و قوله « فما عند اللّه هي الحقاۤئق المحصّلة المتأصّلة التي تنزل الاشياۤء منها منزلة الاشباح و الاظلال » صريح في جميع ما اوردنا علي كلامه من المغايرة و ان الذات محلّ لجميع تلك الذوات و ان الوحدة التي ادّعاها وحدة النّوع في الاذهان و العقول و وحدة الكل في الخارج و انها كوحدة الشجرة مع ما تألّفت منه و وحدة الخشب بالنسبة الي الحصص المأخوذة منه لان هذا العند الذي ذكره المصنّف اِنْ ارادَ به ما هو خارج الذّات كانت تلك الحقاۤئق ممكنةً حادثةً بعد اَنْ لمتكن شيئاً مذكوراً و هذا دين ساداتنا محمد و اَهْل بيته الطاهرين صلي الله عليه و عليهم اجمعين اذْ دينهم انّ كلّ ما سوي ذات الحقّ سبحانه و تعالي حادث بعد ان لميكن شيْئاً مذكوراً فكان مَذْكوراً بايجادِهٖ و امكانه لا قبله و اِنْ ارادَ به ما هو الذات الحق عز و جلّ توجَّه ما سبق و نحوه من المطاعن و الاعتراضات .
و قوله « الّتي تنزل الاشياۤء منها ، الخ » يعني انّ الاشياۤء الموجودة في عالم [ص 154] الاكوان منزلتها من حقاۤئقها التي في ذات الحق تعالي منزلة الشبح و الظل من الشاخص و الشبح هو الظل كما روي عن الصادق عليه السلام و المراد منه الصورة لان الصورة ظل ذي الصورة و الصورة معلقة بالشاخص كالظلّ و المراد من الشبَح الصورة المنفصلة بالاشراق عنه لا الصورة المتصلة العارضة القاۤئمة به قيام عروض لانّ هذه يطلق عليها صورة الشخص و هي المتّصلة و امّا المنفصلة فهي التي تقع في المرءاة فانها قاۤئمة بصورته المتّصلة قيام صدور و نعني بالشبح حيث يطلق في الغالب الصورة المنفصلة في المرءاة و معني الانفصال هنا القيام بغير الموصوف كما مثّلنا و لمّا كانت الاشياۤء المكوّنة ذواتٍ متحقّقة عند المصنف و الاشباح و الاظلّة اعراضاً عنده قال انّ الاشياۤء كالاعراض في التعلق و التقوّم و لذا قال منزلة الاشباح و الاظلال و ذلك اِمَّا اَنّهُ غَفل عن ملاحظة سرّ الخَليقة اوْ انّه ماعرف كون المعلول بالنسبة الي علته الحقيقيّة عرضاً فان هذا حكم نفس الامر ان المعروض عرض لعلته الحقيقيّة و المراد من العلة الحقيقيّة هي التي تحدث ماۤدةَ معلولِها لا من شيء بخلاف العلة التي لاتصدر عنها الّا الصورة فان تلك ليست حقيقيّة كالبنّاۤء في صنع الجدار فعلي قولنا يتّجه كونها اعراضاً لعللها و علي قول المصنف العلل الازليّة هي الحقاۤئق المتأصِّلَةُ و امّا الحوادث الكونية التي هي من تلك الحَقاۤئق بمنزلة الاشباح و الاظلال فهل عند المصنّف يجعلها اَشِعَّةً انحطّت عن تلك الحقاۤئق ام هي تلك الحقاۤئق انفسها نزلت من اَوْج قدسها الي حضيض طباۤئعها بذواتها بحيث خلت اوجاتها منها ام هي باقية في مرَاكزها و النّازل منها اَبْدَالُها او امثالها ام تكيّفت اوقاتها و اماكنها بِهَيْئَاتِ كَيْنُونَاتِها فعلي كل فرضٍ يرد عليه الموانع المنافية لقوله فعلي الاشعّة تكون اعراضا و لايلايم قوله منزلة الاشباح لان الاشباح اعراض [ص 155] و لاتكون الاعراض بمنزلة الاعراض و علي نزول الحقاۤئق يلزم انقلاب الحقاۤئق لانّ تغيّر حال القديم يجعله حادثا و تكون الذّات فاقِدة و الابدال من انواع الولادة المنافية للازل و الامثال جمع مثلٍ فبِسُكون الثاۤءِ تَتعدَّدُ القُدَماۤء و بالتّحريك اشباح لا بمنزلة الاشباح و علي التكيّف هي اثار الاشباح و اذا كانت الاشياۤء تعود في عودها الي مباديها كانت المنحطّة عاۤئدة الي ما منه بدئت فان كان عودُها عودَ مُجَاوَرةٍ تكثّرتْ علي نحو التضعيف فيعظم الخطب و ان كانَ عودَ ممازجةٍ انتهي تنعّم السعداۤء و تألّم الاشقياۤء هذا كله ان كانت المنحطّة ذواتٍ و الّا فالصفات مباديها هيئات الموصوفات و افعالها لا ذواتها و لايتجاوز شيء من الاشياۤء مبدؤه و حينئذ يكون العود عود ممازجة و تنتهي الاوصاف العملية و اعلم انّي لوّحتُ بهذه الكلمات الي الدلالة علي طريق معرفة سرّ الخليقة في الذوات و الصفات ليبني العارف بها حكمة معرفته علي نمط كيفيّة بدؤ الاشياۤء لانه عز و جل خلق الاشياۤء موصوفات الاشياۤء و صفاتها مشروحة العلل مبيّنة الاسباب لتعرف العباد كيفيّة الاستدلال علي ما اراد من طرق الهداية و الرشاد كما اشار في الكتاب المجيد في قوله يا ايّها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقَةٍ ثم من مضغة مخلّقة و غير مخلّقة لنبيّن لكم فقوله لنبيّن لكم اشارة الي ان كل شيء خلقه من صفة او موصوف فانه دليل و مستدلّ عليه و علّة و معلول و غاية و مُغيّا و اذَا سمعتَ انّه عز و جل انّه لايعرف الّا بما عرّف نَفْسَهُ فاعلم انّ المراد ان اسباب التعريف و آلَةَ البيانِ ما خلق من خلقه و ما بيّن من اسبابها و مسبّباتها فمن عرف سرّ الخليقة وصل الي معرفة الحقيقة و لذا قال صلي الله عليه و اله اللهمّ ارِني الاشياۤء كما هي ه ، فنبّهتُ بتلك الكلمات التي عارضتُ [ص 156] بها المصنف ليس لخصوص الاعتراض لا واللّهِ و لكن بقصدِ ان بيان تلك الحقاۤئق لاتعرف الّا بردّ ما يخالفُها من كلام المصنّف و غيره لانّي اذا ذكرتُ كلاماً قال المصنّف او غيره بخلافه لايعرف انّ كلامي حق بل و لايقبل منّي الّا اذا ابطلتُ كلامَ مَن خالَفَهُ و حيثُ كان ابطال كلام الخصم مع تقدّمه و شهرته و انس الاذهان بمذهبه و بعباراته يحتاج الي كلام طويل و تقديم مقدّمات و نقض كلامهم بعد ايراد حُجَجِهِمْ و الوقت لايسع ذلك لوّحتُ بالخلاف و عدم رضاي بقوله ليتنبّه مَن له رَويّةٌ عَلَي انّي و ان اطلتُ الكلام لاينتفع الّا اولوا البصاۤئر و الافهام من العلماۤء الاعلام المنصفين الطّالبين بتعلّمهم وجه الملك العَلّام لان الرّد بعد القبول و لبس ثوب الجهل بعد الشهرة بالعلم صعب مستصعب لايحتمله الّا مؤمن امتحنَ اللّٰهُ قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و الحاصل انّ هذه الحقاۤئق التي هي حقاۤئق الاشياۤء هي الّتي عناها بالكل في قوله كل الاشياۤءِ و لايمكن ان يتكلّم بها احد و يحكم بانه كلها و انها عنده و في علمه الذي هو ذاته و انّها في ذاته بنحوٍ اشرف في قولهم ان معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته و لكنه بنحو اشرف و ان للاشياۤء وجْهَينِ وجهاً اجماليّاً و هو علمه بها و هي حقاۤئق الاشياۤء و هي الصور العلمية اللازمة لذاته المتعلقة بها تعلّق النور بالمنير