و قوله « وجود ظلماني محتجب بنفسه عن نفسه » لاينافي صحة كونه علماً فان كونه وجودا ظلمانيّا هو ما هو عليه في ذاته و لايعلم الشيء بغيره لانّ غير كونِه ظلمانيّاً غير حقيقته و لاتعلم حقيقة الشيء بغير حقيقته فلو كان محتجباً بنفسه عن نفسه لماعلم الّا بانه محتجِب بنفسه عن نفسه و لو علم بغير كونه محتجبا بنفسه عن نفسه لكان المعلومُ غيره علي انا لو لم‌نقل ان العلم عين المعلوم بل هو صورته لكانت صورة الماۤدّي المظلم المحتجب بنفسه عن نفسه اي الصورة البسيطة المجرّدة هي صورته التي هو عليها من غير زيادة و لا نقص اذ لو كان فيها زيادة لماكانت صورته البسيطة المجردة عن الغير بل هي صورته التي هو عليها و زيادة فصورة الشيء البسيطة صورته لا غير .

و قوله « و هو بهذا النحو حضوره لذاته عين غيبة ذاته عن ذاته » غلط بل هو بهذا النحو من التركيب و الظلمة و الكثافة هو لا غيره فحضوره لذاته عين حضور ذاته لذاته فانا اسألك عمّا [ص 180] تعقل من فهمك و وجدانك اذا حضر عندك الحجر حضوره لك الذي به علمته هو حضوره لذاته ام لا بمعني انه حين حضر لك بذاته لم‌تحضر ذاته لانه لو كان كذلك لماحضر لك شيء اذا لم‌يحضر بذاته فحضوره لذاته اي حضوره الذاتي عين حضور ذاته لذاته لا عين غيبة ذاته عن ذاته اذ لو غابت ذاته عن ذاته لم‌يحضر شيء و المصنف اراد عدم شعور ذاته بذاته و هذا لو سلمناه لماكان شرطاً لعلم العالم به اذ شرط علم العالم ان يكون العالم مشعراً بالمعلوم حاضراً عنده بما هو به هُوَ لٰا اَنّ المعلوم يكون مشعِراً بنفسه عند نفسه او بكونه معلوماً عند العالم و اين هذا من ذاك بل المعني الحق ان الشيء لايكون حضوره لذاته عين غيبة ذاته عن ذاته بل حضوره لذاته عين حضور ذاته لذاته و الّا لم‌يحضر شيء اصلا و العلم حضور المعلوم للعالم لا للمعلوم مع ان حضور المعلوم بما هو به هو للعالم هو عين المعلوم فاذا كان حضوره عينه لم‌يكن حضوره غيبة عين ذاته عن ذاته بل هو حضور عين ذاته لذاته كما ذكرنا مكرّرا .

و قوله « جمعيته عين افتراقه » ليس كذلك لان الممكن لايكون اجتماعه عين افْتراقه الّا باعتبارين و كذا وحدته عين قوّة كثرته و اتصاله عين قبول انقسامه اذ جميع الممكنات مشتركة في هذه اي في ان اجتماعها لايكون عين افتراقها الّا بلحاظين فان زيداً المركب من وجود و ماهيّة كان اجتماعه من جهة وحدة زيد و افتراقه من تغاير الوجود للماهية و كذا الباقي علي انا نقول هذه الاشياۤء المظلمة الغاسقة الماۤدّية كيف لاتصلح ان تكون علما حادثا اشراقيا بانْ يكون العلم الحادث البسيط المجرد عن المواۤدّ كلّها و ذاتها او كلّ صفاتها و يصلح ان يكون الحق عز و جل كلها لانّها من الاشياۤء و بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء و عينها ان هذا الّا اختلاق .

[ص 181] قال : و قل لي ايّها الرجل العلمي اذا كان بما هو الوجود بالذات للبارئ حاضراً عنده بصورته المغمورة في المادة الوضعيّة التي لاينالها الحسّ فضلاً عن الخيال او تعقل فكيف يكون المعقول بما هو معقول بالفعل صورة ماۤدّيّة و قابلاً للقسمة المقدارية و الاشارة الوضعيّة و الوجود العقلي نحو من الوجود مخالف و مباين للوجود الوضعي فمحال ان يكون التّعقل تجسّما و المجسّم معقولاً .

اقول يريد انّ علم الله سبحانه بها حضورُها عنده بما هي وجود بالذات فلو قلنا بانّ صورتها الماديّة المغمورة في الماۤدّة التي لها وضع من ترتيب اجزاۤئها بعضها علي بعضٍ او ترتيب اجزاۤئها علي اجزاۤءٍ خارجةٍ عَنْها الَّتي يتعالي الحسُّ مع انحطاطه عن مقام التجرّد عن ملايمتها فضلاً عن الخيال او تلايمها المتعقِّلات التي لاتلايم الّا المجردات عن المواۤدّ كالمعاني بل لاتكاد تدرك الصور المجرّدة عن المَواۤدّ الّا بتوسُّطِ النفوس لكُنَّا قائلين بملايمة الماديّات للمجرّدات و مجانستِها لهَا لان هذا شيء لايكون و كيف يكون المعقول بما هو معقول بالفعل لا بالقوّة صورة ماۤدّيةً و يكون قابلاً للقسمة المقداريّة مع تجرّده المنافي للقسمة و المقدار و قابلاً للاشارة الوضعيّة كذلك لكونها من لوازم الحيّز المنافي للتجرّد و اقول و في هذا كله ما ذكرنا من صحة ذلك مع الوساۤئط كلّ شيء بحسبه فان حضور كل شيء عين ما هو عليه مما به هو هو و ما به الشيء هو وجوده بما تعيّن به و تحقّق في مكانه و زمانه من مراتب الوجود و هذا هو ما عليه كل شيء من الاشياۤء و كل شيء من الاشياۤء لايكون معلوما الّا بما هو عليه و لايعلمه العالم الّا بما هو عليه و تحققات هذه الاشياۤء و تميّزاتها بما به متعيّنة هي التي علمها الله تعالي بها و هي صور علمه بها و مجموعها كتابه المحفوظ فعلي [ص 182] ما اخترناه تكون كلّ صورةٍ علمه تعالي بها و كلّ جسمٍ علمه تعالي به فاذا تعقّلتَ صورة زيدٍ فانّ المدرك لها من مشاعرك العقل لكنّه بنفسه لايدرك الّا معني زيدٍ المجرَّد عن الصورة و يدرِكُ الصورة بواسطةِ النفس و يدرِك جسم زيد بواسطة النفس و النَّفس بوَاسطة البصر فالعقل يدرك الجسم بواسطتين فعلي رأينا علمك بالجسم نفس الجسم الحاضر في الخارج و بالصورة نفسُها الحاضرةُ في خيالك و بمعني زيد نفسُ معني زيدٍ في العقل و علي القول بالمغايرة علمك بمعناه عقلك المدرك له و بصورته عقلك بواسطة النفس و بجسمه عقلك بواسطة النفس و البصر فعلمه تعالي بهذه الاجسام المادّية عندنا نفسها و عينها الحاضرة عنده تعالي فيما اقامها به من المكان و الزمان و عند اولٰۤئِك علمه تعالي بها حضورها عنده تعالي بوساۤئط ايجادِها من فعله فكما ان فعله الذي هو اشرف الممكنات و اشرف من علمه بها لانّه احدثه تعالي بفعله انّما تعلّق بها بتوسط عللِها كذلك علمه بها يتعلّق بها بواسط علل ايجادها فلا محذورَ في ان يكون المعقول بما هو معقول بالفعل لا بالقوّة صورة ماۤدّية الي اخر ما قال اذ معقوليتها حضرت لعاقلها في رتبة كونِها بوساۤئط ايجادها و انوجادها اذ حُضورها بما اَحْدثه به عليه فافهم و المصنّف لو انه التفتَ الي وساۤئط تكوينها و تكوّنها لماانكر ما قلنا .

