قال : و القرءان كان خلق النبيّ صلي الله عليه و اله دون الكتاب و الفرق بينهما كالفرق بين ادم و عيسي عليهما السلام ان مثل عيسي عند الله كمثل ادم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون و ادم كتاب اللّه المكتوب بيَدَي قدرته ،
و انت الكتاب المبين الذي باحرُفِه يظهرُ المُضْمَرُ
و عيسي قوله الحاصلُ بامرِهِ و كلمتُه اَلْقاها الي مريم و روحٌ منه و المخلوق باليدَيْنِ في باب التّشريف ليس كالموجود بحرفين و من زعم خلاف ذلك اخْطأ » .
اقول يريد اَنَّ القرءان احدثه الله سبحانه شرحَ طبيعة النبي صلي اللّه عليه و اله و خُلُقه بضم الخاۤء و اللَّام و هو الطبيعة و هي ما ركّب في الشيء من اَحَدِ ركنَيْه مادّته او صورته او منهما او من متمّماتِ قابليّته كالكم و الكيف و الوقت و المكان و الرتبة و الجهة و الوضع او من الكل كما قال في شأنه صلّي اللّه عليه و اله المشار اليه في قوله تعالي و انّك لعلي خلق عظيم و ذلك من صفاۤء جوهريّة ماۤدّته و اخذها من اعلي مراتب الامكان و حسن تصويره [ص 207] و كمال تعديل مزاجه علي حدٍّ لايحتمل الامكان فوقه في تقدير الاجزاۤء و الاركان و في غاية نضخها ( نضجها ظ ) و عدل وزنِها و كمال وضعها في اَحْسنِ تقويم يحتمله الامكان فخلقه عز و جلّ بمبلغ علمه الكوني و ادّخر له بمبلغ علمه الامكاني من الامداد المعدّلة في المراتب المعتدلة المستقيمة ممّا لايحتمل الامكان ابدع منه حتّي ظهر صلي الله عليه و اله بكسوةٍ من الوجود لو لميرد عليه امر و لا نهي من الله لكان بجوهريّة ذلك المكمّل و استقامة ذلك التصوير المعدّل لايقع منه الّا ما هو عينُ مرادِ اللّهِ عز و جلّ وَ ذلكَ مقتضي طبيعته و تعديل فِطْرَتهٖ المشار الَيْه في قوله تعالي يكاد زيتها يُضٖيۤء و لو لمتمسسه نار اي يكاد يكون قبل التكوين يكاد يعلم قبل التعليم يكاد ينطق بالوحي قبل اَن يوحَي اليه و هكذا سَاۤئر جهات الكمالات الكونيّة و القرءان الشريف شرح ما اشرنا اليه علي جهة الاجمال لان الرّوح الذي هو من امر الله هو القلم الذي كتب في اللوح باذن الله كل ما كان و ما يكون و ما هو كاۤئن و هو عقله صلي اللّه عليه و اله و هو القرءان قال تعالي مشيراً الي ذلك لاهل التّعرف منه و كذلك اوحينا اليْكَ رُوحاً من امرنا ماكنتَ تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاۤء من عبادنا و انك لتهدي الي صراطٍ مستقيمٍ فاخبر سبحانه انه اوحي الي نبيه صلي اللّه عليه و اله روحاً من امره و هو القلم و هو الملك اي العقل الكلّي و ماكان يعلم ما الكتاب و لا الايمان قبله اي قبل القرءان كما قال تعالي ماكنتَ تعلمها انت و لا قومُك من قبل هذا اي القرءان و هو الملك اي الروح من امر الله يعني العقل فالعقل هو الروح الذي هو من امر اللهِ و هو عقل النبي صلي اللّه عليه و اله و هو القرءان فالقرءان طبعه و خلقه لانه نور واحد يسمّي بكلِّ مَا ذكرنا و بغير ما ذكرنا و يظهر بكل طورٍ من اَطْوَاره فالقرءان شرح خلقه [ص 208] و طبيعته عليه السلام .
و قوله « دونَ الكتاب » ليس بصحيح لان الكتاب هو القرءان و انّما يفرق بينهما بالاعتبار فمن حيث كون الكلمات محدثة هو كلام و من حيث كون المحدث متلُوّاً هو قرءانٌ و من حيث كونه محفوظاً في شيء هو كتاب كما قال تعالي انه لقرءان كريم في كتاب مكنون لايمسّه الا المطهّرون .
و قوله « و الفرق بينهما اي بين القرءان و الكتاب كالفرق بين ادم و عيسي عليهما السلام » يريد انّ القرءان لايتعيّن و لايتشخّص بخلاف الكتاب فانه متشخّص ظاهر يدركه كل احد و قد قدّمنا انّ الحقّ انهما شيء واحد تختلف اسماۤؤه باختلاف احواله و يريد ان الفرق بينهما كالفرق بين ادم و عيسي عليهما السلام و التشبيه في الفرق يقتضي ان يكون ادم اشرف من عيسي عليهما السلام علي فرض ارادته من ضمير خلقه يعود الي عيسي عليه السلام لكون خلق ادم عليه السلام من ترابٍ معلوماً و لقوله تعالي في حق عيسي عليه السلام اذا قضي امراً فانّما يقول له كن فيكون و يعلّمه الكتاب و الحكمة الاية ، و يشهد لهذا ظاهر قوله « و المخلوق باليدين » يعني يدي قدرته في باب التشريف بمعني انه شرّفه اي ادم حتي انه خلقه بيدَيْه ليس كالموجود بحرفين اللّذَيْنِ هما بمنزلة اصبعين اقلّ من اليدين فيستفاد من هذا و نحوه انّ ادم كالقرءان و عيسي كالكتاب و قد ذكر اشرفيّة القرءانِ علي الكتاب فيكون ادم اشرف من عيسي و يؤيّد هذا قوله و من زعم خلاف ذلك اي خلاف انّ المخلوق باليدين كٰادم اشرف من الموجود بحرفين كعيسي فقد اخطأ لانّ المسلمين متّفقون علي ان عيسي افضل من ادم بلا خلاف بين احد من الفريقين و لميوجد لاحدٍ من المسلمين و لا غيرهم قول بان ادم افضل لتصرف قوله فقد اخطأ اليه و اذا نظرنا الي قوله و ادم كتاب الله المكتوب بيدي قدرته [ص 209] و استشهاده بما ينسب لامير المؤمنين عليه السلام من قوله :
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمَرُ
و الي قوله في عيسي عليه السلام « و عيسي قوله الحاصل بامره و كلمته القاها الي مريم و روح منه » دلّ علي عكس المعني السابق فانّ القول و القرءان اشرف من الكتاب فيكون عيسي اشرف من ادم الّا انّ فهم هذا المعني من كلامه مرجوح لان احداً لميقل بانّ آدمَ اشرف من عيسي ليصح قوله « و من زعم خلاف ذلك فقد اخطأ » و يؤيّد الثاني قوله في حق ادم المخلوق باليدين فان ما ينسب اليه الخلق خصوصاً علي طريقة المصنف فانه مفضول مرجوح و قوله في حق عيسي عليه السلام الموجود بحرفين فانه فاضل راجح لانّه نسب اليه الوجود فعبارته و ان كانَتْ ظاهرة في المعني الاوّل الّا انّها محتملة للثاني فيكون كلامُهُ مضطرباً و مأخذ دليله علي الاحتمالين مدخول فانّ توهم الشمول في ادم لايستلزم الاشرفيّة و معارض بمحمد صلّي اللّه عليه و اله و عيسي من اولي العزم و في ادم نزلت و لمنجد له عزماً و لارادة الكاف و النون من اليدين و ضمير خلقه عاۤئد الي ادم الذي هو اقرب فيكون هو الموجود بالامر فكما يجوز ان يكون بالحرفين عيسي يجوز ان يكون ادم و كما يحتمل الحرفان كن يحتمل اليدان كن .
