و قوله « و ان السمواتِ مطويّات ، الخ » اي يعرف بتجدد الاشياۤء وَ تبدّلها ان السموات مطويّات كطيّ السّجل اَيْ الدفتر او كما يطوي كاتب النبي صلي الله عليه و اله الكتب و اسمه السّجل او السّجلّ اسم مَلَكٍ و المراد من طيّها و من تبديلها كشط ظاهرها و الّا فهذه السمواتُ في الدنيا بعينها هي سموات الاخرة كما ان جسدك في الدنيا هو جسَدُ الاخرة و انّما تُصَفّي كما يُصَفّي جسدُكَ و الدليل عندك فانت الدليل لك علي كل شيء و في انفسكم افلاتبصرون ، سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحقّ و الكواكب ساقطة قال تعالي و اذا الكواكب انتثرت لان الكواكب منها معلق في سلاسل و منها مركّب كالفص في الخاتم كما قال علي عليه السلام و المراد بالمعلّق بالسلاسل ما كان له فلك تدوير مركوز في ثخن الفلك فانه معلّق بالنسبة الي مقعّر الفلك و محدّبه لانه في فلك التدوير معلّق بين سطحي الفلك و المركّب كالفصّ في الخاتم ما كان سطحه مُمَاۤسّاً لسطحي الفلك فاذا نفخ اسرافيل نفخة الصعق بطلت الحركاتُ و انتثرت اشعّتها التي هي صورها [ص 328] فاذا كان يوم القيمة كانت السموات ارضين للجنان و الذي يظهر لي انّ اجرام الكواكب تبقي في مراكزها فهي في ارضي الجنان اعني السموات كالجبال في ارضي الدّنيا و انوار الكواكب مطموسة لرجوع انوارها الي الشمس و نور الشمس الي الكرسي و وقف الفلك اي الافلاك لانه اراد بالمفرد الجنس عن التدوَار بفتح التاۤء اي عن الدّوران لفناۤء نفسه بنفخة اسرافيل النفخة الاولي نفخة الصعق و وقف الكواكب عن التّسيار بفتح التاۤء اي عن السّير لفناۤء نفوس افلاكها و نفوسها التي تسبَح بها في افلاكها اما نفوس تداويرها او نفوسها هي اذ كلّ فني و ذلك الفناۤء لا محالة كاۤئن امّا فناۤء الجزئيات فهو مقطوع به بالوجدان و امّا فناۤء العالم العلوي عالم الافلاك و نفوسُهَا فقد ذكر المصنّف دليله من التجدّد و السّيلان و امّا قيام القيمة و الساعة فعندهم انّ دليله نصّ الكتاب المجمع علي تأويله و السنة عن النبي صلي الله عليه و اله التي لا اختلاف فيها و امّا الدليل العقلي فلميقم لهم دليل عقلي علي قيام الساعة الكبري الّا من حيث قيامه علي حشر الاَرْواح للجزاۤء علي الاعمال و امّا علي نفس قيام الساعة و علي حشر الاجساد فلميقم لهم دليل عقلي علي هذا و انّما يُثبتُونه من جهة الدليل النَّقْليِ من الكتاب وَ السُّنَّة و اقول اَمَّا الكتاب و السُّنَّة فحجّة قاۤئمةٌ و ليس فوق الكتاب و السنة حجة و لا اوضح برهاناً منهما و امّا من جهة دليل العقل فيتوقّف علي ذكر مطالب يطول بذكرها الكلام و لكن اذكر قليلاً من ذلك ينْتفع به اولوا البصاۤئر و الافهام و ان كانوا مع كثرة توغّلهم ماعثروا عليه و لمتصل عقولهم اليه فنقول مبدء الاشياۤء اعلي من كل شيء فبدءهم تعالي منه ليصلوا بمعرفته و طاعته الي اعلي درجاتِ ما يُمكن لكلّ واحدٍ منهم و لايكون ذلك الّا بقبولهم باختيار منهم فخلقهم علي الاختيار و كلّفهم بما يوجب القيام به وصولهم الي [ص 329] اعلي الدرجات و لايمكن التكليف بالاختيار الّا بانزالهم الي هذه الدار التي هي دار البلاۤء و الاختبار فخلقهم ثم كلّفهم ثم انزلهم اليها حتي كان منهم ما خلقهم له بما يَسّرَهم له فلمّا قضوا ما يُسِّرُوا له مما خُلِقوا له من الاعمال نَقَلَهُمْ مِنْها الي ما هم صاۤئرون اليه من اعمالهم التي منها طينتهم فرجعوا الي ما بُدِؤُا منه صاعدٖين اَوْ نازلين فلا بد اَنْ يَمُرُّوا بمحاذي نزولهم في كلّ رتبةٍ فمحاذي الاول يكون اخيراً و محاذي الاخير يكون اوّلا كما هو شأن العَوْد في كل شيء فاوَّل مقامٍ للتكليف في نزولهم مقام الخطاب بالستُ بربّكم و هم نفوس كالذّرّ يدبّون او يدرجون و هو يوم الجمع الاوّل في البَدْء و هو يوم حقّتِ الكلمة و عَضّ الانامل