و قوله « فهو اصل الوجود و ما سواه تبع له » يريد به ان ذاته تعالي لما كانَتْ حقيقة الوجود كان ما سواها من كلّ الوجودات تابعاً لِتلك الحقيقة في التحقق بها اي تحقّق كل شيء بنفس تحقق الذات فلا تحقّق لها الّا تحقّق الذات و بهذا المعني تكون الاشياۤء اعراضاً له قاۤئمة به قيام عروض و قد قال في المشاعر في الاستشهاد علي ثبوت الوجود مستشهداً بكلام الحكماۤء انهم قالوا ان وجود الاعراض في انفسِها وجوداتها لموضوعاتها او وجود العرض بعينه حلوله في موضوعه انتهي ، و هو تمثيل منهم لوجودات الاشياۤء و قيامها بالوجود الحق و هذا منطبق علي التشبيه بالثلْج و الماۤء و قد ذكرنا قبل قول شاعرهم في قوله :
انا كالثوب ان تلوّنْتُ يوماً باحمرارٍ و تارةً باصفرارِ
فكون ما سواه تبعاً له مفتقراً في تجوهر ذاته اليه من هذا القبيل و كل هذا [ص 100] من فروع القول بوحدة الوجود و كل ما ارادوه باطل ليس من الحق في شيء بل الحقّ انّ ما سواه مفْتقر في تجوهر ذاته الي صنعه و الي امره و صنعه فعله التي قامت به قيام صدورٍ و امره اوّل مخلوقٍ صدر عن فعله قامت به الاشياۤء قيام تحققٍ قياما ركنيّا لان وجوداتها من شعاع وجوده فافهم .
قال : وهمٌ و ازاحة ان اوهن الطرق و اضعف الحجج علي التوحيد طريقة بعض المتأخرين نسبوها الي ذوق بعض المتألهين حاشاهم عن ذلك يبتني علي كون مفهوم الموجود المشتق امراً شاملاً عامّا و كون الوجود شخصيّاً حقيقيّا مجهول الكنه قالوا يجوز ان يكون الوجود الذي هو مبدء اشتقاق الموجود امراً قاۤئما بذاته هو حقيقة الواجب و وجود غيره عبارة عن انتساب ذلك الغير اليه فيكون الموجود اعم من تلك الحقيقة و من غيرها المنتسب اليه و معناه احد الامرين من الوجود القاۤئم بذاته و ما هو منتسب اليه و معيار ذلك ان يكون مبدء الاثار .
اقول هذا الذي جعله المصنف اوهن الطرق ادقّها و امتَنُها و ان كان فيه تقصير من جهة التعبير و لعل من نسبوه اليه عبّر عن مقصوده علي نحو الرمز بنوع التمثيل كما اذا قلت زيد مثلا شخص حقيقي و ذات متحققة فاذا اردت ان تعبّر عن بعض اثاره الفعلية او الانتسابيّة قلتَ الزيادة اِشتققتها من لفظ اسمِ زيدٍ فتحقّقها بنسبتها بالاشتقاقِ مِنْ لفظِ اسم زيد لان حقيقة هذا اللفظ اعني الزيادة اِنّما تقوّمَتْ بِمَاۤدتها التي هي صورة ماۤدة اسمه يعني ان الزاي فيها من صورة زاي زيد و ياۤءَها هي صورة ياۤئه و دالها صورة داله و الفُهَا تولّدتْ من الياۤءِ و هاۤؤها اجْتُلِبَتْ من عوارض المقام و هو التأنيث و لو لميرد التأنيث او المبالغة لميؤتَ بها فاذا تدبَّرْتَ الزيادة وجدتها متقوّمةً بالانتساب الي اسم زيد يعني الاشتقاق منه و قدْ قلنا فيما مضي و نقول فيما يأتي [ص 101] انشاۤء اللّه تعالي و قلنا في اكثر كتبنا انّ هيئة المخلوق من هيئة فعل خالقه تعالي و الفعل يجري في المفعولات علي حسب قوابلها كما قلنا ان هيئة الكتابة في جميع حروفها علي هيئة حركة يد الكاتب و ما وجود جميع الكائنات و تحقّقها و تذوّتها و تجوهرُها اذا نسبْتَها الي وجود الحق عز و جل و تحقُّقِه سبحانه الا كوجود لفظ الزيادة و تحققها و تذوّتها من لفظ اسم زيد و للّه المثل الاعلي و مثل ضرْباً الذي هو المصدر المشتقّ مِنْ ضَرَب الذي هو فعل زيدٍ و ضرْباً معْني اشْتقَاقِه و حقيقتُه انَّ ضاده صورة ضادِ ضرب و راۤءه صورةُ راۤءِ ضَرب و باۤءه صورة باۤءِ ضَرَبَ فزيد في هذا المثل آيةُ الذاتِ الحقّ عز و جل و ضَربَ الذي هو فعل زيد آيةُ مشيّته تعالي و ضرباً الذي هو المصدر آيةُ مفعوله فوجود ضرْب بسكون الراۤء انما هو عبارة عمّا اشتُقَّ من ضرب بفتح الراۤء فاذا جعل الحكيم الوجود شخصيّاً حقيقيّا يعني ذاتا بسيطةً واحدة تشخصّها بما هي ذات لا غير قاۤئما بذاته هو حقيقة الواجب تعالي بقوله مجهول الكنهِ و جعل وجود غيره عبارة عن انتساب ذلِكَ الغير اليْه اي ان حقيقة وجود كل موجود كالمعني الاشتقاقي من اسم الذات علي نحو ما اشرنا اليه من التمثيل و التبيين و انّما عبّر بالموجود علي ارادة المعني الاشتقاقي علي طريقة الرمز و التمثيل لميكن طريق اقوي و لا ادقّ و لا اصحّ من طريقه و لا امتَن من تحقيقه الّا انّه لوَّح بسرّ اللّه لٰال اللّه فتلقاه من لايلقاه .
