و قوله « لا كما تقوله الاشاعرة ، الخ » اعلم ان الناس اختلفوا في صفاته تعالي فاتفقت الاشاعرة علي انّ للهِ صفاتٍ موجودةً قديمةً قاۤئمةً بذاته و اثبتوا قدماۤء مع اللّه تعالي قاله شارح المحصّل للرازي اقول و هي الحيوة و العلم و السمع و البصر و القدرة و الارادة و الكراهة و الادراك فتكون القدماۤء مع الذات تسعةً ، و قال شارح المحصّل ذهب عبداللّهِ بن سعيدٍ من اصحابنا و الشيخ ابوالحسن الاشعري اوّلاً الي ان القدم صفة زاۤئدة علي ذات القديم فيكون قدم الله تعالي صفة زائدة علي ذاته انتهي ، و اثبتَ الاشعري اليَدَيْن صفة قاۤئمة بالبارئ سبحانه و كذا الوجه من غير تجسّم فجعلوا القدماۤء كثيرة و قالوا قام الاتفاق علي نفي قديمٍ ليس هو ذاتَ اللّهِ تعالي و صفاته بما هو مقرّرٌ في اَدلّة التّمانع و امّا ذاتُ اللّه فهي قديمةٌ لِوُجوبِ وُجُودِها الذَّاتي و امّا صفاته فهي قديمة غير مستقلّة بنفسها بل مستندة اليه لانها عندهم معانٍ له تعالي قديمة و هي مبادي المحمولات علي ذاته و لهذا لايضرّ تعدّدها و قدَمها لانّ ادلّة التّمانع لاتدلّ الّا علي نفي الٰهَيْن قادِرَيْنِ عَلَي الاِسْتقلالِ و لاتدلّ عَلَي نفي صفاتٍ للذات الواحدة لانها من حيث مفاهيمها المتعدّدة كمالات للذات الواحدة و ادلّة التمانع لاتدلّ علي نفي كمالات الذات و ان كانت متغايرة و امثال هذه الكلمات الباطلة فانّ ادلّة التّمانع مبنيّة علي فرض قديم مغاير و ٱلصفة الّتي يدّعونها ان كانت مغايرة للذات في الازل لزمها حكم القديم [ص 126] المغاير الذي يصحّ عليه التمانع و تصدق عليه ادلّته و مع ذلك فلمتنحصر ادلّة التوحيد في ادلّة التمانع بل تكون في دليل الفرجة الذي ذكره الصادق عليه السلام و في دليل الحكماۤء الذي يلزم منه التركيب ممّا به الاشتراك و ممّا به الامتيَاز و ان لمتكن مغايرةً للذات فهو العينيّة التي بُنِيَ عليهَا حُكم ٱلتّوحيدِ عند اهل التّوحِيدِ عليهم السلام لكنّ الاَشاعرةَ يدّعون التوحيد مع اثبات هذه المعاني الكثيرة المتغايرة المغايرة للذّاتِ و يزعمون انّها معاني الذات و انّها مبادي المحمولات علي الذّات كالعلم فانه يشتق منه العالم المحمول علي الذات فتقول اللّٰهُ عالم و كالقدرة المشتق منها القادر المحمول علي الذات فتقول اللّٰهُ قادر و اثار الذّات متوقّفة عليها فنفيُها يستلزم نفي الذات و يزعمون انّها لو كانت حادثة لكان محتاجاً في اظهار آثار كمالاته الي المخلوق و لكان فاقداً لها قبل ايجادها و لكانَ مَحلّاً للغير و يَلْزمُهُمْ اَنَّ جَعْلَها معاني للذات مستلزم لكون الذات هي الجملة المتألّفة من الامور المتغايرة و لانعني بالمركب الذي لايوجد كذلك في الذهن او في الخارج او في نفس الامر اِلّا حَادثاً سَوَاۤء كان ثبوته في احدِ المحاۤلِّ الثلثة بالوجود و التحقّق ام بالتعقّل و التّصور ام بالفرض و التجويز و الاحتمال الّا هٰذا اي لانعْني بالمركب الذي لايصدق علي مقام الحق تعالي الّا ما كان كذلك و ما اشبهه و صحّة حملِها علي الذات دليل المغايَرةِ الحقيقيّة اذ لايحمل الشيء علي نفسه و امّا صحة ذلك عندنا مع قولنا بالعينيّة فلانّا لانعني بمفهوم شيء منها اذا اردنا به الذاتي القديم الّا الذات و ان جميع مفاهيم هذه الصفات المتعددة لفظا مفهوم واحدٌ هو مفهوم الذات البحت البسيط و لايحمل شيء منها اذا قُصِدَ به القديم علي الذات قطّ اذ لايحمل الشيء علي نفسه مع لحاظ الاتّحاد من كل جهةٍ بكل اعتبارٍ اللّهم الّا ان [ص 127] نقصد به المعني الحادث اعني صفات الافعال فانها حينئذٍ معانيه بمعني معاني افعاله كقاۤئم و ضارب بالنسبة الي زيد فاذا قلنا الله عالم و اردنا بالمحمول القديم كان معني كلامنا اللّهُ عِلْمٌ يعني انّ ذاته عليمةٌ و يكون في قوة قولنا زيد زيد فانّا قد نحمله عليه باعتبار مغايرةٍ ما قد تحصل لمن جهل الاتّحاد و توهّم التّعدد بان ظن انّ زيداً المذكور غير زيدٍ المعلوم فتبيّن له فتقول زيد زيدٌ اي زيد المسئول عنه او المذكور زيد المعلوم فكذلك تقول اللّه عالم اي علم بمعني ان المسئول عنه او المذكور علم او عالم و يكون الحمل اَوَّلِيّاً ذاتيا اي المفيد للاتّحاد بحسب المعني و المفهوم نعم لو اردنا بالمحمول الحادث كما نقول في المختص بالحادث اللّهُ خالق فنقول اللهُ عالم بكل شيء و قادر علي كلّ شيء كان مرادنا بالمحمول معني فعليّاً فانّ عالم و قادر في المثال لايصحّ حملُهُ عَلَي الذّات بالحمل الاَوّليّ الذّاتي لانّهما من اَسْماۤءِ الافعال و مفهومهما و معناهما مقترنانِ بٰاثارِهما مُطَابقانِ لهُمَا بل هما في الحقيقة متَّحِدانِ بهمَا و يلزمهم علي جعلها مبادي المحمولات علي الذات ما اشرنا اليه من انّ حملها علي الذات ان كان حملاً اوّليّاً ذاتيّا يستلزم الاتحاد و القول بالعينية و ان كان حملاً بالمتعارف لزم القول بتركيب الذات في العقل الّذي هو ظرف التحليل اذِ الاتّحاد الحاصل من الحمل المتعارف انما هو في الوجود علي دعوي كثير من المحقّقين و الاتحاد في الوجود لايُنافي التّركيب في غير الوجود لان الاتّحاد فيه اعتباري و هو لاينافي التّركيب مطلقاً كما هو الحَقّ و يلزمهم من كونها قديمة ما يلزم من كونها حادثة وَ عدم تَنَاهي الحاجة مع فرض القِدَم و عدم صلوحها للايجاد بدون توسّط الفعل ثم الفاعل للاثار بالفعل هل هو الذّات فيستغني عنْها في ايجاد الاثار فيلزمها ٱلنقص لان عدم الحاجة الي القديم نقص فيه لذاته [ص 128] ام هي الفاعل فيستغني عن الذات فيقع النقص علي الكامل المطلق ام هما معا فلايكون واحد منهما علّة تاۤمّة امْ احدهما بالاخر فتدخل الحاجة علي الفاعل الي الواسطة او النّقص علي الواسطة .
و قوله « و لا كما قالته المعتزلة من نفي مفهوماتِها رأساً و اثباتِ آثارِها و جعل الذات ناۤئبة منابها » يعني به انّ اعتقادَنا كما انه ليس كما قالته الاَشاعرة من مغايرتها للذَّات و انه تعالي مدرك و فاعل لٰاثارِها بِهَا مع تحقّقِ قدمِه تعالي و قدَمِها كَذٰلِكَ ليْس كما قالَتْه المعتزلةُ مِنْ نفي مفهوماتها بمعني كونها غير موجودةٍ و لا معدومة و انّما يثبتون احوالاً لاتوصف بٱلوجود و لا بالعدم و لا بغيرهما من المتقابلات اي لا واجبة و لا ممكنة و لا قديمة و لا حادثة و لا مجامعة له تعالي و لا مفارقةً و هي عندهم معلولات للمعاني التي اثبتها الاشعري فالمعاني كالعلم و القدرة و الاحوال كالعالميّة و القادريّة اذِ القادريّةُ عندهم صِفة القادرِ و القادِرُ مشتق من القدرة و ابوهاشم من المعتزلة جعل الاحوال اربعةً القادريّة و العالميّة و الحَيِّيَّة و الموجوديّة و جعل هذه الاربعة معلّلة بحالةٍ خامسةٍ تسمّي الالوهيّة و بناۤءُ ذلك منه علي انّ الذواتِ بجملتها متساويةٌ في الذاتية فلولا اختصاص ذاته تعالي بصفة الالوهيّة لماكان اولَي من غيره بهذه ٱلصفات و زعم ان هذه الاحوال الخمسة ثابتة في الازل مع اللّه تعالي فقد وافق الاشاعرة في كون هذه الخمسة موجودة ثابتة في الازل مع مغايرتها للذات و امّا باقي المعتزلة فقالوا بالاحوال كلّها اي كل حالٍ من احوال الصّفات الثبوتية لا خصوص هذه الخمسة و قالوا هي ليست موجودة و لا معْدومة و لا قديمة و لا حادثة و ليست هي ايّاه عز و جل و لا غيره و ما اشْبهَ ذلك من المتقابلات و قالوا لا معني للقديم الّا ذلك و هو كونُه اموراً كثيرةً في الازل و الظاهر انّ هذا قول مثبتي الاحوال كابيهاشم و تابعيه الذين اثبتوا الخمسة [ص 129] المذكورة و امّا غيرهم فلميثبتوا شيئا من الاحوال و لمينفوه و علي هذا لايقولون انّه لا معني للقديم الّا ذلك لانّ القَديمَ الَّذٖي هو ٱلذّات لمينفوه بعد ما اثبتوه و الاحوال عندهم ليست ثابتة و لا منفيّة و الحاصل امّا ما اختصّ به ابوهاشم و اَتْباعه فالادلّةُ المبطلةُ لما ذهبت اليه الاشاعرة مبطلةٌ له و امّا الباقون فاعتقدوا نفي جميع الصّفاتِ من حيث مفهوماتِها اصْلاً و اثبتوا اٰثارَها و جعلوا الذّات ناۤئبةً في اِحْدَاث الاثار مَنابَهَا اي مناب الصّفات زعماً منهم ان كلّ اثرٍ لايَنْشَأُ الّا عمّا هو مجانسٌ لَهُ في معني مفهُومِهٖ الاشْتقاقي فالعلم انّما ينشأ عن العلم و السمع انما ينشأ عن السمع و لاينشأ العلم عن السمع و لا السمع عن العلم او البصر و اثباتُ مبادي تلك الاثار ان كان علي جهة القدم تعدّدَتِ القدماۤء و علي جهة الحدوث يلزم احتياج القديم الي الحادث و خُلوّهُ عَمّا هو محتاج اليه في حالٍ مّا و هو ما قبل حدوثِهٖ فوجب القول في الصفات المُتوَسِّطة بينَ الذَّاتِ و الٰاثار بالحال المتوسّط بين النفي و الاثبات فراراً من لزوم المحذور علي القول بكل واحدٍ منهما من القدم او الحدوث و الوجود او العدم و الاتّحاد او التعدُد و حيث كانتِ الاثار مجعولةً و المجعول لا بدّ له من جاعل و كانت علّتها غير موجودةٍ وجب اعتبار كون الذات نَاۤئبةً منَابها في الايجاد لساۤئر الاثار و ليس في شيء ممّا قرّروا شيء صحيح يقُوم عليه دليل بل مقتضي الادلّة نفي جميع ما قالوا فانّ اثباتهم الاحوال ان كان اثبتوا به شيئا لزمهم ما فرّوا منه فان الشيء لايخلو من ان يكون قديماً او حادثا و ان سموه حالا فانه لايخلو من ذلك و عدم اثبات شيء مع الذات الحق تعالي لايلزم منه الحاجة و لا الخلو لانه تعالي لايحتاج الي شيء في ايجاد شيء اذ الشيئية من مشيته و الاثار مبدؤها بفعله ذواتها و ما هي به هي و ليست من اصل معه لان ذلك الاصل ان كان قديما لميجز الايجاد منه اذ يلزم تغييره [ص 130] المنافي للقدم فان القدم يأبي التغيير لذاته و ان كان حادثا نقلنا الكلام الي مبدئه فيدور او يتسلسل و انما اخترعها اختراعا و البسها من هيئة اختراعه قبولها منه و مفهومها الاشتقاقي هو من معني ما اخترعها عليه فلايحتاج في احداثها الي شيء اذ لا شيئية لشيء مما سوي ذاته المقدسة الا ما اخترعه عليه بفعله و البسه من هيئة اختراعه فلاتحتاج الذات المقدسة في احداث الاثار الي ما اثبتوه من المبادي و الاحوال علي انها اذا احدثتها بفعلها فهي اثارها اي اثار فعلها و النيابة لاتعقل الا مع اثبات المؤثر لان المؤثر النائب ان كان لذاته صالحا للتأثير استغني عن غيره و ان لميكن صالحا لايمكنه التأثير بالنيابة الا مع اثبات المنوب عنه و تحققه ليكون بنيابته عنه فاعلا فاذا جوزوا تأثيره علي النيابة عما ليس بموجود فما الموجب الي الحكم بكون فعله علي جهة النيابة الا توهّم اخذ حقائقها من تصوّر مفاهيم تلك الصفات و حيث بيّنّا انّ حقاۤئقها مخترعة و ان وصفه تعالي بتلك الصفات انما هو من حيث انه فاعلها فتكون تسمية تلك الصفات بما سمّيت به انما هي من فعله لتلك المعاني لان هذه الصفات صفات الافعال كما ذكرنا سابقاً كما تسمي زيداً بكاتب و تصفه بحالة الكاتبية فانّ ذلك ليس الّا بما اشتققتَ من فعله الكتابة لا ان الكاتبيّة حال لذاته اوْ انّ الكاتب صفة لذاته و انما ذلك صفاتُ فعله و بما رددنا عليهم اعني اصحاب المعاني و اصحاب الاحوال يعلم مذهبُنا من عينيّة الصفات بمعني انّا اذا وصفناه بعليم و قادر و سميع و بصير فان اردنا المعني الازلي فلانعني بتلك الاوصاف الّا محض الذات البَحْت و ان مفاهيمها نفس مفهوم الذات البحت و ان معانيها عين معني الذات البحت و لا تَكثّر و لا تعدّد و لا تغاير لا في الخارج و لا في نفس الامر و لا في التعقّل و لا في الفرض و الاعتبار بحال من الاحوال و انّما [ص 131] وصفناه بذلك مع قولنا هذا تبعاً لوصفه نفسه تعالي بذلك بعد قيام الدليل القطعي عندنا علي انّ مراده تعالي بوصفِ نفسِه بذلك وصفه نفسه لتعليم عباده باوصاف افعاله كالكاتب و القاۤئم و المتحرك و الناۤئم في وصف زيد بها مع انها صفات افعاله و الافعال متّحدة في نفسها و انّما تكثّرت و اختلفت اسماۤؤها باعتبار تكثر متعلّقاتها و اختلافها و ليس مرادنا بقولنا انّ صفاته عين ذاته انّ صفاته مغايرة له بالمفهوم متّحدة به بالمعني كما يؤيده المصنّف في قوله في الكتاب الكبير ردّاً علي من اعترض علي الحكماۤء القاۤئلين بالعينية حين قال المعترض اذا كان وجود الواجب عين ذاته و الوجود معلوم الكنه و الذات مجهول الكنه لزم كون المعلوم عين المجهول قال المصنف قول المعترض لتوهمه انهم حكموا بعينيّة هذه المفهومات كما في الحمل الذاتي الاولي و ذهوله عن انّ مرادهم من العينيّة هو الاتّحاد في الوجود كما هو شأن الحمل المتعارف لا الاتّحاد في المفهوم كما في حمل معاني الالفاظ المترادفة بعضها علي بعض حملاً اوليّاً غير متعارفٍ انتهي ، و نحن قد بيّنّا ما يلزم القاۤئل بتغاير المفاهيم من وقوع التركيب و التعدد اذ في نفس الامر لا فرق بين القائل بتغاير مفاهيمها الازليّة و بين الاشاعرة في قولهم بالتّغاير و المغايرة لانّ التغاير عند الفريقَيْن مستفاد من دلالة الفاظها و معٰاني الالفاظ غير محصورة فيما تعرفه الاعراب بل قد تتعدّد المعاني التي يوضع اللفظ لها و العالم بها يعبّر عن مقصوده بما شاۤء و لا مناسبة بين الحادث و القديم فيكون ما يدُلّ علي الحادث لايدلّ عَلي القديم لعدم المشابهة بحالٍ و الصفاتُ القديمة كالْعَالم و القادر ليس مفهومها ما نعرفه من مفهوم صفات الافعال لتكون مغايرةً له بالمفهوم و انّما مفهومها عين معناها و مفهومها مفهوم الذات البحت و ليستا اثنتين كما يتوهّم مِنْ قولنا صفاته عين ذاته و انّما [ص 132] ذلك شيء واحد بمعني واحد لا من حيث خصوص الصدق بل ليس الّا شيء واحدٌ لا اله الّا هو العزيز الحكٖيم و كلامُنا هذا في اثبات مذهبنا و نفي مذاهبهم يشعر لمن يفهمه بالاستدلال القطعي بعد ما بيّنّا ان كل ما سوي هذا الطريق مستلزم للتركيب و التعدّد و الحاجة و الحدوث و ان لمنذكر ادلّة ذلك مفصّلة لان ذكر الدليل في كل مكانٍ علي شيء واحدٍ يوجب التطويل و التكرير مع انا نذكر ما يكفي الفاهم في كثير من المواضع .