قال : قاعدة مشرقيّة المتكلّم مَن قام به الكلام و الكاتب مَن اوجد الكلام اي الكتاب و لكل منهما مراتب فكلّ كتابٍ كلام من وجهٍ و كل كلامٍ ايضاً كتاب من وجهٍ آخر اذ كل متكلم كاتب بوجه و كل كاتب متكلّم ايضاً بوجهٍ مثال ذلك في الشاهد الانسان اذا تكلّم بكلامٍ في المعهود و قد صدرَتْ عن نفسه في الواحِ صدره و منازل اصواته و مخارج حروفِه صورٌ و اشكال حرفيّة و هيئات فنفسه ممّن اوجد الكلام فيكون كاتبا بقلم قدرته في لوح [ص 210] نفَسِهٖ بفتح الفاۤء ثم في منازِل اصواته و شخصُهُ ممّن قام به الكلام فيكون متكلّما فاجعل ذلك مقياساً لما فوقه و كن من الناصحين المصلحين و لاتكن من المتخاصمين » .
اقول قوله المتكلم « من قامَ به الكلام » ما يريد به فان القيام يراد به اذا اُطلِق احد معانٍ اربعةٍ احدها قيام الصدورِ كقيام نور الشمس بالشمس و معناه قيام الشيء بايجاد موجدِه بحيث لايتحقّق في مدةٍ اكثر من مدّة ايجادِهٖ و ذلك كنور الشمس و كالصورة في المرءاة و ثانيها قيام الظهور كقيام الكسر بالانكسار فان الكسر سابق بالذات و لكنه لايمكن ظهورُهُ في الاعيان الّا بالانكسار لان الانكسار هو قبول الكسر للايجاد و لهذا قيل الكسر وجِد اوّلاً و بالذات و الانكسار وُجِدَ ثانياً و بالعَرض و ثالثها قيام التحقّق كقيام الانكسار بالكسر بمعني انه لايتحقّق لا في الخارج و لا في الذهن الّا مسبوقاً بالكسر لانّه انفعال الكسر لفعل الفاعِل اذ لاتعقل الصفة قبل الموصوف و قد نطلق عَلَي هٰذَا اَعْنِي الْقيامَ الثّالث القِيٰام الركني بمعني انّ الانكسار في الحقيقة ماۤدّته من نفس الكسر من حَيْثُ هُوَ هو لا من حيث فعل الكاسر و ذلك كقيام السرير بالخشب قياماً ركنيّاً لان الخشب هو ركنه الاعظم الذي تقوّم به و الركن الثاني الاسفل الاَيسر هو الصورة فلَكَ ان تقول انه تَقوّم بالخشب التقومَ الركني و ان تقول انه تقوّم بالخشب تَقَوّمَ التحقّق و رابعها تقوّم عروضٍ كتقوّم الصبغ بالثوب فهذا التقوّم الذي ذكره المصنّف ايُّها و الظاهر من سياق كلامه حيث جعل الكاتب مَن اوجد الكلام ان مراده بهذا التقوّم في قوله المتكلم مَن قامَ به الكلام هو قيام العروض المسمّي بالحلول في قولهم العرض هو الحاۤلّ في المتحيّز لانّه لو اراد ان المتكلم من قام به الكلام قيام صدور لكان معناه مَن اوجد الكلام فلايكون فرق بين [ص 211] المتكلم و الكاتب فعلي تفسيره يكون اللّه قد قام به كلامه اي حلّ في ذاته فيكون محلّاً لغيره لان كلامه غيره اذ لايرٖيد انّ المتكلم مَن حَلّ به المتكلِّم علي ان المسلمين اجمعوا علي انّه متكلّم عزّ و جل من قوله تعالي و كلّم اللّٰهُ موسٰي تكلٖيماً فسُمِّي متكلماً بما اوجد من كلامه لموسَي في الشجرة اي بما انطَقها به من كلامه و يلزم علي مراده ان يكون الله سبحانه كتاباً لانّ الكتاب هو الذي يقوم به الكلام و المعاني و النقوش كما تقدم و لو اراد هو او غيره ان اللّه سبحانه هو الذي احْدَث الكلام بالشجرة لموسي عليه السلام كانت الشجرة كتاباً لما اقام فيها من كلامه فالمُكلِّم موسي من الشجرة من هو فان كان المتكلّم من قام به الكلام فالشجرة هي المتكلّم و ان كان المتكلّم هو مَن احدث الكَلامَ فالمتكلّم هو الله سبحانه لانّه خلق ما نطقت به الشجرة و انطقها بما خلق فيها من كلامه و بذلك وصَف نفسه بكونه متكلماً لانه احدث الكلام و عن ابيبصير قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول لميزل الله جل اسمه عالماً بذاته و لا معلوم و لميزل قادراً بذاته و لا مقدور قلتُ جعِلتُ فداۤءك فلميزل متكلّماً قال الكلام محدث كان الله عز و جل و ليس بمتكلمٍ ثم احدث الكلام ه ، اقول سمّاهُ متكلّما بما احدث من الكلام و هذا ظاهر .
و قوله « و الكاتب من اوجد الكلام » اي الكتاب يرد عليه مثل ما ورد علي ما قبله فان الكاتب مَن اثبت شيئا في شيء فيصدق علي من اثبت المعاني في العقول و الرقاۤئق في الارواح و الصُّوَر الجوهرية في النفوس و الصور الشّبَحِيّة في الاجسام و الاجسام في المكان و الزمان و الالفاظ في الهواۤءِ و النقوش في الاجسام و الجسمانيات فاذا اردنا تصحيح كلامه فلا بدّ اِمّا من تقدير مضافٍ مثل الكاتب مَن اوجَد صور الكلام في شيء مع تضمين اوجد معني وضع [ص 212] و نقش او ارادة المتكلم من الكاتب و هذا لايصح في مقام التقسيم و امّا اذا قال مَن اوجد الكلام فهو المتكلم فكلامه اذا عكِس صحّ في المتكلم فانّه هو من اوجد الكلام و اما من قام به الكلام لايصح ان يكون متكلّما و لا كاتبا و انّما يصحّ ان يكون كِتاباً لان الكتاب هو الذي قام به الكلام امّا بصورته كالهواۤء و القوّة السامعة و امّا بصورته و نقشه كالقراطيس و الالواح و قوله و لكلٍّ منهما مراتب اي لكلِ واحدٍ من الكلام و الكتاب مراتب يسمي كل واحدٍ باعتبار مرتبته باسمٍ مع اتّحاد اصلِهما فبلحاظ الفَيَضانِ يسمي كلاماً و بلحاظ قيام الفاۤئض بشيء يسمي كتاباً فكل كتاب باعتبار تقوّمه بافاضةِ فاعله تقوُّمَ صدورٍ كلام و كلّ كلامٍ باعتبار تقوّمه في مكانه تقوّم عروضٍ كتاب فيكون كلّ محدِثٍ من حيث هو مفيضٌ متكلِّما و من حيث هو واضع ذلك المفاضِ في محلٍّ كاتباً و هذا علي ما اعتبرناه لا علَي ما اعتبره المصنف كما بيّنا قبل و يأتي في مثاله من انّ الكاتب هو من اوجد الكلام و قد بيّنا لك انّ مَن قام به الكلام قيام صدور هو المتكلّم و هو الذي اوجد الكلام و لهذا ورد في شأن القلم انه كتب في اللوح ما كان و ما يكون فسمّي كاتبا باعتبار ما اثبت في اللوح وَ ورد ثم ختم علي فمه فلاينطق ابداً و الختم علي الفم و عدم النطق للمتكلم لا للكاتب و ذلك باعتبارِ اِفاضتِهٖ لما كتب في اللوح و قد قال في حق نبيه صلّي الله عليه و اله و ماينطق عن الهوي ان هو الّا وحي يوحٰي فنسب اليه لوازم التكلم دون الكتابة و ما ذكره المصنِّف تمثيل يوجّهه علي اعتباره و مع ذلك لاينافي ما ذكرناه .
