‌يجعلها دارَ قرارٍ بل ابتلاهم بالبلايا و امتحنَهم للاختبار فلحقهم من تلك الاعراض جميع الاسقام و الامراض و من تلك الاغراض الغني و الفقر و من تلك الدواعي طاعة الملك الجبار و معصية السلطان القهّار و جعلنا بعضكم لبعض فتنةً و قصرت اعمارهم و طالت امٰالهم و اختبروا في اعمالهم و امٰالِهم ليعلموا انها دار زوال و انتقالٍ و ضرب لهم الامثال و بيّن لهم انّ الاخرة هي دار القرار و من نظر الي تغيّر الاشياۤء في وقت و ثباتها في وقتٍ عرف ان الدنيا دار فناۤء حيث وجد التغيّر في الاشياۤء بالامور الغريبة منها و ان الاخرة دار بقاۤء حيث وجد ان الثبات للاشياۤء من نفسها اذا تخلّصت من الامور الغريبة فان فسادها من الغراۤئب فاماتهم سبحانه في هذه الدار و اقبرهم فيما خلقهم منه ليتخلّصوا من العوارض الغريبة التي هي علة الفساد في الاجساد .

و قوله « و ان هذه الدار و ما فيها منتقلة الي الدار الاخرة » لان هذه الدار طريق لاهل الاخرة ليأخذوا منها متاعاً لسفرهم الي دار قرارهم و لم‌يخلقوا من الدنيا و انّما مرّوا عليها لاجل المتاع فكل ما فيها من خير و شر منتقل الي الاخرة فهذه الابدان هي بعينها ابدان الاخرة كما قال صلي الله عليه و اله و انما تنقلون من دار الي دارٍ ، و كذلك جنّة الدنيا هي بعينها جنّة الاخرة و نار الدنيا بعينها نار الاخرة كما قال تعالي في جنّة الدنيا جنات عدنٍ التي وعد الرحمن عباده بالغيب انه كان وعده مأتيّا لايسمعون فيها لغواً الّا سلاماً [ص 327] و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا فهذه في الدنيا ثم قال في هذه بعينها تلك الجنّة التي نورث من عبادنا من كان تقيّا يعني في الاخرة اي اَنّ التي فيها بكرة و عشيّ في الدنيا هي التي نورث من عبادنا في الاخرة و قال في نار الدنيا النار يعرضون عليها غُدوّاً و عشيّا و يوم تقوم الساعة فالغدوّ و العشيّ في الدنيا و هم يعرضون عليها في الدنيا غدوّا و عشيّا و يعرضون عليها يوم تقوم الساعة فالمعروض عليه واحد في الدّارَيْنِ دار الدنيا و دار الاخرة و قال صلي اللّه عليه و اله الدنيا مزرعة الاخرة ، يعني الزرع في الدنيا و الحصاد في الاخرة قال صلي الله عليه و اله مَن يزرع خيراً يحصِد غِبْطةً و مَن يزرع شرّاً يحصِد ندامةً .