و قول المصنّف « كما في اصل الوجود عند بعضٍ » يشير به الي نفي مفاهيم الصفات و حقائقها مع اثبات اثارِها و جعل الذّاتِ ناۤئبةً مناب الصفات في اِحْدَاثِ اثارها ممّا ذهب اليه المعتزلة مثل نفي الوجود الحق تعالي و جعل الذات ناۤئبة منابه في الثبوت و التحقّق كما ذهب اليه بعض فانّ بعض الرواقيّين و منهم شيخ الاشراق ذهبوا الي انّ الوجودات في جميع الموجودات امورٌ اعتباريّة لا تحقّق لشيء منها في الخارِج و انّما تحقّقها في الخارج بنسبتها اليه تعالي لانه هو المتحقّق الوجود في الخارج و ربّما ذَهَب بعض هؤلاۤء الي عدم تحقّقه في الخارج حتّي في شأن الحقّ سبحانه نعم ذاته متحقّقة في الخارج و هي ناۤئبة مناب وجوده تعالي و المصنّف قال انّ القاۤئلين بالاحوال و نفي ذواتها و اثبات اثارها و انّ الذات الحقّ ناۤئبة مناب تلك الاحوال في اثباتِ آثارِهَا حالهم في سخافة القول مثل حال النافين للوجودِ الحقّ و انّ الذّات ناۤئبة منابه في التحقق لانّ المصنّف يذهب الي ان الحق تعالي وجود بحتٌ و لا ماهيّةَ له فقولُ هؤلاۤءِ عكس قوله و اقول امّا القائل بنفي الوجود و اثبات الذّات فلكلامه توجيه يقرِّبُه من الصحة و المصنف ان اراد بنفي ماهية الواجب عدم تركّبه من وجودٍ و ماهيّة فله وجه و الّا فلا لانها هي الانّيّة و الهويّة و لايساويه في ذلك شيء لانه هو الكبير المتعزز المتعظّم [ص 133] لا اله الّا هو الكبير المتعال نعم هويته هي ماهيّته و هي حقيقته و هي وجوده بلا تعدّد و لا تغاير لا في الخارج و لا في الذّهنِ و لا في نفس الامر و لا في شيءٍ ممّا تفرضه الاَوْهَام و امّا توجيه كلام نافي الوجود في شأن الحق عز و جل فهو انّ الوجود في حق الواجب سبحانه و في حقِّ عِبَادِه لَيْسَ شيئا غير معني التحقق و الثبوت و قول هذا السواد الاعظم انه ذات و جوهر متحقّق بنفسه و به تحقّق ما سواه من الهويات و ٱلمواۤدّ و الصُّور و هو مغاۤئر لها و سَارٍ فيها و به كل شيئيةٍ من شيئيّاتِ الذوات و الصفاتِ و الجواهر و الاعراض فشيء لا اصل له و لميوضع هذا اللفظ لمعنيً جوهريّ و انّما وضع لمعني وصفي و قولهم اذا فَتَّشْتَ عنه وجدتَ ما اَدْرَكَ كلّ واحدٍ منهم انّما هُوَ ما يؤمي اليه الاخر بغير تصوّر و لا برهانٍ ذوقي استند الي دليل الحكمة فهم فيه يتتابعون يفرغ بعضها في بعضٍ و عارفوهم يشيرون الي شيء و انا اصوّره لك مثلاً الصورة في المرءاة شيء تحقّق بالوجود و هو شيء اشرق من ظهور المقابل للمرءاة سارٍ في الصورة كَسَرَيان الروح في الجسد به تحقّقت الصورة و تقوّمت به و هو مغاير لها و جوهر فيها هي في الحقيقة عارضة عليه و امرهم هذا كله مبني علي مسئلة وحدة الوجود و لهذا يستدلّون بما ورد في الكتب الالهية من نحو قوله تعالي ايها الانسان اعرف نفسك تعرف ربّك ظاهرُك للفنا و باطنك انا ه ، و اذا سمعوا قول منكرٍ لما قالوا من ذلك قالوا انّ الوجود لاتدركه قلوب المحجوبين و انّما تدركه القلوب التي رفع الله عَنْها الحجب و الاَسْتار حتّي شاهدوا الاسرار و لو كشِف لهم الغطاۤء لوجدوا ان قلوبهم هي المحجوبة عن الاسرار بميلهم و متابعتهم للاشرار و ترك الاقتداء بانوار الائمة الاطهار صلي الله عليهم ما اختلف الليل و النّهار و اذا اردت اَنْ تتحقّق صحة كلامي فتدبّر في عباراتهم تجدها لاتنطبق الّا علي [ص 134] المعني العام المصدري المعبّر عنه بالفارسية بهست و لو عنوا بالوجود الذي هو غير المعني المصدري انه هو الماۤدّة كما ذهب اليه بعضهم لكان حسنا و لهذا نحن في عباراتِنا اذا كنّا نجري في كلامنا علي ما يتفاهم نعني به الماۤدّة علي المعني الاول كما تقدّم او كون الشيء اثر فعل اللّٰهِ علي المَعْني الثَّاني او المعني المصدري فاذا عَنَيْنَا به الماۤدّة صحّ ظاهِراً و بَاطناً لانّها هي حقيقة الشيء و بها يَتَقَوّمُ تقوُّماً ركنيّا و لانّه سبحانه يمسِك الاشْياۤء بذواتها و لانّها هي اوّل صادرٍ عن فعل اللّٰهِ تعالي و المصنف حيث ذهب الي انّ الوجود حقيقة الشيء و انه مغاير للمادة و الصّورة جعل قولهم الانسان حيوان ناطق هو حدّ تاۤمٌّ جامع لجميع ذاتيات المحدود انّه حدّ للماهيّة لئلّايقالَ عليه انه لو كان ذاتيا لماخرج عن الحد التام اوْ انّ الحَدَّ غير تاۤمّ مع اتّفاقهم علي انّه تاۤمّ مع انَّه انّما جمع الماۤدّة التي هي الحيوان و الصورة التي هي النّاطق لا غير و لو كان الوجود ذاتيّاً غيرهما لوجب اعتباره في الحدّ التام و لكن الاتّفاق علي انّ هٰذا الحدّ ليس لخصوص ماهيّة الانسان دون وُجودهٖ بل هو حدّ للانسان بكل ذاتيّاته فلو كان الوجود بالمعني الذي يشير اليه حقيقة للانسان و من ذاتيّاته لوجب ذكره في الحد التاۤمّ و اذا ثبت انه يعبّر به عن الماۤدّة و انّ الماۤدة هي كنه الشيء و انها في كلّ شيء بحسبه صحّ اَنّ الحقّ سبحانه هو الذات المقدّسة و انّ تلك الذّات متحققة بذاتها بدون ان ينسب اليها وجود مغاير لها يحقّقها بل بفاضل تحقّق فعلِها تحقّق كل متحقّقٍ و جاز اَنْ يقال انّها ناۤئبة مناب الوجود في تحقّق ذاتها بذاتِها و في تحقّق الاشياۤء بفاضلِ تحقّقها اي تحقّق فعلها و ذلك علي مذاق من لايعرف التحقّق الّا بالوجود الذي يتوهمونه و قول المصنف تعالي عن التعطيل و التشبيه يشير به الي ان قول هؤلاۤءِ يلزم منه التعطيل و قول الاشاعرة [ص 135] و قوله بل علي نحوٍ يعلمه الرّاسخون في العلم الي اخره يريد انّ كون صفاته عين ذاته تعالي علي نحوٍ لايعلمه الّا الراسخُون في العلم الّذين هم الامّة الوسط الصادق عليها خير الاشياۤء اوسطُها الذين لميلحقهم الغالي لبلوغهم الغاية و النهاية في التوغّل و الرسوخ في العلم و لايفوتهم المقصّر اي لايتجاوزهم من قصّر عن رتبة الرسوخ و ظاهر الفقرتين بمعني واحدٍ و لو قال لميلحقهم المقصّر و لايفوتهم الغالي لكان لهما معنيان و كان الكلام اليق بمراده ان كانت النسخة صحيحة و يحتمل حصول تغيير في الكلام من النّسّاخ و الخطب سهل و انّما الخطب عظيم في مراده بهؤلاۤء من هم فانه يعني مثل الاعرابي و البسطامي و الفارابي و اشباههم من الصِّنْفَيْنِ فانّهم هم الراسخون في العلم عنده و ذلك النحو الذي علموه من عينية الصفات علي نَوْعَيْنِ اَحدهما كما قال عبدالكريم في الانسان الكامل في استشهاده :
ءَاَحطْتَّ خُبْراً جملةً و مفصّلا بجميع ذاتِك يا جميعَ صفاتِهٖ
ام جلّ قدرُك ان يُحاطَ بكنهِهٖ فاَحطتَهُ اَلَّايُحَاطَ بذاتهٖ
حاشاك من غايٍ و حاشي اَن تكن بك جاهلاً وَيْلاه مِن حَيراتهٖ