و قوله « و الوجود العقلي نحو من الوجود مخالف و مباين للوجود الوضعي » فيه انه ليس مخالفاً اذ لو كان مخالفا لماصدر عنه ما هو مخالف له و انما هو الطف منه و الارتباط بين المجردات و الماۤديات ان لم‌يتحقق بالوساۤئط لم‌توجد الماديات اصلاً و ان تحقق بالوساۤئط ثبت المطلوب ، فقوله « فمحال ان يكون التعقل تجسّما و المجسّم معقولا » ليس بشيء لانه اذا لم‌يكن التعقّل تجسّما و المجسّم معقولا بالوساۤئط لم‌تكن معلومة و لا محدثة [ص 183] امّا انها لاتكون معلومة فلان العلم لايكون الا بالوجود العقلي و الوجود العقلي مخالف للاشياۤء الماۤدّية مباين لها فلاتكون معلومة به فتبقي في وجودها مجهولةً لايحاط بها علماً و امّا انها لاتكون محدثة فلان الاحداث لايكون الا بالفعل البسيط المجرّد عن جميع المواۤدّ و الماۤديّات لان المواۤد و الماۤديات اذا فرض وجودها انما توجد بالفعل و اذا كان المجرد مخالفاً للماۤدّي مباينا له و لو بالوساۤئط الملايمة للطرفين لم‌يتعلق بالمواۤد و الماۤدّيات و بقيت في امكانها غير محدثة هف .

قال : و لاتصغِ الي قول من يقول هذه المكونات الجسمانية و ان كانت في حدود انفسها جسمانية متغيّرة لكنها بالاضافة الي ما فوقها من المبدء الاوّل و عالم ملكوته معقولات ثابتة غير متغيّرة و ذلك لان نحو وجود الشيء لايتبدّل بعروض الاضافة و كون الشيء ماۤدّيّا عبارة عن خصوصيّات وجوده و ماۤدة الشيء و تجرّده عنها ليسا صفتين خارجتين عن ذات الشيء كما ان جوهرية الشيء الجوهر و وجوده الخاۤص شيء واحد و كذا عرضية العرض و وجوده فكما ان وجوداً واحداً لايكون جوهراً و عرضا باعتبارين كذلك لايكون مجرّداً و ماۤدّيا باعتبارين نعم لو قيل هذه الصورة الماۤدّية حاضرة عنده تعالي بصورها المفارقة بالذات و بتبعيّتها هي ايضا معلومة بالعرض لكان وجهاً و قد مرّ ان ما عند اللّه هي الحقاۤئق المتأصّلة من الاشياۤء و نسبتها الي ما عند الله كنسبة الظلّ الي الاصل .

اقول يريد انك لاتلتفت الي قول مَن قال ان هذه الاشياۤء الماۤدّية الجسمانية و ان كانت في نفسها متغيّرة متبدّلةً لاتصلح ان تكون من حيث كونها متغيّرة معقولة لان تعقّله تعالي ليس متغيّراً الّا انها بالنسبة الي المبدء الاوّل سبحانه و الي ملكوته اي عالم ادراكاته للاشياۤء تكون هذه الجسمانية [ص 184] و امثالها معقولاتٍ ثابتةً غير متغيرةٍ لكونها حاضرة عنده بما هي به هي و اقول لك يا طالب الهداية لاتصغ الي نهي المصنف عن الالتفات الي قول هذا القاۤئل فان قول هذا القاۤئل متّجهٌ لان العالم عز و جل نسبته الي جميع الاشياۤء علي السواۤء فلايكون العقول المجردة و الارواح القادسة عنده حاضرة قبل حضور الماديات عنده و الّا لكان في حالٍ غير حالِ ذاته المقدّسة فاقداً لشيء من علمه و منتظراً لشيء من ملكه و محتاجا في حصول بعض ملكه و بعض علمه الي المفارقات تعالي الله عن الحاجة و الفقدان و الانتظار لما يأتي و عن ان يكون فيما له امكانٌ او استكمال و تعالي عن هذه العبارات و تعالي عن هذه العبارات التي يقولها المصنف مثل كونه تعالي عاقلا و متعقّلا لشيء الّا ان يكون ذلك من باب الحكاية كما انا نحكي عباراته و نوردها علي لفظه لا علي معناه فقول القاۤئل انها عنده ثابتة غير متغيّرة صحيح لانه تعالي هو المغيّر لها و المبدِّل لاوضاعها فلاتخرج بما يفعل بها عما هي عليه عنده و لا شيء من ذلك خارج عما وضعه فيه من ملكه و لم‌يتجدّد فيها ما ليس عنده فالحقّ في هذا الكلام انّ هذه الماديات الجسمانيات معلومة له تعالي بما هي حاضرة لديه في اماكن حدودها و اوقات وجودها بما هي عليه في ذوٰاتها في حالتيها حالة تبدُّلِها و تغيّرها و حالة انحفاظها بما هي به هي في كتابه الحفيظ و هذا الحضور الَّذي لديه هو هي بكنه ظاهرها و باطنها و تبدّلها و انحفاظها لم‌يكن منها غير ما حَضَر و لم‌يحضر منها غير ما لم‌يكن فهي معلومةٌ لديه مع معلومية مباديها و ملكوتِها جميعاً بالذّاتِ و انّما تتوقف علي اُصُولها و مباديها بالنسبة الي انفسها لا الي علمه بها الذي هو نفس حضورِها نعم تتوقف بالنسبة اليها في انفسها و الي العالم بها من عللها و مباديها كما مثلنا قبل هذا لانّ كلامنا هنالك في العلم الحادث و في محلّه [ص 185] الّذي هو الفعل و ما دُونَهُ فهذه الماديّاتُ معقولةٌ بما هي به هي و حاضرة كذلك و معقوليّتها بما هي عليه في حالتي تَبدُّلِها و ثباتِها و مَع هذا فليست بتبعيّةِ اصولها و عالم ملكوتها لما قلنا من اَنَّ مباديها و اصولَها لم‌تحضر لديه سبحانه قبلَ حضور هذه الماديّات و الفروع .

و قوله « و ذلك لان نحو وجود الشيء في نفسه لايتبدّل بعروض الاضافة » فاقول ان كانت الاضافية اليه فَلاتتبدّل و ان كانت الاضافة اضافته الي غيره فلا ريب في انه يتبدّل .

و قوله « و كون الشيء ماۤدّيّا عبارة عن خصوصيات وجوده » يعني ان ماۤدّيّته هي خصوص وجوده اي تحقّقه و تحصّله لانها جزء هويّته بان تريد بهذا الوجود الماۤدّة بالمعني الاول من الوجود كما تقدم و هو ان الوجود هو الماۤدة و الماهيّة هي الصورة و كونه ماۤدّيّا عبارة عن الماهية بالمعني الثاني كما تقدم و هو ان الوجود هو انه صنع الله و نور الله و اثر فعل الله و الماهية هي انه هو و كونه ماۤدِّيّاً هُويّته بحسب نفسه و انّيّته و لكن المصنف مايفهم من الوجود اِلّا مٰا يُريده من كونِه من سنخ الحقِّ و يُرِيدُ من كونه ماۤدّيّا هُوَ مَا تَركّبَ من الْعَناصِر اذ المجرّدات عندَهُ لا ماۤدّة لها اصْلاً حتي انّه صرّح في كثير من كتبه بان العقل بسيط الحقيقة بمعني انه لا ماۤدّة له و وجه غَلَطِهمْ ان الحكماۤء المتقدّمين قالوا ان عالم العقول و عالم النّفوس وَ عَالم الطباۤئع و الملاۤئكة العقليون و النفسيّون و الطبيعيون مجرّدة عن الماۤدة و المدة و يريدون انها مجردة عن الماۤدة العنصريّة و المدّة الزمانيّة و اتي مَن بعدهم و لم‌يفهموا مرادهم و حكموا بان تلك مجرّدة عن مطلق الماۤدّة و الوقت حتّي انّ بعضهم كصاحب البحار الاخوند الملّا محمدباقر المجلسي رحمه اللّه ذكر في اوّل كتابه البحار تفريعاً علي هذا الفهم انّ مَن قال بانّ شيئا سوي اللّه سبحانه مجردٌ فهو كافر لعدم ورودِ ذلك في الاخبارِ [ص 186] لانه قال علي ما فهم من كلام المتأخرين الذين غلِطُوا علي مراد المتقدمين و فهموا ان معني كونه مجرّدا انه لا مادة له اصلاً و لا وقت وَ هذا لايصحّ الّا في الحق المتعال سبحانه و حكم الاخوند علي كلام المتأخّرين و نحن نريد بالمجرّد الحادث ما كان مجرّدا عن العناصر و الزمان و له ماۤدّة نورانيّة جوهريّة و مدّة دهريّة كالعقول و ما دونها من المجردات علي ان تعليل صاحب البحار غفلة لانه علّل ذلك التكفير بعدم ورود المجرّد لغير الله سبحانه في الاخبار و قد روي هو في كتاب الغرر و الدّرر للكراجكي قول اميرالمؤمنين عليه السلام و قد سُئِل عن العالم العلويّ قال عليه السلام صورٌ عاليةٌ عن المواۤدّ عاريةٌ عن القوّة و الاستعداد تجلّي لها فاشرقت و طالعها فتلألأَتْ و الْقَي فٖي هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله الحديث ، و لانعني بالمجرّد الا كون الشيء عاليا عن المَواۤدّ عارِياً عن القوّة و الاستعداد وَ في بعضِ الحديث عارية عن المَواۤدّ عالية عن القوّة و الاستعداد و الحاصل الظاهر ان المصنف علي رأي المتأخّرين من ان المجرّد هو العاري عن مطلق الماۤدّة و مطلق الوقت بدليل حكمه بكون العقل الكلّي كل الاشياۤء لانه بسيط الحقيقة كما صرّح به في اوّل المشاعر .