و الظل بالشاخص و انّها غير مجعولةٍ و انّما المجعول وجوداتها بمعني تعلّق الكون بها يعني اظهارها بعد الكمونِ كالنّار الكامنة في الحجر تخرج بحَكِّ الزنادِ و امثال هذه من عباراتهم المختلفة لفظا و معنيً المتّفقة علي قدمها و عدم مجعوليّتها الّا اذا كانَ عالماً بها مدرِكاً لها و حيثُ ذكر المصنف و اتباعه هذه الاوصاف دلّ علي انّهم في زعمهم مدركون لها مع انهم لميأتهم وحي بذلك و لاتجاوزوا مشاهدة [ص 157] الملكوت فيكون وصفهم ناشئا عن مقايستهم لذلك بما عَرفُوا مِنْ انفُسِهِمْ فلذا اخْطأوا في اقوالهم و اعتقاداتهم كيف و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام نحن الاعراف الذي لايعرف اللّه الّا بسبيل معرفتنا الحديث ، و المراد ان الله سبحانه لايعرف الّا بما وصفوه في خطبهم و احاديثهم اَوْ لايعرف اللّه الّا باعتقادِ اَنّهم عليهم السلام حُجَجُه و ابوابه و انّهم اولياۤء احكامِهٖ و حفظة شرائع دينه اوْ لايعرف اللّهَ الّا من عرفهم لانهم عليهم السلام وصفُه الذي وصف نفسه به لعباده ليعرفُوه فالاول للمؤمنين و الثاني للعارفين و الثّالث للانبياۤء و المرسلين و قال الصادق عليه السلام في الدعاۤء عقيب الوتيرة بعد العشاۤء كما رواه الشيخ في المصباح قال عليه السلام : بدت قدرتُك يا الهي و لمتبد هيئةٌ يا سيّدي فشَبّهُوك و اتّخذوا بعض اياتك ارباباً يا الهي فمن ثَمّ لميعرفُوك ه ، و هؤلاۤء قولهم و اعتقادهم مخالف لاحاديث ائمة الهدي عليهم السلام و لكلامِ اللّه الّذي اَنْزلَهُ علي نبيّه صلي الله عليه و اله و لما اقرّ رسول الله صلي الله عليه و اله عاۤمّةَ المسلمين و اجري احكام دينهم عليه فانه صلي اللّه عليه و اله اقرهم علي المعارف المعروفة المتداولة و وعدهم علي القيام به دخول الجنّة اذ ليس شيء مما نقلنا عن اولۤئك مطابقاً لشعاۤئر المسلمين فان قول المصنّف « فما عند الله هي الحقاۤئق المحصّلة المتأصّلة » الي اخر قاعدته ، لايدلّ عليه كتاب و لا سنّةٌ و لا عقْلٌ .
قال : قاعدة علمه تعالي بالممكنات ليس صوراً مرتسمةً في ذاته كما اشتهر عن معلِّم الفلاسفة و المشّاۤئين و تبعهم ابونصر و ابوعلي و غيرهما و لا كما ذهب اليه الرواقيُّونَ و تبعهم الشيخ المقتول و العلّامة الطوسي و المتأخّرون من كون علمه بالممكنات عين ذوات الممكنات الخارجيّة لانّ علمه قديم و الممكنات كلّها حَوادث و لا ما ذهب اليه المعتزلة لبُطلان [ص 158] شيئيّة المعدومات و لا ما توهمتْه الاشاعرة من ان العلم قديم و لميتعلق بممكنٍ الّا وقت حدوثه و لا ايضا كما نسب الي افلاطون من انّ علمه تعالي ذوات قاۤئمة بانفسها و صور مفارقة عنه تعالي و عن المواۤدّ و لا الي الذي نُسِبَ الي فرفوريوس من اتّحاده تعالي بالمعقولات علي ما فهمه الجمهور من الاتّحادِ و لا الّذي تجشّمه و اقتحمه بعض المتأخرين و لميمكنهم تحصيله من العلم الاجمالي بل علي نحوٍ اشرنا اليه و قررناه علي وجهٍ محصّل مشروحٍ في كتبنا المبسوطة .
اقول قال المصنف في كتابه الكبير المسمي بالاسفار : فصل في تفصيل مذاهب الناس في علمه تعالي بالاشياۤء احدها مذهب توابع المشّاۤئين منهم الشيخان ابونصر و ابوعلي و بهمنيار و ابوالعباس اللوكري و كثير من المتأخرين و هو القول بارتسام صور الممكنات في ذاته تعالي و حصولها فيه حصولا ذهنيّا علي الوجه الكلّي الثاني القول بكون وجود صور الاشياۤء في الخارج سواۤء كانت مجردات او مادّيات مركّبات او بساۤئط مناطاً لعالميّته تعالي بها و هو مذهب شيخ اتباع الرّواقيّة شهابالدين المقتول قدّس سرّه و من يحذو حذوه كالمحقّق الطوسي و ابنكمّونة و العلّامة الشّيرازي و محمد الشّهرستاني صاحب كتاب الشجرة الالٰهيّة الثالث القول باتّحاده تعالي مع الصور المعقولة له و هو المنسوب الي فرفوريوس مقدّم المشّاۤئين اعظم تلامذة المعلِّم الاوّل الرابع ما ذهب اليه افلاطون الالهي من اثبات الصور المفارقة و المُثُل العقليّة و انّها علوم الهيّة بها يعلم اللّه الموجودات كلّها الخامس مذهب القاۤئليْن بثبوت المعدومات الممكنة قبل وجودها و هم المعتزلة فعلم البارئ عندهم بثبوت هذه الممكنات في الازل و يقربُ من هذا ما ذهب اليه الصوفيّة لانّهم قاۤئلون بثبوت الاشياۤء قبل وجودها [ص 159] ثبوتا علميّاً لا عينيّاً كما قالته المعتزلة السّادس مذهب القاۤئلين بانّ ذاته علم اجماليٌّ بجميع الممكنات فاذا علم ذاته علم بعلمٍ واحدٍ كل الاشياۤء و هو قول اكثر المتأخرين قالوا للواجب تعالي علمان بالاشياۤء علم اجمالي مقدّم عليها و علم تفصيلي مقارن لها السابع القول بان ذاته تعالي علم تفصيلي بالمعلول الاوّل و اجماليّ بما سواه و ذات المعلول الاول علم تفصيلي بالمعلول الثاني و اجمالي بما سواه و هكذا الي اواخر الموجودات فهذا تفصيل المذاهب المشهورة بين الناس و ربّما قيل في وجه الضبط اَنّ مَن اثبت علمه بالموجودات فهو امّا ان يقول انه منفصل عن ذاته اولا و القاۤئل بانفصاله اما ان يكون بثبوت المعدومات سواۤء نسبها الي الخارج كالمعتزلة او الي الذهنِ كبعض مشاۤئخ الصّوفية مثل الشيخ العارف المحقق محييالدين العربي و الشيخ الكامل صدرالدين القونوي كما يستفاد من كتبهما المشهورة ام لا و علي الثاني امّا ان يقول بانّ علمه تعالي بالاشياۤءِ صور خارجيّة قاۤئمة بذواتها منفصلة عنه تعالي و عن الاشياۤء و هي المثُلُ الافلاطونية و الصور المفارقةُ او يقول بان علمه بالاشياۤءِ الخارجيّة نفس تلك الاشياۤءِ فهي علومٌ باعتبارٍ و معلوماتٌ باعتبارٍ آخر لانها من حيثُ حُضورها جميعاً عند البارئ و وجودها له و ارتباطها اليه علوم و من حيث وجوداتها في انفسِهَا و لمادّتها المتجدّدة المتعاقبة الغاۤئبة بعضُها عن بعضٍ بحسب الزمان و المكان معلوماتٌ قالوا فلا تغيّر في علمه تعالي بل في معلوماته و هذا ما اختاره شيخ الاشراق و متابعوه و القاۤئل بعدم انفصاله امّا ان يقول غير ذاته و هو مذهب الشيخين الفارابي و ابيعلي او يقول انه عين ذاته فحينئذ اما ان يقول انّ ذاته تتّحد بالصورة العلية كفرفوريوس و اتباعه من المشّاۤئين او يقول ان ذاته بذاته علم اجمالي بجميع ما عداه او بما سوي المعلول [ص 160] الاول علي الوجه الذي اشرنا اليه فهذه ثمانية احتمالات ذهَبَ الي كلٍّ منها ذاهبٌ انتهي كلامه .