و الظاهر انّ مراده بقوله يا جميع صفاته انها مغايرة له في المفهوم و في المعني باعتبارٍ و هي عيْنه من حيث وحدة الوجود لانّه في اوّل كتابه قال انّ علم التّصوف هذا مبني علي مذهب السّنة و الجماعة و معلوم ان المتبادر من ذلك مذهب الاشاعرة و قد سمعتَ مذهب الاشاعرة فيكون الاتّحاد في قوله يا جميع صفاته من وحدة الوجود و الّا فهي من حيث هي في المفهوم و المعني و التحقق مغايرة للذّاتِ فلا فرق بينها و بين ساۤئر الاشياۤء في المغايرة للذات و الاتّحاد بها و هذا ممّا يصدق عليه ذلك النحو عند المصنّف [ص 136] لقوله بوحدةِ الوجود في غيرها ففيها بالطريق الاَولي و ان كان في خصوص البحث هنا لايريد هذا النوع من الاتحاد و ثانيهما انّها من حيث المفهوم مغايرة للذات في نفس الامر و متّحدة بالذات من حيث المصداق علي نحو ما قرّر في ساۤئر الوجودات مع ماهيّتها في اتحادِها بها في الخارج لانها مصاديق لماهياتها تحمل تلك الماهيات عليها في الخارج و هذه الوجودات و ان حملت عنده علي الماهيات في ظرف التحليل الذهني الّا انّ الواجب ليس له ماهيّة عند المصنف ليتعاكس الحملان لاختلاف الظرفين و مفهومات صفاته تعالي عند المصنف وجودات فالحمل فيها بالحمل الذاتي الاوّلي الغير المختلف في الظرفين و الحاصل ان مراده الوجه الثّاني من النحو المذكور و يقال عليه ان الراسخين في العلم الحقّ لايقولون بانّ الصّفات الذّاتية مغايرة للذات بمفاهيمها اذ ليس لها مفهوم الّا مفهوم الذات اذ لاتكتنه الخلاۤئق الّا ما كان من انواعها بل الحقّ انّها في انفسها اذا اريد منها الصّفات الذاتيّة غير متغايرةٍ في المفهوم و لا مغايرة للذات بل هي الفاظ مترادفة فان العلم هو السمع و هو البصر و القدرة فكل صفةٍ هي الاخري في المفهوم و المعني و كلٌّ منها هي الذات من جهة انها الاخري هذا اذا وصف بها و اريد من الصفة الصفة القديمة فرضاً و الّا ففي الحقيقة لميصف بها نفسه لان الوصف ان كان له لميحتج اليه و ان كان لتعريف ما سواه فهو يستحيل ان يعرّف نفسه بها لغيره لعدم الفاۤئدة في ذلك و لان ذلك خلافُ ما هو عليه في عز جلاله لاستحالة ان يكون مدركاً للغير و انّما يصف نفسه لهم بما يمكن اَنْ يعرفوه به و هي صفاتُ افعالِهٖ لانها هي التي يمكن ان تعرف مفهوماتها و يُسْتَدلّ بها عليه بمعرفة آثارها و متعلّقاتها بخلاف ما لو اريد بها الذاتية فانّه يكون معني اللّه عليم قدير اللّٰهُ اللّهُ اللّٰهُ علي انّا قَدْ قدّمنا انّه ماوصف [ص 137] نفسه الّا بصفات الافعال اذ ليس في الازل صفة و موصوف و انّما في الازل ذاتٌ بَحْتٌ هيَ الازل لا اله الّا هو العزيز الحكيم .
قال : قاعدة مشرقيّة علمه بجميع الاشياۤء حقيقة واحدة و مع وحدته علم بكل شيء لايغادر صغيرة و لا كبيرة الّا احصاها اذ لو بقي شيء لميكن ذلك العلم علماً به لميكن هو حقيقَة العلم بل كان علما بوجهٍ و جهلاً بوَجْهٍ و حقيقة الشيء بما هي حقيقة الشيء غير ممتزجةٍ بغيره و الّا لميخرج جَميعه من القوّة الي الفعل .
اقول قوله « علمه بالاشياۤء حقيقة واحدة » ان اراد به ما لايعرفه و لايفهمه فحكمه عليه بانه حقيقة واحدة ليس بصحيح بل القياس التخميني يقتضي التكثر لانّ ما كان متعلقهُ متكثراً مختلفاً يجب ان يكون في نفسه كذلك و الّا لكان مغايراً للمعلوم غير مطابق له و اذا لميطابق المعلوم كان جهلاً و لان المعلوم ليس حقيقة واحدة و العلم الاجمالي متعلق بالمعلوم الاجمالي و علي هذا تبقي اشياۤء لميكن عالماً بها و هي المعلومات التفصيليّة فانه ح غير عالمٍ بها و لميكن حقيقةَ العلم بل كان علماً بوجهٍ و جهلاً بوجهٍ فان قلتَ انما قال حقيقة واحدة و ذلك غير منافٍ للتفصيليات قلتُ لانّ التفصيليات انّما كانت تفصيليات لاشتمالها علي المتعددات المختلِفَات و العلم باحد المختلفَيْنِ لايكون علما بالاخر بدون اختلافٍ و ان وقع فانما يقع علي الجهة الجامعة لهما مثلا لو قلنا العلم حصول الاشياۤء للعالم لكان شاملاً لحصولها خاۤصة و يكون حصول البياض و السواد واحداً الا انّ المعلومَ حينئذٍ العدد بان الحاصل اثنان و امّا انّهما مختلفان او متّفقان فغير داخل في شمول الحصول فيحتاج العالم في تحصيل اللَّوْنين الي شيئين اخرَيْنِ غير الحصول الجامع لهما من غير نوع الحصول فلايكون العلم حقيقة واحدةً [ص 138] بمعلوماتٍ مختلفة الحقاۤئق الّا بجهة جامعةٍ لها فلا بدّ ان يكون العلم مطابقا للمعلوم و مطابقته ان يكون العلم بالمتحد متّحِداً و بالمتكثر متكثراً و بالمختلفِ مختلفاً و بالمجمل مجملاً و بالمفصّل مفصّلاً و لايمكن غير هذا و لهذا قلنا ان العلم نفس المعلوم لانه لاتنفتح مقفلات الاسرار الّا بهذا العيار و يأتي انشاۤء اللّه زيادةَ بيان توصل مَن عرفها الي العيَان و لكن المصنف لمّا جعل صفاته تعالي عين ذاته و انّها هي المرتبطة بالمعلومات وقع بين محذوراتٍ في نظره فان جعل العلم متكثراً بتكثّر المعلوم و هو عين الذات لزمه كونُ الذاتِ البسيطةِ متكثّرةً و ان جعل تكثّره غير مستلزم للتكثر في الذات لميقبل منه الّا بفرض مغايرة العلم للذّاتِ و لو في التّعقل او الفرض و قد نفي المغايرة فيهما و ان جعلها غير المرتبطة خالف جعله مراده لانه لايريد الّا المرتبطة و لايعرف غيرها و لايعني سواها فلميجد بُدّاً مِن ان يحكم بكون العلم حقيقة واحدة لتصحّ له دعوي العينيّة و ان يحكم بشمول هذه الحقيقة الواحدة من حيث وحدتها و عدم الاختلاف فيها لكلِ شيء لئلّايلزمه التّجهيل فورد عليه انّه لميكن العلم مطابقا للمعلوم في الخارج كما هو المطلوب لان المعلوم اذا كان مختلفا متغايراً متكثّرا متعاقِباً لايطابقه ما ليس بمختلفٍ و لا متغايرٍ و لا متكثرٍ و لا متعاقبٍ و اذا لميطابق فقد خالف اذ لا واسطة بينهما فيكون جهلاً و ان حكم بالمطابقة مع عدم المطابقة في الخارج و نفس الامر فقد حكم بما لايعلم اذ الحكم اذا خالف الواقع في نفس الامر مع ظهور المخالفة عند الحاكم باطل و الحكم الباطل بالصحة لايجعل الباطل صحيحا فانك اذا حكمتَ علي زيد الموجود بانّه معدوم مع عدم اختلاف الحيثيّة لايكون بحكمك معدوماً و هو موجود لانّ قوله و مع وحدته فهو علم بكل شيء ان اراد فيه بهذه الوحدةِ الوحدةَ الجنسيّةَ او النّوعيّة كانت التّعلقات و الارتباطات [ص 139] بالاشياۤء الشخصيّة شخصيّة لايصلح ما تعلّق بزيد اَنْ يتعلّق بالجدار فانّ الجهات الشخصيّة من الحقيقة الواحدة النوعية غير تلك الحقيقة النّوعيّة فانَّ الحقيقة النوعية لاتتعلق بذاتها بكليّتها بفردٍ من افرادها الّا بالجهة المختصّة بذلك الفرد المتلبّسة بمشخّصات ذلك الفرد او بالحقيقة الذّاتيّة المنتشرة في ساۤئر الافراد علي جهة النوع لا علي جهة البدليّة فمن الفرض الثاني يكون المعلوم اجماليا كليّاً فتخرج جميع التفصيليات و تبقي غيرَ معلومةٍ حتّي يدبّر لها المصنّف امراً تكونُ بهٖ معلومَةً و من الفرض الاول يكون العلم غير تلك الحقيقة الواحدة التي هي الذات المقدّسة عند المصنّف و انّما العلم تلك الجهات المتعددة و التعلقات المتكثّرة و الارتباطات المطابقة و هذا و ان كان هو مذهبَ ائمة الهدي عليهم السلام الّا انّ العيْنيّة تمتنع لان الصفة حينئذ فعليّة لا ذاتية و يلزم المصنف علي مذهبه الّايكون البارئ عز و جل عالما بكل شيء بذاته في الازلِ و هذا و ان كان مذهبَ ائمة الهدي عليهم السلام اذ القول بانه تعالي عالم بها في الازل يلزم منه وجودها في الازل معه سبحانه و هو اجل و اعزّ من ان يكون معه في الازل غيره و انّما هو عالم في الازل بها في اماكنها و اوقاتها من الامكان فان العلم في الازل و المعلوم في الامكان فلايجوز ان يقول هو عالم بها في الازل و يجب ان يقول انه عالم في الازل بها في الحدث و حينئذٍ يكون العلم هو وقوع العلم اي تعلقه الحادث علي المعلوم حين وجد المعلوم كما قال الصادق عليه السلام فلما احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و قد تقدّم الحديث فيما سبق الّا انّ هذا مخالِفٌ لما يذهب اليه كما هو صريح كلامه من ان العلم تعلّق بها في الازل و اِنْ اَرادَ المُصَنِّف من العلم ما يعرفه فقد اخطأ في جعله حقيقة واحدةً لانّه مطابق للمعلوم و المعلوم متكثر مختلف فان [ص 140] لميجعل العلم متكثراً مختلِفاً لميكن العلم مطابقاً للمعلوم فقد اخطأ اِمّا في جعْلِهٖ حقيقة واحدة او في جعل العلم غير مطابقٍ للمعلوم و اخطأ ايضاً في جعل ما يعرفه من العلم عين ذات الحق عز و جل لانه يلزم منه امّا جعل الذات مكتنهَةً له معروفة بالكنه او جعل ما يعلم و يعرف عينَ ما لايعرف و لايحاط به علماً فَيكونُ ٱلحادث عين القديم فتلزم التجزية و التركيب او انقلاب الحقاۤئق .
