فقوله « انَّ الطبيعة صورة جوهريّة » يريد طبيعة الاَجْسام و هي كما قال و المراد انّ الماۤدة الجسميّة صوّرها بالصورة الجسميّة فهي سارية فيها و الصُّورة الظاهرة اثر الباطنة و لباسُهَا و هي دالّة عليها للعارف بها و اليه الاشارة بقوله تعالي و لتعرفنّهم في لحن القول و تلك الطبيعة هي افتقار الشيء الي المفيض له لانه قاۤئم بالمفيض له قيام صدور فتكون طبيعته قابليته للمدد الذي هو الماۤدة و بنفس المدد قياماً ركنيّاً و معني قولي ان مذاق المصنّف انه بعد هذا قال انّ هذا الميل اعني الحركة ذاتي للطبيعة ليس مجعولاً و انما المجعولة هي و يأتي و هي اي الطبيعة مبدأ لحركة ذي الطبيعة و سكونه و هذا ظاهري .
و قوله « و ما من جسم الّا و فيه هذا الجوهري الصّوري الساري في جميع اجزاۤئه » و هذا ظاهر لانّها صورة نوعيّة كالصورة النّوعيّة الخشبيّة و هذا الصوري مبدأ قريب لميله بل هو روح الميل بل هو الميل في نفس الامر فعلي ظاهر الحال تكون الطبيعة هي علّة التّجدد و لانسمّيها حركةً و من قال بالحركة التي تنشأ من الجسم هي علّة التجدّد و الدثور فبعضهم قال هي نفس الطبيعة لان مطلق الطبيعة قد لاتكون حركة و لا مبدأً للحركة لكن الحركة [ص 280] الذاتية للجسم لاتكون الّا طبيعة له و بعضهم قال الحركة تنشأ من الطّبيعة و هي العلة القريبة للتجدّد وَ الدثور و المصنف جعل العلة هي الطبيعة و علي كل فرض فكلّ جسمٍ او جسماني مما هو في الزمان كالاجسام المركّبة العنصرية او الطبيعية كالافلاك فانها مركبة عند اهل الطبيعي من الحرارة و الرطوبة كما تقدّم النقل عنهم او مما هو خارج عن الزمان بذاته داخل بافعاله كالنفوس عندنا فهي متجدّدة متبدّلة اما عند المصنف فلجعله ايّاها من ساۤئر الاجسام و امّا عندنا فلان كل ما دخل في سلطنة كن فهو متجددٌ متبَدّل سواۤء كان مجردا ام لا و امّا الدثور فاِنْ اريد به العدم فلايجري علي شيء و ذلك كما قال تعالي قد علمنا ما تنقصُ الاَرْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدنا كتاب حفيظ و ان اريد به التحلّل و التفكّك و التَّصْفية فهو جارٍ عندنا علي النفوس و ما تحتها و امّا العقول فكذلك لكنه تبدّلٌ معنوي و تحلّلها عبارة عن تحلّل متعلقها هذا في ظاهر القول و امّا في حقيقته فجميع الخلق متساوية و انّما تختلف ظاهراً و هو مرادنا بقولنا و امّا الكسر و الصوغ فهو عندنا عام في ما سوي الذات البحت عز و جل .
و قوله « سواۤء كان ذا ميلٍ بالفعل او بالقوة ، الي اخره » اي سواۤء كان حركته محسوسة كالاجسام النامية من الحيوانات و النباتات ام لا كالتي بالقوة كالجمادات القاسية كالحجارة و الحديد و مَا اشْبهَهُمَا فالمراد بما بالفعل و بالقوة هذا المعني لا ان المراد به المعني المتعارف فيلزم انّ منها ما ليس الٰان بمتجدّد و داثر كما ذهب اليه بعض شاذ من المتكلمين من ان الاشياۤء لاتحتاج في بقاۤئها الي المدد و ان احتاجت اليه في صدورها و بعضٌ ذهب الي انّ المتجدّد المتبدّل حال وجوده انما هو الحيوانات و النباتات و ذهب السيد المرتضي الي هذا في الجوهر الفرد و في الاعراض فقال في رسالته ما معناه ان الالٰه هو المنعم فاللّه ليس الٰاهاً للجوهر الفرد و لا العرض لانهما [ص 281] لايحتاجانِ الي المدد و كل هذه اقوال منحرفة عن الحقّ و سير هذه الاشياۤء المتجددة منها علي نحو خطٍ مستقيم و هو اقصر الخطوط الواصلة بين نقطتَيْنِ و ذلك ما كان مقصده في جهةٍ كسير العناصر الثقيلة الي اَسْفَل و الخفيفة الي اَعْلَي اَوْ مستدير كالمتحركات بالحركة الوضعيّة كالاَفْلاكِ و الي المركز في العَوْد و من المركز في البَدْءِ و الممكن المخلوق هو ابداً في التحوّلِ من حالة الي اخري في اطواره بسبب اختلاف قابليّاتِهٖ اي قابليات عقله في الاقبال و الادبار و السير و الوقوف و قابليات روحه في التّلوُّنَاتِ بصور المعاصي في الطاعات و الطاعات في المَعاصي و قابليات نفسه في التّشكّلَات بصور طبائع اعماله و اقواله و احواله و في التّبدّلِ في صُوَرِهٖ بما اَعٰادَهُ ممّا تحلَّلَ مِنْهُ الَيْهِ و في السَّيَلانِ في احوال نُمُوِّهٖ وَ ذُبُولهٖ لانّ النازل اليه و النازل منه ليس مثلاً تاۤمّا و لا اجزاۤء متفاصلة بل مددٌ منحطّ سيّال و كمّ متّصل كالنهر الجاري المستدير الذي ينصَبُّ آخِرهُ في اوله و ظاهره في باطنه و خلفه في امامه و يساره في يمينه فهو كرة تدور علي مركزها في ذاتها لا الي جهة و ليس بداۤئرةٍ و لايَجْري علي الاستقامة كما توهّمه مَن لميعرفه و الّا لبطل الوعد و الوعيد و الثواب و العقاب و سرعة الميل و بُطؤه و تعدّده و توحّده بحسب جوهر ذاته و بحسب تَلَقّيه من مبدئه بنفسه او بواسطةٍ او وساۤئط كسَيرِ الحقيقة المحمديّة (ص) و ميلها علي مركزها و هو الفعل اي المشيّة في كونها و الارادة في عينها بنفسها بدون واسطة و هي اسرع المتحركات كلّها بعد الفعل و لها دورة واحدة ذاتية علي الفعل لا الي جهةٍ و للعقل استدارة ذاتيّةٌ علي الفعل و استدارة عرضيّة علي الحقيقة و انما كانت الثانية عرضيّة مع ان العقل متقوّم بالحقيقة تقوّم تحقّق اي تقوّماً ركنيّا لانّها تابعة للاولي لانه متقوّم بالفعْلِ تَقَوّمَ صدورٍ فذاته تأكيد للفعل و للروح استدارة ذاتية كذلك علي الفعل و عرضيّتان اصليّة [ص 282] اوليّة علي الحقيقة و فرعيّة اَوّليّة علي العقل و للنفس استدارات اربع ذاتية علي الفعل و عرضيّة اصليّة اَوّليّة علي الحقيقة و عرضيّة فرعيّة اوليّة علي العقل و عرضيّة فرعيّة ثانوية علي الروح و للطبيعة استدارات خمس ذاتية علي الفعل و عرضيّة اصلية اولية علي الحقيقة و فرعيّة اوليّة علي العقل و ثانويّة علي الروح و ثالثيّة علي النفس و هكذا الي اخر الممكنات كل ممكن يستدير بتَلقّي قابليته علي جميع علله و الذاتية منها واحدة و الباقي عرضيات و اعلي الممكنات اسرعُهَا استدارة و ابعدها ابطؤها و ما بينهما كلّ بنسبة رتبته فما قرب من المبدء اسرع و ما بعد ابطأ و حركته عندنا هي نفس طبيعته لانّ هذه الحركة المشار اليها ليست حركة فعليّة لتكون ناشية عن طبيعته بل هي حركة ذاتية و هي ميل ذاته بفقرها الي وجه مبدئها تطلب منه استغناۤءها و كونها ذاتية و عرضيّةً لاجل تعدّد تعلّقِها باسبابها المتعدّدة و نظرها المتعدّد الي ابواب امداد مبدئه .