اقول ثم انه اخذ في الكلام علي كل واحد منها علي جهة البسط و نحن نقتصر في الكلام عليها علي ادني ما يحصل للفاهم الموفّق بما كتب من القول الحق في العلم فنقول قد ذكرنا مراراً انّا لانتكلّم الّا في علمه الحادث المخلوق اعني ما خلقه و سمّاه علماً له بنحو ما قالوا فيه ائمة الهدي عليهم السلام و امّا علمه الذي هو ذاته فلايجوز الكلام فيه لانه هو ذاته تعالي و انّما نتكلّم فيه بنحو التنزيه كما نتكلم في ذاتِ اللّهِ اذ لا فرق الّا في الاسم بمعني ان علمه و ذاته لفظان مترادفان لا بمعني اختلافهما في المفهوم و انّما اتحدا في المصداق لان ما اختلفا في المفهوم يمتنع نفي التعدّد عنهما في المفهوم و ما امتنع نفي التعدد عنه فهو متعدد و كل متعدّد فهو مركب و ان كان في ظرف التحليل اعني الذهن و التعقّل لصدق التركيب و الكثرة عليه في حالٍ و ان كان في حالٍ هو متّحد فرضاً فقد اختلفت حالاه و ما اختلف حالاه فهو مركب حادث و قد تقدّم انّ مرادنا بكون الصفات عين الذات انّها الفاظٌ مترادفةٌ و انّ ما اريد منه تغاير المفاهٖيم هي الصفات الفعليّة التي هي مغايرة للذات و متغايرة في المفهومات لانها اشياۤء حٰادثة وصف بها نفسه لتعرفوه بصفات افعاله كما تعرف زيداً بانه ضارب و المصنّف بسط الكلام علي هذه المذاهب جرحاً و تعديلاً فالكلام علي كلامه عليها احقّ بالكلام عليها لما في كلامه من ايهام الصواب لاشتهاره بين مَن كان بعده حتّي ظنّ كثير منهم ان ليس وراۤء عبادان قرية و لكن لاجل طوله عدلنا عنه الي الكلام عليها علي جهة الاختصار و الاقتصار الّا انّه يلزم منه ما ينبغي بيانه انشاۤء الله تعالي .
[ص 161] فنقول امّا المذهب الاول اعني مذهب الشيخين ابينصر الفارابي و ابيعلي بن سيناۤء و من ذكر معهم سابقا و هو القول بارتسام صور الاشياۤء في ذاته تعالي فاصل مأخذه قياس صفات الخالق عز و جل علي صفات المخلوق لشبهة انها اية صفات الحق تعالي و هو غلط لانها انما هي اية لصفات افعاله لا لصفات ذاته و لا اشكال في بطلان هذا المذهب لانّه تشبيه بالمخلوق و للزوم كون ذاته تعالي محلّاً لتلك الصور المتغايرة المتباينة التي لاتعقل الّا حادثةً و هؤلاۤء جعلوا علمه تعالي فعلِيّاً لتقريرهم ان العلم ينقسم الي فعلي و انفعالي و قالوا الفعلي ما يكون سبباً لوجود المعلوم في الخارج و الانفعالي ما يكون مُسَبَّباً عن المعلوم في الخارج فعلمُ صانع البيت بالبيت الذي يريد بناۤءه من قبيل الفعلي لكنّه لَيْسَ سبَباً تامّاً لوجودِ البيتِ لانّ ماۤدّته من الحجارة و الطين ليس فاعِلاً لهما و كذلك ساۤئر ما يتكوّن منه و يتوقّف عليه بخلاف علم اللّهِ بالاشياۤء فان كل شيء منها و لها صادر عن علمه تعالي لانه تام الايجاد و الفاعلية كما انه تام الوجود و التحصّل انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فقوله و كلامه الذي هو تابع لارادته الذاتية هو تعقله للاشياۤء فكينونية الاشياۤء في الخارج تابعةٌ لمعقولها الذي هو عبارة عن قوله و تلك الصُّور العقليّة هي كلماتُ اللّهِ الّتي لاتنفد و امثال هذا من مقايساتهم بمداركهم الحادثة التي لاتعقل الّا ما هو من نوعها .
و اعلم انّ الناس قد اختلفوا في العلم فمنهم قال هو غير المعلوم مطلقا اي في الغيب و الشهادة و استدلّوا علي المغايرة بان العلم قد يكون موجوداً في الذهن و المعلوم في السوق فان علمك بزيد هو ما في خيالك من صورته و هو في السوق او في الصحراۤء .
و منهم من قال عين المعلومِ مطلقاً في الغيبِ و الشهادة امّا انّه عينه في [ص 162] الغيب فلان صورة زيْدٍ التي في خيالك هي صورة هيئته حين حضوره و اذا غابَ عنك و مضي الي السوق لمتكن عالماً به هل هو حيّ ام ميت متحرك ام ساكن و انّما تعلم صورة هيئة الحُضور التي هي هو فهي بعينها هيئة حضوره و لا شكّ انّها معلومةٌ لك فبايّ شيءٍ عَلِمْتَها بنفسِها اَمْ بصورة غيرها فاِنْ علمتَها بنفسِها ثبت اَن العلم عينُ المَعْلُوم و ان عَلِمْتَها بغيرِهَا لَزِم الدَّوْرَ او التَّسَلْسُل و امّا انه عينهُ في الشَّهادة فَلِانَّ زَيْداً اِذَا حضر عندك تكون عالماً به فما علمُكَ به حين حضوره لا جاۤئز اَنْ يكونَ علمُكَ صورتَهُ الخياليّة لانه اذا حضر عندك لمتكن عندك صورة غير حضوره بما هو عليه من صورة او لون او وضعٍ اذ لو فرض وجود صورته في الخيال انطبقت علي الحضوريّة حتّي لو كنتَ تَتَخَيَّلهُ علي هيئةٍ و حضر بهيئةٍ مخالفةٍ لما في خيالك انمحت ما في خيالك و تكيّفت بالهيئة الحضوريّة فلاتنحفظ الّا الهيئة الحضوريّة و لهذا نقول انّما ينتزِع الخيال صورة الشيء عند غيبته فليس عندك علم به غير حضوره بما هو عليه من الحُضور عندك و هذا الحضور ليس شيئا مغايراً لما هو حاضر به فلو كان المعلوم بالحضور نفسَ هيئةِ جلوسِه او لونَ بَشَرتِه او نوعَ ملبوسِه او حالٍ من احواله او تحقّقِهٖ و وجودهٖ كان علمك به ما كان معلوماً لك مما حضر به زيد عندك من ذاته او ساۤئر احواله فعلمُك بهيئةِ جلوسه حضور تلك الهيئة الخاص الجزئي الذي هو نفس هيئة جلوسه لا الحضور العام الكلي فانّ العلم بالخضرة التي في الثوب حضور الخضرة الذي هو نفس تلك الخضرة لا الحضور العام الذي هو ضدّ الغيبة الصالح للسواد و البياض و الصفرة فانه لو كان هذا العام هو العلم لَماجهل احدٌ شيئا و لماعلِم احدٌ شيئا لانه ليس مطابقاً بالمطابقة التي هي بالمميّزات اذ ما يطابق الخضرة من حيث خضريّتها غير ما يطابق البياض من حيث بَياضيّته [ص 163] اذ حُضور الخضرة حينئذ بخضريّتها و حضور البياض ببياضيّته اذ كلّ منهما انّما هو هو بما هو به متميّز و ذلك حقيقته بنفسِهٖ بخلاف ما لو اريد الحضور العاۤمّ فانّه شيء واحد في الحاضرين .