و قوله « لميكن هو حقيقةَ العلم ، الخ » يراد منه انه لو بقي شيء لميكن معلوماً لذلك العلم لميكن ذلك العلم علما مطلقاً فانّ العلم المطلق اي الذي لايشوبه جهل بشيء هو الذي لايفوته شيء و لايغادر صَغٖيرة و لَا كبيرةً الَّا اَحْصَاهَا فلو بقي شيء لميحط به ذلك العلم كان غير مطلَقٍ بل بشيء دون شيءٍ فيكون مشوباً بجَهْلٍ و هذا صحيحٌ .
و قوله « و حقيقة الشيء بما هي حقيقة الشيء » يعني به انّ حقيقة الشيء بذاتِها لٰا بشيءٍ آخر مغايرٍ لتلك ٱلحقيقة غير ممتزجة بغير ذلك الشيء صحيحٌ لانّها لو امتزجت بغيره لمتكن حقيقة له بذاتِها .
و قوله « و الّا لميخرج جميعه ، الخ » يعني انّه لَوْ فقد شيئا فانّما ذلك لعدم استكماله لما هو له لذاته اذ لميخرج ما به استكمال من القوة الي الفعل و هذا في الجملة و الظاهر صحيح و فيه مناقشات لا فاۤئدة لذكرِها نعم تمام الفاۤئدة في واحدة و هي قوله لميخرج جميعه فان المصنف لايقدر و لايجوِّز انْ يقول لو لميحط اللّه سبحانه بشيءٍ من الاشياۤء لكان تعالي لميخرج جميعه من القوّة الي الفعل لانه عزّ و جل شيء بَسيط احدي المعني لايصح عليه اطلاق لفظٍ يستلزم التجْزية و التبعيض و لو في الفرض و العلم الذي هو عينه تعالي يصحّ عليه ذلك في الفرض كما قال لميخرج جميعه و ليس ذلك الّا لاجل ما يتَوهم بينهما من المغايرة و انّهما شيئان لكن القول بالتثنية يستلزم فساداً فيقول لدفع الفَساد في وهمه ان العلم عين الذات مع [ص 141] التّفرقة بينهما و من هذا المعني الذي ليس في نفسه غيره اوردنا عليه ما سمعتَ سابقا علي قوله حقيقة واحدة و مع وحدته علم بكل شيء و عنده انّه علم الابيض بما هو عليه من البياض و الاسود بما هو عليه من السواد و المتحرّك بما هو عليه من الحركة و السَّاكن بما هو عليه من السكون و هذه الحقاۤئق المتباينة يطابقها بوحدته و هذا لايصحّ الّا اذا التزم انه بنفسه العلم الاجمالي و بهذه الحيثيّة العلم التّفصيلي فيرد عليه ان تعلّقه بكلّ فردٍ هل هو عين تعقله ( تعلقه ظ ) بالاخر المباين له ام غيره و كذا مطابقته لكلٍّ منهما فلمّا فرّقوا بين الاجمالي و التفصيلي و نسبوا الاجمالي الي الازل و التفصيلي الي الحوادث لزمهم اِمّا اتّحاد التعلّق و المطابقة و هذا يستلزم مع اتّحادِ المعلومات بعضها ببعضٍ خروج جميع المعلومات التفصيلية المستلزم لعدم الحقيقة الواحدة المشار اليها لِخرُوج التفصيليّة و اِمّا تعدّدُ التعلّق و المطابقة فتتعدّد المعلومات و هٰذا يَسْتَلْزِمُ مع عدم صحة العينيّة او تكثّر الذّاتِ عدمَ الاحَاطة بالمعلومات في الازل لتجدُّدِها و تعاقبها .
قال : و قد مرّ انّ علمه يرجع الي وجوده فكما ان وجوده تعالي لايشوب بعَدمِ شيء من الاشياۤء فكذلك علمه بذاته الذي هو حضور ذاته لايشوب بغيبةِ شيء من الاشياۤء لانّ ذاته مشيّئ الاشياۤء و محقّق الحقاۤئق فذاته احق بالاشياۤء من الاشياۤء بانفسها اذِ الشيء مع نفسه بالامكان و مع مُشَيِّئِهٖ و مُحَقِّقهٖ بالوجوب و وجوب الشيء ءٰاكدُ من امكانه .
اقول قوله « و قد مرّ انّ علمه يرجع الي وجوده » من جهة اعتبار العينيّة و اتّحاده بالذّات معنيً عند المصنّف و عندنا الاتّحاد معني و مفهوماً و من جهة انّ الوجود حقيقته وجوبٌ اذِ الامكان عدم وجودٍ او امكان عدمٍ و العلم حقيقته وجود واجبٌ اِذ عدم العلم بشيء امّا عدم وجودٍ او امكان عدمٍ فيتّحد [ص 142] العلم بالوجود في الوجوب وجوباً و في الامكانِ امكاناً .
و قوله « فكما انّ وجوده لايشوب بعدم شيء ، الخ » يشير به الي ما قرّره من ان بسيط الحقيقة كلّ الاشيٰاۤء بناۤء علي القول بوحدة الوجود يعني ان حقيقة الوجود هو الحقّ سبحانه و انّه بوحدته هو كلّ الوجودات الّتي في الاشياۤء و قد قدّمْنا بطلان كلامه فيما سبق .
و قوله « فكذلك علمه بذاته ، الي اخره » يشير به الي ان العلم هو الحضور و انّ علمَه بذاتِهٖ هو حضور ذاته لذاته و انّه اي علمه بذاته لايخلط بغيبةِ شيء منَ الْاَشياۤءِ و هو صريح في ان حضور ذاته هو حضور كلّ شيء كما ان وجود ذاته وجود كلّ شيءٍ فامّا قوله الاوّل اعني « ان علمه يرجع الي وجوده » اي يكون هو ايّاه فانّما يصحّ اذا اريد من العلم المذكور العلم الذاتي هو الذات من غير فرض مغايرة بوجهٍ ما لا في المفهوم و لا في المعني و حينئذٍ فصحة القول فيه ان تعبّر عنه في جميع ما تريد ان تقول فيه بلفظ اسم الذات فان اتّسَق الكلام لك و صح فقولك فيما اردتَ صحيح فتقول انّ ذاته بجميع الاشياۤء حقيقة واحدة و مع وحدتها ذاتٌ بكلّ شيءٍ لاتغادر صغيرة و لا كبيرةً الّا احصَتْها اذ لو بقي شيء يعني لو خرج شيء من الاشياۤء عن الذات لمتكن ذاتاً به لمتكن هي حقيقة الذات بل كانت ذاتا و شيئا آخر فان كان هذا الكلام يحسن منك كان كلامُك بعبارة العلم صحيحاً لانّك لاتعني بالعلم الّا الذّات و ان قلتَ يجوز ذلك لاجل اختلاف المفهوم قلتُ لَكَ اذا قلتَ في شأن زيدٍ كلاماً لايتأتّي لك الّا بكنيته كابيعمروٍ و انت تدّعي ان المقصود ذات زيد لميقبل منك بل يكون دليلا علي انّك لمترد ذات زيد و الّا لتأتّي باللّقب كما يتأتّي بالكنية فلو كنتَ تعني بعباراتك الحقيقة الواجبة الوجود لصحّ وصفك باسم الذّات كما يصحّ باسم العلم لكنّك تريد بالعلم شيئا غير ما تريد بالذات و مطلق المغايرة مانعة من الاتّحاد [ص 143] فكما يجوز لك اَنْ تقول انّ ذاتَ العِلم محيطة بذوات المعلومات بذاته يجوز لك ان تقول انّ ذات اللّه محيطة بذوات الموجودات بذاته فاذا جاز في الاوّل و لميجز في الثاني دلّ علي اختلاف المقصود من العبارتين و مخالفة العلم للذات .
