و قوله « موجودة بوجودٍ واحدٍ واجبٍ لذاته » يشير به الي انّها موجودة بوجود الله تعالي و قد قلنا سابقاً هل هي في ذاتِه ام خارج ذاته و علي الاوّل هل هي غيره بان يعلم بان في ذاته شيئا غيرها ام لا و علي الفرض الاول من الاول هل هو محيط بها ام هي محيطة به ام متمازجانِ و علي الثاني من الاوّل هل مفهومه مغاير لمفهومها ام لا فعلي كونه في ذاته مغايرة له ان كان محيطا بها كان ظرفاً لغيره و ان كانت محيطة به كان محصوراً و ان كانا متمازجين لميكن صمداً لانه ايضا ظرف و للغير فيه مدخل و علي كونها عين ذاته و غيرها بالمفهوم كما يقوله هؤلاۤء يكون بسيطاً باعتبارٍ و مركّباً باعتبارٍ و هم يقولون اٰيَةُ ذلك اَنَّ الصُّور المتعدّدة في الْمرايا لشخصٍ واحدٍ وُجُودُهَا نَفْسُ وُجُودِ ذلك الشَّخْص و لهذا اذا تحرّكَ تحرّكَتْ بحركته لان وجودها نفس وجودهِ و ليس الاَمْر كَما يُظَنُّ لِانَّ الصُّور في المرايا لَيْس وجودها نفسَ وُجودِ المقابل و الّا لَمافقدَتْها ذاتُه في حَالٍ وَ اِنّمَا وُجُودُهَا هيئة صورتهِ المنفصلةُ لان صورته المتّصِلَة ليسَتْ هي الّتي في المرءاة و انّما التي في المرءاة هَيْئَتُهَا الاشراقيّة و هي كالشعاع الواقع عَلي الجدار من الشَّمْسِ و ٱلشعاع وجوده من اشراق ٱلشَّمْسِ و كثافة الجدار ماهيته يتوقّف ظهورهُ عليها و كذا الصُّوَر الّتي في المرايا فَاِنّهٰا هَيْئاتُ صورة المقابلِ و هي الهَيْئاتُ المنفصلة بمعني [ص 256] اَنَّهٰا لَيْسَتْ هي ٱلعَارِضَة عَلي الشخص لا بمعني انّها منقطعةٌ عن الهيئة العارضة بل تستمدّ منها وجودُها مَدَداً سيّالاً و هذا المدد هو وجودها و مَاهيتها هَيْئة المِرءاةِ كما تقدَّمَ فوجودُ هذه الصور من اِشْرَاقِ الهيئة العارضة و هو في فَيْضِهٖ واحِدٌ من الهيئةِ العَارضةِ و لكنّه منبسطٌ علي المرايا فهو متكثّر في المَرايَا و ليس هو وجودَ العَارضة علي الشخص لانَّهُ منْ اِشْراقِهَا فضلاً عَنْ اَنْ يكونَ هو وجودَ الشاخِص و اين هذا من ذاك و انما اكرّر هذا و مثله ليستقرّ في اذهانِ النّاظرين اذ بدون الترديد و التّكرير لايكاد يستقرّ لعدم انسهم بمثل هذه الحكمة .
قال : قاعدة فاعلية كل فاعلٍ امّا بالطّبع او بالقسر او بالتّسخير اَوْ بالقصد او بالرّضا او بالعناية او بالتّجلّي و ما سوي الثلاثة الاُوَل اِرَاديٌّ البتّة و القسمان الاولان خاليان عن الارادة البتّة و امّا الثالث فيحتمل الامرين و صانع العالم فاعل بالطبع عند الدّهريّة و الطباعيّة و بالقصد مع الداعي عند بعض المتكلّمين و بالقصد الخالي عنه عند الاكثر منهم و بالرّضا عند الاشراقيّين و بالعناية عند المشّاۤئينَ و بالتَّجَلّي عند الصُّوفيّين و لكلٍّ وجهةٌ هو مُوَلّيها فاسْتبقوا الخيرات .
اَقُولُ قال المصنّف في الكتاب الكبير : و اذا علمتَ اقسام الفاعل فاعلم انه ذهب جمع من الطباعيّة و الدّهريّة خذلهم الله الي ان مبدء الكلّ فاعل بالطبع و جمهور المتكلمين الي انّه فاعل بالقصدِ و الشيخ الرّئيس وفاقاً لجمهور المشّاۤئينَ الي ان فاعليته للاشياۤءِ الخارجيّة بالعِنايةِ و الصورِ العلميّة الحاصلة في ذاته علي رأيهم بالرِّضا و صاحب الاشراق تبعاً لحكماۤء الفرسِ و الرّواقيين الي انه فاعل الكلّ بالمعني الاخير و سنحقق لك في مستأنف الكلام في الاصول الاتية ان شاۤء اللّٰهُ تعالي ان فاعل الكل لايجوز اتّصافه بالفاعلية باحد الوجوه الثلاثة الاُوَل و ان ذاته ارفع من ان تكون [ص 257] فاعلاً بالمعني الرابع لاستلزامِهٖ مع قطع النّظر عن الاضطرار التكثر بل التجسم ، تعالي عن ذلك علوا كبيراً فهو امّا فاعل بالعناية او بالرضا و علي ايّ الوجهين فهو فاعل بالاختيار بمعني ان شاۤء فعل و ان لميشأ لميفعل لا بالايجاب كما توهمه الجماهيْر من الناسِ فان صحّة الشرطيّة غير متعلقةٍ بصدق شيءٍ من مقدّمها و تاليها بل وجوبه او كذبه بل امتناعه الّا ان الحق هو الاول منهما فان فاعل الكل كما سيجيۤء يعلم الكلّ قبل الوجود بعلمٍ هو عين ذاتِهٖ فيكون علمه بالاشياۤء الذي هو عين ذاته منشأ لوجودها فيكون فاعلاً بالعناية ، انتهي كلامه ، و قد فسّروا الفاعل بالطبع فقالوا الفاعل بالطبع مَن يصدر عنه الفعل بمقتضي طبيعته بلا شعورٍ منه بما فَعَلَ و لا ارادةٍ و يكون فعله ملاۤئِماً لطبعِهٖ و الفاعل بالقسر هو الذي يصدر عنه الفعل بغير ارادته سواۤء كان عن شعور ام لا و يكون علي خلاف محبته و الفاعل بالتسخير هو الذي يصدر عنه الفعل بمقتضي ارادة المسخِّر و داعيه و يكون ذلك منه اعم من شعوره و ارادته و رضاه و الفاعل بالجبر هو ان يفعل المختار بغير اختياره بل بارادة مجبره و الفاعل بالقَصْدِ هو الذي يفعل بارادتِهٖ لغرضه المقصود بفعلِه سواۤء كان بسبب معونة حصول الدَّواعي و انتفاۤء الموانع ام بنفس ارادته و الفاعل بالرضا و هو الذي يكون علمه الذاتي علةً لوجود مفاعيله و عين معلوميّتها له عين وجودها عنهُ و علمه بها عين فعلِه لها بلا اختلافٍ في شيءٍ من ذلك و الفاعل بالعناية و هو الذي يكون فعله تابعاً لعلمه بوجه الخبر في ذلك الفعل في نفس الامر فيفعل عن ذلك العلم من غير قَصْدٍ زاۤئدٍ علي ذلك العلم و الفاعل بالتَّجلّي هو ان يلقي مثاله في هويّاتِ الاشياۤء بحسب قوابلها اقول و هذه التعاريف لهذه المعاني و كلّ من قال بواحدٍ من هذه الثمانية اراد منه ما ذكرنا و فيها كلها مناقشات منهم فكلّ واحدٍ من [ص 258] اهل هذه الاقوال يناقش فيما سوي ما اختاره و المصنف هنا و في ساۤئر كتبه قال ما سوي الثلاثة الاُوَل اراديّ البتّة و القسمان الاوّلان خاليان عن الارادة البتّة و امّا الثّالث فيحتمل الامرين ، و اقول اَمّا ما كان بالطَّبع فلاينافي الارادة بل قد يكون مع الارادة اذ قد يريد مقتضي طبيعته فيقع الفعل بالداعيَيْنِ و ما قيل من انه ما لايكون له داعٍ غير ميل الطّبيعة لاينافي مشاركة الارادة لما قرّرنا في كثيرٍ ممّا كتبنا من ان كلّ حادث فهو من الوجود و لَيْسَ بعد ٱللّهِ عز و جل غير الوجود و هو شعور و اختيار و ارادة و تمييز و فهم و حيوة فكل شيء فيه هذه الصفات بحسبه فما كان قريباً من المبدء كانت فيه هذه الاوصاف اقوي و ما بعد كانت اضعف فالاقوي كنوع الانسان و الاضعف كالجمادات و ما بينهما بنسبة مرتبته من الوجود فالحجر ينزل بطبعه هذا في الظاهر و امّا في الواقع فكما قرّرنا في الفواۤئد و شرحها انّ الحجر خلقه اللّه من اسفل مراتب الوجود و فيه ما في الانسان بنسبة وجوده و لهذا يسبّح اللّه فقال تعالي و ان من شيء الّا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و قال تعالي و خلق الليل و النهار و الشمس و القمر كلّ في فلك يسبحون فقال تسبيحهم و يسبحون و لميقل تسبيحها و يسبحن بل ذكرهم تعالي بضمير العقلاۤء و كذلك قوله تعالي فقال لها اي للسماۤء و للاَرْضِ ائتِيا طوعاً اوْ كرهاً قالتا اتينا طائعين و لميقل طاۤئعَاتٍ و الاخْبار الداۤلّة علي تكليف الجماد و النّبات اكثر من ان تذكر و كلّ ذلك لايكون الّا مع الشعور و الاختيار و الارادة و امّا الحجر في نزوله بطبعه فهو مختار و مريدٌ للنزول لان الله سبحانه وكَّلَ به ملكا ينزل به الي ما يريد سبحانه و ركز في طبيعته شهوة طاعة الملك فهو ينزل ظاهراً بطبعه و باطنا باختياره و ارادته و اذا دفعه دافع الي الهواۤء صعِد حتّي تنتهي قوّة الدافع و حقيقته ان عضو الدافع وكّل اللّه به ملكا اقوي من الملك المنزل للحجر [ص 259] و ركز في الملك المنزل محبة طاعة الملك المصعِد و شهوتها فيرفع الحجر بشهوته و ارادته تبعا لشهوة الملك المنزل و ارادته حتي تنتهي قوّة الدافع التي هي طبق قوّة الملك المصعِد فينزل بالحجر كذلك فهو في نزوله بطبعه و مختار و مريد و كذا في صعوده بالدفع الّا ان ارادته للصعود لذاته ناقصة و الدافع متمّم لها و اعلم ان ما ذكرته و ان كان بعيداً عن افهام الناس الّا انّه مذهب ائمة الهُدَي عليهم السلام و ما ذكرته لك فهو معقوله و الكتاب و السنة ناطقانِ بذلك و بادلّته و لكن يطول الكلام بذكرها فقول المصنف بان ما كان بالطبع فهو خال عن الارادة البتّة جارٍ علي مذاق العوام و امّا الخواۤص فعندهم ان ليس في العالم شيء بالقسر بل كله اختيار و لكن هذه الثمانية التي ذكر كلّها مختارة مريدة الّا انّ الاختيار في سبعةٍ منها ناقص و هي ما سوي ما بالقصدِ فانه يقع بارادة و اختيار تاۤمّين اما الثلاثة الاُوَل فهو يوافقنا علي عدم وجود اختيار تام فيها فلاتصلح لفاعلية المختار و امّا ما كان بالرضا فانه اذا قال علمه الذاتي علّة لوجود مفاعيله فان اراد بالعلة علّة الكون فالعلم من حيث هو علم لايكون علة الكون و انما علّة الكون الذات اذ العلم من حيث هو لايكون مؤثرا و ان اراد علّة التكوين فلاتكون الّا للفعل لانّ العلم ليس هو المكوّن به و لا المكوِن فلايصلح الفعل بالرضا خاۤصة من القادر المختار الّا كونه مصاحباً للفعل بالقصدِ و امّا الفاعل بالعناية فيلزم منه اِمّا الجبر في الافعال الاختياريّة و اِمّا كون الاشياۤء قديمة غير مجعولة و الكلّ باطل لعدم القصد الزاۤئدِ علي العلم و لمساواته للايجاب لان الموجب هو الذي لايتخلّف عنه مفعوله و الفاعل بالعناية اذا كان علمه الذي هو ذاته هو العلة لا غيره و هو علّة تاۤمّة فقد كان فاعلاً بالايجاب و هٰذا ظاهر و امّا ما كان بالتجلّي كما تقوله الصوفية و هو ان يلقي الفاعل مثاله في هويّات الاشياۤء بحسب قوابلها [ص 260] فاذا ارادوا به انّ الهويّات هي الصور العلميّة الغير المجعولة سواۤء قيل انّها في علمه الذي هو ذاته ام مُعَلّقة به كالظلّ بذي الظلّ فهذا باطل لاستلزامه اثباتَ اشياۤء غير اللّه سبحانه لميكن محدِثاً لها و ان ارادوا به انّ الهويّات الملقي فيها هي نفس القوابل و انما قيل بحسب قوابلها ان الملقَي و هو المثال قد تختلف جهاته و كمّيّاته و كيفيّاته و رُتَبُهُ و امكِنتُه و اوقاته و اوضاعه و ما اشبه ذلك من المشخّصات و هذه هي حدود القابلية و الانفعال المسمي بالصورة و بالماهية بالمعني الاول كما مرَّ و هي من نفسِ المثال الملقي من حيث نفسه و هو متقدم بالذات مساوِقٌ لَهٰا في الظهور كالكسر و الانكسارِ و انّ المراد بالالقاۤء تحقّق المثال و ظهوره بشراۤئط الظهور و التّحقّق الّتي هي المذكورة و انّ المراد بالمثال هو وصف اللّهِ نفسه الفَهْوانيّ لعبده و هو الوصف المُحْدث الّذي ظهر به لعبده و هو حقيقة عبده منه تعالي و هو المسمي بنور اللّه في قوله عليه السلام فانه ينْظر بنور اللّهِ و هو الفؤاد لعبده و هو المسمي بالوجود عندهم و هو الماۤدّة عندنا فاِنْ اَرادُوا هذا كما ذكرنا فهو حَقٌّ و قد اشارَ اميرالمؤمنين عليه السَّلام الي ما ذكرنا بقوله لاتحيط به الْاَوْهَامُ بَلْ تجلي لها بهَا و بها امتنعَ منها و اليها حَاكمها و كلّ جزئيّ مما ذكرنا ان ارادوا غيره فهو باطل و كل ما ذكرنا قد ذكرنا ما يدلّ عليه دلالة قطعيّة و نذكر فيما بعد و ان ارادوا بالمثال شيئا ليس بمجعولٍ فهو باطل لان الالقاۤء لايتعلّق الّا بالحادث لانه انزاله من رتبته الي غيرها و ان جعلوه حادثا و جعلوا الهويّات الملقي فيها ليست مجعولة فهو باطل لانّ الحادث مجعول و لايحلّ مجعول في غير مجعولٍ و ان جعلوها مجعولة و هي لمتكن صورة المثال المجعول كان الحاصل منهما مركّبا و ليس ذاتا واحدة فهو باطل و ان جعلوا المثال هو الفعل فهو باطل لان المثال هو الملقي و الفعل هو الالقاۤء و الحاصل [ص 261] انه تعالي انّما خلق الماۤدة للمخلوق و المخلوق لايقدر علي الظهور بدون ضميمة هي هويّته و هي الماهيّة بالمعني الاوّل كما تقدم و الصورة فخلق له ثانياً و بالعرض الماهيّة علي تفصيل ما مر فراجِعْ .