و منهم من قال العلم عين المعلوم في الغيب اي اذا كان المعلوم هو الصورة لئلّايلزم الدور او التسلسل و غير المعلوم اذا كان غير الصورة لانها حينئذ تابعة للمعلوم فيكون العلم بعضه عين المعلوم و بعضه غيره و هذا المذهب في جعل بعض العلم غير المعلوم كالاوّل في البطلان لانّ العلم لايكون في حال غير مطابقٍ للمعلوم و لا شكّ انّ الصورة الخياليّة لاتطابق الا حالة الانتزاع لانك اذا تصورت حالاً من احوال زيدٍ كنتَ عالماً به و هو حال حضوره فاذا غاب عنك لاتعلم الّا الحال التي رأيته عليها لانّها هي حالة انتزاع الخيال لها منه فاذا رأيته قاعداً ثم غبتَ عنه لمتعلم الّا حال قعوده و لاتعلم هل قام امْ نام امْ مات اَمْ سار فلايكون ما عندك علماً به و الّا لكان مطابقا فاذا تحرّك تحركت الصورة التي في خيالك او قام قامت او نام نامَتْ و هذا ظاهر و امّا الصورة العلميّة فلا شكّ انها معلومة بها و قد ثبت فيها ان العلم عين المعلوم و غيرها مثلها الّا انه قد خفي ذلك علي كثيرٍ من جهة عدم ادراك الحضور الخاۤصّ الذي هو ذات الحاضر و من توهّم حصول صورةٍ خياليّة حال الْحُضُور و من عدم تعقّل العلم الاشراقي فان كون حضور زيد عندك علماً لك به قد خَفِيَ علي كثيرٍ لعدم فهمهم للعلم الاشراقي النسبي الّذي يوجد بوجود المعلوم لانّه نفسه و ينتفي بانتفاۤئه لانه نفس كونه و عدم معرفته بانه وجوده للعالم في رتبة مكانه و وقته و لايلزم مِنْ قولِنا انّه يوجد بوجوده و ينتفي بانتفاۤئه انّه يكون في حالٍ غيرَ عالمٍ بها لما قرّرنا بانّه تعالي لميفقد شيئاً من ملكه في ملكه و هكذا شأنه جلّ شأنه لميجد شيئا من خلقه [ص 164] في ذاته و لميفقد شيئا من خلقه في مُلْكِه و الحاصل ان الحَقّ في المسئلة ان العلم عين المعلوم في الحادث و القديم فمن لميفهم ينبغي له اَلّاينكر ما لايدرك فكم خبايَا في زوايا و حيث كان القديم لايدرك الحادث منه شيئا وجب علي الحادث ان يقتصر في معرفة القديم علي ما تعرّفَ له به و وصف به نفسه و اما الحادث فقد كانت له مراتب متفاوتة متكثرة مثل زيد مثلا فان له ذكرا في عالم الامكان و له في عالم الاكوان مقامات يذكر في كل مقام بنسبة رتبته فيه فله حصة نورانية في عالم الامر المفعولي و معني في العالم العقلي و رقيقة في العالم الروحاني و صورة جوهريّة في العالم النفسي و طبيعة في العَالم الطبيعي و ذَرّة في العالم الهيولاني و صورة في العالم المثالي و جسمٌ في العالم الجسماني مختلف المراتب و لاجل ذلك قال تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و قال فمن ثقلت موازينه فاخبر بكثرة الخزاۤئن و الموازين للشيء الواحد و كلُّ واحدٍ من هذه المراتب فهي علم اللّهِ سبحانه بها من زيدٍ و في كل رتبة منها و امثالها يكون العلم عين المعلوم و قد اشار تعالي لاهل الاشارة الي ذلك بقوله تعالي قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربّي في كتابٍ لايضلّ ربّي و لاينسي و بقوله قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ فعلمه بذاته هو ذاته لفظا و معني و علمه بما سواه هو ما سواه فذواتهم علمه تعالي بذواتهم و صفاتهم علمه تعالي بصفاتهم و كما لايوجد ما سواه في ذاته لايوجد علمه تعالي بهم في ذاته و اذا نفيتَ عنه تعالي الزمان و نسبته و مدده و نفيتَ الاستقبال ظهر لك انه لميكن خلواً من ملكه في ملكه و كانت ذاته خلواً من ملكه في ذاته و ليس خلواً منه في خارج ذاته اعني الامكان كل شيء في مكانه و وَقْتِهٖ من الامكان فكان في ازله عالماً بكل شيء منها حين [ص 165] كان بما به كان قبل ان يكون عند نفسه و عند من سواه من ٱلحوادِثِ و تفهم هذا اذا رفعتَ الانْتظار و الاستقبال عن مقام اَزلِ الٰازال سبحانه و تعالي ظهَر لَكَ ما اَشرْنا اليه من العلم المستفاد بيانه كما سمعتَ من مذهب ائمتنا عليهم السلام و امّا هؤلاۤء القاۤئلون بانه صُوَر الاشياۤء المرتسمة بذات الحق تعالي فقد اخطأوا الصّواب و طلبوا الرِّيَّ من السراب انّ الصور حوادث و لايكون الذات محلّا للحوادث مع ما ذكرنا مكرّرا انّ كل ما يكونُ ذكرا للحادث فهو حادث سواۤء كان صورةً ام غيرها و لذا منعنا ان يكون تعالي ذاكراً لها في الازل لانّ كل ما له بها نسبة او ربط او تعلّق او مطابقة او شيء من انواع الذكر وَ التعلّق فهو حادث و انّما هو سبحانه ذاكر في الازل لها في الحدث بما هي مذكورة به في تحقُّقٍ ما فالصور لاتكون الَّا حادِثة سواۤء كانت بهندسةٍ و حدودٍ حسّيّة ام معنويّة و لاتكون الّا متغايرةً و مغايرة للذات و ثبوت التغايُر في التحقق و الخارج او في الذهن و التعقل او في الفرض و الاعتبار دليل الحدوث و صدورها عن علمه لايستلزم كون ما صَدرتْ عنه قديما بل يكون حادثاً يصْدر عنه الحادث فانّك تحدث في نفسِكَ عزماً تحدِثُ به امراً و كذا كونه تعالي تام الايجاد و الفاعليّة لايستلزم ذلك و كون قوله و كلامه هو تعقّلهُ للاشياۤء موجب للتشبيه و الحدوث لانه سبحانه لايهمّ و لايروّي و لايفكّر و لايتصوّر و لايتعقّل لان هذه صفات المخلوقين و قول ان تعقّله تابع لارادته الذاتية باطل لان التّابع في صفةٍ حادثة لشيء شاهد بحدوثه و حدوث متبوعه و لا ارادة ذاتِيّة للحق سبحانه لان الخلق لميصلوا الي الازل حتي يخبروا بما شاهدوا من وجود ارٰادة ازليّةٍ له و لا اخبرهم بذلك و ليس له نظير و ندٌّ ليخبروا عنه بما في نظيره و ندّه و انّما يعرف من جهة [ص 166] ما يصف به نفسه و هو تعالي خاطب العباد علي لسان نبيّه و السنة اوصياۤئه و خلفاۤئه صلّي اللّه عليه و عليهم اجمعين و ائتمنهم علي سرّه و امرهم ان يؤدّوا الي عباده جميع ما اراد لهم من الهداية و اخبروا عليهم السلام بانه عزّ و جل ليس له ارادةٌ هي ذاتُه و ليست الارادة علماً له و انّما هي فعله لا غير فمن زعم انّ للّهِ ارادة ذاتيّة هي ذاته و علمه تعالي فقد تقوّل علي اللّه سبحانه و وصفه بما منع من اَنْ يُوصَفَ به و قد تقدّم ما رواه الصدوق في توحيده عن الرضا عليه السلام انه قال المشية و الارادة من صفات الافعال فمن زعم انّ اللّه لميزل مريداً شاۤئِياً فليس بموحِّدٍ ه ، و القاۤئلون بارتسام الصور ان قالوا باتّحاد العلم بالمعلوم لزمهم كون ذاته تعالي محلاً لذواتِ الاشياۤء و هو افضع ( افظع ظ ) من القول بالمغايرة و ان كان ايضاً باطلاً .