قال : و حركته الذاتية الوجوديّة اصل جميع الحركات في الاعراض الاينيّة و الوضعيّة و الاستحالات الكميّة و الكيفيّة و بها يرتبطُ الحادثُ بالقديم لا بغيرها من الحركات العرضيّة لان تلك الطبيعيّة هويّتُهَا هويّة التجدّد و الانقضاۤء و الحدوث و الانصرام » .
اقول قوله « و حركته الذاتية الي قوله و الانصرام » يريد به ان حركته الذاتية و هي الناشية عنده من طبيعته و عندنا هي نفس طبيعته الْوجوديّة و هذا القيد من المصنف احتراز عمّا ينسب الي الماهيّة فانّها عنده لا وجود لها الّا ما ينسب اليها بالعرض و التبعية و لا ايجاد لها متعلق بها و انّما الايجاد للوجود و الحركة الطبيعيّة عنده منسوبة الي الوجود كما قال و حركته الذّاتيّة الوجوديّة و علي كلامه يتناقض كلامه لان الوجود لذاته واجب و انّما ينسب اليه [ص 283] النقص بالعرض لما لحقه من رتبة النزول و حدوثه عنده هو و اتباعه في الحقيقة عبارة عن نسبته الي الماهيّات و النقائص اللّاحقة بالعرض لا لذاته و اذا كان لذاته واجباً فلاتصِح نسبة الحركة اليه لانّ الحركة المشار اليها حركة الاحتياج و الفقر و الحركة التي يدّعيها ذاتيّة لا عارضة للنّسْبَةِ و اَمّا الماهيّة فانها عندنا موجودة بايجادٍ خاصٍ بها الّا انّه مترتّب علي ايجاد الوجود كما ذكرنا سابقاً من انّه هو المقصود بالايجاد و لكنّه لايتقوّم ظاهراً في الاكوان الخارجيّة الّا بمٰاهِيّةٍ فَاَوْجَد ٱللّٰهُ ٱلماهيّة للوجود ثانياً و بالعرض فطبيعة الماهيّة الّتي هي هويّة الممكن اوْلي بميله و تحريكه الي فيض علّته علي قاعدة المصنف و امّا عندنا فالوجود و الماهية كلّ منهما يتحرّك بطبيعته الي المَبْدء لان طبيعة المحدث من وجودٍ او ماهيّة قابليّته للايجاد و انفعاله به و هي حركته آخِذاً و مُعْطِياً فاحتراز المصنّف بقوله و حركته الذاتيّة الوجوديّة لايمنعه الخطٰاۤء و الغلط بل يوقعه فيهما من حيث لايشعر و لايصغِ قلبك الي مثل ما حقّقه في كتابه الكبير فانها علوم و اعتبارات منطقيّة كانت محصّلةً من نتائج عقولهم و استنباطها من مدلولات الالفاظ من ظاهر اللغة التي يتخاطب بها اجلاف العرب و يفهمونها و هي و ان كانت صحيحة الّا انّها اسفل وجوه العربيّة التي وضعها الواضع عزّ و جل و هي سبعون وجهاً للكلمة الواحدة و كلّ السّبعين اسماۤء و صفات للخلق لايصدق منها شيء علي الخالق سبحانه كما لايصدق شيء من موصوفاتها و مسمَّياتها عليه تعالي في حالٍ فكيف يكون القضايا المنطقيّة كاشفةً بنتاۤئجها و مدلولاتها عن الحقيقة الالهيّة و انما تفيد في العلوم اللغويّة العربية و الاحكام الشرعية و العلوم الرياضيّة و بعض العلوم الطّبيعيّة و انّما لمابيّن بطلان ما ذكروا هناك لانّهم يبحثون في مساۤئل كثيرة من الحكمة النظريّة التي هي مبنيّة علي حسب الطّاقة البشريّة و يطيلون الكلام في تصحيح الالفاظ و المفاهيم التي يفهمونها [ص 284] منها و لو اردتُ بيانها بنحو ما سلكوا لخرجتُ عمّا انا سالكه من دليل الحكمة الي دليل المجادلة بالتي هي احسن فصار بحثنا معهم في المفاهيم اللفظية و انا انهي عن ذلك لانه لايؤدّي الي النور بل ابيّن بطلان الكثير باقل قليل كما اذا قالوا علم الله و سمعه و بصره هي عين ذاته و مفاهيمها متغايرة و مغايرة لذات الله تعالي و انّما الاتّحاد في الوجود قلتُ لهم هي ذات اللّه تعالي فما معني مفهوم ذاته و هل تدرك الافهام منه شيئاً حتّي يكون مفهوماً و انما العلم و السمع و البصر التي تفهمون حادثة لانكم انما تفهمون علمكم و سمعكم و بصركم و تجعلونها عين ذاتِ اللّه تعالي عنكم و عنها و لو اردتم الصفات التي هي عين ذات اللّهِ تعالي لماقلتم انها متغايرة و مغايرة لذاته انا للّه و انّا اليه راجعون اذا كانت الحكمة النظريّة كما ينطق به حدّها علي حسب الطّاقة البشريّة كيف يفهم منها ما هو حقيقة الذات الاحديّة الصمديّة .
و قوله « اصل جميع الحركات » يعني ان الحركة الوجوديّة الطبيعيّة هي اصل جميع الحركات الحادثة في الاعراض الحاۤلّة في معروضاتها من الاينيّة المكانية و الاينيّة الوضعية في جهات الوضع الثلاث و في الاستحالات الكمّية نُمُوّاً و ذبولاً و في الاستحالات الكيفيّة من نحو بياض الي سواد و بالعكس او غير ذلك و هذا صحيح .
و قوله « و بها » اي بالطبيعة التي هي منشأ الحركة الاصليّة ربط الحادث بالقديم عنده و هو غلط بل الطبيعة هي الحركة الاصليّة الجوهريّة و هي و ذات ذي الطبيعة اثر فعل القديم عز و جلّ و لو جاز ربط حقيقي بينه تعالي و بين خلقه لكان الفعل احقّ بالربط من اثره لانه هو الواسطة بين الفاعل و المفعول و الفعل عندنا الارادة و المشيّة و الابداع و الاختراع و لكنه يستحيل الربط الحقيقي لاستلزامه الاقتران المستلزم للحدوث الّا اذا اريد به النسبة المفعولية الي الفاعل الذي هو المثال و نعني بالنسبة الانتساب [ص 285] المفعولي كما تقول ربّي و خالقي و ينتهي المخلوق الي الوصف الفعلي و الي الفعل و المفعول المنتسب ينتسب بحركتين طبيعة الوجود و هي حركة انفعاله بماهيّتِهٖ و طبيعة الماهية و هي حركة انفعالها بوجودها .