فقوله « و قد صدرت عن نفسه ، الي اخره ) باعتبار كون الصادر واقعاً بصُوَرِهٖ في الواح صدره تكون تلك الالواح كتاباً و اثبات تلك الصور فيها كتابة و كذلك تلك الاصوات المقطعة في مراتب اصواته باعتبار كونها منْقوشة فيها [ص 213] كالتي في الحلق و الفم و الخارج القاۤئم في الهواۤء علي نحو ما ذكر فنفسُه بسكون الفاۤء ممّن اوجَد الكلام باعتبار كونه فاۤئِضاً يكون متكلّماً لايجاده الكلام و نطقه به و باعتبارِ اثباته في لوح نفسه بفتحِ الفاۤء اي الهواۤء الممتد من جوفه الي الهواۤء الخارجي في منازل صوته يكون كاتبا .
و قوله « و شخْصه ممن قامَ به الكلام ، الخ » فيه ما قلنا من ان المراد بالقيام هو الحُلول فيكون الشخص كتاباً لا كاتباً و لا متكلّما .
و قوله « فاجعل ذلك مقياساً لما فوقه » فيه ما قلنا من انه اذا قسنا عليه الواجب لزم مع التشبيه بالخلق انّه انّما سُمّيَ سبحانه بمتكلّمٍ لانّه ممن قامَ به الكلام و الكلام عند هؤلاۤء الجماعة اصحاب وحدة الوجود هو ذاته كما ذكره الملا محسن في انوار الحكمة و يسمّي ايضاً كاتباً لانّه اوجد الكلام و امّا عندنا فقد عافانا اللّه سبحانه و له الحمد ممّا ابتلَي به هؤلاۤء فنقول لايكون شيء من الخلق مقياساً لشيء من الحقّ تعالي و ما يوجد في خلقه فهو اٰية معرفته و الكلام حادثٌ و المتكلّم مَنْ اوجدَ الكلام و هو تعالي متكلّم لانّه احدثَ كلامَهُ في ما شاۤء و كلّم به مَن شاۤء كيف شاۤء فلاتجعل للشاهد مقياساً للواجب في شيء و اَمّا ما اري الخلق من آياته في الافاق و في انفسهم فهو اٰياتُ معرفته و لا كذلك قياس المصنّف لانه يقيس ذات العبد فيما ينسب اليها و يطلب نظيره فيما ينسبه الي ذات الربّ سبحانه عما يشركون .
قال : قاعدة عرشيّة كل معقول الوجود فهو عاقل ايضاً بل كل صورةٍ ادراكيةٍ سواۤء كانت معقولةً او محسوسة فهي متّحدة الوجود مع مدركها و برهانه الفاۤئض من عند اللهِ هو ان كل صورة ادراكيّة لها ضرب من التجرد عن الماۤدة و ان كانت حسّيّة مثلاً فوجودُها في نفسه و كونها محسوسة شيء واحد لا تغاير فيه اصلاً و لايمكن اَنْ يفرض لتلك الصورة المخصوصة [ص 214] نحو من الوجود لمتكن هي بحسبه محسوسة .
اقول يريد في هذه القاعدة يقرر مسئلةً قد ملأ كتبه منها و هي اتّحاد العاقل بالمعقول و تجري في اتّحاد الحاۤس بالمحسوس و الفاعل التّام بالمفعول و هي مسئلة عويصة علي اذهانهم و الشبهة دخلت عليهم من دعوي انّ وجودها ادراكي و لهذه اذا سُلِّمت انما يلزم منها اتّحاد العقل بالمعقول علي توجيهٍ نذكره و الباب الذي دخلت عليهم منه الشبهة توهّم انّ العاقل يعقل غيره بنفس ذاته كما يسمع بذاته و يري بذاته و قد بيّنّا فيما تقدّم ان الادراك معني فعلي لان السمع الذي هو الذات و كذا البصر و العلم المعبر عنه بالعقل هو الذات فسمّه باسمه الحَقّ و هو الذات ثم انظر هل تقدر ان تنسب اليه ادراك مسموع او مرئي او معلوم لانّه تعالي انما هو هو فلا مَسْمُوع و لا مبصر و لا مدرك فاذَا وجد المسموع و المبصر وَ المُدْرَك حَصَل ٱلاِشْراقي بها و هو الوجُودُ الادراكيّ النِّسبي و هو ظهورُ المدرِك بكسر الراۤء بالمدرك بفتح الراۤء و الظهور اثر الظاهر فالاتّحاد في الظهور اذ ليس للمدرك بفتح الراۤء حقيقة غير الظهور اذ هو الظهورُ بهٖ لانّ ماۤدّته ذلك الطارئ المتجدّد الذي هو تأكيد الفعل و صورته ظلّ هيئة الفعل كما ان صورة الكتابة ظل هيئة حركة يد الكاتب و كما اَنّ هيئة حركة يد الكاتب ليست هي يد الكاتب و لا ذات الكاتب و انّما يُحدثها الكاتب عند ارادة الكتابة بنفسها كذلك الوجود الادراكي ليس هو نفس الفعل و لا ذات الفاعل و كلام المصنف يلزم منه ان تكون هيئة الكتابة القاۤئمة في القرطاس التي هي بمنزلة الصورة المعقولة هي نفس حركة يد الكاتب و نفس يد الكاتب بل نفس الكاتب و مع هذا كله يدّعي انّ برهان ما ذكره فاۤئض عن اللّه سبحانه اخذه من الاياتِ الافاقية و الانفسيّة فانظر ماذا تري .