و قول المصنّف في كتابه الكبير كما نقلنا و ان ذاته ارفع من ان تكون فاعلاً بالمعني الرابع لاستلزامه مع قطع النظر عن الاضطرارِ التكثرَ بل التجسمَ تعالي عن ذلك علوّا كبيراً يريد بالرابع ان يكون فاعلاً بالقصدِ غلطٌ دخل عليه من قواعده التي منها انه يفعل بذاته و تعالي عن ذلك علوا كبيراً لانّه يلزم منه ما يذهب اليه من ان الخلق تنتهي الي ذاته و معلوم انّ مَن انتهي غيره اليه فهما حادثان لما يلزم بينهما من الاتصال او الانفصال و الافتراق او الاجتماع و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الَي مثله وَ اَلْجأَهُ الطلبُ الي شكله ه ، و انما هو فاعل بفعله و فعله مشيته و ارادته كما تقدم في حديث الكاظم عليه السلام و فعله تعالي واحد الي كل شيء كما قال تعالي و ما امرنا الّا واحدة و قال ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفسٍ واحدةٍ الّا انه له رؤسٌ بعدد جميع الخلق كلّ رأسٍ يتعلّق بممكنٍ يحدثه لايصلح لاحداث غيره و الفعلُ خلقه اللّه بنفسه اي نفس الفعل و اقامه بنفسه قيام صُدورٍ و تحقّق و لا كيف له لانّ الكيف انما حدث به فالقصد التخصيصي التّشخصي منسوبٌ الي خُصُوص الرّأس المختص بالمقصود لما بينهما من التوافق و ان كان باللّه تعالي هذا وصفٌ في الغاۤئب و نظيرهُ في الشاهد انه اذا حلّت الشمس برج الحمل سخن العالم السفلي بحرارة الشمس لقربها من اُفْقِنَا و كان موافقاً لوجود الرطوبة من فصل الشتاۤء فاجتمعت الحرارة و الرطوبة اللتانِ جعلهما الله علة الكون فينبت النبات و كل شجرة بل كل ورقة لها حصّة من علّة الكون لاتصلح لغيرها فتنبسط علة الكون و هي واحدة علي جميع الاشجار [ص 262] و النبات و الورق و الثمر و كلّ شيء له حصّة منها تختصُّ به لاتصلح لغيره و المخصّص الذي عنه القصد ارادة الله تعالي و هي فعله فقال تعالي يسقي بماۤءٍ واحدٍ و نفضّل بعضها علي بعضٍ في الاكل فالتفضيل لبعضٍ علي بعضٍ لايكون بالاهمال و الاتّفاق بدون قصدٍ كما تقوله الدهرية و لا بنفس الذات البحت تعالي لما يلزم من المفسدة فلميبق الّا برؤس الارادة و اما الاضطرار فانّما يلزم علي القول بالرضا او بالعناية كما ينطق به تعريفهما لمن يطلبُ صريح الحقّ القول بالايجاب و امّا التكثر و التجسم فانما يلزم بانه تعالي فاعل بذاته و ان الخلق ينتهي الي ذاته تعالي لاختلاف احوال ذاته فانه قبل الفعل وحده و بعد الفعل كان معه غيره و قبل الفعل غير فاعل و بعد الفعل فاعل فاذا نسبت الحالتان الي ذاته جاۤء المحذور و لايجيۤء شيء منه اذا قلنا انه تعالي قبل الفعل انما هو هو و بعد الفعل كان الفعل ليس في الازل الذي هو ٱلذات الحق تعالي بل هو في رتبة الوجود الراجح و هو نفس الفعل و المشية و الارادة الاسماۤء متعددة و المعني واحدٌ كما قال الرضا عليه السلام لعمران الصابي المشية و الارادة و الابداع اسماۤؤها ثلاثة و معناها واحد و كان الفعل دون الازل في السرمد الّذي هو الوجود الراجح و محلّه الامكان المسمّي بالعُمقِ الاكبر كما في دعاۤء السِّمات و كان المفعول دون الفعل في الدهر و عالم الكون فما دونه في الزمان فلمتتغيّر حالة ذات الحق تعالي بل كان و لميكن معه غيره و هو الأن علي ما كان و تغيير الاحوال انّما هو في الفعل باعتبار متعلّقه فالفعل و الامكان و السّرمد خلقها اللّه و هي الوجود الراجح لميظهر شيء منها قبل الاخر و هو عندنا هو الوجود المطلق و العقل الكلّي و الدهر و الممكن هي الوجود المقيد بالقيود و الشراۤئط و ان كان بعضها اَبْسَطَ من بعضٍ بمعني اقلّ تركيبا و شراۤئط و محدّد الجهات و الزمان و المكان [ص 263] هي عالم الاجسام علي تفصيل ربّما نذكره و الحاصل القول الحقّ انّ فاعل العالم فاعل بالقصدِ و ٱلاختيار كما قاله المتكلمون و ان كان علي غير ما فهموا و قول المصنف « و علي ايّ الوجهين فهو فاعل بالاختيار ، الي اخره » يعني بالوجهين بالعناية او بالرضا لانه في بعض كتبه رجّح انه فاعل بالرضا و في بعضها رجّح انه فاعل بالعناية و من عرف معني ما ارادوا منهما قطع بانَّ الفاعِلَ باحدِهما لايكون مختاراً و لكن المصنّف لمّا نسب الفعل الي نفس الذات و حكم بانتهاۤء الخلق الي الحق تعالي فحكم بربط الحادث بالقديم لايسعه تفريعاً علي ذينِك الاصلين الا القول بالوجهين و لميجسر علي انكار الاختيار قال و علي ايّ الوجهين فهو فاعل بالاختيار و الاختيار الذي فسّره صاحب الشريعة صلّي الله عليه و اله و معناه انّه ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك لانّ هذا هو المعني الّذي تفهمه ساۤئر المكلّفين و حيث امره الله عز و جل بالتبليغ اوحي اليه و ماارسلنا من رسول الّا بلسان قومه ليبيّن لهم و قومه صلي اللّه عليه و اله لميفهموا من معني الاختيار الّا هذا فان كان معناه غير هذا فمابلّغ رسالة ربه و انا و المؤمنون نشهد ان لا اله الّا الله وحده لا شريك له و ان محمدا صلي الله عليه و اله عبده و رسوله و انه قد بلّغ عن اللّه جميع ما امره كما امره فصدق الله و صدق رسوله و بلّغ المرسلون ما امروا به و انّ اله الذين هم خلفاۤؤه ادّوا ما ادّي اليهم كما امرهم و حفظوا ما استحفظهم اللهم صل علي محمد و اهل بيته الطيبين و علي جميع الانبياۤء و المرسَلين و المصنّف لاجل التطبيق علي القول باحد الوجهين اي الرضا او العناية فسّر الاختيار بما يلزَمُ منه الاضطرار فانّ تَفْسيره انّما يخفي علي من لميسلك طريق اهل العصمة عليهم السلام و امّا من اقتصَر علي سلوكِ طريقهم صَلّي اللّه عليهم فلايكاد يخفي عليه شيء من الحق فقال فاعل بالاختيار بمعني ان شاۤء فعل [ص 264] و ان لميشأ لميفعل لا بالايجاب و انا اقول هذا التفسير عين الايجاب و ذلك لان المشية عنده هي الذات فيكون معني ان شاۤء فعل انّ الذات فعلت و قوله « و ان لميشأ لميفعل » معناه الذات مافعلت و يكون المعني انّه ليس كل ممكن في العقل خلقه نعم لو قال كما نقول بان المشية هي الفعل صح له نصف كلامه و هو ان شاۤء فعل لانّ هذا مما لا ريبَ فيه و امّا المغالطة في التعبير فشيء لايحتاج الي بيانه هنا لان المعني ظاهر انه اذا اراد ان يفعل فعل و امّا النصف الاخر فانه و ان قال بحدوث المشية لميكن لقوله و ان لميشأ لميفعل معني غير انّه اذا لميفعل لميفعل و ان فرضها مغايرة للفعل صحّ له ظاهراً الثاني و لكن ليس هذا معني الاختيار الكامل لان المختار الكامل يفعل بارادته و يترك بارادته لا انّه اذا لميرد لميفعل لان هذا معلوم ضرورة و لو تنزّلنا قلنا ان قال بحدوث المشيّة و الارادة صح ان قوله ينفي الايجاب و لكن الاشكال توجّه عليه من جهة قوله بان المشيّة هي الذات تعالي فان المعني يكون الذات فعل و الذات لميفعل فان هذا لاينافي الايجاب فان القاۤئلين بالايجاب لايقولون بان كل ما يمكن كوّنه تكويناً متّصِلاً بالازل لانهم لاينكرون تجدّد ما تحت فلك القمر آناً فٰاناً و ان قالوا بانه تعالي علة تاۤمّة و العلّة لايتخلّف عنها معلولها كما نقل عن ثاليس الحكيم الملطي لانهم يريدون انه تعالي علّة تاۤمة في الفاعلية و جملة العالم من حيث المجموع وجد بلا فصلٍ و لكنهم لاينكرون الشؤن المتجدّدة بانّها لمتكن قبل هذا التجدّد المحسوس و لاينكرون امكان ايجاد شخصٍ يمشي في اصفهان فمن انكره بناۤء علي ما يذهبون اليه من انه ليس له تعالي الّا وجه واحد في الاشياۤء فلايعلم شخصا كذلك و الّا لوجب ايجاده فانّا به مؤمنون و بالجملة الفاعل المختار الذي يفعل بارادته و يترك الفعل بارادته لا انّه [ص 265] هو الذي اذا لميرد لميفعل لان هذا معلوم عندنا و ليس من معني الاختيار و انما هو من المضحكات .