و قوله « لا بغيرها من الحركات العرضيّة ، الخ » يعني ان الربط بالطبيعة لانّها تَحدث عنها الحركة الاصلية التي بها يسير الي الله سبحانه ذو الطبيعة لا بالحركات الحركة العرضيّة التي ذكرها الحكماۤء و اقول قد تقدم الكلام علي ذلك و ان المراد بالطبيعة هي الحركة الاصليّة الافتقاريّة الانفعاليّة لا مطلق الطبيعة كما لايخفي و علّل ذلك بان تلك الطبيعة هويّتها هويّة التجدّد و الانقضاۤء و الحدوث و الانصرام و قد اشرنا الي ان الشيء له طباۤئع منها الحركة و السكون و الحرارة و البرودة و ما اشبه ذلك و مطلوبنا هُنا هو الحركة لا الطّبيعة المطلقة كما يظهر من كلام المصنف و الّا لمانفي الحركة و جعلها شيئا معنويّا في الحادث سارياً فيه فافهم ثم اذا فهمتَ هذا فاعلم ان المصنّف جعل علة الربط المذكور هي الطبيعة كما مرّ و ان الحركة الاصلية التي ذكر الحكماۤء انها هي ناشئة عنها و ان الطبيعة غير المتحرّك و غير الحركة و قلنا بان الطبيعة المرادة هنا هي الخاۤصّة و ليس الّا الميل التكوّني اي القبول للمقبول لان التكوين الايجادي اذا القي هيئة ذاته مع هيئة صفته ظهر المقبول بانفعالِ تَيْنِك الْهيئتينِ و الانفعال هو القابليّة و المقبول الّذي هو نفس الهيئتَيْن المنفصلتين ظهر في الاكوان و الاعيان بانفعاله و هو قابليته اي حركة قبوله للايجاد و هي و ان كانت من المقبول فهو سابق عليها في الذات الّا انه مساوق لها في الظّهور وَ هي نَفْسُ طَبيعته الاصليّة اعني طبيعة المقبول فلاتغفل .
قال : و لا سبب لحدوثها و تجدّدِها لانّ الذاتي غير معلل بعلّة غير علّة الذات و الجاعل اذا جعلها جعل ذاتها المتجدّدة و امّا تجدّدها فليس جعلَ [ص 286] جاعلٍ و تأثير مؤثر فاعلٍ و هذا بعينه مثل ما قالته الفلاسفة في باب الزمان من انّ هويّته لذاتها متجدّدة مُتَقَضِّيَةٌ سيّالة لٰكِنّا نقول الزمان مقدار التجدّد و التبدُّل و الحركة معناها تجدّد حال الشيء و خروجه من القوّة الي الفعل تدريجا و هي امر نِسْبيٌّ عقلي مصدريّ انتزاعي لانها نفس التجدّد و الخروج منها اليه .
اقول قوله « و لا سبب لحدوثها و تجدّدها » يريد به انّ الحركة الطّبيعية الذاتيّة التي هي تجدّد الطَّبيعة غير معلّلٍ بعلّةٍ غير علّة الذّات و مرادُهُ انّ اللّه سبحانه خلق الشيء و لميخلق لوازمه بخلقٍ و ايجادٍ زاۤئد علي ايجاد الشيء بل بتبعيّة ايجاد الشيء و ذلك كما نقلوهُ عن شيخ الاشراق من قوله لما سئل عن مثل هذه المسئلة و كان بين يديه مشمش فقال ان الله سبحانه ماجَعل المشمش مشمشاً و انّما جَعَل المشمش و جري علي السنتهم كالمثل كلّ مَن سمعه قَبِلَهُ مِنْ غير تأمّل و لا نظرٍ مع انّه باطلٌ لان كون ٱلمشمش مشمشاً ان كان شيئا فالله سبحانه خالقه لميخلقه المشمش و لا نفسه و لا القاۤئلون بعدم مجعوليته و ان لميكن شيئا فنفيهم لا لثابتٍ باطل و دعوي انه امر اعتباريّ كما توهّموه باطلة فانّ الموهوم و الاعتباري و المفروض اشياۤء خلقها اللّه تعالي و سيدنا الصادق عليه السلام قال كلّما ميّزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود اليكم او عليكم ه ، و في دعاۤء السمات للحجة عليه السلام و خلقتَ بها الظلمة و جعلتها ليلاً و جعلتَ الليل سكنا و خلقتَ بها النور و جعلته نهاراً و جعلتَ النهار نشوراً مبصراً و خلقتَ بها الشمسَ و جعلتَ الشمس ضياۤء و خلقتَ بها القمر و جعلتَ القمر نوراً و خلقت بها الكواكب و جعلتها نجوماً و بروجاً و مصابيح و زينة و رُجوماً و جعلت لها مشارق و مغارب و كلّ هذه مثل جعل المشمش مشمشا لان قوله و خلقتَ الظلمة و جعلتها ليلاً و الظلمة المخلوقة هي الليل و جعل الظلمة التي هي اللّيل ليلاً [ص 287] و كذا جعلُه سكنا مثل جعل المشمش مشمشا و كذا باقي الكلام لكن القوم بذلوا جهدهم في جحود نصفِ العالم فجعلوه ليس شيئا و انّما هو امر اعتباري حتّي قالوا ان الوجوب و الامكان و القدم و الحدوث و الفوقيّة و التحتيّة و الظلمة و الموت بل كل الاشياۤء المفروضة او التي لايرونها باعينهم و لايلمسونها بايديهم كلها و امثالها امور اعتباريّة ليست بموجودة و لا مخلوقة و لا مجعولة مع اعترافهم بان اسماۤءها ليست مهملة و مع اعترافهم انّ اللفظ الذي لميوضع بازاۤء معني فهو مهمل و بانها اشياۤء و يقرؤن قول الله سبحانه و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم و يزعمون تَفصِّياً من الجواب انّ الذِّهن تكون الاشياۤء فيه موجودة بحقاۤئقها لا باظلّتِها فاذا قيل لهم لم لاتحرقكم النار التي في اذهانكم قالوا الاحراق من العوارض الخارجيّة فنقول لهم الوجودات الذهنيّة هل هي من عالم الغيب ام من عالم الشهادة و في كلٍّ منهما تحرِق النّار و ايضا ان كان ما في اذهانكم لايكون الّا ظلّا و شبَحاً لِلْاُمورِ الخارجيّة كما نقوله نحن ثبت اَنّ كلّ ما تتصوّرونه فان اللّه سبحانه قد خلقه قبل ذلك كما صرّحَتْ به الاية في قوله تعالي و ان منْ شيءٍ الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم ، و كقول الرضا عليه السلام المتقدّم الذي رواه الصدوق في اوّل علل الشراۤئع و هو قوله عليه السلام و لاتقع صورة في وهم احدٍ الّا و قد خلق اللّه عز و جل عليها خلقاً لِئلّايقول قاۤئل هل يقدر اللّه عز و جلّ علي اَنْ يخلق صورة كذا و كذا لانه لايقول من ذلك شيئا الّا و هو موجود في خلقه تبارك و تعالي فيعلم بالنظر الي انواع خلقه انّه علي كل شيءٍ قدير ه ، فيكون ما في الاذهان صُوَراً منتزعةً من الخارجي فكلّ ما يسمّونه اعتباريّاً فهو شيء خلقه اللّه و اقامه في مكانِ رُتْبَته من الوجود و ان كان ما في اذهانكم اشياۤء مستقلّة كما تزعمون بانّ [ص 288] النّفس لها قوّة اختراع ما شاۤءت من الصّور و الاعتبار لا من شيء انتزعَتْها منهُ فنريد منكم ان تذكروا كلامَ زيدٍ لكم في مكّة مثلاً في العام الماضي في هذا الأن من غير اَن تلتَفِت نفوسكم بمرءاة خيالها الي زيد المخاطبِ و لا الي كلامه و لا الي مكانه و لا الي وقته فان قدرتم علي ذكر كلامه من غير ان تلتفت نفوسكم اليه في وقته و مكانه فانتم صادقون و ان كنتم لاتقدرون علي الذكري بدون الالتفات المذكور فاعلموا ان الذي في اذهانكم كالصور التي في المرايا لاينتقش فيها شيء حتي تُقابلها ذوات الصور فتنتقش فيها اشباحها و اظلتها كذلك انتم لمّا خاطبكم زيد في مكّة في العام الماضي و تَفَارَقْتم و ذهب زيد بَقِيَ مثاله و مثالُ كَلامِهٖ في غيب ذلك المكان و في غيب وقته فاذا اردتم ذكر ذلك قابلَتْ نفوسُكُمْ بمراياها مثال زيد و مثال كلامه في غيب مكان الخطاب و وقته فانْتقش ذلك في نفوسكم لانّها انتزعَتْ من الامثلة القاۤئمةِ هناك صورها و اظلّتها و لو لمتلتفت لمتذكر و لو كانت تخترع لاخترعت صور ذلك من غير التفاتٍ و الحاصل ان كلام المصنّف في كونِ تجدّد الطبيعة او الحركة و الانقضاۤء و الحدوث و الانصرام و امثال ذلك اموراً اعتباريّةً لٰا وجودَ لها مبني علي قواعدَ قشريّةٍ منهدمةٍ لاتبني عليه قواعد الدين و لاتؤسّس علي مثلِها بنيانه .