و قوله « و مادة الشيء و تجرُّدُه ليسا صفتين خارجتين عَن ذات الشيء » يعني به ان كون الشيء ماۤدّياً اي مركّبا من العناصر و مجرّداً اي عارياً عن الماۤدّة او العناصر ليسا عارضين للشيء بل ذاتيّين له و يجب عند اعتبار كونه صورة علميّة او معلوما بالذات ان يكون مجرّدا عن العناصر ليمكن اَنْ يُلَايم ذاتَ الحق سبحانه او ملكوته كما اشار اليه سابقا و كونه مادّيّا مخالفاً و منافِياً لمٰا يعتبر في كونه علماً او معلوماً بالذّات و الشيء لايكون مجرّداً و ماۤدّيّا و ان كان باعتبارين لانهما صفتان ذاتيتان هذا مراد المصنّف [ص 187] و هو غير صحيح من وجوهٍ منها انه لايشترط في المعلوم بالذات التجرّد و الّا لماصحّ ان يكون الماۤدّيّ لذاته معلوما و منها انه قد ثبت بالبرهان القطعي انّ العِلم عينُ المعلوم فلايشترط في كون الشيء علماً به كونه مجرّداً و الّا لماكان المركبات و المادّيات علماً بها بالذاتِ مع قيام الدليل عقلاً و نقلاً عَلي ذلك و منها انه انما ذهب الي هذا لتكون الصور المجردة علماً له و علمه عيْن ذاته و لاتكون العينيّة الّا بالاتِّحاد و العاقل عنده يتّحد بالمعقول اذا كان صورة مجردة لا اِن كان ماۤدّية كما ذكره في سَاۤئِر كتبه وَ قَدْ ذكرنا في شرح المشاعِر بطلان اتّحادِ العاقل بالمعقول و الّا لاتحد العَاقل بضدّه و لكانت الماۤديّة غير معقولةٍ و منها انه لا مانع من كون الشيء بَسٖيطاً و مركّباً باعتبارَيْنِ كما قالوا في عبداللّهِ فَانّه باعتبارِ عَلَمِيّته بسيط و باعتبار جزئيْه مركّب و لهذا كانت صورة اعرابه بصورة اعراب المركّب و كالاجرام السّماويّة و بساۤئط العناصر كالماۤء و الهواۤء و النار و التراب فانها بسيطة باعتبار و مركّبة باعتبارٍ و كالمجرّد الاضافي و مثل ذلك قوله كما ان جوهريّة الشيء الجوهر و وجوده الخاص شيءٌ واحدٌ و كذَا عرضيّة العَرض و وجوده فكما انّ وجوداً واحداً لايكون جوهراً و عرضاً باعتبارين كذلك لايكون مجرّدا و ماۤدّيّاً باعتبارين انتهي ، اقول ان الشيء قد يكون جوهراً و عرضا باعتبارين فانّه يجوز فانّهم يذهبون الي هذا فيما يرون انهم مختصّون به فان الشيء المتحرّك عرض لعلّته و هو جوهر للحركة و هي عرض له بل كل شيء جوهرٌ لحركاته و اثاره و هو عرض لعلته و هذا مما لا اشكال فيه بل الاخبار مصرّحة بان الشيعة انمّا سموا شيعة لانهم من شعاع الائمة عليهم السلام فذوات الشيعة شعاع ذواتهم و وجوداتهم شعاع وجوداتهم و ماهياتهم ذوات ماهيّاتهم الي الأن يعني انهم الان مع كونهم رجالاً [ص 188] شعاع الائمة عليهم السلام فمن لم‌يدرك ان ذوات الشيعة و ما هم عليه الأن في كون الدنيا اعراض لائمتهم حقيقة فانّه ماذاق طعمَ العلْمِ و لا شرِبَ من الكوثر قطرةً فاذا كانوا اَعْرَاضاً باعتبار كونهم و تكوّنهم في ذواتهم و احوالهم لائمتهم عليهم السلام مع انهم رجال و ذواتٌ باعتبار النظر الي هويّٰاتهم و ما هم عليه فقد كان الشيء جوهراً باعتبارٍ و عرضاً باعتبارٍ و لقد قال الشاعر في مدح اميرالمؤمنين عليه السلام و نعم ما قال :

يَا جَوْهَراً قام الوجودُ به الناسُ بعدك كلّهم عرضُ

و الدّليل علي هذا لمن يفهم قوله تعالي و من اياتِه اَن تقومَ السَّماۤء و الاَرْض باَمْرِهٖ ، و قال الصادق عليه السلام في الدعاۤء كلّ شيءٍ سواك قام باَمْرِك ه‍ ، و ليس معني قيام الاشياۤء التي هي بالنظر الي ذواتها جواهر بامر ٱللّهِ الّا قيامَ الاعْرَاضِ بالجوهر فقيامُها بامر ٱللّهِ الذي هو فعله قيامُ صدور و قيامُها بامر اللّه الذي هو اثر فعله اي مفعوله الاول اعني الحقيقة المحمدية قيام تحقّقٍ اعني قياماً ركنيّا .

و قوله « لايكون مجرّداً و ماۤدّيّا باعتبارَيْن » ان اريد بالمجرّد ما فهموه من انه عدم الماۤدّة فشيء ممتنِع في غير الواجب عز و جلّ اذ الممكن لا بد له من المادة و الصورة و هو قول الحكماۤء كلّ ممكن زوج تركيبي و انْ اُرِيد به انه مجرد عن الماۤدّة العنصريّة و المدّة الزَّمانيّة كالعقول و النّفوس و الطباۤئع و جوهر الهباۤء فالتجرّد بهذا المعني متحقّق في الممكن الّا انه ليس شرطاً في المعلوميّة و ليس ممتنِعاً اَنْ يسمّي الشيء المجرّد بهذا المعني ماديّاً بهذا المعني باعتبارين و اِنْ كان لا فاۤئدة كليّة في صحّة التّسمية و عدمها بل لو نقول لايكون الشيء مجرّداً و ماۤدّيّاً باعتبارَيْنِ و اذا لم‌يكن كذلك فما المحذور اللازم منه فان كان لايكون المعلوم بالذات الّا مجرّداً كان [ص 189] الماديّ غير معلومٍ بذاته لزم ان يتعلّق العلم القديم بالمجرّد قبل المادي فيكون في حالٍ غير عالم بشيءٍ ثم يعلم به فعلي قولنا ان العلم المذكور حادث اشراقي يحدث بحدوث المعلوم يكون الفرض صحيحاً و علي قولهم انّ العلم المذكور هنا هو القديم الذي هو الذّات البحت يلزم حدوثه لاختلاف نسبه في التقدم و التأخّر و هو صفة الحادث .

و قوله « نعم لو قيل هذه الصورة المادّية حاضرة عنده تعالي بصُوَرِها المفارقة الي قوله لكان موجّها » فيه ما تقدّم من انّه غير موجّه و الّا لزم ما قُلْنَا مِنْ تقدّم حالةٍ للقديم عَلَي حَالةٍ اُخْرَي له و ذلك موجب للحدوث اَوْ انّ المراد بالعلم هنا العلْم الحَادِث .

و قوله « و قد مرّ انّ ما عند اللّهِ هي الحقاۤئق المُتأَصِّلَةُ مِنَ الْاَشياۤء ، الخ » فيه ما تقدّم ممّا اشرنا اليه من ان هذا العند ان كان في الذّات لزم كون اصول الاشياۤء مع تغايرها و تباينها و تكثرها في ذاته فيلزم كونه محلّا لغيره او مركّبا منها و لزم من كونه عالما بها ما يتفرع منها افتقاره الي غيره و ان كان هذا العند خارج الذات فان فرض انه تعالي في قربه اليها و الي فروعها علي السواۤء بطل كلام المصنف كله في جميع شقوقه و ان كان هو اقرب الي الاصول منه تعالي الي فروعها لزِم كونه حادثاً تعالي عن ذلك لاختلاف نسبة ذاته الي الاشياۤء فاذا كانت نسبة ذاته تعالي الي القريب و البعيد علي السّواۤء كان عالماً بها اصولها و فروعها مجرّدها و ماۤدِّيّها علي السواۤء و امّا تفاوتُ قربها و بعدها اليه بالنسبة الي قوّة القبول و ضعفِه فليس موجباً لاختلاف علمه تعالي بها و معلوميتها له كما لايخفي علي مَن له ادني معرفة .