و قوله « و لكلٍّ وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات » يريد به هو و اهل ملّته من كبار الصوفيّة ما اشرنا اليه في شرح المشاعر من زعمهم انّ اللّه تعالي ربّي سلك بكلِّ مَن طلب معرفته طريقا و الطّرق و ان كانت متباينة مختلفة و ربّما استشهد بعضهم علي ان جميع هذه المتناقضة تؤدّي الي اللّه تعالي بالسفن الجارية بريح واحدةٍ سفينة تغرّب و سفينة تشرّق و سفينةٌ تسير جنوباً و اخري شمالا و الريح واحدة فالاختلاف في معارفهم من اللّه سبحانه و اقول : امّا الصوفيّة فهذا ينطبق علي مذهبهم من ان الهادي و المضل و فاعل الخير و فاعل الشّر هو اللّه سبحانه وحده لا شريك له و ليس لشيءٍ من خلقه من المكلّفين و غيرهم فعل و انما الافعال افعاله لايسئل عما يفعل و هم يسئلون و امّا مثل المصنف الذي يثبِتُ الاختيار للعبدِ فكيف يقول بهذا تبعاً لغيره كأنه له اهلُ ملّةٍ .
قال : قاعدة مشرقيّة في حدوث العالم ، العالَم كلّه حادث زماني اذ كلّ ما فيه مسبوق الوجود بعَدمٍ زماني متجدّدٍ بمعني الّا هويّة من الهويّات و لا شخصٌ من الاشخاص فلكاً او عنصراً بسيطاً كان او مركّبا جوهرا كان اوْ عرضاً الّا و قد سبق عدمُه وجودَه و وجودُه عدمَه سبقاً زمانِيّاً و بالجملة كلّ جسمٍ و جسماني متعلق الوجود بالماۤدّة بوجه من الوجوه فهو متجدّد الهوية غير ثابت الوجود و الشخصيّة .
اقول قوله : العالم كلّه حادث زماني ما يريد به من العالم ظاهر كلامه انّه يريد به كل ما سوي اللّه تعالي فانّه صرّح في الكتاب الكبير الاسفار انَّ الزمان لميسبقه شيء الّا الباري عز و جلّ و كلامه هنا مشعر بذلك و كلامه في ما يأتي يشعر بانكار المجردات الجزئيّة و انّ الكلية ليست من [ص 266] ما سوي الله تعالي و يأتي كلامه و الكلام عليه و ايضا هو مصرّح بانّ الزمان سابق علي العالم كله و البارئ تعالي متقدم عليه فاذا كان الزمان ظرفا ماجاز اَن يكون سابقا لانه ح ليْس بظرف لانّ الظّرف لايكون بدون المظروف و هو مدّة و المدّة لايّ شيء هي اهي لنفسها ام لا لشيء لا جاۤئز منهما شيء و الشّيء الموجود لايوجد الّا بوجود و ماهيّة و مرادنا من الوجود الماۤدّة و هي في كلِّ شيءٍ بحسبه و من الماهيّة الصورة تتركّب من حدودٍ هَنْدسيّةٍ يتشخّص بها الموجود و تتمايز باختلافها الموجودات و هي الكم و هو هُنا مقدار حصّة الماۤدة للموجود و الكيف من بياض او سواد او غيرهما و الرتبة و هي مقام الموجود بالنسبة الي مبدئه في القرب اَوِ البعد و الجهة من كونه اَمام شيءٍ او خلفه او يمينا او شمالا او اعلي او اسفل و المكان الذي يحلّ فيه و الوقت الذي يوجد فيه و الوضع في ترتيب بعض اجزاۤئه بالنسبة الي البعض الاخر او الي الامور الخارجة و هذا الاخير هو السادس من الحدود الصوريّة ان جعلنا الكم نوعيّا في الحصة الماۤدّية و الّا فهو اعني الوضع من اللواحق للستة لانها هي الايام التي يوجد فيها المحدث كالانسان مثلا اُحْدِثَ و خُلِقَ في ستةِ اَيَّامٍ يوم النطفة و يوم العلقة و يوم المضغة و يوم العظام و يوم يكسي لحما و يوم ينشأ خلقاً آخر يعني تنفخ فيه الروح و كَٱلسّتة الايام للسموات و الارض يوم العقل و يوم النفس و يوم الطبيعة و يوم جوهر الهباۤء و يوم المثال و يوم الجسم او الماۤدة و الصورة و الفصول الاربعة و قد ثبت بالدليل النقلي و الوجداني انّ النفوس ليست زمانيّة اذ لو كانت زمانيّة لمانظرَتْ ما مضي من الزمان و ما يأتي منه في الزمان الحاضر فتجمع ما بَيْنَ امْسِ و اليوم وَ غَدٍ و لايمكن للاجسام العنصريّة ذلك فدلّ بانها ليست بزمانيّةٍ نعم نحن لانقول بما يذهبون اليه من انّ المراد بالتّجرّد عدم الماۤدة [ص 267] و الصورة اصلا اذ هذا التجرّد مختصّ بالحق عز و جل لانه محض التحقّق و الثبوت الذاتي الذي لايتناهي بذاته في التحقّق و الثبوت الذاتيَيْنِ و انّما نقول انها مجردة عن الماۤدة العنصريّة و المدّة الزمانيّة نعم هي اجسام غير عنصريّة و الاجسام الّتي وضع لها هذا اللفظ تصدق علي اربعة اجسام جسمٍ عنصري و هو المعروف و جسم فلكي و هو اجسام الافلاك التّسعة و ما فيها من اجرام الكواكب السيّارة و غيرها و جسم برزخي و هو جسم مقداري له طول و عرض و عمق بلا مادة و هو الجسم المثالي الظلي الشّبَحِيُّ و هو الّذي يسمونه التّعليمي و هو الذي يسمون عالمه العلوي بهُورقِلْيَا يعني ملكا اخر و عالمه السفلي بجابلقا و جابَرْسَا الشرقيّة و الغربيّة و جسم مجرّد عنها مُفارق بذاته مقارِنٌ بفعله و هو النفس و هي اعلي مراتب الاجسام و الملاۤئكة النفسانيّة كذلك و هي مرتبة اطراف الارض و نهاياتها حتّي انه يصدق ان يقال ان النفس و ما فيها من الصور العلمية اعْلي الاجسام الارضيّة لقوله تعالي افلايرون انّا نأتي الارض ننقصها من اَطرافها قال عليه السلام يعني بموت العلماۤء و المراد ان الصور العلمية و محاۤلّها و هي نفوس العلماۤء اطراف الارض و الطرف النهاية و الي هذا الاشارة بقوله تعالي و الارض وضعها للانام فيها فاكهة اي نفس الامام عليه السلام و مَا انبتَ فيها من العلوم و قال تعالي فلينظر الانسان الي طعامه اي الي علمه من اين يأخذه انّا صببنا الماۤء صبّا اي العلم ثمّ شققنا الارض شَقّا يعني قلب الامام عليه السلام كما روي عنهم عليهم السلام فانبتنا فيها حبّا اي الحُبّ و العلم به و عِنَباً سكر المعرفة و قضباً ما ظهر من الاعتقادات و العواۤمّ الذين هم انعام العلماۤءِ و زيتوناً و هو الكرم الشرعي و نخلاً و هو الايمان الاية ، فالنفس ارض و العقل سماۤء و السّماۤء رفعها صلّي الله عليه و اله فالجسمانِ الاولان في الزمان [ص 268] و الثالث اَسْفله في الزمان و اعلاه في الدّهر لان الزمان لايتجاوز الاجسام العنصرية و الفلكية فاوّل الزمان مساوق لمحدّب محدّد الجهات و لمكانه فالثلاثة متساوقة في الوجود اعني الظهور و الكون في الاعيان و الاوّل و الثالث نُطلِق عليهما الجَسدَ في اصطلاحنا كما ذكرناه في اجوبة مساۤئل الشاه و الرابع في وسط الدهر كما ان السموات السبع في وسط الزمان .