من الغيظ و يحاذيه في صعودهم يوم القيمة فالاول يوم القيمة الاوّل مقدارُه خمسونالف سنة و ذلك يوم النزول و يوم الدخول في قيود التكليف و الثاني يوم القيمة الثاني مقداره خمسونالف سنة و هو يوم الصّعود و يوم الخروج من قيود التكليف و ثاني مقامٍ كسرهم في الطين و امتزاجهم في النور الاحمر المسمي بالطبيعة الاولي مقداره اربعمائة سنة فكانوا في نزولهم طينا مصلصَلاً لا حسَّ و لا محسوس لاجلِ عَركهِمْ باعراض الدنيا التي هي دار التكليف و يحاذيه في صعودهم مقام ما بين النفختين مقداره اربعمائة سنةٍ فكانوا تراباً متفتِّتاً هامداً فالاوّل لاجل مزجهم بالاعراض و الاغراض و دواعي الامراض للابتلاۤء في التكليف و ايذاناً بالفناۤء و الانتقال و الثاني لاجل تخليصهم من الغراۤئب و الاعراض و ما لحقهم من دار الفناۤء و الزوال ايذاناً بالبقاۤء و عدم الارتحالِ فكٰانوا تراباً هَامِداً لا حِسّ و لا محسوس فاقتضت الحكمة ان تكون هيئة الدخول كهيئة الخروج و حيث كانت الاجسام و الاجساد اشياۤء و اخبر خالقها العالم بما خلق في قوله الحق و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم [ص 330] و قد خوطبت النفوس بالستُ بربكم و هي في اجسامها و تسئل عن موافاة قولِها بلي في قبورها و هي في اجسامِها و في محاذاة يوم السؤال في البدء يوم الحشر فتعاد للجزاۤء و هي في اجسامها فهي في كل مقام هي هي بلا زيادة ذاتيّةٍ و لا نقصان و انّما كانت في البدءِ ذاۤئبةً لاجل تمكّنها من العرك في الكسر و الصّوغ في الوجود الشرعي فلمّا انتهي ذلك جمدت لاجل الثبات فكانت جامدة متماسكة في البقاۤء في حكم الذاۤئبَةِ و آية هذا ما هو مشاهدٌ عياناً في مرءاة الحكماۤء الذي هو عمل الاكسير علي الطريق فانّهم يَحُلّون الماۤدة مرّة بعد اخري و يعقدونها و يَحُلُّونها و يعقدونها ثم يزوّجون الذكر بعد تطهيره و غسله عن سواد الاعراض بالانثي ثم يفصِّلونه الي العناصر الاربعة ثم يحلّونه و يعقدونه ثلاثا ثم يحلّونه و يعقدونه ستا علي تفصيلٍ عندهم و قد تَمّ و هو جَسدٌ صاف لَوْنُه لونُ الذهب و اشدّ و كذا ثِقَله و لكنه شفاف كالبلّور و هو كالماۤء في حكم الذوبان و الانتشار و الغوص و فعله روحاني و هو جسم و هو آية اجسام الاخرة فانها تدرك ما تدركه النفوس و ذلك لاعتيادها علي الكسر و الصوغ و الحل و العقد فقد حُلّت في العقل و عُقِدَتْ في النفس و حُلّت في الطبيعة و عُقِدت في المثال و حلّت في السحاب و الماۤء و التراب و النبات و النطفة حلّت فيها و عُقِدَتْ في العلقة و حلّت فيها و عقدت في المضغة و حُلّت فيها و عُقِدت في العظام و حلّت حين كسيت لحماً و عقدت في الدنيا و حُلّت في القبر و عقدت في الرجعة و حلّت بين النفختين و عقدت في القيٰمة فكانت الاجسام كالنفوس في ادراك الغيب و كانت النفوس كالاجسام في ادراك الشهادة فجري عليها الحشر بمقتضي حشر النفوس فافهم و ايضا الارواح و الاجساد كلها من شيء واحدٍ و هو الوجود الّا ان الوجود [ص 331] لمّا كان كله شعوراً و احساساً و عقْلا و ادراكا و اختياراً و حيوة كان ما خُلِق منه كلّه مثله كل شيء بنسبته فما كان اقرب الي المبدء كانت الصفات المذكورة فيه اقوي و ما كان ابعد كانت فيه اضعف فهي في الارواح اقوي منها في الاجسام و في الاجسام اقوي منها في الاجساد و هذه الصفات في كل شيءٍ حتّي في الجمادات فالدليل الداۤلّ علي اعادة الارواح داۤل علي اعادة الاجسام و الاجساد لانّها تحسّ و تتنعّم و تتلذّذ و تتألّم كالارواح الّا انّ ذلك ضعيف و لكنها مكلفة كالارواح و انظر الي الكتاب و السنة فانهما ناطقان و ليس هذا مكانا لهذا الكلام و انّما ذكرته استطراداً لينتفع به مَن كانَ طالباً له كما كنتُ افعل في الاشياۤء المجهولة فاني اُنَبِّه عليها تلويحاً و ان لميكن المقام يقتضيها .