و قوله « كل معقول الوجود فهو عاقل ايضاً » [ص 215] يدخل فيه كل معلومٍ ليصح للمصنف قوله بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء لانه اذا خصّص المعقول بالمجرد عن الموادّ لَمْيبق عنده شيء اذ كلُّ مخلوق فمن ماۤدّة خلقه خالقه تعالي و انّما مَعْني انّه خلقها لٰا من شيء اي لٰا مِن شيءٍ مَعه قديمٍ لا انّ معناه انّه خلقه لا من ماۤدّةٍ و لو سكتنا عن هذا لزِمَهُ انّ بسيط الحقيقة بعض الاشياۤءِ لان الماۤدّيّات من ٱلاشياۤء مع انّه اخرجها من الاتّحاد و لو سكتنا عنه ايضاً لزمه ان الاشياۤء المجرّدة هي الَّتي معه في صقعِهٖ في ازله فهو كلها لِبَسٰاطَتِهَا و لَايلزم التّركيب و التّغيير بالمتبايناتِ لانها في انفسِها مجرّدةً و امّا الماۤدّيّات فلكونها خارجة عن صقعه و واقعة في الامكان لميصح اتّحادُها به فلاتكونُ معلومةً له لان المعلوم الحادث بجميع اقسامه يجب ان يكون وجودهُ اِدراكيّاً لانه غاية الفعل فلاينقص في تحقّقه بالفعل عن كون تحقّقه ادراكيا فاذا لمتكن بذاتها معلومةً له لمتكن مفعولةً له قال الملّا محسن في رسالة العلم التي وضعَها لابنه علمالهدي اعلم ان العالمية و المعلوميّة هما عين الفاعلية و المفعوليّة او لازمتانِ لهُما لانّ العلم عبارة عن حصول المعلوم للعَالم و ليست الفاعلية ايضاً الّا حصول المفعول للفاعل او تحصيل الفاعل للمفعول فانك اذا تصورتَ صورة في نفسك فعين تصوّرك ايّاها عين حصولها لكَ و عَين علمِك بها و تصوُّركَ ايّاها ليس الّا انشاۤؤك لَها في ذاتِك و ابداۤؤها ايّاها مع انّك لستَ مستقِلّاً لها في هذا الانشاۤءِ و الابداۤء بل انت محلّ لها و انّما يفيض عليك مما فوقك حين حصول شراۤئطِها فيك و استعدادك لها فلو كان الانشاۤء منك بالاستقلال لكان اولي بان يكون علماً لكَ بها انتهي ، فاذا كان عندهم ان العالمية عين الفاعليّة و المعلومية عين المفعوليّة دارت المعلوميّة مدار المفعوليّة وجوداً و عَدماً فيلزم امّا معقوليّة الماديّات او عدم مفعوليّتها و اعتبار الوساۤئط في الماديّات [ص 216] في المعلوميّة و المفعوليّة دون المجردات يلزم منه اختلاف نسبة الذات الحق تعالي الَي بَعْضِ الاشياۤء و هذه صفة الخلق علي ان المصنّف لايفرق بين الوجودات فكيف جعل هنا بعضها معقولاً كالمجردات و بعضها غير معقولٍ كالمادّياتِ فيلزمه ان يكون بعض الوجودات مجردة و بعضها ماۤدّيّة فلايصح قوله بكونِ الوجود صادِقاً علي جميع افراده بالاشتراك المعنوي فمرّة قال هكذا و مرّة قال انّ الحقّ وجودات الاشياۤء ممّا شابها من النقاۤئص و الاعدام ليس لذاتها و انّما هي عوارض مراتب تنزلاته و ذاته بريۤئةٌ من هذه الاعدام و النقائص و مرة قال انّ ما كان منها معقول الوجود فهو متّحد بالعاقل المعبود تعالي و ما كان ماديّا فلا و مرّة قال تفريعاً علي هذه القواعد القاعدات انَّ بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء و الّا لزم تركّبه من وجود و عدم و مرّة قال الّا ما كان من النقاۤئص و الاعدام يعني ان بسيط الحقيقة لايُسلب عنه شيء الّا ما كان من نحو النقاۤئص و الاعدام و كل هذه المناقضات و الاضطرابات منشاؤها القول بوحدة الوجود و انا اقول للمصنّف لايتعب نفسه فانه ان صعِدَ السماۤء او نزل الارض او قتل نفسه او غير ذلك لايكون ربّاً و لايكون قديماً و لا اصل له في الازل ابداً و لايقبل منه الّا من كان يريد هذه المرتبة و هم معه مثل ما قيل في ذم ابيالحسين الجزّار :
اِنْ تاهَ جزّارُكم عليكم بفِطنةٍ في الوري و كَيْسِ
فليس يرجوهُ غير كلبٍ و ليس يخشاه غير تَيْسِ
و ايضاً قوله « فهو عاقل ايضا » يشير به الي دليل الاتحاد من انا اذا لمنقل بالاتحاد لزم امر محالٌ فقال في بيان لزوم المحال في كتابه المشاعر لانا اذا نظرنا الي الصورة العقليّة و لاحظناها و قطعنا النظر فهل هي في تلك الملاحظة معقولة و الّا لميكن نحو وجودِها بعينها معقوليتها بل كانت معقولة [ص 217] بالقوة لا بالفعل و المقدّر خلاف هذا و هو انّ وجودها بعينه معقوليتها و ان كانت تلك الملاحظة ايّاها الّتي هي تكون مع قطع النظر الي ما سواه معقولة فهي لا محالة في تلك الملاحظة عاقلةٌ ايضاً اذِ المعقولية لايتصوّر حصولها بدون العاقليّة كما هو شأن المتضاۤئفين و حيث فرضنا وجودها مجرّدةً عما عداها فتكون معقولةً لذاتها ثمّ المفروض اوّلاً انّ هنا ذاتاً تعقل الاشياۤء المعقولة له و لزم من البرهان ان معقولاتها متحدة مع من يعقلها و ليس الّا الذي فرضناه انتهي ، و يريد انا اذا نظرنا الي الصورة المعقولة لمنجد منها الّا كونها معقولةً لعاقِلها لانها هي حظها من التحقق فتكون هي بذلك عاقلة اذ كونها معقولة لاينفك عن عاقلٍ لها كما هو شأن ساۤئر المتضايفات و هذا في حال قطع النظر عن عاقلها و انّما فهمنا العاقلية من المعقوليّة فلولا تحقق الاتحاد لمافهمنا العاقليّة من المعقوليّة مع قطع النظر عن عاقلية عاقلها و اقول اذا تأمّلتَ هذا الكلام وجدته مغالطةً خفي التخلّص منها علي المصنّف و علي اهل الاتحاد و بيان التخلص منها هو انّ فهمك العاقلية انّما هو لاجل مأخذ الاشتقاق بمعني ان تحقق المعقولية مَأخوذ فيه لحاظ العاقلية كالابوّة و البنوّة فان تحقّق كل منهما مأخوذ فيه لحاظ الاخر و لكن كما لاتتّحد الابوّة بالبنوّة مع اخذ لحاظ احدهما في تسمية الاخر بل الابوة منسوبة للاب و البنوّة منسوبة للابنِ ليس بينهما اتّحاد و انّما اعتبر لحاظ الجهة الملايمة يعني انّ جهة الاب الي الابن دون غيرها من جهات الاب جعلت صفةً لجهة الابن الي الاب في اخذها لجهة الابن و جعلت جهة الابن الي الاب صفةً لجهة الاب في اخذِها لجهة الابِ فالابوة صفة الاب الموصوفة بجهة الابن و البنوّة صفة الابن الموصوفة بجهة الاب كالضارب صفة لزيد باعتبار فعله الموصوف بالضرب و ليس صفة لذات زيد فالابوة [ص 218] مركبة من صفة هي جهة الابن و موصوف هي جهة الاب و البنوّة مركّبة من صفةٍ هي جهة الاب و موصوف هو جهة الابن و ليس بينهما اتّحاد بل الابوة غير البنوّة كذلك المعقوليّة و العاقليّة فان المعقولية التي هي صفة الصورة المعقولة لحظ في الاتّصاف بها تعقّل عاقلها و هو فعل العاقل و العاقلية التي هي صفة فعليّة للعاقل كذلك فالصورة في نفسها هيئة المحدث و المتصوّر لها امّا بان انتزعها من صاحبها او اخترعها لصَاحِبها و علي كل حالٍ هي صفة غير العاقل لها امّا في التّسمية فاخذ فيها هيئة تعقل عاقلها كما قلنا في المتضايفين