و قول المصنّف « اذ كلُّ ما فيه مسبوق الوجود بعدمٍ زماني » مصادرة علي مراده من دخول النفوس في الزمان بذواتها مع انه لاينكر كونها مفارقةً بذواتها و ان قارنت بافعالها بل هي اعلي رتبةً من الطبيعة و هي خارجة عن الزمان اعني طبيعة الكل و ما تناسل منها و ان اقترنت بافعالها كالنفس و الطبيعة اعلي رتبةً من جوهر الهباۤء و هو خارج عن الزمان بذاته و هو الحِصَص النّوعيّة قبل تعلّق الفُصول بها من عالم البَرْزخ الّذٖي هو عالم المثال فانّها آخر المجرّدات فاذا تعلّقت بها الفصول خرجت الانواع المادّية لتنزّلها من عالم الغيب الٰي عَالمِ الشهادةِ و قد قال عز و جلّ و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الَّا بقَدرٍ معلومٍ ، و علي قول علماۤء العلم الطَّبيعيّ انّ اوّل ما خلق اللّه طبيعة الحرارة و اصلها من الحركة الكونية التي هي قدرة الله تعالي و علّة العلل في الاشياۤء المتحرّكات ثم خلق الله تعالي طبيعة البرودة و اصلها من السكون الكوني الذي هو قدرة اللّهِ تعالي و علة العلل في الاشياۤء الساكنات فهذا اول زوجين خلقهما الله تعالي مما قال اللّه تعالي و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكّرون ثم تحرّك الحاۤرّ علي البارد بسرّ ما اودع اللّه فيه من الحركة المذكورة فامتزجَا فتولّد من الحرارة اليبوسة و تولّد من البرودة الرطوبة فكانت طباۤئع اربع مفردات في جسمٍ واحدٍ روحاني و هو اوّل مزاجٍ بسيطٍ ثم صعِدَتِ الحرارةُ بالرطوبة فخلق اللّه منها الحيوة و الافلاك العلويّات و هبطت البرودة [ص 269] مع اليبوسة الي اسفل فخلق اللّه منها طبيعة الموت و الافلاك السفليات ثم افتقرت الاجسام الموات الي اَرْوَاحِها الّتي صعدت عنها فادار الله سبحانه و تعالي الفلك الاعلي علي الاسفل دورة ثانية فامتزجت الحرارة بالبرودة و الرطوبة باليبوسة فتولّدت العناصر الاربعة و ذلك انه حصل من مزاج الحرارة مع اليبوسة عنصر النار و حصل من مزاج الحرارة مع الرطوبة عنصر الهواۤء و حصل من مزاج البرودة مع الرطوبة عنصر الماۤء و حصل من مزاج البُرودةِ و اليبوسة عنصر الارض فهذا مزاج العناصر و هو مركب لازدواج الطباۤئع مرّتين فخلق الله منه العوالم العلوية الي آخر كلام الحكيم محمد بْن ابراهيم الصّنبري في كتاب الرحمة في الطّبِّ فصرّح انّ الاربع قبل ازدواج بعضها ببعض كانت في جسم واحد روحانيّ و ذلك لان البساۤئط قبل تركيبها اجسام جوهريّة مجردة فوق الزمان كما ذكروا في جوهر الهباۤء و كذلك الحيوان الذي هو الجنس فانه قبل تعلّق حصص الفصول بحِصَصِهٖ من عالم الغيب و هو جوهر مجرّد عن العَناصر و الزمان فاذا تركبت الحصص بفصولِها نزلَتْ الي عالم المادّيات بتركّبها لانّ الحيوان قبل تعلق حصص الفصول بحصصه مؤلّف من طبيعتين جوهريتَيْن روحانيّتَيْنِ الحرارة و الرطوبة كما اشار اليه الصنبري في الكلام السابق و بالجملة فالزّمان ظرف للاجسام المركبة من الطباۤئع العلويّة منها ٱلبَساۤئط المؤلّفة من طبيعتين و السفليّة المركبة من اربع طباۤئع و اَمّا مَا كان عَالِياً عن التركيب و التّأليف فهو قبل الزمان لما اشرنا اليه من دليل الحكمة القاطِع من انّ النفس لو كانت في الزمان لكانت مقارنةً بذاتها و لَمَاخرجَتْ عنه حين جمعت بين ماضي الزمان و حاله و مستقبله لانّ الزمان غير قاۤرّ الذات فلاتجتمع اجزاۤؤه فيه و انّما تجتمع في روحه و نفسه الذي هو الدهر لان الزمان نقطة في الدّهر [ص 270] فانّ النفس التي هي في الدهر في الجسد الذي هو في الزمان كالدهر في الزمان لانه نفس الزمان و روحه فافهم و لقد اشار ابنسيناۤء في ابياته الّتي نظمها في الروح الي ما قلنا في قوله :
فكأنّها برقٌ تألَّقَ بالحمَي ثم انطوَي فكأنّه لميلمَعِ
يشير الي قصر مدّة تعلّقِها بالجسد فانها كالبرق لمعت من عالمها من الدّهر علي الجسد ثم انطوت و رجعت الي عالمها فكأنها لقصر مدة تعلّقِها لمتَلمعِ فليس وجوها بزمانيٍّ كما توهمه المصنّف بل هي فوق الزمان و فوقها العقل و فوق العقل الماۤء الذي جعل اللّه منه كلّ شيء حيّ حتّي العقل الذي اخرجه المصنف مما سوي اللّه عز و جل لانه ان كان عنده هو اللّه تعالي و النصوص المتفق عليها بانّ الله اوّل ما خلق العقل يطرحُها فهذا شيء اخر و ان كان عنده انه غير الله و صدّق بالاحاديث المتّفق عليها فهو شيء خلقه اللّه من الماۤء و الماۤء قبله و هو الوجود و هو اوّل فاۤئضٍ من فعل الله تعالي و هو الحقيقة المحمديّة و كلّ هذه قبل الزمان و معني اوّل ما خلق العقل انه ما خلق من الوجود المقيّد لانّ ما يطلق عليه اسم الوجود ثلاثةٌ الوجود الحقّ هو اللّه سبحانه و الوجود المطلق و هو فعله و هو ذاتٌ متحققةٌ تذوّتَتْ بهيئة تذوُّتِها جميع الذوات لان جميع الذوات اَعْراضٌ و آثار لها خلقه اللّه بنفسه اي نفس الفعْل و اقامه به و الوجود المقيّد هو ساۤئر المفعولات اوّلها العقل و امّا نور الانوار اعني الحقيقة المحمديّة ففي الحاقها بالمطلق لانها سابقةٌ علي العقل و العقل اوّل ما خلق اللّه فيكون العقل بمنزلة الباۤء من بسملة الفاتحة من القرءان لانّه الكتاب التدويني و هو طبق الكتاب التكويني الذي اوّله العقل و يكون نور الانْوار صلي الله عليه و اله بمنزلة المداد الذي كتب منه القرءان فانه كان مصنوعا قبل الكتابة اَو الحاقها بالمقيّد [ص 271] لانّها من المفعولات لا من الفعل و يكون اوليّة العقل اضافيةً وجهانِ و قد ذكر الشيخ علاۤءالدَّولة السّمناني في حواشيه المعلقة بالفتوحات علي قول ابنعربي : ليس في نفس الامر الّا وجود الحق ، فكتب عليه بلي و لكن ظهر من فيض جوده بجودهٖ مظاهره فللفيض وجود مطلق و للمظاهر وجود مقيّد و للمفيض وجود حقّ و قال ابنعربي في موضع اخر منه : اذ الحق هو الوجود ليس الّا ، فكتب المحشّي عليه بلي هو الوجود الحقّ و لفعله وجود مطلق و لاثرهٖ وجود مقيّد ، اقول و لقد اَصَابَ الشيخ علاۤءالدَّوْلَةِ الحَقَّ في تقسيم ما يُطْلقُ عليه الوجود الَّا اَنَّه عند قول ابنعربي بعد تحقيق الوجود المستفاد و عدميّة الماهيّات الممكنة ، و لقد نبّهتُك علي امرٍ عظيمٍ ان تنبّهتَ له و عَقَلْتَه فهو عين كلّ شيءٍ في الظهور ما هو عين الاشياۤء في ذواتها سبحانه و تعالي بل هو هو و الاشياۤء اشياۤء كتبَ ، في حاشيته علي كلام ابنعربي هذا بل اصبتَ فكن ثابتاً علي هذا القول و اقول انّ هذا الشيخ انخدع بعبارة ابنعربي لانّ ابنعربي يريد بانه تعالي عينها في الظهور انه تعالي هو وجودها و امّا الاشياۤء من حيث هي هي فهي ماهيات معدومة و ليس مراده ما توهّمه هذا الشيخ المحشّي و لو عرف مراده لماقال له بل اصبتَ فكن ثابتاً علي هذا القول و الحاصل ان الفعل اعني الوجود المطلق و ما صدر عنه من نور الانوار صلّي الله عليه و اله و العقل الكلّي و ما تناسل منه و الروح الكلي و ما تناسل منه و النفس و الطبيعة الكليّتان و ما تناسل منهما و جوهر ٱلهباۤء او الطباۤئع الاربع كما في العلم الطّبيعي كما مرّ قبل تزاوجها كلّها قبل الزمان و المُصَنّف صرّح انّه ليس قبل الزمانِ الّا الباري عزّ و جلّ و امّا المجردات كالعَقْل و ٱلرُّوح الكلّيّيْنِ و عالم الامر فهذه اشياۤء ليست ممّا سوي اللّه تعالي عن ذلك فجوّز سبقها علي الزّمانِ لكونها عنده [ص 272] غير مكوّنة و الزمان ليس من الوجود المطلق بل هو من المقيّد و صاحب الشَّريعة صلّي الله عليه و اله اَخْبر انّ العَقل اوّلُ مَخْلوقٍ فهو قبل الزّمان فقوله « اذ كلّ ما فيه مسبوق بعدمٍ زَماني » لا اشكال فيه و انّما الاشكال في مثل النفوس فان كونها فيه ليس بصحيح و قوله « مسبوق بعدمٍ » ليس بصحيح علي مذهبه لان العدم عنده ليس بشيء و ما ليس بشيء لايكون سابقا نعم علي مذهبنا من ان العدم شيء مخلوق يصحّ لان المراد به عدم الكون و هو موجود بالوجود الامكاني بل الكوني و يؤيّده ما رواه في البحار بسنده الي علي بن يونس بن بهمن انه (ظ) قال للرضا عليه السلام جعلتُ فداۤءك ان اصحابنا اختلفوا فقال في ايّ شيء اختلفوا فتداخلني من ذلك شيء فلميحضرني الّا ما قلت جُعِلتُ فداۤءك من ذلك ما اختلف فيه زرارة و هشام بن الحكم فقال زرارة النفي ليس بشيءٍ و ليس بمخلوق و قال هشام شيء مخلوق فقال لي قل في هذا بقول هشام و لاتقل بقَول زرارة ه ، الّا اذا اوَّلَ المصنّف قوله علي معني ان كلّ شيءٍ ليس موجوداً في رتبة ما فوقه و يصح قوله الّا في اعلي الاشياۤء الزمانيّة فانه علي قوله مسبوق بعدمٍ ازليّ سواۤء فرض الاعلي شيئا مساوقاً للزمان ام اوّل جزءٍ من الزمان و ان فرض الزمان المقدّر فهو مخلوق و الّا فلا شيء .
و قوله « الّا و قد سبق عدمُهُ وجودَهُ و وجودُهُ عدمَهُ » امّا الفقرة الاُولي و هي سبق عدمُهُ وجودَهُ مراده منها ظاهر من كلامه و امّا الثانية فمرادُه انّ وجوده وجود اللّهِ تعالي و لكنه حين انحطّ في رتبة ارتباطه بالماهيّة نسب اليه الكون الزماني فبلحاظ المقتَرِن سبَق عدمُه اي عدمُ اقترانه وجودَه اي وجودَه مقترناً مربوطا بالماهيّة التي ماشمّت راۤئحة الوجود لذاتها و بلحاظ ذاته و تقدّسها سبق عدَمَ اقترانه حين تنزّل الي الزمان قبل الاقتران و كلّ هذه الامور التي يخبطون فيها خبط عشواۤء يكشف عنها قول [ص 273] اميرالمؤمنين عليه السلام ذهب مَن ذهبَ الي غيرنا الي عيونٍ كدرةٍ يفرغ بعضها في بعضٍ و ذهب مَن ذهبَ الينا الي عيونٍ صافيةٍ تجري بامر اللهِ لٰا نفادَ لها ه .