قال : قاعدة في كلامه سبحانه الكلام ليس كما قالته الاشاعرة صفة نفسيّةً و معاني قاۤئمةً بذاته تعالي سمّوها الكلام النفسي لانه غير معقولٍ [ص 190] و الّا لكان عِلْماً لا كلاماً و ليس عبارةً عن مجرّد خلق الاصوات و الحروف الدّاۤلّة علي المعاني و الّا لكان كلّ كلامٍ كلام الله تعالي و لايفيد التقييد بكونه علي قصد اعلام الغير من قبلِ اللّه او علي قصد الالقاۤء مِن قِبَلِهٖ اذِ الكلُّ من عنده و لو اريد بلا واسطةٍ فهو غير جائز ايضاً و الّا لم‌يكن اَصْواتاً و حروفا » .

اقول ذكر الكلام بعد العلم لجَعْلِهٖ ايّاهُ من الصّفاتِ الثبوتيّة و المستفاد من فحوي كلامه و كلام اتباعه مثل الملّا محسن انه قديم الّا انه ليس علي ما ذهب اليه الاشاعرة الذين يجعلونه كلاماً نفسانيا بل لانّه بعض شؤنه الذاتيّة و شؤن الذّات لاتتغيّر قال الملا محسن في الكلمات المكنونة في ان شؤنه تعالي الذاتية لاتتغير لانها هي عين ذاته قال في ذكر الاعيان الثابتة كما نقلنا عنه فيما سبق بل هي نسبٌ و شئون ذاتيّة فلايمكن ان تتغير عن حقاۤئقها فانها حقاۤئق ذاتياتٌ و ذاتيات الحق سبحانه لاتقبل الجعل و التغيير و التبديل و المزيد و النّقصان اقول و قد صرّح في كتابه اَنْوَارالحكمة : و التكلّم فينا ملكة قاۤئمة بِذَواتنا نمكّن بها من افاضة مخزوناتِنَا العلميّة علي غيرنا و فيه سبحانه عين ذاته الا انّه باعتبارِ كونه من صفات الافعال متأخر عن ذاته قال مولينا الصادق عليه السلام ان الكلام صفة محدثة ليست بازليّةٍ كانَ اللّهُ عز و جلَّ و لا متكلّم انتهي ، فانظر بعقلك هَلْ قول الاشاعرة بقدم الكلام اصرح من قوله هذا في كون الكلام قديماً لانّه قال انّه عينُ ذاتِ اللّهِ ثم صرفَ كلام الامام الصادق عليه السلام عن ظاهره و باطنِهٖ مع صراحةِ كلامه عليه السلام بالحدوث بما لايحتمل ضِدَّهُ .

قوله : الكلام ليس كما قالَتْهُ الاَشاعِرَةُ اصحاب علي بن اسمعيل بن ابي‌بشر ابي‌الحسن الاشعري منسوب الي جده ابي‌موسي الاشعري او الي [ص 191] اشعر بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان و كان علي طريقة المعتزلة يقول بحدوث القرءان ثم خطب و هو قاضٍ بالبصرة و عدل الي مذهب محمد بن عبدالوهاب القطّان فقال بقوله من هذه العظاۤئم التي احدها القول بقدم كلام اللّه سبحانه لانه صفة القديم و حيث لزمهم بذلك امور شنيعة ذهبوا الي ان الكلام حقيقته كلام النفس و امّا هذه الالفاظ و الاصوات فانها ترجمة لذلك الذي في نفس المتكلّم كما قال الشاعر :

ان الكلام لفي الفؤادِ و انما جُعِل اللسانُ علي الفؤادِ دَليلَا

فلمّا قيل لهم ما هو قالوا هو صفة نفسيّةٌ و معانٍ قاۤئمة بذاته تعالي سموها الكَلام النفسي فقال مخالفوهم من المعتزلة هذا المعني الَّذي تشيرون اليه غير معقولٍ لان المتبادر الي افهام العقلاۤءِ عند اطلاق لفظ الكلام انما هو الحروف و الاصْوات و امّا المعني الذي ذكره الاشاعرة ليس هو الّا القدرة التي تصدر عنها الحروف و الاصوات مِن المتكلم اوْ انّه هو الارادة و ان اطلق لفظ الكلام علي ذلك فانما هو مجاز لا حقيقة و اقول الذي يظهر لي انّ الاشاعرة اشاروا الي معني لو كان ذلك في حق الحادث لكان صحيحاً و لكن بطلان قولهم لا من حيث انه غير معقول بل هو معقول معروف الّا انهم عجزوا عن التعبير في بيان ما ارادوا بعبارةٍ تدلّ علي مطلوبهم فلمّا نظر مخالفوهم الي المفهوم من خصوص تعبيرهم عنه وجدوا شيئاً لايعرف العقل استقامته لا ان المراد ان العقل لايدرك معناه فانّهم قالوا انه معني قاۤئم بالنفس يعبّر عنه بالعبارات المختلفة المتغيّرة المتغايرة و ليس هو بحرفٍ و لا صوتٍ و لا امرٍ و لا نهيٍ و لا خبر و لا استخبارٍ و لَا شيءٍ من اساليبِ الكلام فقيل لهم هذا غير معقولٍ لانهم وصفوه بانه صفة نفسيّة و مَعنيً قاۤئم بذاته الي اخر ما وصفوه و الله سبحانه يقول حتي يسمع كلام اللّه و لايصح ان يكون المعني [ص 192] و الصفة مسموعاً و لعلّ مرادهم انه مسموع بعد ترجمته بالالفاظ او مسموع بالاذن النفسيّة الّا انه خلاف الظاهر و المراد اَنّ عباراتهم في جوابهم عن سؤال الخَصْم لاتدلّ علي مرادهم فلمّا اراد الخصم ان يجمع بين مدلول اللَّفْظِ و بين مرادهم حصل التّنافي بينهما في العقل فلذا قالوا ان ما ذهب اليه الاشعري غير معقول و السبب في ذلك عجز الاشعري عن التعبير عمّا اراد بما يدلّ عليه لغةً و اصْطِلَاحاً و العبارة الدالّة علي مرادهم هو ان النفس لها كلامٌ مثل كلام اللسان بحروفٍ و اصواتٍ الّا انها نفسيّة فالنفس تخاطب مثال غيرها و تأمره و تنهاه و تطلب منه و كذلك مثالها و هو قولهم مثل حديث النّفس لانّ النفس قد تحدّث نفسَها و تُحَدِّثُ غيرها بكلامٍ مشتملٍ علي كلماتٍ لفظيةٍ و حروفٍ صَوْتيّةٍ مثل الكلام المسموع بالاذان الّا انّه نفسي لا جِسْمَاني فَاِنّ الجسْماني يظهر باللسان اللحمي و النفسي يظهر باللسانِ النفسي فالكلام النفسي مثل الكلام اللّفظي في جميع ما يعتبر فيه من الترتيب و الاعراب و الوقوف و الوصل و الادغام و الاظهار و الجهر و الاخفات و الجهر و الهمس و جميع ما يعتبر في اللفظي علي جهة الوجوب و الندب و ما هو عليه من الامر و النهي و من اساليب الكلام و لمّا عجزوا عن التعبير عن الكلام بما هو عليه نفوا من الكلام النفسي ما لايتحقق الكلام الّا به فقالوا هو ليس هو بحرفٍ و لا صوت و لا امرٍ و لا نهي و لا خبرٍ و لا استخبار و لا شيء من اساليب الكلام و لكنه معني قاۤئم بالنفس يعبّر عنه بالعبارات المختلفة المتغيّرة المتغايرة و لا شك انّ ما وصفوه به ليس بكلام كما هو المعروف الذي يتبادر اليه اسمه عند الاطلاق فقال الخصم هذا شيء غير معقول من مطلق مسمي الكلام و لو اجابوا حين سئلوا عنه بما ذكرنا من صفة الكلام النفسي لكان صحيحا و كان معقولا و انّما نمنعه في حقّ الواجب عز و جل لانه سبحانه [ص 193] لايكون محلاً لشيء و لايلجه شيء لصمديّته و لايشابهه شيء لاحديّته و لايفكّر و لايُروِّي و لايُهمُّ و لايوصف بشيء يصلح ان يوصف به خلقه فيكون كلامه مفعولاته و تكلّمه احداثه لكلامه فيما شاۤء كيف شاۤء و كلماته منها ذوات و صفات و منها معاني و اعيان و منها معاني و الفاظ و كلٌّ منها تام و غير تام و تأتي الاشارة الي بيان بعض ذلك .