بل هذانِ متضايفان و امّا في الذات فلان الصورة لميكن لها تحقّق في التقدير الّا هيئة تعقّلِ عاقلها لانها عبارة عن ظهوره بها اي عبارة عن تعقّله لها فحيث قام الدّليل القطعي علي انّها ممكنة و كلّ ممكنٍ زوجٌ تركيبي وجب ان تكون الصورة المعقولة مركبة من ماۤدة هي هيئة صاحِبها سواۤء كانت منتزعة من موجودٍ امْ مخترعة لما يوجد و من صورةٍ هي هيئة محلّها الذي هو الخيال او النفس او ما يشابه ذلك لان الصورة المعقولة لا بدّ لها من محلٍ تقوم فيه كالصورة في المرءاة فان محلّها زجاجة المرءاة بما هي عليه من بياض و صفاۤء و كبَرٍ و استقامةٍ و اضدادِهَا فالمصنف فيما هو فيه لا بدّ له ان يجعل للصورة التي فرض ان عاقلها هو الحق سبحانه محلّاً امّا ذاته او علمه انْ فرضه غيرَ ذاته او شيئا خارجَ ذاتِه و الحاصل لا بد للصورة المعقولة من محلٍ تقوم به و هيئته كما قلنا في زجاجة المرءاة هي صورتها فلا بد للصورة المعقولة ان كانت ممكنة من ماۤدة و صورة فماۤدّتها نفس ظهوره بها و هو تعقله لها و صورتها محلها منه و كلّ هذه المراتب لمتكن نفس العاقل اذ غاية ما يسامح فيه اَن يقال هي ظهوره بها و ليس ظهوره بها ذاته لانه كان قبل اَنْ يتعقّلها فلمّا تعقّلها اتّحدَتْ به كيف يكون [ص 219] و قبل ذلك تكون حاله مغايرة لحال الاتّحاد و ايضا اذا تعددت الصور المعقولات و هي لا شك انها لمتعددةٍ من الحوادث متغايرة وجب ان تكون كل صورة معقولةً بما هي به هي من التعدّد و التمايز و اعتبار التعدّد و التغاير ينافي الاتّحاد و اعتبار الاتّحاد ينافي ما هي عليه اذ لايتعقل المختلف بغير الاختلاف و الّا كان المتعقل غيره اَلَاتري ان نور الشمس الواقع علي الزجاجات المختلفة الالوان لايكون ما في الزجاجات و ما انعكسَ عن كلٍّ منها متّحداً بنور الشمس الواقع عليها لا في لونه و لا وحدته و لا في اوضاعِ ما فيها و لا المنعكس عنها و ان كان نور الشمس واحداً و باشراقٍ واحدٍ بل وجب التعدد و الاختلاف لاختلاف القوابل و الاوضاعِ علي ان نور الشمس الذي هو بمنزلة تعقّل العاقل للصورة و ان جوّزنا كونه في ظاهر النظر متّحداً بالواقع عَلَي الزجاجات او بالمنعكس عنه لايكون متّحدا بالشمس و كيف يتّحد ما في السّماۤء الرابعة بما في الاَرْض وَ اِنْ عوَّلَ الي مفاهيم الالفاظ الاشتقاقيّة فليس في معرفتها معرفة الحقّ و لا صفاته لانه عز و جل هو و صفاته ليس من الالفاظ و لا مفاهيمها و انّما نتكلّم في الموجود في الخارج المتحقق في نفسه قبل ان نتكلّم و قبل اَن نفهم الاتري المصنّف كيف استدلّ علي كون الصورة المعقولَةِ عاقلةً انّك اذا لحظْتَها مع قطع النظر عن عاقلها انها تكون عاقلةً اذ لايتصور معقول بدون تصوّر عَاقلٍ له فلاجل انّ ملاحظتها من حيثُ هي معقولةً تستلزم حُضور عَاقلٍ لَهٰا في ذِهْنِ مُلاحظِها تكون عاقلةً لحضور عاقلٍ لَها و لاجل فهمِ كونِها عَاقلةً يكون وجود عاقلها وجودها و الّا لمافهم من نفس وجودها العاقلية فانظر كيف هذا الاستدلال الذي يزعم انه فاۤئض من اللّٰهِ تعالي و لاادري هل يريد انه فاۤئض من الذات البحت ام من فعله و هذا البرهان الذي ذكره هو قوله « ان كل صورة ادراكية لها ضرب [ص 220] من التجرّد عن الماۤدّة و ان كانت حسّيّة مثلا فوجودها في نفسه و كونها محسوسة شيء واحد لا تغاير فيه اصلاً » اقول امّا كون وجودها من حيث هي مدركة و كونها معقولة و كذلك المحسوسة من حيث الاحساس شيئا واحداً فظاهر من حيث ان وجودها ظهور المدرِك لها بها و اَمّا انّ ظهور الشيء بشيء هو نفس ذلكَ الظاهر فشيء لايوجد في الاذهان و لا في نفس الامر و لا في الخارج بل الموجود فيها خلاف ذلك و الله الحق سبحانه لايفيض عنه الّا الحق و الله يقول ٱلحق و هو يهدي السبيل .
و قوله « و لايمكن ان يفرض لتلك الصورة المخصوصة نحوٌ من الوجود لمتكن هي بحسبه محسوسة فيه » انه لايقول به الّا فيما فيه نحو من التجرّد و امّا الماديات فانه يقول انّ لها نحواً من الوجود لمتكن هي به محسوسة و نحن نمنع التفاوت في خلق الرحمن فانَّ الماۤدّيات انْ كانَ لها نحو من الوجود غير ما هي به معلومة كان للمجردات و الّا فلا لان الصانع واحد و الصنع واحد و المصنوع واحد و هذا الكلام محكم قطعي كلّ من له معرفة بدليل الحكمة يقطع به و لايخفي الا علي اهل الظواهر و قد دلّ علي هذا ادلّة العقل و ادلّة النقل بانّ الاشياۤء انّما تختلف في نسبها الي انفسها فتقرب منه تعالي بنسبة قوابلها و تبعد بنسبة قوابلها و كل ذلك نسبُها الي ذواتها و امّا هو تعالي فليس عنده قريب و لا بعيد لا في علمه بها و لا في ايجادها و لا في قيّوميّتِهٖ لها و لا غير ذلكَ علي انّه ذكر في قاعدة حدوث العالم ان الوجود كما جاز ان يكون كيفا اَوْ غيره من الاعراض فجاز ان يكون جوهراً صُوريّاً مادّيا متجدّد الذات و الهويّة انتهي ، و نقول كما جاز ان يكون الوجود جوهرا صورِيّاً ماۤدّيّا متجدّد الذّات و الهويّة جاز ان يكون للصورة المعقولة و المحسوسة نحو من الوجود ماۤدّي لمتكن به مدركةً لان [ص 221] التّعقل عنْده لايجريه في الماديات و انّما يجريه في المجرّدات و المعقولة و المحسوسة لا بد لها من نحو وجودٍ مادي امّا في محلّها او في شيء من اركان ما تتقوم به اذ لايمكن ان تعقل الصورة لا في محلٍّ و لا لمتصوّر و لا علي نوع التّأليف لان الممكن المصنوع لايكون الّا هكذا خصوصاً الصّور التي لاتتقوّم بدون الحدود و الهندسة و الي هذا النحو قلتُ انّا نمنع التفاوت في خلق الرَّحْمن فارجع البصر هل تري من فطورٍ .
قال : لان وجودها وجود ادراكيّ لا كوجود السماۤء و الارض و غيرهما في الخارج فان وجودها ليس وجوداً ادراكيا و لاينالها الحس و لا العقل الّا بالعرض و تبعيّة صورة ادراكية مطابقة لها فاذا كان الامر كذلك فنقول تلك الصورة المحسوسة التي وجودها نفس محسوسيتها لايمكن ان يكون وجودها مبايناً لوجود الجوهر الحاۤس بها حتي يكون لها وجود و للجوهر الحاۤسِّ وجود آخر قد لحقتهما اضافة الحاسّية و المحسوسيّة كما للاب و الابن اللذين هما ذاتانِ و وجوب كلٍ منهما غير عارض الاضافة و قد يعقلان لا من جهة الابوّة و البنوّة لان ذلك ممتنع مثله فيما نحن فيه لان هذه الصورة الحسّية ليست ممّا يتصوّر ان يكون لها وجود لاتكون هي بحسبه محسوسة فتكون ذاتها بذاتها غير محسوسة كالانسان الذي ليس في وجود ذاته بذاته اَباً و لكن صار بالعرض حالة اضافيّة تعرض لوجود ذاته بل ذات الصورة الحسيّة بذاتها محسوسة » .
اقول قوله « لان وجودها ادراكي » هو ما ذكرناه مِنْ اَنّ وجود الصورة المعقولة ليس شيئا غير ما هي به مدركةٌ و معناه ان نفس وجودها ظهورَ عاقلِها بها و ظهور عاقلها بها هو نفس تعقله لها و هذا ظاهر .
و قوله « لا كوجود السماۤء و الارض و غيرهما » يعني به ان وجود الماۤدّيات بماۤدّياتها و يرد [ص 222] علي هذا انّه يلزمه انّ تكونَ وجودات الاشياۤء قديمةً غير مخلوقة و انما صنعه تعالي لها كصنع البنّاۤء للجدار فان الحجارة و الطين لمتكن من صُنعه و انّما احدث الهيئة و المصنف هو و اتباعه قاۤئلون بذلك كما ذكره في ساۤئر كتبه من ان وجودات الاشياۤء و ماهياتها ليست محدثة و انّما الحادث افاضة الوجود عليها و قد تقدّم ما نقلنا عن صهره الملا محسن من الكلمات المكنونة و منه قوله : و سرّ سرّ القَدر اَنَّ هذه الاعيان الناشية ليست اموراً خارجيّة عن الحقّ بل هي نسبٌ و شؤن ذاتيّة فلايمكن ان تتغير عن حقاۤئِقها فانها حقاۤئق ذاتياتٌ و ذاتيات الحق سبحانه لاتقبل الجعل و التغيير و التبديل و المزيد و النقصان فبهذا علم انّ الحق لايعيّن من نفسه شيئا لشيء اصلاً صفةً كان او فعلا او حالاً او غير ذلك لان امره واحد كما انه واحد و امره الواحد عبارة عن تأثيره الذاتي الوحداني بافاضةِ الوجود الواحد المنبسط علي الممكنات القابلة له الظاهرة به المظهرة ايّاه متعدِّدا و متنوّعاً مختلف الاحوال و الصفات بحسب ما اقتضته حقاۤئقها الغير المجعولة المعيّنة في عالم الازل انتهي ، و انما اكرّر كلماتهم لتتأمّل ايها الناظر فيها في كل موضع و ان استلزم التطويل فاذا كانت حقائق كل شيء ذاتياته تعالي و هي غير مجعولة لاتقبل التغيير و التبديل و هو تعالي لميعيِّن من نفسه شيئا لشيء اصلاً بل هي متعيِّنَةٌ في نفسِها بنفسِها و وجوداتها من وجوده و هي غير مجعولة بل هي باقية علي تقدّسها في ذواتِها عن رَذاۤئل النقاۤئص و الاعدام و الطباۤئع فما الّذي صنع سبحانه و اي شيء احدث الّا افاضة الوجود و ارساله علي تلك الاعيان الثابتة فاذاً كان حاله تعالي عندهم هكذا فالسموات و الارضون و غيرهما لميُحدث منها شيئاً الّا كما يُحْدِثُ البنّاۤء فلاتكون وجوداتها ادراكيّة فلاتَتّحد بوجود مدركها و ينبغي ان تكون الصور المعقولة ايضاً [ص 223] كذلك لانها ايضاً بموجب كلامهم ليست وجوداتها ادراكيّة فلاتتّحد وجودها بوجود مدركها الاتسمع كلام الملا محسن ان الحق لايعيّن من نفسه شيئا لشيء اصلاً صفة كان او فعلاً او حالاً او غير ذلك لانهم اذا حكموا بكون ماهيّات الاشياۤء و حقاۤئقها كلها ذاتيّاتٍ له غير مجعولة و لا فرق بين الذوات و الصفات و الافعال و الاحوال و وجوداتها من وجوده و هي غير مجعولة فالصور المعقولة من الاشياۤء لانها امّا ذوات او صفات او افعال او احوال فان قالوا بان وجوداتها ادراكية كان قولهم انه لايعيّن من نفسه شيئا لشيءٍ اصلاً باطلاً لانّه ان لميعيّن لها شيئا كان لها نحو بل انحاۤء من الوجود لمتكن بها معقولة و ان كانت بها معقولة لان تلك الاعيان و الحقاۤئق صور علمية له تعالي كما قاله في الوافي في باب السعادة و الشقاوة فلا فرق بينها و بين السماۤء و الارض فعليه ان يجعل وجودها متحدا بوجود عاقلها العالم بها علَي ان الذي قام عليه الدليل القطعي من العقل و النقل و الاجماع من المسلمين ان كل ما سوي الله حادث و كل حادث فهو بجميع اجزاۤئه و ما ينسب اليه او يتقوّم به فهو حادث ليس فيه شيء لميكن بمخترعٍ لا من شيء و كل شيء منها فهو قاۤئم بامره الفعلي قيام صدورٍ و بامره المفعولي قيام تحقّق فايّ شيء من السواۤء مستثني و ايّ شيء ليس بسوي الله تعالي لَايكون معْقولا له فنحو ٱلسّماۤءِ و الارض اِذَا جعله غير ادراكي لزمه انه غير مصنوعٍ لهُ و كونه غير مصنوع له تعالي يلتزمه و لايبالي و لكن حكم الصور المعقولة حكمه في النّفي و الاثبات كما ذكرنا و قوله « و لاينالها الحس و لا العقل الّا بالعرض و تبعيّة صورةٍ ادراكية مطابقةٍ لها » قد ذكرنا سابقاً اتّحاد العلم و المعلوم و اشرنا الي دليله و لكن المصنف ذهب فيه الي رأي المشاۤئين من حصر العلم في الصور و جعل الذوات [ص 224] معلومةً بالعرض و هو قوله و تبعيّة صورة ادراكيّة مطابقةٍ لها و قد بيّنّا ان العلم اذا كان هو الصورة فالصّورة العلميّة معلومة للعالم بنفسها ام بصورة اخري فان كانت بصورة اخري لزم التسلسل او الدور و ان كانت معلومةً بنفسِهَا فما الفرق بينها و بين زيد الذي هو ذو الصورة مع انّهم يفسّرون علمه تعالي بالاشياۤء انّه عبارة عن حضور الاشياۤء و انكشافها فلاادري هل يرون انّ الصور المعقولة حاضرة لديه دُون الذّوات الماۤدّيات ام المادّيات غاۤئبة عنه الّا بصورة ادراكية مطابقة لها فكيف قال تعالي لايعزب عنه مثقال ذرة في الارض و لا في السماۤء ام جميع الاشياۤء المجردة و الماديّة كلّها لديه علي حد واحدٍ في الحضور فان رأوا الوجه الاوّل جهّلوه تعالي باكثر الاشياۤء لجعلِهم المجردات حاضرة لدَيْه دون غيرها و ما علمه بالاشياۤء الّا حضورها لديه و ان رأوا الوجه الثاني جعلوه تعالي في علمه بالماديّات محتاجاً الي الصور الادراكية المطابقة لها و اِنْ رأوا الوجْهَ الثّالثَ و هو انّ جميع الاشياۤءِ مجرّدها و ماۤدّيّها حاضرة لديه علي حدٍّ واحدٍ كل في مكان حدودِه و زمانِ وجوده وجب عليهم التّسوية بينها كما ذكره سبحانه في قوله و ما يعزب عن ربّك من مثقال ذرّة في الارض و لا في السماۤء و قوله اَلٰايعلم مَن خلق لان الجميع حاضر لديه و عندنا انّما نعلم بصورة زيدٍ التي في خيالنا حالة حضوره لانه حالة حضوره لمتكن عندنا صورة خياليّة الّا نفس حضوره فانه علمنا به فاذا غاب عنا انتزع خيالُنا صورة حضوره المنفصلة كما في المرءاة و لانعلم منه شيئا في غيبته الا صورة الحضور فلو تحرّك في غيبته عنا اوْ سكن او قام او قعد او ماتَ لمنعلم به و لو كانت الصورة التي في خيالنا هي علمُنا به مطلقاً لَماجهِلْنَا في غيبته حالاً من احواله فلمّا لمنعلم من احواله شيئا غير حالة حضوره عندنا دَلّ بانّ الصُّورة لانعلم بها احْوَالَ زيدٍ امّا في [ص 225] غيبته فلانعلم بها الّا هيئة حضوره لانها هي هيئة حضوره و امّا في حضوره فلا صورة عندنا غير حضوره المدرك بابصارنا و الواجب عز و جل لميغب عنه شيء و لمتكن عنده صورة في ذاته و لا خيال له كما في خلقه و كلّ شيء يعلمه بنفس حضوره فالصور التي في ساۤئر كتبه كالكتب العَقْليّة و الرّوحيّة و النفسية و الطبيعيّة و الماۤدّية و المثالية و الجسمانية و الجسميّة معلومة بانفسها و هي علمه تعالي بتلك الاعيان لان تلك الاعيان لاتغيب عنه و لكن لمّا كانت تغيب عنا و قال الكافر ائذا كنا ترابا ذلك رجع بعيد قال سبحانه في جوابهم قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ فخاطبهم بنمط ما يعرفون من ان الشّيء اذَا غَابَ عنهم من مكان و طورٍ و كان في موضع اخر محفوظاً يكون معلوماً بحكم الحاضر و الّا فانّ الاشياۤء اذا تغيّرت عن اماكنها و اوقاتها و اطوارها لمتتغيّر عنده تعالي عما هي عليه اذ لاتغيب عنه تعالي حالتها عما هي عليه قبل التغيّر ليكون انما يعلمها بما في كتب اطوارها بل اذا تغيّرت عندنا و عند انفسها لمتتغيّر عنده اذ كل شيء عنده فيما اقامه فيه لان كلّ ما دخل في ملكه و سلطانه لايخرج عنه بل هو فيما اقامه عنده و الّا لفاتَه شيء او حال .