و قوله « و هذا بعينه ما قالتْه الحكماۤء الفلاسفة في باب الزّمانِ مِنْ اَنّ هويّته لذاتِها متجدّدة متقضّية سيّالَةٌ » يريد به قولهم لذاتها متجدّدة اي انّها متجدّدة منْ دونِ مجدِّدٍ جَعَلَهٰا متجدّدة بل تجدّدُها مِنْ نَفْسِها و انا اقول لعلّ مراد الفلاسفة انّها لذاتها اي ان الجاعل جعلها متجدّدة لذاتها لا انّ تجدّدها بالعرض او بتجدّد اعراضها و ليس مرادهم ان تجدّدها من نفسها من دون مجدِّدٍ جعلها متجدّدةً كما هو مراد الاواۤئل منهم الّذين قرأوا علي الانبياۤء عليهم السلام و اخذوا [ص 289] الحكمة منهم و لو فرضنا ان هؤلاۤء القاۤئلين بذلك ارادوا مَا اراد المصنّف ادخلناهم معه في الخطاۤءِ بل كثير من اَخْبار الائمة عليهم السلام داۤلّ بصريحه علي انّ هذا القول شرك .
و قوله « لكنا نقول الزّمان مقدار التجدّد و التّبدل و الحركة معناها تجدّد حال الشيء ، الي اخره » يريد به بعد قوله و هذا بعينه ان مرادي مجرّد التمثيل لَا التساوي الحقيقي اذ بين الزمان و بين ما نحن فيه فرق فان الزمان ذاته مقدار التجدد و التبدل اي نفسهما فهو نفس الحركة المتجددة و ما نحن فيه فحركته تجدّد حاله اي هيئته لا ذاته و كلامه ايضاً ظاهري قشري و في الحقيقة خطأ خلاف الصواب و الصواب ان الزمان و الحجر علي حدٍّ واحدٍ في التجدّد و التبدّد لا فرق بين الثابتة كالعقول المجردة و بين القاۤرّة المتماسكة كالحديد و بين المتهافتة كالنار و الهواۤء وَ الماۤء و بين الغير القارة كالزمان و الاصوات لان الجميع قاۤئم بفعلِ اللّهِ قيام صدور كقيام الصورة في المرءاة بالشخص المقابل لا كقيامها بهيئة الشخص المقابل فانّه قيام ركني فالزمان نفس الحركة من حيث قابليته للايجاد التي هي ماهيّته و هي جزء ماهيّته بالمعني الثاني كما ذكرنا اي جزء هويّته لا من حيث وجوده اذ من حيث وجوده حركته تبدّل احواله و هذا بعينه حال جميع الخلق فان العقول المجردة و الحديد من حيث قابليتها فهي نفس الحركة لان قابليتها للايجاد هي نفس الحركة و من حيث وجوداتها حركتها تجدّد اَحْوالها و تبدّلها لا تبدّل الذّوات الجوهرية و الّا بَطَل الوَعْدُ و الوعيد و الثواب و العقاب ثم عطف علي تجدّد حالها بالعطف التفسيري بقوله و خروجهُ من القوة اي من رتبة الثبوت الازلي الي الفعل اي الي الوجود الكوني هذا معني من القوة الي الفعل عند هؤلاۤء الجماعة المصنف و امثاله و عندنا تبعاً [ص 290] لساداتنا ائمة الهدي عليهم السلام معني من القوّة اي من الثبوت الامكاني و ان شئتَ قلتَ من الوجود الامكاني الي الوجود الكوني و مرادنا بالامكان ما ذكرناه سابقاً من كونه موجوداً محدثا خلقه الله و لميك شيئا مذكورا و لا معلوماً قبل جعله ثم خلقه علي نحوٍ كلّي لايتناهي في كلّ مثقال ذرة قبل ان يكوّن شيئا منها لانا نمنع كون الامكان امكانا لذاته بدون جعل جاعلٍ مخترع و الّا لكان قديما لا ممكِناً .
و قوله « تدريجاً » صحيح لكن نحن لانَخصّ التدريج بالماديات خاۤصة بل و المجردات اذ كلّها ايضاً ماۤدّية الّا انها من انوارٍ عاليةٍ ماخلا الفعل بجميع اصنافه الذي هو الوجود المطلق فانه لذاته ليس تدريجيّا بل كما قال تعالي ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفس واحدة فانه تعالي قال و ما امرنا الّا واحدة كلمح بالبصر و امّا ما قررناه في الفواۤئد و شرحها من تقسيم ذاته في التزييل الفؤادي الي اربعة مراتب الاولي مرتبة النقطة و هي الرحمة و الثانية مرتبة الالف و النفَس الرحماني الاوّلي بفتح الفاۤء و الثالثة مرتبة الحروف و السحاب المزجي و الرابعة الكلمة التّامة و السحاب الثقال و السحاب المتراكم فذلك التزييل و التقسيم باعتبار متعلقه لا في ذاته .
و قوله « و هي امرٌ نسبي » يعني ليس بذاتي بان يكون نفس الماهية او نفس جزئها و قد بيّنّا قبلُ اَن الحركة الذاتية جزء الماهيّة اي الهويّة و الحقيقة و « عقلي » يعني انّه ليس وجوده خارجيّا و قد ذكرنا ان وجوده هو و غيره كله خارجي و ما في الاذهان فهي اظلّة و « مصدري انتزاعي » يعني به انه معنوي لا عيني و انتزاعي يعني به انه ظلّي و لايريد بالظّلّي انه منتزع من الخارجي اذ لا خارجيّ عنده ثم قال لانها اي الحركة الذاتيّة الوجوديّة نفس التجدّد و الخروج منها اي من القوة اليه اي الي الفعل و انت قد عرفتَ رأينا في [ص 291] هذه المساۤئل مما ذكرنا فلايحتاج الي اعادته لكثرة ما كرّرناه .
قال : و الفرق بينهما كالفرق بين الوجود بمعني الانتزاعي الذي هو من المعقولات الذهنيّة و بين الوجود بمعني ما به يوجد الشيء و يطرد العدم عنه و ما به الخروج من القوة الي الفعل التدريجي من المقولة كما جاز ان يكون كيفاً او غيره من الاعراض فجاز ان يكون جوهراً صوريّا مَاۤدِّيا متجدّد الذاتِ و الهُويّة مذكور في الاسفار الاربعة و في رسالةٍ علي حدةٍ علي وجهٍ مفصّل مشروح و نقلنَا اتّفاق الفلاسفة الاقدمين في هذا الباب من دثور العالم و زواله و تجدُّد كلّ من الهيولي و الصورة و ان كل شخص منَ الاجسام الطبيعية فلَكيّة كانت او عنصرية حادث زمانيّ .