و قوله « و لكن علم السّاعة عند الله » يريد به انّ ذلك من الاشياۤء الخمسة الّتي تفرّد الله سبحانه بعلمها و لكن الكلام في ذلك كثير و انّ الساعة ما المراد بها فقيل المراد بها القيٰمةُ الكبرَي و قيل المراد بها قيام القاۤئم عليه السلام و قيل المراد بها حضور الاجل المحتوم و قيل المراد بها وقوع شأنٍ من شؤن اللّهِ تعالي و قيل المراد بها حضور الموت الارادي كما قال الحكيم مُتْ بالارادةِ تَحْيَ بٱلطَّبٖيعَةِ و اخْتِلاف الاقْوال من اختلاف المفسرين و الاخْبار حتي انّهم ربّما ذكروا وُجُوهاً من التأويل للٰاية كلّها و قال بعضهم ما قال الله سبحانه و ما ادريٰك فقد اخبر به و ما قالَ و ما يُدريك فانّه لميخبر به و ٱلسّاعة قال فيها و ما يدريك و قيام الساعة و ان كان من المحتوم الّا ان المجهول وقتُ القيام فانّ لله سبحانه البداۤء في التقديم و التأخير فمحمد و اهل بيته (ص) يعلمون قيام الساعة في نفسه و امّا التَّقْديم و التأخير فالي الله سبحانه فان اخبرهم بالوقت المحتوم و الّا فهو من المبهم المجهول [ص 332] و كلام علي عليه السلام لميثم التمّار انّ اللّه عز و جل تفرّد بخمس لميُطلع عليها احداً من خلقِه و تلا الٰاية و قال له لولا آية في كتاب اللهِ و هو قوله يمحو اللّه ما يشاۤء و يثبتُ لاخبرتكم بما كان و ما يكونُ الي يوم القيمة ، يدلّ عَلي انّ الجهل بها و بامثالها من جهة البداۤء لانّ ما لميكن فلِلّهِ عز و جل البَداۤء فيه .
تذنيب - ذهب كثير و منهم المصنّف الي اَن الزمان عبارة عن حركة الفلك و لو كان حقّا لَماوُجد زمانٌ بين النفختين لاجماع المسلمين علي بطلان جميع الحركات اربعمائة سنة ليس في الارض و لا في السَّموات و لا بينهن و لا فوقهنّ و لا تحتهنّ متحرّك و لا ذو روح موجود الّا وجه اللّه البَاقي بعد فناۤء كل شيء و لانّه مقابل في الصعود لعالم الطبيعة الكلية اعني طبيعة الكلّ و مع هذا فاجرام السموات و الارضين و الجبال باقية و الزمان لايفارق الاجسام و لاتفارقه فلايوجد زمان لا جسم فيه و لا جسم لا زمان له الّا الاجسام الجوهريّة المجرّدة عن الماۤدّة العنصريّة و المدّة الزمانية و هي النفوس و الطبيعة الكلّية و جوهر الهباۤء اي الحصص الجنسيّة قبل تعلّق الحِصَصِ الفصْليّة بها و الزمان هو المُدَد بضم الميم جمع مدة و هو مقدار مكث الجسم في مكانٍ و امّا الحركات فهي آلٰاتُ تصوّرِهٖ كما اذا ابتدء ساۤئرٌ سريعٌ و متوسط و بطيۤء من اوّل مسافةٍ معينةٍ دفعة كما ذكروه فالزمان هو المكث الوقتي خلقه الله سبحانه مع المكان و الجسم دفعةً في الظهور الوجوديّ و ان تقدم عليهما بالذات الّا انه لايَظْهرُ الّا في مكَانٍ و وقتٍ و الحمد للّه رب العالمين ، تم الجزء الاوّل في المبدء من شرح العرشيّة و يتلوه الجزء الثّاني في المعاد بقلم مؤلفه احمد بن زينالدين الاحسائي في الليلة السادسة و العشرين من ذي الحجة الحرام سنة اربع و ثلاثين بعد المائتين و الالف حامدا مصليا مسلما مستغفرا .