و قول المصنف « و الّا لكان علماً لا كلاماً » وقع من غير علم بمرادِهم لانه يريد انّ الذي تشيرون اليه هو العلم لا الكلام اذ الصور التي في النفس هي العلم و هو ما عنيتم و ليس كذلك لانّهم يعنون حديث النفس و هو كلام و امر و نهي و ايجاب و نفي و اضراب و استثناۤء و ما اشبه ذلك فانه مثلا يتصوّر زيداً و هذه الصورة من العلم ثم يقول له هل مضيتَ السوق امسِ فتقول صورة زيد بلي فيقول له هل اشتريتَ الثوبَ الفلاني لعمروٍ فيقول لا فيقول له لم تركتَ و قد امرتُك اذهب عني فانك قد عصيتني و خالفتَ امري فيقول مثال زيد اعفُ عني و انا امتثل امرك بعد هذا و لااعصي لك امراً فيغضب و لايعفو حتّي تظهر علي الجسد صورة الغضب من احمرار الوجه و الرعديدة لشدّة العزم علي الانتقام او يرضي و يعفو حتي تظهر علي ظاهره صورة الرضا و السكون و الطمأنينة فيظهر اثره علي ظاهر الشّخص المتكلّم في نفسه مع صورة زيد و مثاله كما يظهر اثر الكلام اللفظي المعروف علي ظاهر المتكلّم و ليس شيء من هذا بعلمٍ و انما هو كلام و هذا ظاهر لمن فهم ما قلته و لكن الاشاعرة ماقدروا علي التعبير عمّا ارادوا كما سمعت فانه شيء معقول صحيح الاتسمعهم يقولون انه تعالي يخاطب المعدوم و يأمره و ينهاه لانه تعالي عن ذلك يستحضر صورته و يخاطبُها لكن هذا لايصح نسبتُه الي الحق عز و جل فقد افتروا علي الله و خالفوا كتاب [ص 194] الله حيث يقول مايأتيهم من ذكر من ربهم محدثٍ الّا استمعوه و هم يلعبون ، ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث الّا كانوا عنه معرضين ، فالحق ان كلامه عز و جل ليس كما قالته الاشاعرة .

و قوله « و ليس عبارة عن مجرّد خلق الاصوات و الحروف الداۤلّة علي المعاني » يشير به الي ما ذهب اليه المعتزلة و لكنهم يقولون كلام الله هو الاصوات المخلوقة الدّالة علي معانيها لا انه خلق الاصوات لان هذا هو التكلّم لا الكلام فالاوفق ان يقول و لا عبارة عن مجرّد الاصوات و الحروف المخلوقة الخ ، و الّا لكان كلّ كلامٍ كلامَ اللّه تعالي و مراده ان اللّه سبحانه هو الّذي خلق كلامَ زيدٍ فلو كان كلّ كَلَامٍ خلَقَهُ كلامه لكان كلام جميع المخلوقات كلامه تعالي و ليس كذلك اتّفاقا او يريد اَنَّ كلامَ زيدٍ مخلوق احدثه زيد فلو كان كل كلامٍ محدثٍ كلامه تعالي لكان جميع كلام الخلق كلامه فعلي فرض الارادة الاولي لايكون نقضاً علي المعتزلة لانّهم لايرون ان اللّه خلق كلامَ زيدٍ و انّما يري ذلك الاشاعرة فلايستقيم الرَّدُّ عليهم الّا ان يكون المراد بان الله سبحانه خلق كلامَ زيدٍ بزيدٍ فيستقيم الردّ علي قول بعضِ مَنْ يُقال انّهم من العدليّة و ربّما قيد بعضهم الالفاظ الْمَخْلوقة بكونِها صَادرةً علي قصدِ اعْلام الغير من قبل اللّه او علي قصد الالقاۤء من ٱللّهِ تعالي لدَفْعِ ما يَرِدُ علي قولهم من كون كلّ كَلامٍ كَلَاماً لِلّهِ سُبْحانه و انت خبير بانّ هذا التّقييد يفيد التخصيص لانه اذا قيل الاصوات و الحروف المخلوقة الصادرة لاِعلام اللّه سبحانه لمن سواه اَوْ لالقاۤئه كذلك لم‌يكن شيء مِنْها كلاماً لغير اللّه سبحانه في الظاهر لكن لَوْ لُوحظ كلام المبلّغ عن الله و الٰامر بالمعروف و الناهي عن المنكر او كلام مَن خاطب بعض عباده علي لسانِهٖ صدق عليه التقييد مع انّه ليس كلام اللّه الّا اذا كان ذلك المتكلّم محلاً [ص 195] لِمشيّة اللّٰهِ تعالي و امّا حديث مَن استمع الي ناطق فقد عبده فان كان الناطق ينطق عن اللّه فقد عبد الله و ان كان ينطق عن الشَّيْطَان فقد عبد الشيطان ه‍ ، فعلي طريق المجاز و مقام المعرفة مقام الحقيقة فالتقييد بما ذكر لايكفي في دفع ما يرد علي تلك العبارة كما ينبغي و علي كل حالٍ فالظاهر انّ المصنف لم‌يرد خصوص المخلوقيّة و انّما يريد خصوص الحروف و الاصوات اللفظيّة و يكون وجه نفيه ان المعتزلة قاۤئلون بان كلام اللّه سبحانه ليس الّا هذه الحروف و الاصوات الحٰادثة و ليس كما قالوا و لكن يرد علي المصنّف كما يرد علي المعتزلة مع انّ الظّاهر معهم و ذلك لانّهم قالوا لا معني للكلام الّا ما كان اَصْوَاتاً و حروفاً لفظيّة و هو الظّاهر من اطلاق اسم الكلام و المصنّف قالَ ليس المراد من كلام اللّه حيث يطلق اسمه الّا انشاۤء كلماتٍ تاۤمّاتٍ الي اخر ما ذكره فليس كلام اللّه تعالي مَحْصوراً في انشاۤءِ كلماتٍ بل منه كلمات تاۤمّات و منه حروفٌ وَ اَصْواتٌ فورد عليه مَا ورد علي المعتزلة مع انّه لاينكر ان من كلام اللّه تعالي ما هو اصواتٌ و حروف كيف و قد قال تعالي و ان احد من المشركين استجارَك فاجره حتّي يسمع كلام اللّه و لا ريْبَ ان غير الاصوات و الحروف الملفوظة لاتكون مسموعة خصوصاً للمشركين فالحق انّ كلام اللّه سبحانه منه كما قال المصنّف و منه كما قالت المعتزلة و من حصر منهما فقد حسِر و خَسِرَ لوُرودِ المعنوي و اللفظي في صريح الايات و الروايات و الحاصر راۤدّ لكلام اللّهِ فقد قال تعالي في عيسي و كلمته القاها الي مريم و قال مصدِّقا بكلمة من اللّٰهِ و قال تعالي يسمعون كلام اللّه ثم يحرّفونه و الاصل في الاستعمال الحقيقة و قد انعقد الاجماع من المسلمين علي ارادة هذين المعنيين من الٰايتين و الحاصر من المصنف و المعتزلة منكر لمحكم الكتاب و راۤدّ له .

[ص 196] و قوله « اذِ الكلّ من عنده » يريد انّ المقيد و غيره من عنْد اللّٰهِ و هذا مبني علي اصله من انّ معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته و قد سمعتَ فيما تقدّم بطلانه .