و امّا المذهب الثاني و هو القول بوجود صور الاشياۤء في الخارج كما تقدّم فان ارادوا بها المُثُل الافلاطونية بمعني ان الصور الخارجيّة قاۤئمة بذواتها منفصلة عنه و عن الاشياۤء اي المعلومات فهو باطل بارادة العلم القديم لان القديم لايكون خارجا عن الذات و لا صورا متغايرةً و لو ارادوا العلم الحادث كان صحيحاً ليس فيه الّا مغايرة العلم للمعلوم .
و امّا المذهب الثالث و هو القول باتّحاده تعالي مع الصور المعقولة له و هو المنسوب الي فرفوريوس و اتباعه و ظاهر كلام المصنف اختياره حيث قال في الكتاب الكبير و امّا المنسوب الي فرفوريوس فقد بالغ الشيخ الرئيس و من تأخّر عنه الي يومنا هذا في الردّ عليه و تزييفه و تسفيه عقل قاۤئله كما يظهر لمن تصفّح كتب الشيخ كالشفاۤء و النجات و الاشارات و كتب الشيخ الاشراقي كالمطارحات و حكمة الاشراق و التلويحات و كذلك كتب غيرهما ككتاب بهمنيار المسمّي بالتحصيل و كتب المحقّق [ص 167] الطوسي و الامام الرازي و غير هؤلاۤء من اللّاحقين و قد تكلّمنا في هذا المقام في مباحث العاقل و المعقول من الفن الكلّي بما لا مزيد عليه و مَن اراد الاطّلاع علي كيفيّة هذا المذهب و حقيّته و دقّتِه و لطافته فليراجع الي ما هناك حتي يظهر له علوّ مرتبة قاۤئله في الحكمة و رسوخه في العلم و صفاۤء ضميره بشرط ان يكون ممن له قوّة خوضٍ في العلم و شدّة غورٍ في التّفكر و ذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاۤء انتهي كلامه ، و ذلك لموافقتِه له في اتحاد العاقل و المعقول و قد بيّنّا بطلان القوْل باتّحاد العاقل و المعقول في شرح المشاعر و انه يلزمه اتّحاد العالم بالمعلوم كما هو مراده بهذه العبارة فيكون غير الصور المجردة من ساۤئر المعلومات المادّية ٱلزمانيّة اَمّا انّها غير معلومة او انّها في ذاته متّحِداً بهَا و ما ذكره المصنف من رد المشائخ علي فرفوريوس و تسفٖيه رأيه فهو في محلّه و لكن كما قال الشاعر : و عينُ الرضي عن كلِ عيبٍ كليلةٌ ، و كيف لايكون ما قالوا في الرّد عليه صحيحاً و هو يثبت صُوَراً و لاتكون الّا متمايزة متغائرة باي فَرْضٍ اعْتُبِر و يجب ان تتميّز من الذَّاتِ و لو عنده تعالي بان يعلم انّ في ذاته صُوراً غير ذاتِهٖ هي صور غيره فان علم ذلك وجب ٱلتَّغاير و ٱلتَكثّر و اعتبار الاتّحاد بحيثيّةٍ او ملاحظةٍ ما ينافي الوحدةَ الذّاتيّة و البَساطةَ الحقّيّةَ و ان لميعلم ان في ذاته و حقيقته شيئاً مغائراً كان الحكم بوجود صورٍ و باتّحادِها ضلالاً مبيناً علي ان قوله مع المصنّف و اتباعهما بانا نريد بالاتّحاد غير ما يفهمونه عامة الناس غلط و مغالطة لانّهم يدّعون علي النّاس انّهم مايفهمون من الاتّحاد الا الامتزاج و هو غير مرادٍ بل مرادهم شيء آخر مايعرفونه الّا الخواۤصّ و هذا من تعظيم الحقير بابهامه و الّا فانهم يريدون به كاتّحاد الشجرة مع اغصانها فان الاغصان و ان تمايزت و تشخّصت في انفسها لكنها [ص 168] غير متمايزة لا في انفسها و لا في الشجرة اذا قلتَ الشجرة و اردتَ بها الكلّ من حيث هي شيء واحدٌ اذ ليس شيء غير الشجرة و هذا الاتّحاد اسوء حالاً من الاتّحاد بالامتزاج لان المغايرة اضمحلّت بالامتزاج و هي باقية بذلك الاتّحاد المدّعي فبالامتزاج اقرب للبساطة مما بالفرض و الاعتبار فان قلتَ ان في ما هو بالامتزاج مفاسد منها ان ما هو غير الذات يلزم منه انقلاب الحقاۤئق ان كانت الصور حادثة الي قدم الكل او حدوث الكلّ و افتقار الغَنِي الي الاَجْزاۤءِ اِنْ كانت قديمة و منها اختلاف الحالات و منها الامْتزاج فانّه من صفات الخلق بخلاف ما هو بالاعتبار قلتُ هذا صحيح فيما بالامتزاج و من ثم انكرنا الكلّ الامتزاج و الاعتبار امّا الامتزاج فلمثل ما قلتَ و امّا ما بالاعتبار فاوّل ما فيه انه لايغيّر الشيء عن حكم ما هو عليه في نفس الامر فانّك اذا اعتبرتَ ان شيئا موجوداً معدوم اوْ بالعكس او ان الفقير غني او بالعكس او ان القديم حادث او بالعكس لميكن ما اعتبرتَ مما هو خلاف ما هو عليه و ثانيا انك بعد ان عرفتَ ان الاعتبار لايغيّر ما هو الواقع كنتَ في كلّ احوالك منكراً للتوحيد و لانعني بالشرك الذي لايغفره اللّه الّا هذا و نحوه و ليس هذا الشِّرك اللّازم من هذا ممّا يخفي حتي يحتمل التسامح فيه فيكون ما يلزم من الاعتبار اقبح مما يلزم من الامتزاج و ان كانا من نوع واحد الّا ما من الامتزاج قد يخفي في بعض الصور علي بعض الناس فربّما لاينافي مطلق العفو .
و امّا المذهب الرابع و هو ما ذهب اليه افلاطون علي ما نقل عنه من كون علمه صُوراً منفصلةً عن ذاته و عن الاشياۤء و هي المثل بضم الميم و الثاۤء اي مثل الاشياۤء فهي قديمة بها علم الاشياۤء الحادثة فلايكون جاهلاً لقدمها و منفصلة عنه فلايكون مركبا منها و عن الاشياۤء فلايتصل القديم [ص 169] و الحادث و نقل كثير من العلماۤء ان افلاطون اجل قدراً من ان يريد هذا المعني المعروف و انّما يريد بالقدم القدم الامكاني و كأنه اشار الي علمه الامكاني الذي لايحيطون بشيءٍ منه الّا بما شاۤء كونه من الممكنات و انه جعلها في العنصر الاوّل انّها في الكتاب الاوّل الذي هو خزانة الاكوان او الامكان و هي منفصلةٌ عن ذاته لانها من جملة مخلوقاته و منفصلة عن خلقه لانّه خلقها و جعلها علّة لمن هو دونها و علي هذا التوجيه يكون الكلام صحيحاً و اِنْ اُريد به العلم الازلي الذي يحكم اهل التوحيد بانه عينُ ذاتِ الله سبحانَهُ فهو باطل لانّ الحكم عليه بالانفصال عن الذّاتِ مع قدمه موجب لتعدّد القُدَماۤءِ و بالانفصال عن الاشياۤء تثليثٌ للقِسْمةِ بان يكون شيء ثالث لا خالق و لا مخلوق و ليس علي حدّ الركن من الجملة الواحدة كما قال الصادق عليه السلام لحمران بن اعين في العلم من كماله كيدك منك ه ، لان اليد غير منفصلةٍ و قوله فيما نقل من مذهب افلاطون و المثل العقليّة لايريد العقل الامكاني علي ارادة العلم الازلي و انّما يريد به تعقّل الحقّ سبحانه للاشياۤء الذي هو عبارة عن قوله كن فان هذه الكلمة التاۤمّة هي وقوع ارادته علي المراد و الارادة هي ذاته تعالي هذا قول المصنف و هو خطأ بل الحق اَلّايقال تعقّله تعالي اذ لايصحّ الاخبار بالتعقّل عنه و اذا قيل فالارادة الحق منه ان معني التعقّل ايجاد معقوليّة الشيء المعقول و هو عبارة عن قوله و كلمته التاۤمّة التي هي نفس ارادته و هي المعبر عنها بكن و قوله و انها علوم الهية بها يعلم الله الموجودات كلّها صالح بظاهره للمصنف و لَنَا مع اختلاف الارادتين .