و قول المصنّف « يرجع الي وجوده » لفظي لايطابق المعني لان العلم المتعلّق بالمعلومات المرتبط بها المطابق لها لايصح ان يراد به الذات لانها لاتتعلّق بالمعلومات و لاترتبط بها و لاتطابقها فلاتصحّ العينيّة و كلّ ما تسمع من عباراتهم مدخولةٌ و لكن اتّسَعَ الخرقُ علي الراقع و لايسع الّا الايهام و الابهام و الاجمال حتّي يأتي امر اللّهِ عجّل اللّه فرج وليّه نعم العلم الذي يصحّ تعلّقه بما سوي اللّهِ و يرتبط به و يطابقه الذي لايعزب عنه مثقال ذرّة في الارض و لا في السّماۤء هو العلم الحادث و هو الكتب الالهيّة كما قال تعالي قال علمها عند ربّي في كتاب لايضلّ ربّي و لاينسي ، و امّا العلم الذي هو الذات فلايصحّ ان يتعلق بالممكنات و لايرتبط بها و لايطابقها لان الذات لاتتعلق بالممكنات و لاترتبط بها و لاتطابقها و لايلزم من قولنا هذا انه تعالي غير عالم بها لانّها لمتكن موجودة في الذات و انّما هي موجودة خارج الذات و خارج الذات هو الامكان و العلم الامكاني محيط بها و قد تقدّم انّه تستحيل تعلّق العلم بلاشيء فاذا لمتكن موجودة في الذات لميصح ان يعلم بها بالذات و قولنا لميتعلق العلم الذي هو الذات بشيء سوي الذات سالبةٌ بانتفاۤء الموضوع الاتري انك تكون عالما و بصيراً و اذا لميكن في يدي شيء لاتعلم ان في يدي شيئا و لاتري شيئا و اذا قلتَ اني لااعلم ان في يدك شيئا لمتكن بذلك القول جاهلاً و لا اعمي بل تكون بعدم تعلّق علمِك بشيءٍ في يدي عالماً بل لو ادّعيتَ العلم كنتَ جاهلاً اذ لا معلوم فكذلك ما نحن فيه و كم نكرّر هذه الحقاۤئق الحقّة النورانيّة و كم نردّد البيان و لكن الخواطر امتلأت [ص 144] من العيون الكدرة كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام ذهب من ذهَب الي غيرنا الي عيونٍ كدرةٍ يُفْرغُ بعضها في بعضٍ و ذهب من ذهب الينا الي عيونٍ صافيةٍ تجري بامر اللّهِ لا نفاد لها ه ، و العلم الذي يتّحد بالذات مفهوماً و معني هو العلم بالذات خاۤصّة لانّ العلم عين المعلوم في كل رتبةٍ من المراتب في الوجوب و الامكان علي الصحيح و قد اشرنا الي دليلِ هذا في شرح المشاعر .
و امّا قوله الثاني اعني « فكما انّ وجوده لايشوب بعدم شيء ، الخ » فقد بيّنّا ما يلزمه و لاسيّما علَي ما ذكره من ان بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء و قد ابطلناه سابقاً و اذا جعل العلم المتعلّق بكل الاشياۤء عين الذّات توجّه عليه من الرد ما توجّه علي ما هو متّحد به في كونه كل الاشياۤء و يتّجه علي قوله الثالثِ اعني كون « علمه بذاته الذي هو حضور ذاته » حضور الاشياۤء اتّحادُ الحُضورَيْنِ مَا اَوْردنا علي كون الذات كل الاشياۤء مع ما خصّوه بالاجمالي فيخرج التَّفْصيلي فيكون حضور الذّات حضور بعض الاشياۤء اعني الامور الاجماليّة و امّا التفصيلية و ان كانت معلومة لكنّها معلومة بعلمٍ متجدّد فلايكون حضورها حضور القديم و يلزمه ان البسيط الحقيقة بعض الاشياۤء ثم حيث حضر شيء حضر بعض الذات لان كلّ ما هو كل الامور المختلفة المتعدّدة المتعاقبة متعدّد مختلف متعاقب فاذا حضر زيد حضر ما هو زيد او ما به زيد دون ما هو ابنه اوْ ما به ابنه و كذا ابن ابنه ان جعل بسيط الحقيقة كل الاشياۤء و ان جعله كل الاشياۤء الاجماليّة فهي اي الاجمالية ازليّة عنده لان الذات ازليّة و لاتكون في الازل كل ما لميكن و اذا وجدت التفصيليّة وقع تعيّن الذّات لان التفصيلية تعيّن الاجماليّة التي هي الذّات فيكون المصنف و اتباعه هُمْ تَعَيُّنُ الذات الحق عز و جل .
و قوله « لان ذاته مشيّئ الاشياۤء و محقّق الحقاۤئق » معناه عند اهل الحقّ انه سبحانه مشيّئ الاشياۤء [ص 145] بمشيّته اذ الشّيء انّما هو شيء بمشيّته كما اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته يوم الغدير و الجمعة بقوله في الثناۤء علي اللّه سبحانه و هو منشئ الشّيء حين لا شيء اذ كان الشيء من مشيّته ، رواه الشيخ في المصباح فقوله عليه السلام اذ كان الشيء من مشيته يشعر بالاشتقاق و امّا انّ اللّه سبحانه شيء فعلي ما نعرف من وصف العنوان و هو خلق احدثه عز و جل لتعرفه العبيد بصفة التوحيد و التفريد و مشيّة اللّه سبحانه عند اهل الحق عليهم السلام هي فعله اذ ليس للّه مشية و ارادة الّا فعله روي الصدوق عن الرضا عليه السلام في كتابه التوحيد انه عليه السلام قال المشية و الارادة من صفات الافعال فَمنْ زعم انّ ٱللّٰهَ لميزل مريداً شاۤئياً فليس بموحّدٍ ه ، فهو عز و جلّ مشيّئُ الاشياۤء بفعله و كذا محقّق الحقاۤئق فان تكوينها تحقّق بفعله تحقّق صدور و ذواتها تحقّقت بما اخترع لها من المواد و الصور تحقّقا ركنيّا و معني قوله عنده انّها تحقّقت بذاته تحقّقاً ركنيّا كما هو مذهب المشهور من الصوفيّة انّ وجودَ الاشياۤء ذاته و وجوده تعالي و بعضهم ذهب الي انّ وجود الاشياۤء فعله تعالي و ذهب اليه ضرار بن عمر و اتباعه و المعروف من مذهب المصنف الاوّل و المراد ان الاشياۤء مركّبة من وجود و ماهيّة يعني من مادة و صورة كما هو المعروف من مذهب الحكماۤء علي نحو الاتفاق ان كلّ ممكن زوج تركيبي فقول المصنّف « فذاته احقّ بالاشياۤء من الاشياۤء بانفسها » يريد انه تعالي كوّن الاشياۤء و شيّئَها و حقّقها بذاته لا بفعله اذْ ذواتها من ذاته مثل الكتابة التي تحدث من المهر المنقوش فان حقيقتها من القرطاس فاذا مهرت بمهرك في القرطاس الابيض كان ما لميسوّد من القرطاس هو الكتابة فالقرطاس اولي بهذه الكتابة من الكتابة نفسها فالكتابة البيضاۤء من القرطاس هي وجود الكتابة و مادتها و امّا ماهيّتها و حدودُها و صورتها فمن المداد و اذا كانت الاشياۤء عندهم بهذه المثابة صَحَّ لَهُ و لهم [ص 146] ما ذكره من التعليل من قوله « اذ الشيء مع نفسه بالامكان ، الخ » و امّا عند اهل الحق عليهم السلام فكما سمعتَ قبل هذا من انه تعالي انّما شَيّئَها و حقّق حقاۤئِقها بفعله تحقّقا صدورِيّا و بما اخترعَ لها من المواۤدِّ و الصُّوَر لا من شيءٍ تحقُّقاً رُكنيّاً فعلي القول الحق انه سبحانهُ اَحقُّ بالاشياۤء من الاشياۤءِ بانفسِها بمعني اَنَّ كُلَّ ما به هي هي لذاتها و لما ينسب اليها فهو نِعَمُهُ وَ عطاياهُ و كلّ ما انْعَم به علي احد مِنْ شيء وَ اَعْطَاهُ ايّاهُ فهو في يده و في قبضته لميُخَلِّهَا من يده حٖينَ افَاضَها علي عبدهٖ و الّا لمتكن شيئا اذ هي انّما هي شيء بكونها في قبضته و هو قول الصّادق عليه السلام في الدعاۤء كل شيء سواك قام بامرك لا انّ الاشياۤء من ذاته او بذاته و انّما كل ما سواه فعن فعله لا من شيء فذاته احقّ بالاشياۤء من الاشياۤء بانفسها لان كل شيء منها فهو نعمُهُ التي اخترعها لا من شيء فتفضّل عليهم بما هم به هم و كلُّ شيءٍ في قبضتِه و هو قوله تعالي قل مَن بيده ملكوتُ كل شيء و هو يجير و لايُجار عليه ، فقوله « اذ الشيء مع نفسه بالامكان » اي متقوِّم بها قيام تحقّق و هذا صحيح ، و قوله « و مع مشيّئِه و محقِّقهٖ بالوُجوب » ليس بصحيح اذ الشيء ليس مع صانعه كالكتابة البيضاۤء من المهر في القرطاس الابيض ليكون معه بالوجوب بل هو مع صانعه بالامكان ايضاً اي متقوّم بفعله قيام صدورٍ و لو اُريد الوجوب العِلِّيّ لماخرج بذلك عن الامكان لانّ هذا الوجوب راجحي لا ازلي بل و لا تعيّني فادخال وجوبه في وجوب الازلي مغالطة او قول بوحدة الوجود كما هو مذهب المصنّفِ و لذا جعل وجوب ثبوته مع اللّه وجوباً ازلِيّاً و لذا قال و وجوب الشيء ءاكدُ من امكانه لانه لميرد الوجوب العلّيّ يعني وجوب وجود المعلول عند وجود علته التاۤمّة لان هذا الوجوب ليس ءاكدَ من امكانه لجواز تحويل هذا الوجوب و عدم جواز تحويل الامكان فهو ءاكَدُ [ص 147] من الوجوب بالعلّة .