و قوله « و بالجملة كل جسمٍ اَوْ جسماني متعلِّق الوجود بالماۤدّة ، الي آخره » فيه اشارة الي انّ المجرّدات لا ماۤدّةَ لها كالعقلِ و الرّوح من امر الله الكلّيّين و الي كلّ ماۤديّ او كان وجوده متعلّقاً بالماۤدة بوجهٍ من الوُجوه متجدّد الهويّة غير ثابت الوجود و الشّخصيّة فهو ابداً في النُّموّ و الذّبُولِ سواۤء كان جسماً ام جسمانيّاً في كلّ شيء بِحَسبِهٖ يشير به الَي انّ المجردات المذكورة ثابتة الوجود غير متجدّدة الهويّة و هذا اعني ان المجردات لا ماۤدّة لها شيء نقلوه عن اواۤئل الحكماۤء و لميعرفوا مرادهم لانهم ارادوا اَلّا ماۤدّة لها عنصريّة و لا مدّة لها زمانيّة و لها ماۤدّة جَوْهريّة و مُدَدٌ دهريّة و اَنّ لها خَلْقاً و رزقاً و موتاً و حيوةً و اَنّ لها تجدُّداً و نقصاً بنموٍّ و ذبولٍ معنويّة من نوعها و كيف يريدون انّها ثابتة لا تجدّد لها و لا تَبدُّل و لَا تَغَيُّر يعتريها و هم يُشَرّكونها مع الاجسام العنصرية فيقولون كلّ ممكنٍ زوْجٌ تركيبي و يحكمون بانَّها مَخْلُوقة مفتقرةٌ لذاتها الي المدَد من فيض جودِ خالقِها في تكوّنها و في بقاۤئها و انّ كلّ ما فاض عن امر الله الفعلي الذي يعبّر عنه بكن فانه قاۤئم به قيامَ صدورٍ كقيام الكلام بحركة المتكلّم من حلقه و لهاته و لسانه و اسنانه و شفاته من قلع او قرع او ضغطٍ و المحتاج في بقاۤئه الي المدد لايكون الّا متجدّد الهويّة غير ثابت الوجود و الشخصيّة بل هي اشدّ و اسرع استدارة علي علّتِها الممدّة لها من الاجسام الماۤدّية بما لايكادُ ينضبط لكن لمّا كانت عظيمة واسعة عاۤمة كانَتْ لعِظَمِها كالسَّاكنةِ علي نَحْوِ ما قالَ تعالي وَ تَرَي ٱلجبالَ تحسبها جامدةً و هي تمرّ مرّ السحاب ، نعم [ص 274] علي رأي المصنّف انّها ليست من الخلق و لا ممّا سوي اللّه تعالي بل هي موجودة بوجوده لكونِها لوازم ذاته ليست متجدّدة و ليس فيها ما بالقوّة بل كلّ ما لها بالفعل لانها قديمة ازليّة و امّا عند اهل الحقّ محمدٍ و اله صلّي الله عليه و اله فهي كغيرها من الخلق في الحاجة و الافتقار و التلقّي و التجدّد و كذلك عند الانبياۤء عليهم السلام و عند مَن اخذ عنهم من الحكماۤء .
قال : ببرهانٍ لاح لنا من عند الله لاجل التّدبر في بعض ايات كتابه العزيز مثل قوله تعالي بل هم في لبسٍ من خلقٍ جديدٍ و قولِه و ما نحن بمسبوقين علي ان نبدّلَ امثالكم و نُنشِئكم فيما لاتعلمون و قولهٖ و تري الجبال تحسَبُهَا جامِدةً و هي تمرّ مَرّ السّحاب و غير ذلك من الاياتِ المشيرة الي تجدّد هذا العالم و دثوره و الدلالة علي زوال الدنيا و انقطاعِها كقولهِ كلّ من عليها فانٍ و يبقي وجه ربّك ذو الجلالِ و الاكرام و قوله و السمواتُ مطوياتٌ بيمينه و قولِه ان يشأ يذهبكم و يأت بخلقٍ جديدٍ و قولِه انا نحن نرث الارض و مَن عليها و الينا يرجعون و هذا البرهان مأخوذ من اثبات تجدّد الطبيعة الّتي هي صورة جوهريّة سارية في الجسم و هي مبدء لحركته و سكونه و ما من جسم الّا و فيه هذا الجوهري الصوري الساري في جميع اجزاۤئه و هو مبدء قريبٌ لميله سواۤء كان ذا مَيْل بالفِعْلِ او بالقوّة مستديرٍ او مستقيمٍ و المُستقيم الي المركز اَوْ مِن المركز و هو ابداً في التحوّل و التبدّل و السَّيلان بحسب جوهر ذاته .
اقول ما ذكره من كونِ هٰذَا من برهانٍ لاح لنا الي اخره ، فهو صحيح بانّ الايات باعتبار تأويلها دلّ علي تغيير الاشياۤء في كلّ آنٍ و تبديلها بمعني صوغ ما انكسر منها لا بمعني الاتيان بغيرها المشابه لها او ببَدَلٍ منها فانّ [ص 275] قوله بل هم في لَبْسٍ من خلقٍ جديد ظاهر في اَنّ المرادَ بالتَّبْدٖيل انّما هو بالكسر بما يُغيّر وَ الصوغ له و الّا لماقال بل هم اذ لو كان اللبس لغيرهم من امثالهم من الخَلْق ٱلجَديد لميقل بل هم و لميقل علي ان نبدّل امثالكم و ننشِئكم و انما المراد بالتبديل الكسر و الصوغ كما اذا كسرتَ الخاتم و صغته فقد بدّلْتَهُ فهو هو و هو بدله و غيره و الّا لكان الخلق الجديد لميفعل حسنات الخلق الاوّل و لا سيّئاتهم ثم مَن يحشر يوم القيمة هل هو الخلق الاول العامل ام ٱلخَلْق الثّاني فان كان الاوّل كان الجديد عبثا و ان كان الثاني سقط الوعد و الوعيد و الثّواب و ٱلعقاب وَ الانشاۤءُ هُوَ الصَّوْغ في الاطْوار الكونيّة بما لهم ممّا لهم و مما تَحَلّلَ منهم ممَّا خرَجَ عن التّركيب الَي رتبة الْبُخٰارِ او الهباۤء او الي البرزخ من هورقليا اوْ الي الدّهر او الي الامكانِ فيُعَاد و يُصَاغ به في كلّ طورٍ في ايّ صورةٍ اقتضتها قابليّته من الاعتقادات و الاقوال و الاعمال و الاحوال في رجوعِهٖ الَي اللّه تعالي اي الي حكمه علي مقتَضي مَبْدَئِه و منتهاه و امّا كون الجبال تمرّ مرّ السحاب فلعظمها تسير سيْرَ السّحابِ و مع هذا يراها النّاظر اليها لكِبَرِها كالساكنة و الجبال و ساۤئر الجمادات و المعادن وَ ٱلنباتات كالحيوانات و ٱلشهادة كالغيب فجميع العالم عندنا المجرّد و الماۤدّيّ ٱلعنصري كُلّه مُتَجِّدد و مُتَبَدِّل علي نَحْوِ ما ذكرنا الّا اَنّ الجسم و الجسماني اكثر اَعْراضاً و اَشدّ تغيّراً فلِذا نسَبوهُ الي الدثور و المراد بهذا الدّثور علي ما اشرنا اليه لٰا ما يتوهّم من الفَناۤء و العَدم فانّ ما دَخل في ملك الله سبحانه لايخرج عنه و لان الاجسام و الجسمانيات لمّا نزلت الي الدنيا دار التكليف لحقتها الاعراض الدنياويّة الغريبة لفاۤئدة الابتلاۤء و الاختبار في التكليف و لتتغير الاجْسام فيكون سبباً داعياً الي الانتقال منها فاذا انتقلوا منْها صَاعِدٖين الي ما خلقوا لاجله القوا [ص 276] الاعراض الغريبة في مباديها فكانت اظهر دثوراً و الافلاك اخفي دثوراً فَتُكْشَط و يبدّل و المجردات اشدّ خفاۤءً فاذا نظرتَ اليها حسبتها جامدة و هو تمرّ مَرّ السحاب كالجبال و هي دليل المجردات و في تفسير ظاهر الظّاهر الجبال جمع جبلَّة بمعني الطبيعة علي غير قياس الظاهر فافهم ، و قوله تعالي كل من عليها فانٍ اي متغيّر و منتقل لا بمعني منعدم و ذكر مَن علي الدنيا لاينفي مَنْ علي غيرها ، و قوله تعالي و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام المراد بالوجه ظاهراً علل الاشياۤء المتغيّرة و باطِنا مباديها و اعلاها و اجمعُها المقامات و اركانها عليهم السلام و هو باقٍ عند المصنّف ببقاۤءِ الله تعالي لا بابقاۤئِهٖ لانّه عنده قديمٌ و هو عنده من لوازم الذات سبحانه و عندنا انّه باقٍ بابقاۤءِ اللّه عز و جل و هو حقيقة محمد و اله و انوارهم صلّي الله عليه و اله و لَا شكّ في كونِهٖ مفتقراً الي امدادِ اللّه سبحانه في تكوّنه و في بقاۤئه كيف و هو مخلوق محدث كما اَخبر به صلي الله عليه و اله و قد قال عليه السلام اللّهم زدني فيك تحيّراً و هو كناية عن الامداد بما ليس عنده و قال تعالي و قل ربّ زدني علماً و هذا ظاهرٌ و قوله ان يشأ يذهبْكم و يأت بخلقٍ جديد من تأويله انّه يُذْهِب صُوَرَهم باَنْ يكسرهم بالكسر الاصغر في هذه الدّنيا بما يتحلّل منهم و يأتِ بخلقٍ جديد بان يصوغهم بما يتجدّد لهم من الامداد علي نحو ما تقدّم و بالكسر الاكبر في القبور كذلك و قوله انا نحن نرث الارض و من عليها و الَيْنا يرجعون يشيرُ به الي ما بين نفخة الصعق و نفخة الفزع فانه تعالي بعد فناۤء الخلق و انقطاع النفخة و موت المُسْتثنَيْنَ جبرءيل و ميكاۤئيل و اسرافيل و عزراۤئيل ينادي عز و جل علي لسان وجهه الباقي بما معناه يا ارض اين ساكنوكِ اين المتكبّرون اين الذين اكلوا رزقي و عبدوا غيري لمن الملك اليوم فلايجيبه احد فيردّ علي نفسه [ص 277] و يقول للّه الواحد القهّار و في رواية ان المجيب هو الوجه الباقي فهذا معني نرث لانه اخبر بفناۤء الخلق فعادَتْ الارض الي امره خالية من ساكنيها كما بدأها منه .