و امّا المذهب الخامس مذهب المعتزلة فهو قولهم بثبوت الاشياۤء المعدومة في الامكان لانهم يفرقون بين الوجود و بين الثبوت و عندهم ان ثبوتها [ص 170] في الامكان ازلي و كذا قالت الصوفية بثبوت الاشياۤء قبل وجودها ثبوتا علميّاً لا عَيْنِيّاً و الحقّ ان القول في الثبوت و الوجوب و القدم و عدمه في هذه الاشياۤء المشار اليها هو ان الثبوت الذي يريدون به مغايرة الوجود معني اصطلاحي و الانسب فيه ان يقال كان الله سبحانه و لا شيء و انما هو وحده ثم خلق المشيّة بنفسها يعني بها الفعل اي خلق الفعل بنفسه ثم خلق الامكان و ما فيه من الممكنات علَي وجهٍ كلّيّ و هي الاشياۤء الثابتة اي الموجودة بالوجود الامكاني ثم اوجدَها بالوجود الكوني و هي صور علمية بالاشياۤء امكانية في وجودها الامكاني و صور علمية اي ذوات و صفات علمية بالاشياۤء كونية في وجودها الكوني ففي الرتبة الامكانية خلقها عز و جل كذلك و هي الخزاۤئن التي لاتنفد ثم خلقها في الرتبة الكونية و هي الخزاۤئن المحتاجة في حصولها و في بقاۤئها الي المدد من الخزاۤئن الامكانية فالمعدومة في الامكان موجودة بالوجود الامكاني الذي يقع علماً و معلوماً بخلاف المعدومة بالعدم الامتناعي فانها ليست شيئا و لايقع علماً و لا معلوماً و ليس لها لفظ و انّما اللفظ المستعمل فيما يتوهم انّه منها و هو ممكن اذ لايكون لفظ الّا بازاۤءٍ ممكن موجود امّا في الامكان و اما في الاكوان فلايكون بازاۤء القديم تعالي و الّا لزم الاقتران و الازاۤء اللذان هما من صفات الحوادث و لايكون بازاۤء الممتنع علي ما يريدون لانه ليس بشيء و انّما يعبّر به عمّا يتوهمونه و ان كان انّما يذهبون الي الممكن لانهم يتصوّرونه و الممتنع لايمكن تصوّرهُ و انما يتصوّرون ممكِناً يُسَمُّونه ممتنِعاً و لو اطلقنا علي هذه الممكنات الثابتة في الامكان الذي هو من جملة ما خلق سبحانه القدَم فنريد به القدم الامكاني او اللغوي و هو السابق او الشرعي و هو ما كان له ستة اشهر فصاعداً و امّا القدم الذي هو المعني الاصطلاحي فهو ذاتُ الله سبحانه [ص 171] بلا مغايرة في حالٍ و من اعتبر المغايرة سواۤء كانت في نفس الامر ام في الخارج ام في الذهن ام بالفرض و الاعتبار و ان كان بالمفهوم فانّه ماعرف القدم المعلوم و كذا الازل عز و جلّ فبهذا المعني و هذا التأويل يكون قولهم صحيحا و حقّا و الّا فهو باطلٌ عاطلٌ و قول الصوفيّة بثبوت الاَشْياۤء قبل وجودِهَا ثبوتاً عِلْميّاً لَا عيْنِيّاً عَلَي ظاهِره صحيح في الثبوت قبل التكوين الّا انّه علي نحو الامكان امّا عَلي نحو القدم فليس بصَحيحٍ و امّا كونها علوماً لا اعيانا فيصحّ علي الظاهر و امّا في نفس الامرِ فهي علوم و هي اعيان و هي صفات و هي علل و هي معلولات و هي ادلّة و هي مدلولات و كذلك ساۤئر الخلق كلّ شيء في هذه الاعتبارات بحسب رتبته من الوجود الكوني .
و امّا المذهب السادس فهو القول بان ذاته تعالي علم اجمالي بجميع الممكنات فاذا عَلِمَ ذاته عَلِمَ كلّ شيء بعلمٍ واحد و هذا العلم الاجمالي سابق علي الاشياۤء لانه ذاته و ذاتُه سابقةٌ علي كلّ شيء و له تعالي علم تفصيلي بالاشياۤء مقارن لها في التّحقُّقِ و بعض اهل هذا القول جَعَلَ ذاتَهُ علماً اجماليّا بالاشياۤء كلّها و بعضهم جعل ذاته تعالي علماً تفصٖيليّاً بالمعلول الاول و اجماليّا بما سواه و هذا المذهب بجميع شقوقه متهافتٌ منافٍ لقواعد التوحيد و ضوابط القدم فان من جعل ذاته علماً اجماليّا بالاشياۤء او بالمعلول الاوّل او بما سواه يلزمه ان تكون ذاته غير عالمةٍ بالتّفصيليّة و التجاۤؤهم الي الاجمال فراراً مِن تغيّر العلم اذا تعلق بالجزئيّة الزمانية و التفصيليّة ثم تغيّرت بعد التّعلّق بخلاف ما اذا كان التعلّق علي وجه كلّي و وقعوا في ما يلزمهم من تبْعيض العلم و جعله عضين فان من جعل الذات اجماليّا في كل الاشياۤء اخرج منه جهة التفصيل و مَن جعله اجماليا بالمعلول الاول اخلي من العلم تفصيله و اجمال ما سواه و من جعله اجماليا بما سوي [ص 172] المعلول الاول اخرج تفصيله و اجمال الباقي فلايكون علمه عاۤمّاً لكلّ شيء مع تكثّر ذاته بتكثّرِ متعلّقاتها و اختلافها و قوله فاذا علم ذاته علم كل شيء يشير به الي ان الاشياۤء لوازم ذاته و يلزم من العلم بالملزوم العلم باللازم و فيه مع انّ اللازميّة و الملزوميّة و اللزوم صفات ٱلخلق تكثر جهاته و اختلاف اعتباريّاته فانّ العلمَ باللّازم لازم للعلم بالمَلْزُوم لا نفسه و الاجمالي المقدّم عليها مقدّم علي التفصيلي المقارن لها و مغاير له .