وَ قوله « فاذا كان الامر كذلك فنقول تلك الصورة المحسوسة الّتي وجودها نفس محسوسيَّتها لايمكن ان يكون وجودها مبايناً لوجود الجوهر الحاۤسّ بها » .
فيه ما قلنا من انّا انّما نثبت انّ ادراكه لها هو نفس وجودها بناۤء علي ان الادراك لها هو ظهور الحاۤس بها و تجلّيه صفة فعليّة و ظهوره بها نفس تجلّيه لها و ذلك علي تسامحٍ منّا و لو سلكنا الحقيقة قلنا للمصنف هذه الصورة الادراكية و المحسوسة هي نفس فعل المدرك و الحاۤس الذي هو الحركة الايجاديّة ام هي اثر الحركة فان قلتَ انّها هي الحركة نفسها كابرتَ عقلك ان كنتَ تفهم و ان قلتَ هي اثر الحركة فمرحباً بالوفاق ثم اسألك الاثر عين المؤثّر ام [ص 226] غيره فان قلتَ الاثر عين المؤثر كابرتَ مقتضي عقلك و ان قلتَ الاثر غير المؤثر فهو حقّ و لكن الادراك فعل المدرك و هو غير الفاعل و الصورة اثر الفعل و هو غير المؤثر فمن اين طَفَرتِ الصُّورة حتّي اتّحدَتْ بالْفَاعِلِ بل لا شكّ انّ لها وجوداً و للحاۤسّ وجوداً آخر و لو كان وجودهُ وُجودها لَمافقدَها و لكانت موجودة قديمة بقدمه و المصنف لمّا جعل الصورة المحسوسة علماً للحاس و العلم عين العالم قال بقدمها و انه تعالي مافقدها مع انه لميحصر هذا الحكم في القديم لقوله الجوهر الحاۤس فنقول انت بعد اَن مضي من عمرك خمسين سنة تخيّلْتَ صورة فلمّا تخيّلتها كانت موجودة بوجودك لمتفقدها من اوّل كونِك ام كانت كامنة في ذاتك ثم تولّدَتْ منك فكانت لك حالتان فانت اذا اختلفت احوالك فانت مختلف الاحوال و امّا اذا قستَ هذا في شأن الحق كان مختلف الاحوال تعالي عن اختلاف الاحوال و عن هذه الاقوال .
و قوله « قد لحقتهما اضافة الحاسّية و المحسوسيّة الي قوله من جهة الابوة و البنوّة » يريد به ان ما يدّعيْه لايكون بينهما الاضافة المشار اليها مدركةً بل يكون فيهما الاتّحاد الذاتي بمعني انه شيء واحد لا تعدّد فيه الّا بحسب المفهوم لان الصورة هي العلم و العلم هو العالم علي قاعدته و قد بيّنّا بطلان ما ذكر بانّ الصورة الادراكية يراد منهما صورة موجود محدث او صورة لما يوجد و هي بعينها هي العلم و هي المعلوم لانها حقيقةً هي هيئة حضور صاحبها عند العالم و هو علم اشراقي يوجد بوجود المعلوم و ينتفي بانتفاۤئه فكيف تكون هيئة حضور زيدٍ عندك التي هي الصورة نفسَك و وجودها وجودك و نحن قلنا لك انّ هذه الصورة حقيقتها ظهور فاعلها و نعني بالظهور الاثري اي الذي هو اثر فعل الفاعل و هذا الاثر ظل الفعل المنفَصِل و نعني بالمنفصل [ص 227] انه هو الهيئة المشرقة من المتجلي علي القابل و ليس نريد بالمنفصل انه مقطوع عنه و مثاله الصورة الموجودة في المرءاة فانها هيئة الشخص المنفصلة المشرقة علي المرءاةِ لا الهيئة المتّصلة التي هي القاۤئمة بالشخص العارضة فيه و انما نعني بالمنفصلة التي في المرءاة و هي قاۤئمة بالشخص قيام صدورٍ و هذه المنفصلة المشرقة علي المرءاة هي ماۤدة الصورة التي في المرءاة و صورتها هيئة المرءاة من صفاۤء و بياض و كبر و استقامةٍ او اضدادِها و قد ذكرنا هذا مراراً و نذكره كما يذكر الله سبحانه قصة موسي عليه السلام مثلا في القران في مواضع متعددة و اعلم انا قد نقول ظهور الشيء و نريد به فعله اعني الحركة الايجاديّة و قد نقول ظهور الشيء و ( يريد كذا ) به اثر فعله و هو الذي احدثه بفعله و الصورة الادراكيّة من الظهور الثاني فكما ان القيام الذي هو اثر زيد القاۤئم لايكون وجوده وجود زيد و لايتّحد به بل فعل زيدٍ الذي حدث القيام به لايكون وجوده وجود زيدٍ كذلك الصورة الادراكية الّتي هي اثر فعل المدرك لايكون وجودها وجود فعله فضلاً عن ان يكون وجودها وجود الفاعل و اين وجودها من وجوده و قولنا سابقاً انّ الصورة هي ظهور الظّاهر بهَا بعينه نريد بالظهور الظهور الثاني الذي هو اثر فعله فراجع حتّي لايلتبس عليك المراد .