و قوله « و لو اريد بلا واسطةٍ فهو غير جاۤئز ايضاً و الّا لم‌يكن اصواتا و حروفا » يريد به انه لو فرض ارادة عدم الواسطة من التقييد ليخرج ما ليس بكلام اللّه لم‌يصحّ ايضا لانه كان اصواتا و حروفا لم‌يصح صدورها من البَسيط الحق تعالي بغير واسطة بل لا بد من توسّط العلل الفاعليّة و الماديّة و الصوريّة لان الكلام بالصوت و الحروف من عالم الاجسام و الزمانيات فلايمكن صدوره من بسيط الحقيقة لامتناع الطفرة في الوجود و ان صحّ صدوره منه تعالي بلا واسطة ثبت انه ليس باصوات و حروف هكذا يريد بناۤء علي اصوله من ان المجردات الصرفة نشأت من ذاته تعالي و الماۤديّات يستحيل صدورها منه تعالي ربي اَن يَلدَ فان ذاته اذا كانت محلّاً للصور العلميّة و الاعيان الثابتة بمعني انه سبحانه كلّ الاشياۤء المجردة و انّ ما يظهر من تلك التي هي ذاته بمعني انه كلها كانت مناسبة له في الذات و هذا بعينه قول الصابئة و المشركين ان الملاۤئكة بنات الله لان الملاۤئكة ذواتٌ منفعلة فهي اناثٌ و صدَرت عنه فهي بناتُه فانزل الله في الردّ علي اهل هذه المقالة و تصدق علي مقالة المصنف و جعلوا بينه و بين الجنّة نسَبا اي مناسبة ذاتية بدليل قوله تعالي في هذا المعني و جعلوا له من عباده جزءاً ان الانسان لكفور مبين و انما قلنا انها تصدق علي قوله لانه يقول اَنّ حقاۤئقَ الاشياۤءِ الْمتَأصّلة من الاَشيٰاۤءِ عندَ اللّٰهِ و انّ الموجودةَ في عالمِ الكونِ اَظِلَّتُهَا و اَشْباحُها وَ اَنَّ ما عِنْدَ اللّٰهِ هي الاَعْيَان الغير المجعولة و اَنّها شُؤنه الذاتيّة التي هي عين ذاته و في الكلمات المكنونة لملّا محسن ما يَدُلّ علَي اَنّ هذه الاعيان الغير المجعولة هي الّتي اَحْدثَتْ اظلّتها و اشباحها الكونيّة باللّٰهِ تعالي اَو [ص 197] بالحقّ المخلوق به فاذا كانت هي عين ذات اللّهِ تعالي و الاشياۤء نَزلَتْ منها الَي عالمِ الكونِ فقد كانَتْ كامِنةً في ذاتِه تعالي ثُمَّ برزت منه الي عالم الاكوانِ فايّ معنيً للولادةِ غير هذا .

قال : بل هو عبارة عن انشاۤء كلماتٍ تاۤمّاتٍ و انزال آيات محكماتٍ و اخر متشابهاتٍ في كسوة الفاظٍ و عبارات و الكلام قرءانٌ و فرقان باعتبارين و هو غير الكتاب لانه من عالم الخلق و ماكنتَ تتلو من قبله من كتاب و لاتخطّهُ بيمينك اذاً لارتاب المبطلون و الكلام من عالم الامرِ و منزله القلوب و الصّدور لقوله نزل به الروح الامين علي قلبك باذن الله و قوله بل هو ايات بيّنات في صدور الذين اوتوا العلمَ و الكتَابُ يدركه كل احدٍ و كتبنا له في الالواح من كل شيء موعظة و الكلام لايمسّه الّا المطهّرون من ادناسِ عالم البشريّة .

اقول قوله « ان كلام اللّه عبارة عن انشاۤء كلمات ، الخ » و الانشاۤء هو الايجاد و الاحداث و الكلام ان اراد به التكلّم صحّ له انه انشاۤء كلماتٍ و ان اراد المفعول وجب ان يقول هو عبارة عن كلماتٍ تاۤمّاتٍ منشَئاتٍ و هذه هي عبارته في ساۤئر كتبه فيشكل كونه غافلاً في كل عباراته و المقام الذي فيه البحثُ ليس هو التّكلم بل هو الذي تكلّم به المتكلّم و لو رضينا بارتكاب المجاز في جميع عباراته و انه لايريد احداث الكلام و انما يريد الكلام المحدث فما فائدة تخصيص الكلمات التّامات و هل الكلمات الناقصات احدثها غيره و ان اراد ان الناقصات احدثها بواسطة التّاۤمّات قلنا و التّامات احدثها بواسطة فعله و قد قال سبحانه قل الله خالق كلِّ شيء و هو الواحد القهار فاخبر باحداثه لكل شيء علي حدٍ واحدٍ و ان كان بعض الاشياۤء يتوقّف علي بعضٍ بان يكون عضداً للاخر كما اذا اخذت [ص 198] مادته من العضد او الصورة و مراد المصنف ينافي ما تدلّ عليه الاية اذ ظاهر عباراته ان الكلمات الناقصات لاتكون كلاماً و كذلك الالفاظ التي هي كسوة لتلك المعاني مَع انّه عز و جلّ انشأ الكلمات التّامات و الايات المحكمات و المتشابهات وَ مَا خلق لَها من كسوة الالفاظ و لكن المصنف اسند الانشاۤء الذي هو الاحداث الي الكلمات التامات يريد انّها هي الاصول و اسند الانزال الذي هو عنده الاهباط من العالي الي السافل الي الايات المحكمات و المتشابهات يريد انّها نزلت من تلك الاصول لانّها حدثت بتبعيّة ايجادِ اصولها وَ لم‌يكن لها ايجاد مستقلّ فلذا نسب الانزال اي الاهباط من العلو الي السفل اِلَيْها و ظاهر عبارته انّ كلامه تعالي عبارة عن انشاۤء الاصول و انزال فروعها في كسوة الالفاظ و هذا معني قشري و لبّ المعني و حقيقته انه عز و جل خلق تلك الاصول و خلق منها فروعها فكلّ مخلوق علي الحقيقة علي حدّ قوله تعالي خلقكم من نفسٍ واحدة و هي ادم عليه السلام و خلق منها زوجها اي خلق من ادم حوّاۤء فكما ان خلق حواۤء مستقل و ان كان مترتبا علي خلق آدم كذلك خلق الايات المحكمات و المتشابهات مستقلّ و ان كان مترتّبا علي خلق الكلمات التّامات و كذلك الالفاظ و في اللغة الحقّية قد يطلق الانزال من الشيء الي رتبةٍ دونه علي خلقه منه الّا ان المصنف لايريد هذا المعني و الّا لَماوَرَدَ عليه اعتراضٌ في تعبيره لان ذلك هو المعروف من مذهبه فكلامه تعالي في الحقيقة معاني اي ذوات و صفات و الفاظ و تكلّمُه بها ايجادُها و قبولها الايجاد متوقّف علي وضع كلّ منها في مكانه و وقته المناسب له فالكلمات التّامات خلقها في البرزخ بين السرمد و الامكان الراجح و بين الدهر و الامكان الجاۤئز وجهها الي السرمد و خلفها الي اوّل الدهر و هذه هي التامات حقيقة و هم ذوات محمد و اهل بيته الطيبين صلَّي الله [ص 199] عليه و عليهم اجمعين و الكلمات التّامات الاضافية خلقها في الدهر منها ذاتيات كلّية اضافية و هي ذوات الانبياۤء عليهم السلام و هي اعراض للتامات الحقيقيّة و منها ذوات جزئيّة و هي ذوات المؤمنين و هي اعراض للتاۤمّات الاضافية و هذه الاضافية كلّيّها و جزئيها جواهر عقلية و روحيّة و نفسيّة و طبيعيّة و هيولانية و منها اشباح مثاليّة و هي ابدان نورانية لا ارواح لها بل هي محض مقادير هندسيّة و هذه الاشباح اظلّة لما قبلها و ما بعدهما فهي برزخيّة بين الدهر و الزمان و بين المجرد و الماۤدّيّ و بَيْن الكلية الاضافية و الجزئيّة الحقيقية و الكلمات الناقِصَة منها ذوات كلية كالافلاك و منها ذوات جزئيّة كزيد و الشجر و كالفرس و الجدار و منها اعراض و كلٌّ منها بنسبة معروضه و اما الكلمات اللفظية فنسبتها من الكلمات المعنوية نسبة العرض مِن المعروض و هي عالم تاۤم بعرضيته مطابق لعالم الذوات في كل شيء بمعني ان فيه الكلمات التامات الحقيقية و التامات الاضافية كليّها و جزئيّها و البرزخيّة و الكلمات الناقصة كلّيّها و جزئيّها معروضها و عرضها فما من شيء مما سوي الله عز و جل الّا و له اسم نسبته اليه نسبة الظّاهر الي باطنِه و لقد لوّح علي عليه السلام الي ذلك بقوله الروح في الجسد كالمعني في اللفظ و الاخبار يشير الي ذلك باطوارٍ عجيبة غريبة تكشف لمن عثر عليها عن كنوزٍ مستورة بالرموز و المصنف يحوم حول الحمَي فمرّة يعثر علي شيء و مرّة يخطئ و العلّة في صوابه ما اخذه بفطرته و في خطائه مَا جَمد فيه عَلي قاعدته فتخصيصه الكلام بالكلمات التامات من جموده علي قاعدته و جعله الاشياۤء فيما اقيمت فيه كتابا بعد تفريقه بين الكلام بانه القاۤئم بفاعله قيام الفعل بالفاعل و بين الكتاب بانه القاۤئم في محله من فطرته الّا انّ الكلام علي ذلك فيه تفصيل تأتي الاشارة اليه .