اقول قوله « و الفرق بينهما » اي بين تجدّد الحركة الذاتية و بين تجدّد الزمان من كون تجدّد الحركة تجدّد حال المتحرّك لا تجدّد هويّته و من تجدّد هويّة الزمان لا تجدّد حاله لان هويّته لذاتها متجدّدة بتبدّلِ الٰانٰات بخلاف الاجسام علي زعمه كالفرق بين الوجود الانتزاعي الظلّي فانّه منتزع من الوجود الخارجي انتزعه الذهن منه كانتزاع المرءاة صورة المقابل فانّ حركته حركة هويةٍ اي تجدّد ذاته و هويّته و بين الوجود الذاتي و هو ما به يوجد الشيء و يطرد عنه العدم فانّ تجدُّدَه بِحركته الذاتيّة تجدّد حاله كما زعم ثم اراد ان ينبّه علي صحة ما ذهب اليه علي نمط الاستدلال فقال و ما به الخروج من القوة الي الفعل التّدرٖيجي من المقولة اي ممّا يقال عليه ذلك كما جَازَ اَنْ يكون كيفاً او غيره بانْ يكون تجدّده تجدّد هُويّةٍ فجاز اَن يكون جوهراً صوريّا ماۤديّاً متجدِّد الذاتِ و الهويّة و مرادُهُ انه يكون متجدِّدَ حال الهويّة لا متجدّد نفس الهويّة بِدَليلِ قوله و الحركة معناها تجدُّد حَالِ الشيءِ و لاَنَّ رأيَهُ اَنّ الوجود من حيث ذاته واجِب و انّما ينسب اليه الحدوث من [ص 292] جهة اقترانه بالماهية نسبة عرضيّة و لما لحقه من عوارض مراتب تَنَزُّلِهِ و نحن قد بيّنّا قبل هذا المتن انّ تجدُّدَ الاجسام القارة و الجواهر الصوريّة و الوجود الذاتي اعني ما به يوجد الشيء و يطرد العدم منه كتجدّد الزمان و تجدّد الوجود الظلي العرضي اعني الظلي الذهني و الظلّي العرضي كنور الشمس القاۤئم بالجدار و كظلّ الجدار الظّاهر من خلفه لانّ علّة الاحتياج واحدة اذ ليس لشيءٍ ممّا سوي الله سبحانه ثبوت و لا تحقّق من نفسه و الّا لكان قديما و هو غير الله سبحانه لان كل ما يصدق عليه انّه غير اللّهِ سبحانه في حالٍ من الاحوال او في فرض او احتمالٍ كما لو فرض انّه من حيث المفهوم او الفرض و التَّجْويز فانه قاۤئم بفعل ٱللّه تعالي و ايجاده قيام صدور و بامر الله قيام تحقّقٍ فكونُ شَيْءٍ مِنَ الخَلْقِ يكون تَجدُّدُه تَجدُّدُ حالٍ لا تَجَدّدُ هويّة مستحيلٌ الّا علي القول بوجوب وجودِهٖ كَما يذهب اليه المصنّف الّا انّ الّذي افهم من حالهِ اَنّ جَعْلَهُ تجدّدَ الجواهر القاۤرّة تَجَدُّدَ حالٍ لا تجدُّدَ هويّةٍ ليس لكونها عنده غير مجعولة الذوات بل لكونها اجْسَاماً وَ جَوٰاهِر و حركاتها و مُيولاتُها ناشية عن طباۤئعها و حركاتها هي تجدّداتها فظاهر كلماته في سَاۤئِر كتبه تشعر بان نفس هويّاتها ساكنة ثابتة بخلاف الاعراض و هو كَلامٌ قشريّ ظلمانيّ و الحقّ انّ جميع خلق الله عز و جل بمنزلة الاعراض بل اعْرَاضٌ حقيقية لِعِللِها و ان كانت جواهرَ لمعلولاتِها فالفعل و ان كان بالنسبة الي الفاعِل عرض اقامه سبحانه بنفسه و هو ذات لاثره و هذا الاثر الاول عرَضٌ له و لكنّه ذاتٌ لشعاعِهٖ و عرضه و شعاعِهٖ و هو نورُ الانبياۤء عليهم السلام و هو ذاتٌ لشعاعه و عرضِه و هو نور المؤمنين و هكذا فكل علةٍ عرض لعلّتِها و ذاتٌ لمعلولها فهو عرضٌ لِعَلّتِهٖ و ذاتٌ لمعلوله و هكذا و الاعراض تَجدُّدُها تجدُّدُ هويّةٍ .
[ص 293] و قوله « و قد نقلنا اتّفاق الفلاسفة الاقدمين ، الي اخره » انما قال فيه الاقدمين ليُخَصِّص به الّذين اخَذُوا الحكمة عن النبيّين عليهم السلام فانّهم هم القاۤئلون بحدوث العالم و اكثر مَن تأخّر عن هؤلاۤء خالفوهُمْ في كثيرٍ من المَساۤئل و من المتأخرين من نقل عن غاديمون و قيل هو النبي شيث عليه السلام ان المبادي الاُوَل خمسةٌ البارئ تعالي و العقل و النفس و المكان و الخلاۤء و هذا النقل ليس بصحيح و ان صح النقل فالقول بان غاديمون القاۤئل بهذا ليس هو النّبي شيْث عليه السّلام و ان صحّ القول فمراده عليه السلام ان العقل و النفس و المكان و الخلاۤء اسباب للقابليّة لا انّها مَبادي فَعّالة علي الاستقلال بل القي فيها مثاله فاظهر عنها افعاله كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و منهم من قال بقدم النفوس و ما فوقها و منهم من ذهب الي قدم العالم كلّه و امّا الاقدمون فظاهر كثير منهم القول بقدم بعض العالم كالمجردات بل كلّه كما نقله بعضهم من ثاليس الملطي و انه استدلّ علي القدم بثمانيةِ وجوهٍ الّا ان كلامه الذي نقله الشهرستاني في كتاب الملل و النّحل صريح في القول بحدوث العالم و كذلك كلام افلاطون فانّه يوهم قدم المثل الافلاطونية فقول المصنف انه نقل اتفاق الاقدمين علي الحدوث لا بدّ من حمله علي ما بعد توجيه ما يوهم ذلك من كلامهم و الحاصل انّ القول بانّ العالم جميعه من المجردات و غيرها اي من كلّ ما سوي الله سبحانه حادث صحيح ليس فيه شَكّ و باقي كلامه ظاهر و اعلم ان الهيولي في الاصطلاح المشهور بينهم ان الشيء باعتبار كونه قابلاً للصور الغير المعيّنة يسمّي هيولي و باعتبار كونه محلّا للصور المعيّنة بالفعل يسمّي ماۤدّة .
قال : و امّا الكلي الطبيعي فليس عندنا موجوداً خلافاً للمشهور من رأي الحكماۤء بل بالعرض خلافاً لجمهور المتكلّمين فالكلّي الطّبيعي اعني [ص 294] الماهيّة بلا شرطٍ ليس بقديم و لا حادث و حدوثهُ تٰابع لحدوث افراده و كذا قدمهُ لقدمها اذ ليس في حدّ ذاته واحداً شخصيّا محصّل الوجود فلا دوامَ له في ذاته و ان كانت الافراد كلها حادثة فلا دوام له بالذاتِ و لا بالعرض الّا في علم اللّٰه تعالي .