و امّا المذهب السابع و هو القول بان ذاته تعالي علم تفصيلي بالمعلول الاول و اجمالي بما سواه و ذات المعلول الاول علم تفْصيلي بالمَعْلول الثاني و اجمالي بما سواه و ذاتُ المعلول الثاني علم تفصيليٌّ بالمَعْلُول الثّالث و اجمالي بما سواه مما بعده و هكذا و يلزم هذا القول ما يلزم ما قبله و كون معلولاته علماً ذاتيّاً لَهُ قَدٖيماً مع حدوثِهٖ اذ المعلولات حادثة و كلام صاحب هذا المذهب في علمه الذي هو ذاته فمعلولاته و معلولات معلولاته علي اختلافها و اختلاف اطوارها في الاجمال و التفصيل و التقدم و التأخر و العلّة و المعلوليّة هي علمه الذي هو عين ذاته فانا
ايّ شيء اقول يا ابنَ وُدّي ما لهذا القول شرحُ (كذا)
عافانا اللّه من هذه الامراض المزمنة و الحاصل انّ المذاهب ما سمعتَ ذكرها بالاشارة فالاوّل ما اشتهر عن معلّم الفلاسفة بانه صور الممكنات كما تقدّم و حصولها في ذاته حصولاً ذهنيّا جارياً علي اصلهم في ثبوت الوجود الذهني بان الاشياۤء توجد في الذهن بذواتها و حقاۤئقها معرّاة عن العوارض الخارجيّة لا باشباحها و امثالها كما ذهب اليه بعض مشاۤئخ الصوفيّة كابنعربي و غيره و الثاني ما ذهب اليه الرواقيون و المحقق الطوسي و الشيخ المقتول و من حذا حذوهم كما تقدم بانه صور الاشياۤء في الخارج و كلٌّ علي اصله في الثبوت فمنهم من نفي الوجود [ص 173] الذهني و انّ ما يُرَي في الذهن هو ثابت بحقيقته في الخارج الّا انها معدومة كالمعتزلة و منهم من اثبت الوجود الذهني في الحادث و نفاه في القديم و اثبت هذه الصور في خارج الذات صوراً علميّةً هي عين ذوات الممكنات فمنهم من جعل ذلك علمه بها القديم و منهم من جعل ذلك علمه الحادث و هذا مذهب ائمة الهدي عليهم السلام و امّا ما توهّمته الاشاعرة كما ذكره المصنف في المتن من انَّ الْعِلْمَ قديمٌ و لميتعلّق بممكنٍ الّا وقتَ حُدُوثِهٖ فاعلم انّ ظاهر كلام المصنّف انّهم يزعمون انّ العلم الازلي مع تحقّقه في نفسه بما هو علم اذا وجد الممكن ارتبط به امّا انّه قديم فظاهر فان صفة القديم من حيث هو قديم لاتكون حادثة و الّا لكانت حيثية القدم حادثة فيكون امّا حدوث القديم او الحيثيّة ليست له و امّا انّ العلم لايتعلّق بالممكن الّا وقتَ حدوثه فهو خلافُ ما يعرف من مذهب الاشاعرة لان المعروف من مذهبهم انه سبحانه خاطب المعدومين و كلفهم و اَمرهُمْ و نهاهُمْ وَ مَعْلُوم من هٰذَا انّه علمهم حين كلّفهم فكيف لايتعلّق علمه بهم الّا وقت وجودهِمْ هذا خلاف المعروف من مذهبِهمْ و علي هذا لو صحّ عنهم فلا عيبَ فيه لانّ العلم القديم لاتصحّ نسبة التعلق اليه و لو صحّ فلا عيبَ فيه مثل بصرك فانه موجود و ان لميوجد مرئيّ فاذا وُجِد المرئيّ تعلّق بَصرك به و كذلك سمعُك هو موجود قبل وجود كلامٍ فاذَا وُجِدَ كلام تعلّق به و كذلك العِلمُ و لو تعلّق بما لميوجد له كان جهلاً لا علماً فلو قيل بان علم اللّه القديم لايتعلّق بالممكن الّا بعد وجودِهٖ عنده لكان حقّا و هذا هو مذهب الحقّ و قد تقدّم حديثُ الصادق عليه السلام كان اللّه ربّنا عز و جل و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلمّا احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر [ص 174] علي المبصر و القدرة علي المقدور ه ، و هذا ظاهر لا اشكال الّا في شيء و هو نسبة الوقوع و التعلق و ما اشبههما الي القديم و هو ممتنع لان ذلك من صفات الممكنات فلا بدّ لَنا من التّأويل و هو انّ العلم القديم هو السّابق علي المعلوم و امّا الوقوع و التعلق و المطابقة و ما اشبهها فالمراد بها العلم الحادث المساوق للمعلوم و لمّا كان في حقيقته اثراً من فعلِ القديم نُسِبَ اليه فقٖيلَ وقع علي المعلوم اي تعلّق اثر فعله بالمعلوم كما مثّلنا من تقدّم وجود سمعك علي كلام زيد فلمّا تكلم وقع سمعك اي سماعك و ادراكُك لكلامه و هو اثر سمعك الذي هو انت في قولي انت السميع و ادْراكك للكلام سَمْعٌ حادثٌ بحدوث الكلام و هو معني فعليٌّ اشراقي فتعلّق علم الواجب تعالي بالممكن حين وجوده لان هذا التعلّق اشراقي فهو من الذاتي كالنور من المنير و كالصورة التي اذا وضعت المرءاة مقابلة للشخص انطبعت فيها و قد ذكرنا الصورة مراراً متعددة و قلنا بانّها من المقابل للمرءاة اشراق و ظلّ منفصل فالاشراق المنفصل القاۤئم بالصورة المتّصلة و هي التي في المقابل قيام صدور هو مادة الصورة التي في المرءاة و صورتها هيئة المرءاة و معني كونها منفصلة انها قاۤئمة بما في الشخص قيام صدورٍ و ليست هي صورة الشخص المرئيّة فيه لان هذه لاتتغيّر بتغيّر المرايا لقيامها بالشاخص قيام عروض و التي تقع في المرءاة تتغيّر بتغيّر المرايا فهي منفصلة منه كالكلام من المتكلّم و كالنور من المنير فهي اشراق فعلي من الصورة القاۤئمة بالشاخص تظهر بظهور المرءاة و تذهب بذهابها و هي اية العلم بالمعلومات الحادث بحدوثها اعني تعلّق الذاتي و اشراقه فكما ان شرط ظهور اشراق النور من المنير وجود الكثيف المقابل و شرط ظهور الصورة من الشخص وجود المرءاة كذلك شرط تحقّق هذا العلم الاشراقي الذي [ص 175] هو تعلّق العلم الذاتي بالممكنات حين وجودها وجود الممكن المعلوم اي حضوره للعالم الحق و البسيط البحت بما به هو و ما به هو هو ظهور الحقّ تعالي به له و هو كنه المعلوم و كنه المعلوم هو ظهور الحقّ بذلك المعلوم لذلك المعلوم مثلاً حقيقة زيدٍ هي ظهورُ الله سبحانه لزيدٍ به و ظهوره سبحانه لزيدٍ به اشراقٌ فعلي لا ذاتي لانه لو كان اشراقاً ذاتيّاً لكان زيدٌ قديماً و لكنه اشراقٌ فعْليّ يعني انه لمّا اراد ان يتعرّف الي زيدٍ ليعرفه وصف نفسه سبحانه لزيد و ذلك الوصف هو حقيقة زيد و نفسه التي من عرفها عرف ربّه و ذلك انه تعالي نقش زيداً علي هيئةِ معرفته نقشاً فهْوانيّاً يعني خاطبه به علي جهة المكافحة و لا شك ان احداث ذاته اشراق فعليّ و تلك الذات المحدثة هي المُتَجلَّي بها لها و هي النور الاشراقي و كان زيدٌ قبل هذا الاحداث غاۤئباً لميكن مذكوراً بالذكر الكوني ثم حضر بما هو به هو فنفس حضوره هو ما به هو و هو المتجلّي به و هو العلم به و هو اشراق فعلي صدر عن علمه تعالي الَّذٖي هو ذاته صدوراً اشراقيّاً فعلِيّاً لا ذاتيّا فافهم فقد ردّدتُ و كرّرت بما خرجْتُ به عن تهذيب العبارة و عن المقصود لتفهم المقصود و امّا ما تجشّمه و اقتحمه بعض المتأخرين من امر العلم الاجمالي في الذات او بالنسبة الي بعض المعلومات او كُلُّهَا فقد اشرنا قبل هذا الي بطلانه .