قال : و من استصعب عليه ان يكون علمه تعالي مع وحدته علما بكل شيء فذلك لظنّه ان وحدته عدديّة و انه واحد بالعدد و قد سبق انّه ليس كذلك بل هو واحد بالحقيقة و كذا ساۤئر صفاته و لا شيء غير حقيقة الحقّ واحد بالحقيقة بل الاشياۤء الممكنة لها وحدات اخر غير هذه الوحدة كالشخصيّة و النوعيّة و الجنسيّة و الاتّصاليّة و ما يجري مجراها و هذا من غوامض ( المسائل ظ ) الالهيّة فما عند اللّه هي الحقاۤئق المحصّلة المتأصّلة الّتي تنزل الاشياۤء منها منزلة الاشباح و الاظلال فما عند اللّه من الاشياۤء احقّ بالاشياۤء مما عند اَنْفسها .
اقول يقول و من استصعب عليه انْ يكون علمه تعالي مع وحدته علماً بكلّ شيء فلاجل ظنه بانّ الوحدة الّتي نطلقها عليه وحدة عدديّة لان العلم حينئذ و ان كان واحداً الّا انّه احد الموجودات و الواحد من الخمسة لايحيط بالخمسة مثلا و نحن نريد بوحدة علمه تعالي الوحدة الحقيقيّة بمعني انّه هو و ليس شيء غيره و انا اقول لك ايّها الناظر انّ الالفاظ قد تشتبهُ في دلالتها فربما اختلف المستدلّانِ لفظاً و هما متفقان معني و قد يكونان مختلفين معني و هما متّفقان لفظا فاذا اردتَ التمييز في المقاصد فاستخبر القاۤئل بالوحدة الحقيقيّة ما تعني مثلاً بها و ما تعني بالعدديّة و النوعيّة وَ ٱلجنسيّة فانه اذا تكلّم في بيان ما ذكر اتي بعبارة ادلّ علي مقصوده مما ذكر اوّلا لان الساۤئل ربّما نبّهه علي معنيً كان قبل السؤال غافلاً عنه فان تعسّر عليه اللفظ الصريح فاطلب منه المثال فوحدة العدد ليست هي وحدة الواحد لان المُراد من الوحدة هنا الوحدة الاجتماعيّة لانّ العدد هو الكمّية كالعشرة فانها شيء واحد و كمّية واحدة فوحدتها ليست حقيقية لاشتمال العشرة علي وحداتٍ [ص 148] متعدّدة و وحدة الواحد ان قصد بها العدد خرجت عن الحقيقية كما اذا قلتَ هذا واحد تريد به اوّل ما تتألّف منه كمّية العدد تقول واحد اثنان ثلاثة فالثلاثة تركّبتْ من وحدات عدديّة بخلاف ما اذا لمترد ما تتألّف منه الكمية بل تريد واحدٌ لا نَظير له لان هذه الوحدة من الوحدة الحقيقية الجاۤئزة علي الحقّ تعالي من حيث التسمية فالواحد قد تكون وحدته من العددية و لايجوز حينئذٍ علي اللّه تعالي و قد تكون من الحقيقيّة فتجوز عليه تعالي و هذا ما اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلام في قوله للاعرابي الذي سأله عن الواحد يوم الجمل قال عليه السلام يا اعرابي انّ القول في انّ اللّه واحد علي اربعة اقسام فوجهان منها لايجوزانِ علي الله عز و جل و وجهان يثبتان فيه فامّا اللذانِ لايجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب الاعدَاد فهذا ما لايجوز لانّ ما لا ثاني له لايدخل في باب الاعداد اَماتري انه كفر مَن قال ثالثُ ثلاثة و قول القاۤئل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لايجوز عليه لانّه تشبيهٌ و جل ربّنا عن ذلك و تعالي و امّا الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القاۤئل هو واحدٌ ليس له في الاشياۤء شبه كذلك ربّنا و قول القاۤئل انه ربّنا عز و جل احدي المعني يعني به انه لاينقسم في وجودٍ و لا عقلٍ و لا وهمٍ كذلك ربّنا عز و جل ه ، اقول و انّما كان الواحد له وحدتانِ يصدق عليهما لانه لميدخل بذاته في العدد كما هو رأي الاكثر و اوّل من ذهب الي هذا فيثاغورس و روي الصدوق في توحيده عن الباقر عليه السلام الي ان قال و الواحد المباين الذي لاينبعث من شيء و لايتّحد بشيءٍ و من ثم قالوا انّ بناۤء العدد من الواحد و ليس الواحد من العدد لان العدد لايقع علي الواحد بل يقع علي الاثنين الحديث ، فقال عليه السلام بقولِ من افرد الواحد من العدد من الحكماۤء فالوحدة العدديّة تتحقّق في شيئين احدهما الوحدة الّتي [ص 149] تتألّف منها الكمّية و ثانيهما الوحدة التي تحصل للكمّية بعد تألّفها و امّا وحدة الواحد الذاتيّة فهي من الحقيقيّة و المصنف يقول من استبعد كون العلم مع وحدته علما بكل شيء فانّما ذلك لظنه انّا نريد بوحدته الوحدة العدديّة اي الوحدة التي عرضت للكمّية بعد تألّفها و نحن انما نريد بالوحدة الحقيقيّة و اقول قد عرفتَ الوحدة العددية فينبغي ان تعرف النوعيّة و الجنسيّة و المراد منها انّ الجنس حقيقة واحدة تحتها انواع متعددة بمعني ان تلك الحقيقة الجنسية مع وحدتها تنقسم الي حِصَصٍ كل حصّةٍ مادّةٌ لنوع من انواع ذلك الجنس فتلك الوحدة الجنسيّة لاتّحاد حصص انواعه في رتبة الجنس كحصص الحيوان المأخوذة في انواعه كالانسان و الفرس و الطير و ما اشبهها فانّها متّحدة في رتبة الحيوان اي كل حصّة منها جسم نامي متحرك بالارادة فمن حيث لحاظ الحيوانية هي واحدة وحدة جنسيّة و من حيث لحوق الفصول لها تعدّدت الانواع بالمميّزات و كذلك الوحدة النوعيّة بالنسبة الي افراد النوع فالوحدة الجنسية متكثرة بفصول الانواع و الوحدة النوعية متكثرة بالمميّزات الشخصية فاذا عرفت هذا فارجع الي المصنف كما قلنا لك و اسئله ما يعني بالوحدة الحقيقيّة بعد ما قرّر انّ حقيقة الوجود واحدة فما كان صرف الوجود العاري عن شوب النقاۤئص و الاعدام هو الوجود الحق سبحانه و ما كان مشوباً بالنقاۤئص و الاعدام فهي وجودات الممكنات و بعد ما قرّر ان هذه النقائص و الاعدام لمتلحقها لذاتها و انما لحقتْها من عوارض مراتب تنزلاتها و هذه العوارض العارضة اللاحقة لها بواسطة مراتب التنزلات هي المميزات لتلك الافراد الوجوديّة بعضها من بعض لانّها هي المتمّمات للقوابل الشخصيّة و اذا نظرتَ بعين البصيرة المجرّدة عن التقليد و الاوهام لمتجد ما وصف المصنّف الا كالخشب فانه [ص 150] الٰاية المطابقة لتوصيفاته فانّه حقيقة نوعيّة و وحدته وحدة نوعيّة و الحصص المأخوذة منه للباب و السرير و غيرهما فانها باقية علي صرف الخشبيّة لذاتها و انّما تميّزت الحصص بعضها عن بعض بما لحقها من الهندسة و الحدود الّتي هي عوارض لمراتب تنزّلات الوجودات و لاسيّما علي رأي المصنف و اتباعه القاۤئلين بان الموجود في الذّهن الاشياۤء بماهيّاتها و