اقول قوله « و امّا الكلّي الطبيعي ، الخ » يريد به انّ الكلّي الطّبيعي قد اختلف فيه هل هو موجود في الخارج في نفسه ام في ضمن افراده بالذات او بالعرض ام ليس موجوداً خارجيّا اصلاً و انما هو موجود ذهني فنقول امّا الكلي الطبيعي فاعلم ان الماهيّة اذا اخذت من حيث هي لا غير كالانسان سمي طبيعيا و هذا يعطي ما تحته من كلّ فردٍ اسمه و حدّه و انّما نطلق عليه الكلي بالنّظر الي صدقه علي كل فردٍ من افراد تلْكَ المَاهيّة و اذا اخذت من حيث انّها صالحة لكلّ فرد فهذا هو الطّبيعي الحقيقي فهل يعطي هذا كل فردٍ اسمه و حدَّهُ ام لا فيه احتمالان فان قلنا انه يعطي ما تحته من الافراد فبلحاظ اتّحاد حقيقة الافراد و امّا تمايزها و تعدّدها فبهيئات مشخّصات خارجة عن نفس ما صدق عليه الاسم و الحدّ فمع قطع النظر عن هذه المشخصات كانت كل حِصّةٍ صالحة لما تصلح له الاخري و هذا الاعتبار لاينافيه الاخذ الاول و لا صحة الصدق فيه و ان قلنا بعدم اعطاۤئه فبلحاظ تمايز الافراد بمشخّصاتها و هي علي الاصحّ انّها وجوديّة خارجيّة لا عقلية وجوديّة او اعتباريّة و الاحتمال الاول اصحّ و الّا لمااعطي في الاخذ الاوّل ما تحته لوجود التمايز لانه في نفس الامر خارج عن الطبيعي من حيث هو سواۤء اخذ صالحاً ام لميؤخذ الصلوح و ان اخذ معروضاً للكلّي الصادق عَلَي كثيرين و هو الكلي المنطقي و حينئذٍ لايعطي ما تحته اسمَهُ و حدّه و اذا اخذ من حيث انهما المعروض اعني الطّبيعي و العارض اعني الكلي لميعط [ص 295] المجموع ما تحته اسمه و حده و هذا هو الكلي العقلي فهذه الاربعة اَمَّا الطّبٖيعي الكلّي اعني المَاهيّة بشرط لاشيء و بلا شرط و هو الّذي يُسميه اهل اصول الفقه بالمطلق و انّه جنس للخاصّ و العام و يدخل فيه ما اخذ من حيث انّه صالح للحمل علي كثيرين علي الاصح ففيه الاقوال المشار اليها قبل اعني انّه موجود في الخارج بذاته او موجود في افراده بذاته او موجود في الذهن بذاته و في الخارج في افراده بالعرض او هو غير موجود في الخارج لا بالذات و لا بالعرض بل هو موجود في الذّهن خاۤصة لانه من المعقولات الذِّهْنيّة و قد قدّمنا ما يدل علي الاوّل من كونه موجوداً بذاته و علي الثاني من كونه موجوداً في افراده و انّ ما في الذهن فانّه ظلّ منتزع من الخارجي و ممّا يدلّ علي الاوّل قوله تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم و قول الصادق و الرضا عليهما السلام المتقدّمين و ما ذكرنا من انّ ما شاهدتَهُ اذا غابَ عنك لاتذكره الّا بان تلتفتَ بمرءاةِ خيالك الي مكانه و وقته فتنتقش فيها صورة مثاله في مكانه و وقته امّا الاول فانه و ان لميقل احد منهم به لقصور افهامهم عن الوصول الي ادراكه لكنه قال به ائمة الهدي عليهم السلام و ادركه العقل الذي يقتدي بهم و يهتدي بهداهم عن معاينةٍ لا عن تقليدٍ و امّا الثاني فهو قول اكثر الحكماۤء علي جهة البدلية ظاهراً و في نفس الامر علي نحو الكلّ و الجزء و امّا ما اتّفقُوا عليه من عدم وجود ما اُخِذَ بشرطِ لٰاشيء في الخَارِج لا بنفسه و لا في الافراد فهو اتّفاق منقول و لميثبت النّقل لقيام الدليل القاطع من الكتاب و السنة و من العقل كما اشرنا اليه في عدة مواضع في هذا الشرح و غيره علي وجوده في الخارج و انّ ما في الذهن لايكون الّا ظلّا منتزعاً من خارجي بواسطة المشاهدة او العلم او الاخبار او دلالة اللّفظ او توهّم [ص 296] الخارجي و ما اشبه ذلك و ان الخارجي المنتزع منه امّا في عالم الاكوان من الغيب او الشهادة و امّا في عالم الامكان و امّا في الواح الحقّ و امّا في الواح الباطل و انّ كلّ شيء من ذلك مما وقع في الواح الحق فقد خلقه اللّه اوّلاً و بالذات بمقتضي ما جعل من اسبابه و انّ كل شيء من ذلك مما وقع في الواح الباطل فقد خلقه الله تعالي ثانيا و بالعرض بمقتضي اعمال المبطلين و احوالهم و افعالهم وَ اقوالهم و ماينزّله الي ذهنِ مَن تصوره من الواح الحق او الواح الباطل الّا بقدر معلوم و قد دلّت الادلّةُ العقليّة و النقليّة القطعيّتانِ علي ان القول بالحق و الاعتقاد له و العمل به لايرتفع من الارض منذ هبط ادم الي الاَرْض الي ان ينفخ في الصور نفخة الصعق او قبلها باربعين يوما ثم يتفرّد بحمله وجه اللّه الذي لايفني الي نفخة الفزع فكيف تصح دعوي الاتّفاق ان هذا الّا اختلاق و امّا القول بان ما اخذ لابشرط موجود في الذهن بذاته و لايوجد في الخارج الّا بالعرض اي بتبعيّة افراده بمعني انّ افراده في الخارج معروض له بعكس ما في الذهن كما يذهب اليه المصنف لانّ مبْنَي علومه علي الاعتبارات و المفهومات الفرضيّة و قد صرّح في المشاعر و غيره بان الوجود معروض للماهية في الخارج عارض لها في الذّهن فهو مخالف للادلّة القطعيّة من النَّقليّة و العقليّة و مثل هذا في مخالفة الادلّةِ القول بانه غير موجودٍ في الخارج لا بالذّات و لا بالعرض و امّا الكُلِّيّان الاخيرانِ المنطقي و العقلي فهما مما اتفقوا علي عدم وجودهما في الخارج لكنّه اتّفاق لايكشف عن قول المعصوم عليه السلام فيه بل قول جميع اهل العصمة من الاوّلين و الاخرين عليهم اجمعين السلام مقابل لقول اهل هذا الاتّفاق و مخالف و هما موجودانِ في الخارج و انا ادُلّك عليه ان فهمتَ دلالتي و قَبِلْتها هما موجودانِ في الصقعِ [ص 297] الذي فيه ما اُخِذ بشرط لاشيء و ما وُجِد فيه بحر الزيبق بما فيه من السفن الجارية و ما وجد فيه الرجل الذي له الف رأس و ما وجد فيه مثل الوجوب و القدم و الامكان و الحدوث و الفوقيّة و التحتيّة و امثال هذه مما انكروا وجودها و لكن كما قال اللّه سبحانه بل عجبت و يسخرون و اذا ذكّروا لايذكرون و اذا رأوا ايةً يستسخرون .