في قوله « و الكلام قرءان و فرقان باعتبارين ، الخ » يشير الي ان الكلام [ص 200] باعتبار انّه معانٍ مجملة غير متمايزةٍ بل هي في القلب لانه محل المعاني المجردة عن الماۤدة العنصريّة و المدّة الزمانية و الصورة الجوهريّة و الشبَحيّة و القلب هو العقل الجوهري عندنا و العقل الفعلي الذي هو تعقّل المعاني المذكورة و الكلام بهذا اللحاظ قرءان و باعتبار انه صور مجردة عن المادة العنصريّة و المدة الزمانية متمايزة بمشخّصاتها في النفس التي هي الصدر اي صدر القلبِ و مقدّمُهُ و مركبه بفتح الميم و سكون الراۤء فرقان و المروي انّ القرءان كل الكلام المعجز و الفرقان ما كان فارقاً منه بين الحق و الباطلِ فالكلام قرءان في القلب و فرقان في الصدر فاذا تنزل بمعنييه الي اللفظ و النقش كان كتابا و الحق انّ الكلام منه ما يقرأ و يتكلّم به في النفس كما وجّهنا مَا اشار اليه الاشاعرة من حديث النفس و منه ما يقرأ بالالفاظ و الفرقان هو ما من ذلك في المحلَّيْن فارقاً بين الحقّ و الباطل فعموم القرءان في الكلمات التامات كنبيّنا محمد صلي الله عليه و اله و خصوص الفرقان في الكلمات التامات كاِمامِنا اميرالمؤمنين علي بن ابي‌طالب عليه السلام قال عليه السلام انا كتاب اللّه الناطق فالناطق بالكلام و الحافظ بالكتاب قال تعالي و عندنا كتاب حفيظ .

و قول المصنّف « و هو غير الكتاب » يعني القرءان و الفرقان او الكلام لانه اي الكتاب من عالم الخلق و الخلق هو الكتاب المسطور في رقّ منشور يعني انه مبثوث باحرفه و كلماته التي هي اعيان الموجودات في الكون في الاعيان او في جعله لها كذلك لانها قاۤئمة بجعله قيام صدور فهي في قيامها الصدوري كتاب مسطور كلّ في مكان حدوده و وقت وجوده و ما منا الّا له مقام معلوم ثم استشهد علي كون الكتاب من عالم الخلق و انه مدرك للخلق بقوله و ماكنتَ تتلو من قبله من كتابٍ و لاتخطّه بيمينك اذاً [ص 201] لارتاب المبطلون فالكتاب الاشياۤء القاۤئمة في امكنة تحققها و اوقات بقاۤئها و اعلم انّي مزجتُ بيان عبارته ببعض رأيي و التمييز بين الرأيين يعرف من الكلامين .

و قوله « و الكلام من عالم الامر » و يريد بعالم الخلق و عالم الامر المقتبَسَيْن من قوله تعالي اَلا له الخلق و الامر ان عالم الخلق عالم المواۤدّ فكل الاشياۤء الماۤدّية و صفاتها عنده من عالم الخلق و عالم الامر عنده هو الاشياۤء المجردة كالعقول و النفوس و الطباۤئع بل و جوهر الهباۤء من عالم الامر لان المجرّدات هي الفعّالة و الماديات هي المنفعلات و عندنا عالم الامر هو عالم الفعل بجميع اصنافه كالمشية و الاختراع و الارادة و الابداع و الجعل و التقدير و القضاۤء و الامضاۤء و الاذن و عالم الخلق سائر المفعولات من جميع الاشياۤء و قد يطلق عالم الامر علي ما كان مَحلّاً لفعْلِ اللّهِ من ساۤئر الاشياۤء و هي في انفسها مختلفة باعتبار قربها من المبدء و عظمها فما كان لايتحقق الفعل الّا به صدق عليه الامر و يقال انه من عالم الامر لكونه محلّا للامر كالحقيقة المحمديّة لانها محل مشيّة اللّه و لاتتقوّم المشيّة الّا بها و ان كانت بالمشية كانت فيتحقّق فيهما التساوق و التضاۤئف كالكسر و الانكسار فالفعل عالم الامر الذي قام كل شيء من الممكنات قيامَ صدورٍ و النور المحمدي صلي الله علي محمد و اله عالم الامر الذي قام به كل شيء من الممكنات قيام تحقّقٍ فالفعل كحركة يد الكاتب قامت بها ساۤئر الكتابة قيام صدور و النور المحمدي صلي الله عليه و اله كالمداد قامت به ساۤئر الكتابة قيام تحققٍ لكن لتعلم ان الذي قامت به الاشياۤء كلها من الحقيقة المحمدية هو شعاعها لا ذاتها هذا ما نذهب اليه تبعاً لائمّتنا عليهم السلام و اما المصنف و اتباعه و الاكثر يذهبون الي ان الاشياۤء حصص من ذاتها و ما كان وجها لها كالعقل الكلي اعني عقل الكلي فهو بها اي بواسطتها يكون محلا للفعل [ص 202] و قول اميرالمؤمنين عليه السلام في شأن الملأ الاعلي و القي في هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله صريح في ان الله سبحانه لما كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و حيث كان لاتقدر الاشياۤء علي التلقي منه تعالي جعل بعضها اسباباً لِبَعْضٍ ففعَل بهٰا ما شاۤءَ من مُسبّباتها .