و قوله « لان ذلك ممتنع فيما نحن فيه » يريد ان كون الصورة المحسوسة هي و وجود الحاۤس لها متغايرين انما يكون لو كانا شيئين متغايرين في ذاتيهما و انما لحقتهما الاضافة كما في الاب و الابن لكن الصورة ليس كذلك اذ ليس لها وجود تحسّ به غير ما هي به محسوسة فلذا قلنا انّ المغايرة ممتنعة و اقول قد بيّنّا في نقض كلامه ما سمعتَ من ان الصورة انما يمكن فرض اتّحادها بنفسها اذ لايتّحد شيء بغيره و الحاۤسّ غيرها قطعاً و انما تتّحد بظهورها الثاني اعني الاثر الذي ظهر به الحاۤسّ لانه [ص 228] في الحقيقة هو الصورة و امّا المصوِّر فهو غير الصورة لان الشيء لايُصَوِّرُ نفسه و لا ما يكون نفسه و كذلك المتصوّر فَلَاتتوهم فرقاً اذ الصورة في العبارتين محدثة بهما و الشيء لايحدث نفسه و باقي كلامه كاوّله لايحتاج الي كلامٍ اكثر مما ذكرنا بل بعض ما ذكرنا كافٍ في بيان فساده و انّما اكرّر للبيان .
قال : فاذا كانت نفس وجودها محسوسة الذّات سَواۤء وجد في العالم جوهر حاۤس مباين لها ام لا حتي انّه لو قطع النظر عن غيرها او فرض ليس في العالم جوهر حَسّاسٌ مباينٌ كانت هي في تلك الحالة و في ذلك الفرض محسوسة الذات فتكون ذاتُها محسوسةً لذاتها فتكون ذاتها بذاتها حِسّا و حاۤسّة و محسوسةً لان احد المتضايفَيْن بما هو مضاف لاينفكّ عن صاحبه في الوجود و لا في مرتبة من مراتب ذلك الوجود و علي قياس حكم الصورة المتخيّلة و المعقولة في كونهما عين المتخيّل و العاقل .
اقول قوله « فاذا كانَتْ نفسُ وجودها محسوسةً ، الي اخره » تفريع علي ما ذكر قبل و المعني في الكلّ واحدٌ فانّ مُلَاحظة الصورة مع قطع النظر عن ملاحظة الحاۤسّ انّما يلزم منه حضور الحاۤس في الذهن لا انّ الصورة حاۤسة كما توهّمه كما اذا تصورتَ البصر حضر العمي و اذا تصورتَ الاب حضر الابن و بالعكس و لايلزم من حضور اللازم في الذهن من ملاحظة ملزومه او ذكره كونُه ايّاهُ و ما اشبه هذا الوهم بما نقل عن بعض الاشاعرة حيث قال القرءان قديم و جلده قديم لانّه تعلّقَ به و كيسه قديم لاحاطته به و خيطه قديم لانه يربط الكيس عليه فقوله فتكون ذاتها محسوسةً لذاتها غلط بل انما لزم من كون المحسوس له حاۤس و هو مقتضٍ للمغَايرة و امّا انه يلزم من كونها محسوسة كونها حاۤسّةً فانما يلزم عند مَن ليس له حاۤسّة و لا شعور و تعليلهُ عليل فانّ احد المتضايفَينِ بما هو مضاف لاينفك عن صاحبه في التضايف و [ص 229] التلازم و في الوجود الذي هو التحقق و الثبوت لكن لا مع الاتحاد في الذات بل مع المغايرة في الذات .
و قوله « و لا في مرتبة من مراتب الوجود » غير صحيح لانّه لو اريد بالمراتب اطوار الملزوم لميلزم وجود اللّازم في جميع ذلك الّا اذا لازم الماهيّة بان يكون جزءها اذ قد يكون لازما خارجاً عنها فيكون من المعقولات الثانية كالزوجيّة للاربعة و هي مع هذا التلازم الشديد لمتتّحد مع الاربعة بل جزؤ الماهيّة كالحيوان و الناطق اللذين منهما يكون انسان واحد لايكونان متّحدَيْن لانّ الاتّحاد الذي يريده المصنّف و ان صحّ في شيء من الخلق لميصح في الخالق تعالي و ما يدّعونه اصحاب وحدة الوجود لايصحّ لهم و لايوصلهم الي شيء من العلم الّا نفي التوحيد و انكار الصانع لانهم يقولون مثلا هو واحد باعتبارٍ و كثير باعتبارٍ و لذا يقولون هو واحد في كثرةٍ و هو الكل في وحدته فيا سبحن اللّٰهِ كيف طاوعتهم انفسهم حتّي جعلوه من مفاهيم متعدّدة و هو واحد لان هذه بوجُودٍ واحدٍ و قد قبلوا هذا التوحيد و جعلوه غير منافٍ للبساطة الحقيّة مع ان المفاهيم انما تتعدّد و تختلف ليس لان الاختلاف اعتباري فلايضرّ بل اذا كانت مفاهيم متعددة و وجودها واحد بيان هذا انّ مادتها واحدة كالباب و السرير و الصندوق فان وجودها الذي هو الخشب واحد و لكن صورها متعدّدة و لولا تعدّد الصور و اختلافها لمااختلفَتْ كذلك ما ذهبوا اليه حرف بحرفٍ .
قال : و قول بعض المتقدّمين من الحكماۤء باتّحاد العاقل و المعقول لعلّه رامَ بذلك ما قرّرناه و من قدح علي مذهبه و طعن فيه من الاتحاد بين العاقل و المعقول و هم اكثر المتأخرين فلميدرك غوره و لمينل طوره و لميصل الي شأوِه و الذي اُقيمَ البرهان علي نفيه من الاتّحاد بين امرين هو ان يكون هناك امران موجودان بالفعل متعددانِ ثم صار موجوداً واحداً و هذا ممّا لا شبهة في [ص 230] استحالته و اما صيرورة ذاتٍ واحدة بحيث يستكمل و تقوي في ذاتها و تشتدّ في طورِها الي ان تصير بذاتها مصداقاً له من قبل و تنشأ منها امور لمتنشأ منها سابقا فذلك غير مستحيل لسعة داۤئرة وجودها .
اقول انتصاره لمن اقتدي به من الحكماۤء حيث وافق رأيه زعماً منه انه من البرهان الفاۤئض عن اللّه تعالي و قد اشرنا و نشير الي ان كلّ برهانٍ لله تعالي اظهره من كتم الامكان لعباده من الانبياۤء و المرسلين و الاولياۤء الصالحين و الحكماۤء المتقنين و العارفين من المؤمنين و العلماۤء الراسخين و ساۤئر عباده اجمعين فقد اظهره علي اكمل وجه و اتمّ بيان لايمكن ازيد منه في الاحكام و الاتقان في ما اراهم من اياته في الافاق و في الانفس و بيّنّا في عدة مواضع و نبيّن انّ ما ذكره المصنف مخالف لما اراه الله عباده من اياته في الافاق و في انفسهم الّا انه جعل ما فاض من نفسه فاۤئضاً عن اللّه و تعالي و تقدّس عن نسبة ما صدر عن الظنون و التخمينات و ما تهوي الانفس الّا ان انتصاره علي نحو ما ذكر و يذكر هنا و في ساۤئر كتبه ، فكلّ اناۤءٍ بالذي فيه ينضح ، و اعلم ايها الناظر انّي ماافرطتُ في ردّي عليه فاني واللّهِ ليس بيني و بينه شيء الّا انّي واللّٰهِ مارأيتُ له اعتقاداً و لا دليلاً يوافق ما عليه ائمة الهدي عليهم السلام و لايطابق دليل عقلي لان عقلي يحكي عنهم عليهم السلام و كلّ ما اقول فقليل في حق من لايقول كلمة علي ما ينبغي مع ما هو عليه من العلم و دقّة النظر و حصر همّه في علم واحد و افتتان الناس بكتبه .