و قوله « و هذا البرهان مأخوذ من اثبات تجدّد الطبيعة ، الي قوله و سكونه » يريد به ما ذهب اليه من ان علّة الربط بين الحادث و القديم انما هي الطبيعة و الحكماۤء ذهبوا الي ان العلّة هي الحركة و المصنّف جعل الطبيعة مبدأ للحركة عكس الحكماۤء و نحن قد بيّنا فيما مضي و في شرح المشاعر و في كل موضع من كتُبنا و رساۤئلنا ذكرنا هذا فيه اَنّهُ لا ربط بين الحادث و القديم فان ذلك مما يوجب الحدوث في المترابطَيْنِ و امّا الحكماۤء الاواۤئل الذين اخذوا الحكمة من الانبياۤء عليهم السلام فمرادهم بالربطِ الانْتساب الي فعله تعالي لا الي ذاته و ذلك لانهم يرون ان الفعل خلقه الله تعالي بنفسه و هو ذات استفادت ساۤئر الذوات ذاتيّاتها من فاضل ذاتها كما استفادت الكتابة هيئاتها من فاضل هيئة حركة يد الكاتب و ساۤئر الخلق تنتهي الي فعله و نسبته الي ذات الحق عز و جل نسبة الحركة من الشخص و هذه الحركة هي علّة الربط الانتسابي و الحكماۤء المشّاؤن و من حذا حذوهم يأخذون ظواهر الحكمة فذهبوا الي ان الحادث مرتبط بالقديم و علّة الرّبط حركة الحادث لانهم مايعرفون من الفعل الّا الامر الاعتباري و المصنف حذا حذوهم في اثباتِ الرَّبْط الحقيقي و اعتباريّة الفعل و خالفهم في علّة الربط و قال ان الحركة مسبوقة بالمتحرّك و المتحرك هو الطبيعة الّتي هي مبدء الحركة فبني جميع مسايل الربط في جميع كتبه علي هذا الرأي و نحن نقول لو اريد في علّةِ الرَّبْطِ عَلَي فَرْضِ القول بِهٖ حَركة الحادث كان قَوْل المُصَنِّف بٱلطَّبيعةِ اَوْلَي لانّ الحركة عَرض وَ العَرض تَمام قبوله للوجود [ص 278] وجود المعروض فتكونُ مسبوقةً بالجَوْهَرِ و هُنَا هو الطبيعة لانّها مَبْدَءُ المَيْلِ وَ هُو الحركَةُ لكن الاواۤئل يريدون بالرَّبْط الانتساب و بالحركة الفعل اذ هي المفهوم من الفعل و نسبة الفعل اليه عز و جل نسبة الحركة و ان كان ذاتا بالنّسبة الي ما صدر عنه و ما صدر عنه اثره فهو في التّمثيل بمنزلةِ ضَرَب الفِعْل المَاضي وَ مَا صَدَرَ بمنزلةِ الاثر المؤكِّدِ مثل ضرَب ضَرْباً فاذا اردتَ ضرب الايات لمعرفة هذا فزيدٌ آيةٌ لمعرفة اللهِ تعالي و ضَرَبَ آيةٌ لفِعْلِهٖ و ضَرْباً اٰية لِاَوَّلِ صَادرٍ عن الفعْل و تلك الامثال نضربها للناس وَ مايَعْقِلُهٰا الّا العَالمون سَنُرٖيهم ايٰاتِنا في الٰافٰاقِ و في انفسهم و امّا كون الطبيعة صورة جوهريّة فصحيح في طبيعة الشَّيْء اِذَا اريد ٱلتّعبير عنها و هذه غير ما يراد من طبيعة الكل التي يشيرونَ بها الي ركنِ العرشِ الْاَحْمر الذي هو الملك المؤكل بملاۤئكة الحجب المُسَمَّيْنَ بالكَرُوبيّين و هو يستمدُّ منه جبريل عليه السلام و الي بعض ما ذكرنا من هذه الاوصاف اشار الاشراقيّون وَ بعض ذكره الصوفيّة و بعض ذكر في الاخبار عن الائمة عليهم السلام و ظاهره انه الكسر الاوّل بعد الصوغ الاول اذ كل شيء انما يتمّ بصَوْغينِ و كسرين و يكمل بثلاثة و ثلاثة كما يشير العلم الطبيعي المكتوم اليه مثلا اوّل صوغ الاشياۤء ايجاد معانيها في العقل و وسطه ايجادُ رَقائِقها في الروح و اخره و تمامه ايجاد صورها الجوهرية في النفس ثم اوّل كسرِها اذابةُ هذه الصُّور في مدة اربعمائة سنة من سني الزمان في الطّبيعةِ هذه و فيها هو الكسر الاوّل ثُمَّ الصوغ الثاني و اوّله التحْصٖيص المسمي في اصطلاحهم بجوهر الهباۤء و تمامه تعلّقُ الصّور المثالية بمواۤدّها و هو الذرّ الثاني الذي خرجوا به في الدّنيا و قد تمّ الشيء بكسرين و صوغَيْنِ فلذا كانوا مميّزين الّا اَنّ بنيتهم لمتبلغ الكمال في هذه الدّار لانّها ليست دار بقاۤءٍ فلمّا اراد سبحانه بقاۤءهم [ص 279] الدّاۤئم كسرهم "٢-" بعد اَنْ اَمٰاتَهم في "٢" القبور و هو الكسر الاكبر الذي يكون بعده الصوغ الكامل المقتضي للبقاۤء الدّاۤئم ثم كسر ارواحهم بين النفختين في مقابل كسرهم الاوّل في الطبيعة في مدّة اربعمائة سنةٍ ثم عند النفخة الثانية يصوغهم الصّوغ الذي يقتضي البقاۤء الدّاۤئم و لايحتمل الفناۤء و الفسَاد انّ اللّه لايخلف الميعاد و امّا باطنه فهو الملك الّذي علي ملاۤئكة الحجب ثم اعلم انّ المصنّف بني علمه علي الْمَساۤئل القشريّة و البسَها من الفاظ الحقيقيّة حتي توهّم الاكثر انّ ذوقه تجاوز الحدّ لعَدم معرفتهم بحقاۤئقِ الاشياۤء .