و قوله « فالكليّ الطبيعي اعني الماهيّة بلا شرطٍ ليس بقديم و لا حادث ، الي اخره » يريد به ان الشيء المأخوذ بدون شرطٍ لايضاف اليه حينئذ شرط لا قدم و لا حدوث لخروجهما عن نفس مفهوم الشيء فاذا نسب احدهما الي ذلك كانت نسبة خارجيّة و لمّا كان المصنّف يري انه غير موجود في افراده كانت نسبة احدهما اليه تابعةً لنسبة احدهما الي افراده فان كانت افراده حادثة نسِب اليه الحدوث بِتبعيّة حدوث افراده و ان كانت قديمة نسب اليه القدم بتبعيّة قدمها و هذا يشعر بانّه انتزاعي ظلّي و هذا كما قال في تبعيّة ما في الذهن لما في الخارج و لكن في كلامه شيئان احدهما اَنَّ ما في الذِّهْنِ ظل المحكوم عليه بشرط لا و بلا شرط و هما في الخارج كما قلنا وَ ثَانيهما ان قوله و كذا قدمُه لقِدَمِها لان هذا الكلام و ان كان تصويره مستقيماً في فرض الحدوث لكنه لايستقيم في شأن القديم الّا اذا اريد به القديم اللغويّ و الشرعي و هو من له ستّة اشهر فصاعداً و امّا علي ما يريد به اهل العرف الخاصّ فالقديم لايصحّ في شأنه فرض التعدّد لا خارجاً و لا ذهناً لان الفرض من الامكان و لايصحّ الّا في الممكنات و ايضا لايتصوّر الذهن و لا العقل للقديم ظلّا منتزعاً و لا عارضيّة و لا معروضيّة و لا تابعيّة و لا متبوعيّة لا فرضاً و لاتجوُّزاً و احْتِمالاً فاذا تصوّر شيئا فليس للقديم و لاينسب اليه الّا لفظاً كما ينسب المشركون و الكفّار الولد و الصاحبة الي القديم فانّهم لايصيبون بنسبتهم الّا حادثاً و كذلك اللفظ لايصح [ص 298] علي القديم و لايقع الّا علي حادِثٍ الّا بما وصف نفسه القديم به و اثني به علي نفسه تعالي فانّهم اذا تَلفّظوا به و تعقّلوه قَبِلَهُ تعالي منهم و ان لميقع عليه و لايصل اليه انّ ربّنا لغفور شكور و المصنف لمّا جوّز وقوع مفهوم مغاۤئر للواجب تعالي متّحدٍ معه في المصداق قال ما قال و عندنا انّ مَن يصحّ في شأنه ذلك ليس هو الله معبودنا لانّا نعبد الٰهاً واحداً في الفؤاد و في العقل و في الذهن و في الفرض و الاحتمال و في كلّ حال كما هو في الخارج و في نفس الامر لا اله الّا هو وحده لا شريك له .
و قوله « ليس في حدّ ذاته واحداً شخصيا محصَّلَ الوجود فلا دوامَ له في ذاته » فيه انا قد بيّنّا انه اي الكلي الطبيعي واحد شخصيّ شخصيّةً اضافيّة و انّه محصّل الوجود خارجاً بنفسه و في افراده و مع هذا فلا دوام له في ذاته من ذاته و لا في حاله بل هو قاۤئم بفعل الله قيام صدور و بامر الله قيام تحقّق قياما ركنيا و ما في الاذهان من ظله المنتزع منه قاۤئم بفعل اللّهِ قيام صدور و بهيئةِ الخارجي الاشراقيّة قاۤئم قيام تحقّقٍ و بهيئة الذهن من صفاۤء و كبر و استقامة وَ اضدادِها قاۤئم قيام ظهورٍ و كونٍ فلا دوامَ لَهُ في ذاته و المصنف انّما قال في ذاته لانّه يريد به ما كانت افراده قديمة لانه من حيث كونه غير محصّل ٱلوجود ليْسَ لَهُ دَوام من ذاته و لكنه من كونه تابعاً لافراده في القدم يكون له دوام عرضي لكونه في علم القديم تعالي و هذا مبني علي اصله و هو اصل عندنا بل عند اللّهِ مجتَثٌّ لما بيّنّا لك و اذا كانت الافراد كلها حادثة فلا دوام له لا بالذات لانه ظلّي متجدّد الذات و لا بالعرض لكونه تابعاً لِحادثٍ غير داۤئم و انما قال و اذا كانت الافراد كلها فاكّدها بكلّها للعموم لانّ الاَقْسَام عنده ثلاثة في اعتبار عقله الاوّل تكون افراد الطبيعي الكلي كلها حادثة و في هذا لٰا دَوَامَ لَهُ مطلقا الثاني تكونُ الافراد كلّها قديمة و في هذا يكون لا دوام له [ص 299] في الذات و لهُ دَوٰامٌ بالعَرض و ذلك لنزوله منزلة اشراق المشرق الداۤئم الثالث تكون الافراد بعضها قديم و بعضها حادث كما هو معتقده لقوله بان الوجود مقول علي الواجب و الممكن بالاشتراك المعنوي و هذا الثالث يفهم من قوله كلّها .
و قوله « الّا في علم الله تعالي » يعني ان الطبيعي الكلّي في علم اللّه تعالي و ما في علمه الذي هو ذاته لايفني كما قال تعالي ما عندكم ينفد و ما عند اللّهِ باقٍ و هذا صحيح الّا في قوله الّا في علم الله فانه يريد انّ الاشياۤء كلها في علم اللّهِ تعالي و ليس كذلك لانه يريد اَنّ حقاۤئق الاشياۤء في علمه الذي هو ذاته و قد قلنا لك انّ ذاته ليس فيها شيء غيرها بل العلم في الازل و المعلوم في الحدث حقيقته و صورته و كل شيء منه في الحدث و الوجوب مبرّءٌ منزّه عن كل شيء غير خالص ذاته لانه هو خالص ذاته تعالي لا غير و لو اراد ما اراد ائمة الهدي عليهم السلام بقوله الا في علم الله تعالي لمااعترضنا عليه لانا داۤئما نقول كلّ شيء في علم اللّه تعالي و نريد ان علمه الذي هو ذاته و معلومه الذي هو ذاته هو الاَزل و امّا معلومه الذي هو غير ذاته فهو في الحدث و التعلّق الاشراقي به في الحدث فافهم .
قال : و امّا النفوس بما هي نفوس فوجوداتها ايضا متبدّلة حادثةٌ اذ حكمها حكم ساۤئر المنطبعات في المواۤدّ اذ نحو وجودها تعلّقي و الوجود التعلّقي يتبدّل بتبدّلِ ما يتعلق به من الاجسام و النفس ما دامت نفساً متّحدة بالبدن بجنبها الايسر و جنبها السّفلي و هي الطبيعة و لها بالقوة جهة عقليّة و جَنْبَةٌ عالية اذا خرجت بحَسَبِها من القوة الي الفعل تصير عقلاً محضاً هو صورَة نوعها .