و اعلم انّ هنا مذاهب عجيبة كثيرة منها انه تعالي لايعلم الامور المستقبلة و شبّهوه بكونه مدركاً قالوا كما انه لايدرك المستقبلات فكذلك لايعلم المستقبلات و هو قول لبعض العاۤمّة و نسبه الي هشام ابن الحكم و من اطلع علي كلمات هشام بن الحكم و احتجاجاته عرف بان هذه النسبة افتراۤء و كذبٌ و منها انه لايعلم الامور الحاضرة و شبّهوه بكونه قادراً قالوا كما [ص 176] انه لايقدر علي الموجود فكذلك لايعلم الموجود و نسب ابنالراوندي هذا القول الي معمّر بن عبّاد احد شيوخ الاشاعرة و منها انه تعالي لايعلم نفسه خاۤصّة لعدم تناهيها فلايُحَاط بكنهها و يعلم ما عدا ذاته و نسب ابنالراوندي هذا القول الي معمّر بن عبّادٍ ايضاً فقال انه يقول انَّ العالم غير المعلوم و الشيء لايكون غير نفسِهٖ و منها انّه تعالي لميكن فيما لميزل عالماً بشيءٍ اصلاً و انّما احدث لنفسه علما عَلِمَ به الاشياۤء و نسب هذا القول بعض العاۤمة الي جهم بن صفوان و منها انه تعالي لايعلم كل المعلوماتِ علي تفاصيلها و انما يعلم ذلك اجمالاً و هؤلاۤء يسمّونهم المسترسليّة لانهم يقولون يسترسل علمه علي المعلومات اجمالاً لا تفصيلاً و هو مذهب الجويني من متكلمي الاشعريّة و منها قول مَن قال انه يعلم المعلومات المفصّلة ما لميفضِ القولُ به الي محال و زعموا ان القول بانه يعلم كل شيء يفضي الي المحال و هو ان يعلم و يعلم انه يعلم و هلمّ جرّاً الي ما لا نهاية له و كذلك المحال لازمٌ اذا قيل انه يعلم الفروع و فروع الفروع و لوازمها الي ما لا نهايةَ له قالوا و محال اجتماع كل هذه الغير المتناهية في الوجود و هذا مذهب ابيالبركات البغدادي صاحب المعتبر و منها قول من زعم انه تعالي لايعلم الجزئيّات الشخصيّة و انّما يعلم الكليات التي لايجوز عليها التغيّر كالعلم بانّ كل انسانٍ حيوان و يعلم نفسه ايضا و هو مذهب ارسطو و ناصري قوله من الفلاسفة كابنسيناۤء و غيره و منها قول من زعم ان الله تعالي لايعلم شيئا اصلاً لا كلّيّا و لا جزئيّا و انما وُجِدَ العالم عنه لخصوصيّة ذاته فقط من غير ان يعلمه كما ان المغْناطيس يجذب الحديد لقوة فيه من غير ان يعلم بالجذب و هذا قول قومٍ من قدماۤء الفلاسفة و غير ذلك من المذاهب الباطلة و يمكن الاستدلال لهذه الاقوال بادلّة بعض من تقدّم من المذاهب السابقة [ص 177] و لا فاۤئدة فيها .
قال : ثم ما اشدَّ في السخافة قول مَن زعم انّ هذه الصُّوَرَ الماۤدّية مع انغمارها في المواۤدّ و امتزاجها بالاعدام و الاغشية و الظلمات اللازمة للامكنة و الازمنة و الاوضاع صُوَراً علميّة حاضرة عنده تعالي حُضوراً عِلميّاً و البرهان قاۤئم علي ان هذا النحو من الوجود الماۤدّيّ وجود ظلماني محتجب بنفسه عن نفسه و هو بحسب هذا النحو حضوره لذاته عينُ غيبة ذاته عن ذاته و جمعيّته عين افتراقه و وحدته عين قوّة كثرته و اتّصاله عين قبول انقسامه .
اقول ما اشدَّ سخافةَ قولِ المصنّف في الردّ علي هؤلاۤء فانه بعد اعترافه بانه تعالي بكلّ شيءٍ عليمٌ و انّه خالقُ كلِّ شيءٍ و انه يعلم مَنْ خلق فما يقول في هذه الصور المادّية مع ما هي عليه من انغمارها في المواۤدّ و امتزاجها بالاعدام و الاغشية و الظُلمات اللازمة للامكنة و الازمنة و الاوضاع فان قال كَانت شيئاً فاللّه سبحانه خلقها و الخالق يعلم خلقه و لاتكون ماۤدّيتها و كثافتها مانعة من كونها معلومةً كما انها لاتمنع من ان تكون محدثة و ان كان الفعل ما في الامكان ما يساوي تجرّده و لطافته فكما ان فعل الله الذي هو مشيّة الله سبحانه و ابداعه يتعلّق بالمادّيات بواسطة اسبابها من الغيب و الشهادة علي الترتيب الطبيعي كذلك يتعلّق بها العلم الامكاني بواسطة تلك الاسباب هذا علي قول غيرنا و اما علي قولنا من انّ العلم عين المعلوم فبالطريق الاولي و كلّ شيء من تلك الاسباب المتوسطة علم بنفسه و كلّها اشراقي فعلي و ترتّب وضع الاشراقات فيها كترتب الاشعة المتعددة المراتب بالنسبة الي منيرها فان الشمس مشرقة علي الجدار و علي مقابله بواسطة اشراقها علي الجدار و علي مقابل مقابله بواسطة المقابل الاوّل و هكذا و كلها [ص 178] اشراقات لِلشمس و ان كان بعضها بواسطة بعضٍ فكذلك العلوم الاشراقية فان العلم بعقل الكلّ مثلاً اشراق بواسطة الحقيقة المحمديّة و هي مع الفعل و بالنفس الكلية بواسطة عقل الكل و بطبيعة الكل بواسطة نفس الكل و بجوهر الهباۤء بواسطة طبيعة الكل و هكذا نزولاً مترتّباً الَي الثّري كلّ واحدٍ علم و معلوم بتوسطه علّته في العِلميّة و المعلوميّة و كلّها اشراقي بواسطةِ اشْراقيٍ فانبساط العلمِ بها عليها نفسُ انبساط الايجاد عندهم و بانبساط الايجاد عندنا و الاعدام و الاغشية و الظلمات ربما صُوِّرَتْ و كوّنت به كالمجرّدات حاضرة عنده سبحانه حضوراً علميّاً و معلومِيّاً كلّ في مكان حدوده و زمان وجوده حاضر عنده تعالي بما هو به هو من كونه في تكوينه فايْن سخافة هذا القول و البرهان القاۤئم يقعد و يقوم البرهان الحقّ و ذلك انّ البرهان الذي ادّعي قيامه علي انّ هذا النحو من الوجود الماۤدّي يعني الصور الماۤدّية و الاجسام العنصريّة وجود ظلماني الخ ، يقعد قعود انقطاع و تهافتٍ و يقوم البرهان الحقّ علي خلاف لازم القاعدِ بان العلم امّا صورة المعلوم او ذات المعلوم فان فرض انه صورة المعلوم و صفته لميكن في كون صفة الكثيف و صورته كثيفةً بأس بوجه اذِ الحكمة الالهيّة تقتضي كون الصفة وصف الموصوف و اتّصافه بما هو عليه في نفسه من لطافةٍ او كثافةٍ فلو فرض كون صفة الموصوف الكثيف لطيفةً او الموصوف الطويل عريضةً او بالعكس فيهما او الابيض سوداۤء او بالعكس لمتكن تلك الصفة صفة و لا الموصوف موصوفا بها و لو كانت صورة العلم بالابيض سوداۤء لمتكن علما به من هذه الحيثيّة و لو كانت صورة العلم باللطيف كثيفةً او بالعكس لمتكن علماً به كذلك بل يجب ان يكون العلم مطابقاً للمعلوم في جميع ما هو عليه و الّا لميكن علماً بذلك المعلوم و اذا كان الحكم علي الصور العلميّة بانها خارجة عن [ص 179] الذات فلا بد من كون صورة العلم بالطويل طويلة و بالقصير قصيرة و باللطيف لطيفةً و بالكثيف كثٖيفةً و امّا انّ المناسب للعلم ان يكون مجردا او لطيفا فانه يجري في المناسبة و في التعلق و غيرهما مجري الفعل كما قلنا سابقا فكما ان الجسم الكثيف صدر عن فعلِ اللّه الذي ليس في الامكان الطف منه و لا اشدّ تجرّدا كذلك يتعلّق العلم به الذي هو فرع علي الفعل في جميع احواله فيكون مثل الفعل في التعلق بالوساۤئط و عدمها فكما ان الجسم الذي هو ابعد الماديات قاۤئم بالفعل قيام صدور هو و جميع اسبابه كذلك يكون تعلّق العلم به اي علي نحو تعلّق الفعل به هذا اذا لمنقل بكون العلم عين المعلوم اما اذا قلنا به كما هو الحق فلا شبهة في صحة كون الماۤدّية منه مطلقا و الّا لمتكن معلومةً اذِ العلم به حضوره بما هو به هو و انّما هو حضورُه بما هو به هو و ما هو به هو هو ما هو عليه من الكثافة و الظلمة و ما اشبههما .