حقاۤئقها معرّاةً عن عوارضها الخارجيّة لا بصورها و اشباحِها و الموجود في الخارج ما انحطّ من اشباحها و امثالها كذلك ان حقيقة الوجود هو الواجب الحق سبحانه و حضوره الذي هو العلم الذاتي حضور الاشياۤء للاولويّة المذكورة لانّه مشيّئها و محقّقها و تلك الحقيقة البَسيطة مع كمال وحدتها هي كل شيء من الاشياۤء بحقيقته و ما انْحطَّ عن هذه ٱلحقيقة و تنزّل مِنْهَا فانّمَا هو شبح و ظلّ لحقيقته الّتي طوتْها تلك الحَقٖيقة الحقّة كَما انّ حُضور الخشب حضور السرير و ٱلبَاب فان حقيقة الخشب مَعْ وحدتِها هِيَ كلُّ شَيْءٍ منَ الْاَشْياۤءِ الّتي عُمِلَتْ منه و وحدته عَلَي ما يلزم من كَلام المصنِّف اوْ تكون وحدة الوَاجب جنسيّة اَوْ نَوْعيَّة اِذْ لَيْس للحَقِّ تعالي وحدة عَلي تقريره اِلَّا جنسيّة اَوْ نوعيّة لا شخصيّة و لا اتّصَاليّة و لا غير ذلك لِانَّ جَعْله جميع حقاۤئق الْاشياۤءِ الحادثة في ذاته او في علمه الذي هو ذاته و اَنَّ وجوداتها من سنخ وجوده يلزم من ذلك اَنّ وحدته وحدة نوعيّة و انّه كلّي تنزل من وجوده و حقيقته وجودات الْاشياۤء و حقاۤئقها نُزُولَ الشّبح من الشَّاخِص و ليس لانّها ظلّ له تعالي ليكون قاۤئلاً بالظّلّية بل لان حقاۤئقها من سنخه و ذلك لان حقاۤئقها في ذاته فان كانت مغايرة لذاته لزمَهُ التكثر و التّعدّد المنافيين للوحدة و اِنْ لميكن مغٰايرةً لذاته كان نزول هذه الحوادث من ذاته نزول النوع من الجنس و الشخص من النوع و هو نزول الجزئيّ من الكلي في الغيب [ص 151] الذهني و في الخارج نزول الجزء من الكل او النور من المنير و علي كلّ حال يكون هذا القول قولاً بان للّهِ سبحانه ولداً لصدق الولادة علي خروج كل شيء من شيء باي نوع من الخروج روي الصدوق في التوحيد باسناده الي الصادق عليه السلام عن ابيه الباقر عليه السلام عن ابيه عليه السلام انّ اهل البصرة كتبوا الي الحسين بن علي عليهما السلام يسئلونه عن الصمد فكتب اليهم بسم اللّه الرحمن الرحيم امّا بعد فلاتخوضوا في القرءان و لاتجادلوا فيه و لاتتكلّموا فيه بغير علم فقد سمعتُ جدّي رسول اللّه صلي الله عليه و اله يقول مَن قال في القرءان بغير علم فليتبوّء مقعدَه من النارِ و ان الله سبحانه قد فسّر الصمد فقال الله احد الله الصمد ثم فسّره فقال لميلد و لميولد و لميكن له كفؤا احد لميخرج منه شيء كثيف كالولد و ساۤئر الاشياۤء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين و لا شيء لطيف كالنفس و لاتتشعّب منه البدوات كالسِّنَة و النوم و الخطرة و الهم و الحزن و البهجة و الضحك و البكاء و الخوف و الرجاۤء و الرغبة و السأمة و الجوع و الشّبَع تعالي ان يخرج منه شيء و ان يتولّد منه شيء كثيف او لطيف و لميولد و لميتولّد من شيء و لميخرج من شيء كما تخرج الاشياۤء الكثيفة من عناصِرها كالشيء من الشيء و الداۤبّة من الداۤبّة و النبات من الارض و الماۤء من الينابيع و الثمار من الاشجار وَ لا كما يخرج من الاشياۤء اللطيفة من مراكِزِها كالبصر من العين و السمع من الاذن و الشم من الانف و الذوق من الفم و الكلام من اللسان و المعرفة و التمييز من القلب و كالنار من الحجر لا بل هو الله الصمد الذي لا من شيء و لا في شيء و لا علي شيء مبدع الاشياۤء و خالقها و منشئ الاشياۤء بقدرته يتلاشي ما خلق للفناۤء بمشيّته و يبقي ما خلق للبقاۤء بعلمه فذلكم اللّه الذي لميلد و لميولد عالم الغيب و الشهادة [ص 152] الكبير المتعال و لميكن له كفؤا احد ه ، فتدبّر هذا الحديث الشريف يظهر لك انّ ما ذهب اليه المصنف و اتباعه من الولادة و ان كان الظاهر من كلام المصنف المغايرة لانّه ذاهب كما يأتي عَنْ قريب الي انّ نزول الحادثات الخارجيّة من حقاۤئقها المتأصّلة القاۤئمة بذاته و تلك الحقاۤئق هي المنشِئة لهذه الاشباح الخارجيّة باللّه فاذا جرينا علي ظاهر المستفاد من كلامه من المغايرة كانت تلك الحقاۤئق المغايرة مباينةً للذّات لازمةً لها و بهذا تتحقق المغايرة الموجبة للتركيب في نفس الامر و ان كان في اعتقاده ان حصولها له حصول جمعي وحداني اذ هو كلّها فلاينافي حصولها و لزومها وحدته الحقيقية كما لاينافي تعدّد اغصان الشجرة و اوراقها و ثمرها وحدة الشجرة فانها في نفس الامر شجرة واحدة فلحاظ وحدتها في نفسها مستهلك لتلك الكثرات اذ حصول تلك الكثراتِ للشجرة حصول جمعِيٌّ عنده و قد ذكر فيما سبق في قوله : فلايمكن تعدّد الواجب لانه لو تعدّد لكان المفروض واجبا محدوداً لوجود ثاني الاثنين فلميكن محيطاً بكل وجود حيث تحقق وجودٌ لميكن له و لا حاصلاً منه فاۤئضاً من لدنه الٰي اخره انتهي ، و هو صريح انّ المغاير في وجوده اذا كان الحق تعالي محيطاً به و هو حاصل من الوجود الحق فاۤئض من لدنه داخل تحت حقيقة ذاته اذا حصل مع الحق تعالي لاينافي وحدته اذ حصوله كحصول الاغصان و الورق للشجرة و هو حصول جمعيٌّ لانه تعالي كل ما سواه من الاشياۤء و مادّة التأليف تحقِّقُ الكليّة و الوحدة المشار اليها هي وحدة الكل يعني الوحدة الحقيقيّة ، ثم قال بعد ذلك : و ان كل كمال وجوديّ رشح من كماله و كل خير لمعة من لوامع جماله فهو اصلُ الوجود الخ ، انتهي ، و هو يؤيّد ما ذكرنا فاذا كان الوجود في الكل واحداً و علمه راجع الي وجوده فقوله في هذه [ص 153] القاعدة لتقرير انه تعالي كلّ الاشياۤء فكما انّ وجوده تعالي لايشوب بعدم شيء من الاشْياۤء فكذلك علمه الذي هو حضور ذاته لايشوب بغيبة شيءٍ من الاشياۤء الخ ، مثل ما ذكرنا ان علمه عين وجوده الّذي هو ذاته و وجوده كل الموجودات و علمه عين وجوده فهو عين المعلومات علي حدّ عينيّة الشجرة لاجزاۤئها فوجوده وجودها و عدمُها عدمُه اذ ليست عند المصنف اٰثاراً له فلايلزم من عدمها عدمه بل في الحقيقة يكون كلام المصنف راجعاً الي ان الاشياۤء اجزاۤؤه او جزئيّاته بل الاول اوجه بما يلزم من كلامه و تمثيلهم بالحروف اللفظيّة من النفس بفتح الفاۤء و بالحروف النقشية من المداد و بالاعداد من الواحد و ما اشبه ذلك يشهد بانّ اللازم من كلامه هو الاول .