اقول قوله « و امّا النفوس » اوّله يشعر بان المراد منها النفوس الحيوانية الحسيّة الّتي هي من الافْلاك و آخره يشعر بان المراد منها النفوس النّاطقة [ص 300] القدسيّة و اذا ضُمَّ اوّله الي آخره اشعر بمراده بان النفس واحدة جسمانيّة ماۤدّيّة متّحدة بالاجساد العنصريّة و فيها بالقوّة جهة عقليّة اذا عولجت بالرياضات و العلوم و الاعمال كان ما بالقوة فيها بالفعل فكانت عقلاً و ليس عقل غيرها و المعروف في العقول المستنيرة بنور هداية محمدٍ و اهل بيته صلّي اللّه عليه و اله انّ النفس الحسيّة من الافلاك و هي النفوس الحيوانيّة المتحركة بالارادة و هي و ان وجدت في الانسان الّا انها مغايرة للنفس الناطقة القدسيّة الّتي اصلها العقل و النفس الحيوانية مَرْكَب الناطقة القدسيّة المجردة عن المواد العنصرية و المدد الزمانية و هي مَركب العقل و مَظْهَرُهُ و المروي عن اميرالمؤمنين عليه السلام شاهد لما قلنا ففي الكافي عن كميل بن زياد قال سألتُ مولاي اميرالمؤمنين عليه السلام فقلتُ يا اميرالمؤمنين اُرٖيدُ اَنْ تعرِّفني نفسي فقال يا كميل و اَيَّ الانفسِ تريدُ اَن اعرّفك فقلتُ يا مولاي هل هِيَ الّا نفس واحدة قال يا كميل انما هي اربعة النامية النباتيّة و الحسّيّةُ الحيوانية و الناطقة القدسيّة و الكلّيّة الالٰهيّة و لكل واحدٍ من هذه خمس قوي و خاصيّتانِ فالنامية النباتيّة لها خمس قويً ماسكة و جاذبة و هاضمة و دافعة و مربّيَة و لها خاصيّتانِ الزيادة و النقصان و انبعاثها من الكَبِد و الحسّيّة الحيوانية لها خمس قوي سمع و بصر و شم و ذوْق و لمس و لها خاصيتانِ الرضا و الغضب و انبعاثها من القلب و الناطقة القدسيّة لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياۤءِ بالنفوس المَلَكِيّة و لها خاصيّتان النزاهة و الحكمة و الكلّية الالهيّة لها خمس قوي بقاۤء في فناۤء و نعيم في شقاۤء و عزّ في ذلٍّ و فقر في غنيً و صبر في بلاۤء و لها خاصيّتانِ الرّضا و التسليم و هذه الّتي مبدؤها من اللّهِ و اليه تعود قال الله تعالي و نفخت فيه من روحي و قال تعالي يا ايّتها النفس المطمئنّة ارجعي الي ربكِ [ص 301] راضيةً مرضيّة و العقل وسط الكلّ ه ، و روي عنه ان اعرابيّا سئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن النفس فقال عليه السلام عن ايّ الانفس تسئل فقال يا مولاي هل النفس انفس عديدة فقال عليه السلام نعم نفس نامية نباتيّة و نفس حيوانيّة حسِّيّة و نفس ناطقة قدسيّة و نفس الهيّة ملكوتية فقال يا مولاي مَا النباتيّة قال (ع) قوّة اصلها الطباۤئع الاربع بدؤ ايجادها عند مسقط النطفة مقرّها الكبد ماۤدّتها من لَطاۤئف الاغذية فعلها النموّ و الزيادة و سبب فراقها اختلاف المتولّدات ( المولِّدات ظ ) فاذا فارقت عادَتْ الي ما منه بُدِئَتْ عودَ ممازجة لا عودَ مجاورةٍ فقال يا مولاي و ما النفس الحيوانيّة قال (ع) قوّة فلكيّة و حرارة غريزيّة اصلها الافلاك بدؤ ايجادها عند الولادة الجسمانيّة فعلُها الحيوة و الحركة و الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيويّة مقرّها القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بُدِئت عَوْدَ ممازجةٍ لا عودَ مجاورةٍ فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودُها و يضمحلّ تركيبُها فقال يا مولاي و ما النفس الناطقة القدسيّة قال قوّة لاهوتيّة بدؤ ايجادِها عند الولادة الدنيوية مقرّها العلوم الحقيقية الدينيّة مواۤدّها التأييدات العقليّة فعلها المعارف الرّبّانيّة فراقها عند تحلّلِ الٰالات الجسمانية فاذا فارقت عادت الي ما منه بُدئتْ عودَ مجاورة لا عَوْدَ ممازجةٍ فقال يا مولاي و ما النفس اللّاهوتيّة الملكيّة قال قوّة لاهوتيّة و جوهرة بسيطة حيّة بالذاتِ اصلها العقل منه بُدِئَتْ و عنه وعَتْ و اليه دلّتْ و اشارتْ و عودتها اليه اذا كملت و شابهَتْهُ و منها بُدِئَتْ الموجودات و اليها تعود بالكمال فهي ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنّة المأوي مَن عرفها لميشقَ و من جهلها ضلّ سعيهُ و غوي فقال الساۤئل يا مولاي و ما العقل قال العقل جوهر درّاك محيط بالاشياۤء من جميع جهاتها عارف بالشيء قبل كونه فهو علّة الموجودات [ص 302] و نهاية المطالب ه ، اقول و قد ذكرتُ في شرح المشاعر بعض بيان هذين الحَدٖيثينِ بما يَنْفَعُ هاهُنٰا الّا ان ذكره او مثله يطول و لكن ظاهر كلام المصنف حيث يقول انّ وجودها تعلقيّ و التَّعلُقيّ يتبدَّلُ بتبدّلِ ما يتعلّق به من الاجسام و النفس ما دامَتْ نفساً متّحدة بالْبَدنِ بجنبها الايسر و هذا ظاهره انما يصدق علي الحيوانيّة الحسّيّة اَوْ مَع النّامية النّباتيّة و هاتانِ النفسانِ لَيْس في واحدةٍ منهما وَ لَا فيهما معاً قوّة تحصل برِيَاضةٍ اَوْ باعمالٍ لان تكون عقلاً انسانيّا لا بالفعل و لا بالقوّة علي نحو الاستقلالِ و انّما قلتُ بالْاسْتِقْلَالِ لانّهما مع المتمم يمكن ذلك فيهما فان اللّه سبحانه لوْ اَرادَ ذٰلِكَ كمّلَهُمَا باِمْدَادَاتِه و تأييداتِه بِاَنْ يَقْلِبَها عقلاً اوْ عاقلاً و هُوَ علي كُلِّ شَيْءٍ قدير .
و امّا النفس الناطِقةُ القدسيّةُ التي توهّم المصنّف انّها هي التي عَناها بوَصْفِهٖ فهي في الانسان الجزئي كاللوح المحفوظ في الانسان الكلّي و هي النفس اللاهوتيّة الملكيّة التي ذكرها اميرالمؤمنين عليه السلام اَخٖيراً بِانّها ذاتُ الله العليا يعني اللوح المحفوظ فان النفس القدسيّةَ كَلِمَةٌ من ذلك الكتاب و شعاعٌ من اَشِعَّتِهٖ وَ قَدْ قال عليه السلام في الكليّة الملكيّة التي هي اللوح المحفوظ اصلها العقل منه بُدِئَتْ و عنه وعت و اليه دلّت و اشارت و عودتها اليه اذا كملت و شابَهته فقوله عليه السلام اذا كملت و شابهته يعني انّها اذا بلغت الرتبة السّابعة للنفس و هي الكمال الذي هو غاية مبلغِها شابهَتْهُ اي شابهت العقل و تكون اخته لاتفعل الّا ما يُريد منها و لاتحبّ الّا ما يُحِبُّ و هذا تأويل قوله تعالي فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين لان العقول يعلّموهنّ ممّا علّمَهم اللّه من امتثال جميع اوامره و اجتناب جميع ما نهي عنه لٰا انّها تنقلب عقلا فيكون اللوح المحفوظ هو القلم و في الباطن ايضا لو صحّ ما ادّعاهُ كان عليٌّ [ص 303] عليه السلام هو رسول اللّه صلي اللّه عليه و اله لانّ عليّا عليه السلام وصل مبلغ ما يمكن له بالفعل الّا ان العقل الذي هو القلم غير النفس التي هي اللوح المحفوظ و رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله غير عليّ عليه السلام و النفس الناطقة القدسيّة في الجزئي كزيد اذا كملت فكان ما بالقوة فيها بالفعْل كانت اختَ عقله كالكلّيّة في الكلّي لا انّها هي عقله كما زعم المصنّف من ان العقل لا وجودَ له و انّما الموجود النفس اذا كملت كانت عقلا كما يأتي في كلامه فان من قال بهذا فهو صادق في حق نفسه و كيف لايكون العقل غير النفس و سيّد العٰارفين اميرالمؤمنين عليه السلام قال انّ النفس اصلها العقل منه بدئت و عنه وعت و اليه دَلَّتْ و اَشارَتْ وَ هٰذِهٖ ٱلكٰاملة و لَمْيَجْعَلْهٰا هي العَقْل و قال اذا كملَتْ و شابهته و قال عليه السَّلٰام في روايةِ كميلٍ الاولي بعد ذكر جميع ٱلنّفوس و الْعَقْل وسط الكلّ يعني انّه لُبّ النُّفُوسِ الاربع و رُوحُهَا و هو صريح في انّه غيرُهَا .