و قوله « و منزله القلوب و الصّدور لقوله تعالي نزل به الروح الامين علي قلبك باذن اللهِ و قولِه بل هو آيات بيّناتٌ في صدور الذين اوتوا ٱلعلم » يشير بهذا الي ما ذهب اليه من ان الكلام من عالم الامر و هو علي قسمين قسم منزله القلوب و هو ما كان من الكلمات التّاۤمّات لانّ القلوب اعلي من الصدور الّتي هي منزل الايات المحكمات و المتشابهات لِانَّهَا اَنْزَلُ من الكلمات التّاۤمات و ليس هذا امراً مقرّراً لايتبدّل لانه ذكر في الكتاب الكبير في القاب القرءان انّه الذكر و اللّه سبحانه يقول انّ الّذين كفروا بالذكر لمّا جاۤءهم و انّه لكتاب عزيزٌ فسمّي القرءان كتاباً فتفصيل المصنّف بان القرءان غير الكتاب انّما هو لمناسبةٍ لبعض الايات و ما ذكر في الايات من تسمية القرءان و الكتاب ليس لان القرءان من عالم الامر و الكتاب من عالم الخلق كما توهّمه بل باعتبار القراءة و التلاوة يسمّي قرءاناً و باعتبار نقشه في القراطيس و في القلوب و في الصدور يسمي كتابا و هو شيء واحد تختلف تسميته باختلاف اعتبار احواله امّا نقشه في القراطيس و الصدور فظاهر فكونُهُ كتاباً فيها ظاهر و امّا كونهُ في ٱلقُلُوب كتاباً في القلوب باعتِبارِ كونه فيها فهو اَيْضاً كذلك لانّ القلوب لاتحلّها الصُّوَر و انّما تحلّها المَعاني و كونُها فيها هو نقشُهَا لانّ المعاني مجرّدة و تمايزها بمميّزات معنويّة توجد بملاحظة العَقْل لهٰا من غير تحديدٍ وجوداً محقَّقاً لا اعتباريّاً كما توهّمه بعضهم فالحقّ انّ الكلام عبارة عن كلماتٍ صادرة عن المتكلّم باِحْدَاثِه لها اوْ تِلاوته لها [ص 203] سواۤء كانت ذوات ام صفاتٍ امْ الفاظٍ اذا لُوحِظَتْ قاۤئمة بالمتكلّم اي المحدِثِ لها قيامَ صُدُورٍ فليس بين الحقائق النوريّة التي هي الكلمات التّاۤمّات و بين الالفاظ التي هي اَسْماۤءُ اسماۤئِها فرق في قرب اللّٰهِ سبحانه بفعله اليها و ان كانت الكلمات التّاۤمّات في انفسها اقربَ الي الله سبحانه و الي فعله من اسماۤئها الّتي هي النذر و الرُّسُل عليهم السلام و هم اقربُ اليه تعالي و الي فعله من اسماۤئهم التي هي المؤمنون و هم اقرب الي الله سبحانه و الي فعلهٖ من اَسْماۤئِهم الّتي يُعْرَفُونَ بهَا اعني سيماهم وَ الْحانُ حقاۤئقهم و احوالهم و هي اقرب اليه تعالي و الي فعلِهٖ منْ اَسْماۤئِهم اللفظيّة فذاته عز و جل نسبتها الي كل شيء في كل شيء سواۤء لانه عز و جل لايَنتظِرُ و لايَستقبل و لايستكمل و الاشياۤء مختلفة في انفسها في القرب اليه و البعدِ منه فالكلمات التامات كلامُه الذي احدثه و اقامه في مقامه من الكون منها في السرمد و العمق الاكبر الراجح و منها في الدهر و الممكن و الامكان المتساوي و الالفاظ كلامه الذي احدثه في بعض خلقه حيث كان هو مقامه من الكون كالكلام الذي ظهر لموسي عليه السلام في الشجرة و منه القرءان الذي نطقَ به نبيّنا محمد صلّي الله عليه و اله مما يترجم به ما اوجده الحق عز و جل في قلبه و علي لسانه بواسطة جبريل عليه السلام فانّ جبرئل عليه السلام يتلقّي من ميكايل و ميكائيل (ع) من اسرافيل (ع) و اسرافيل (ع) من اللوح و اللوحُ عليه السلام من القلم و القلم عليه السلام من الدواةِ و الدواةُ صلي الله عليه و اله من اللهِ عز و جل بواسطةِ مشيته و اختراعه و ارادته و ابداعه و قدره و قضاۤئه و اذنه و اجله و امضاۤئه فالملاۤئكة النازلة عليه بالوحي هي منه صلي الله عليه و اله بمنزلة الخواطر الواردة عليك من قلبك فانّك ربّما تُسْئل عن الشيء ثم تنساه او لاتعرفه ثم تعرفه فتقول جاۤء [ص 204] علي خاطري اوْ ورَدَ علي قلبي و بالي كذا و كذا فان هذا الوارد علي قلبك و بَالِك خاطرٌ ورد من قلبك اي من المعاني المخزونة فيه علي قلبك اي علي وجه قلبك الذي هو صدرهُ و هو نفسك و خيالك بصورة ذلك المخزون فجبريل الامين عليه السلام نزل علي قلبه صلي الله عليه و اله من قلبه اي نزل بما تلقّي من صورة معني قلبه الذي هو القلم يعني تلقّي صورة ذلك المعني من نفسه الكلية التي هي اللوح المحفوظ علي علمه الذي هو روح المشتري الي خياله الذي هو روح الزهرة و التلقّي بالوساۤئط الٰاتٖي ذكرها علي روايةٍ فالملاۤئكة النازلة بكلّ شيء من الوحي من قبَلِ الله عز و جل كلهم بمنزلة الخواطر الواردة من القلب علي الخيال و القرءان قبل الكتاب من جهة ان ما يقرأ يكتب و بالاعتبار قد يكون الكتاب قبل القرءان بمعني ان ما قرئ كان مكتوباً قبل قراۤءته كما اذا اعتبرتَ ان القلم الذي هو اللوح الكلّي استمدّ من النور الذي تَنوّرتْ منه الانوار و هو الدواة و هو عندهم عليهم السلام هو الحقيقة المحمديّة فان الوحي و ساۤئر الفيوضات الكونية الالهية تكلّم بها فعل اللهِ لها و قرأها عليها فكانت اي الحقيقة المحمدية (ص) هي الكتاب الثاني لانها اوّل الكتب الكونية و قبلها كتاب الامكانات فالقلم استمدّ منها فكان كتابا ثالِثا و قرأه قرءاناً علي اللوح المحفوظ فكان اللوح هو الكتاب الرابع و قرأ ما استُحفِظ قرءانا علي اسرافيل عليه السلام فكان اسرافيل كتاباً خامساً و قرأ اسرافيل ما بلغه قرءاناً علي ميكاۤئيل عليه السلام فكان ميكاۤئيل كتابا سادساً و قرأ ميكاۤئيل ما بلغه قرءانا علي جبرئل عليه السلام فكان جبرئل كتابا سابعاً و قرأ ما بلغه جبرئل عليه السلام قرءاناً علي محمد صلي الله عليه و اله فكان صلي الله عليه و اله بظاهره كتاباً و كان بباطنه ام الكتاب و انّما كان بظاهره هو الكتاب لان ما وقع في صدره [ص 205] هو الكتاب قال تعالي و ماكنتَ تتلو من قبله اي من قبل الكتاب الذي في صدرك و لاتخطه بيمينك يعني ان هذا الكتاب الذي تتلوه قرءانا عليهم ماكنتَ تخطّه بيمينك بل نحن كتبناه في صدرك بوحينا اذاً لارتاب المبطلون بل هو اياتٌ بيِّناتٌ في صدور الّذين اوتوا العلم و هي صدره و ما في صدور اهل بيته الطاهرين صلي الله عليه و عليهم اجمعين مما كان تلاه عليهم فكان الايجاد كلاماً و القرءانُ هو المتلوّ من الموجود في الكتب و الثابت في الالواح سواۤء كان اللوح ماۤء ام عقلاً ام روحاً امْ نفساً ام طبيعة ام شبحاً ام جسماً ام جسمانيا جوهراً او عرضاً فاذا عرفتَ ما اشرنا اليه ظهر لك بطلان تقسيم المصنف من ان الكتاب من عالم الخلق و انه يدركه كلّ احد كيف يدركه كل احدٍ و العلم بجميع انواعه من الكتاب لان العلم ليس هو انشاۤء للمعلوم و الله سبحانه يقول و لايحيطون بشيء من علمِهٖ الّا بما شاۤء و لا جاۤئز اَنْ يكُونَ هذا العلم الذي لايحيطون بشيء منه قديماً لانّ قوله الّا بما شاء معناه انهم يحيطون بما شاۤء من علمه و لايجوز ان يكون ما لايحيطونَ بشيء منه قديماً لانّ القديم هو ذاته فيلزم اذا كان الَّذي لايحيطُونَ بشيءٍ منه ذاته ان يكون المستثني الذي يحيطون به جزءَ ذاتِهٖ و لايجوز ان يكون شيءٌ من ذاته مُحاطاً بهٖ و مدرَكاً لغيره سبحانه فاذا ثبت انّ العلم من الكتاب لا من القرءان كما قال تعالي قال علمُها عند رَبّي في كتَابٍ لايضلّ ربّي و لاينسي و قال تعالي قد علمنا ما تنقص الْاَرْضُ مِنْهُمْ و عندنا كتابٌ حفيظٌ لم‌يصحّ قوله و الكتابُ يُدْرِكهُ كلّ اَحَدٍ و هذا ظاهِرٌ لايحتاجُ بَعْدَ ما سمِعتَ من آيٰاتِ القرءان الي ذكر برهانٍ و قوله و كتبنا له في الالواح لايصلح دليلاً علي كون الكتاب يدركه كلُّ اَحَدٍ و انه من عالم الخلق و انت تعلم انّ اللوح المحفوظ كتاب و لايمسّه الّا المطهّرون و نفُوسُ الكروبيّين و نفوس [ص 206] من فوقهم من العَالٖينَ كما اشرنا اليه سَابقاً كُتبٌ و لايدركها كلّ احدٍ بل قد يكون القرءان و الكلام متأخِّراً عن الكتاب رتبةً كما سمعتَ و كذا قوله و الكلام لايمسّه الّا المطهّرون فانا قد اشرنا الي انّ من الكلام ما يسمعه المشركون كما قال تعالي و ان احد من المشركين استجاركَ فَاَجِرْهُ حتَّي يسمع كَلَام اللّٰهِ فَقدْ اَخْبرَ انّه عزّ و جل بجواز سَماعِ كلامِهٖ تعالي للمشركِ المُنْغَمس في ظلمات اَدْنَاسِ عَالَمِ البَشرِيّة فلايصلح استشهاد المصنّف بهذه الٰايَة علي تعريف مطلق الكلام بانه لايدركه كل اَحَدٍ و اللّه سبحانه يقول في شأن المشرك حتّي يسمعَ كلامَ اللّه .