و قول المصنّف « فيكون الموجود اعمّ من تلك الحقيقة و من غيرها » ليس بشيء لان العارف لايطلق الموجود بهذا المعني المتعارف علي الذات البحت اذ هذا المعني المتعارف انّما يطلق علي الايات يعني انه عز و جل موجود باثباته اي اثبات معرفته في العقول لانّه تعالي كما قال سيّد الوصيين عليه السلام وجوده اثباته و دليله آياته ه ، نعم يطلق هذا اللّفظ من حيث التسمية [ص 102] علي كلّ ما هو شيء في رتبة صحة الاطلاق و هذا القيد للاحتراز عن تناول ارادة الذات البحت لانه تعالي لاتطلق عليه عبارة و لاتميّزه اشارة اذ كل ما ينسب الي شيء او ينسب اليه شيء او يلحقه اقتران او افتراق فهو مخلوق و الله سبحانه خالقه فافهم .
و قوله قبل « قالوا يجوز الوجود الذي هو مبدء اشتقاق الموجود الي اخره » نقول عليه ان اراد القاۤئل بقوله الذي هو مبدء اشتقاق الموجود انّه باعتبار اشتقاق الموجود من اسمه اي الذي سمّي به نفسه لخلقه علي نحو ما اشرنا اليه كما هو ظني به و ان كان فهم الناقلون منه خلاف ما اراد كان صواباً لان تلك نسبة تحقق الموجود و كونِه من فعلِ صانعهٖ بل تلك النسبة هي نفس كونه و تحقّقه اذا لميرد بالنسبة نفسها المعني اللّغوي و ان اريد بها اللغوي فنسبة كونه و تحقّقه الي الوجود الحق نسبة كون ضرْب بسكون الراۤء و تحقّقه الي ذات زيْد و المصنف فهم من تلك النسبة النسبة اللغويّة و المنسوب ذات الموجود و المنسوب اليه ذات الحق سبحانه و لا شكّ في بطلان ذلك بهذا المعني امّا الذين نقل عنهم فالله سبحانه اعلم بما ارادوا و كذلك المتألّهون الذين نقل اولٰۤئك عنهم الّا انّ ظنّي انّ هذا مرادهم و هو امّا ان النسبة هي الاشتقاق من الاسم كما اشرنا و الاسم هو الفعْل و الاشتقاق اَخْذ الذات من هيئة الفعل اي اخذ ماهية الموجود اَوْ اَخْذ ماۤدّته مِنْ اَثرهِ و امّا ان النّسبة اللّغويّة و يراد انّ نسبة تحقّق الموجود و كونه الي الوجود الحقّ كنسبة الضرب الذي هو المصدر في التحقق و الكون الي ذاتِ زَيْدٍ و امّا اذا اريد ما فهم المصنّف فباطل و هو الذي ذكره بقوله و معناه احد الامرين من الوجود القاۤئم بذاته و ما هو منتسب اليه و لعلّ قولهم ان الوجود امر قاۤئم بذاته يشير الي ما وجّهنا به الكلام المنقول فافهم .
[ص 103] قال : ثم بالغوا في امرٍ سهلِ المؤنةِ و هو ان الوجود لو كان قاۤئما بذاته لصحّ اطلاق الموجود عليه و اهملوا ما هو مِلاك الامر و هو ان ذاته تعالي هل هو عين معني الوجود المطلق الذي يثبُتُ للاشياۤءِ بعض انحاۤئه و افراده ام لا علي ان هذا الباب مسدود عليهم حيث انه ليس للوجود المطلق الشامل للموجودات معني الّا الانتزاعي المصدري المعدود من المعقولات الذهنيّة الّتي لايطابقها شيء .
اقول قوله « و هو ان الوجود ، الخ » يريد ان تخصٖيصهم الموجود بالحادثات لا معني له بل ان كان الوجود الذي فرض قاۤئما بذاته متحقِّقاً صحّ اطلاق الموجود عليه و اذا صحّ ذلك لزمهم كون مفهومه مشتقا منتسباً الي وجود قاۤئم بذاته فلايكون المفروض كونه قاۤئما بذاته قائماً بذاته و يلزم التسلْسل بنقل الكلام الي القاۤئم بذاته الثاني و هكذا و علي كلّ حال يكون الموجود اعم من الحقيقة اي القاۤئم بذاته و من المنتسب اليه و اقول قد ذكرنا في هذا الشرح و غيره ان ما يعقل من الوجود و الموجود فانّما هو حادث نعم يجوز ان يطلق من باب التسمية علي العنوان و لقاۤئل ان يقول يمكن الفرق بين الشيء القاۤئم بذاته و القاۤئم بغيره فيطلق الوجود علي الاوّل لكونه محض الوجود او ماهيته هي وجوده بلا اعتبار مغايرة لا خارجاً و لا ذهنا و لا في نفس الامر بخلاف الثاني فانه في الخارج و في الذهن و في نفس الامر وجود و ماهية فهو موجود و لايطلق عليه وجود الّا بلحاظ ركنه الايمن او كونه بمعني الصنع و الاثر و النور بالمعني الثاني من معنيي الوجود و الماهية كما تقدّم و الحاصل ان القاۤئم بذاته انّما يصح اطلاق لفظ الموجود بمعني ما نفهم من الموجود علي عنوانه من باب التسمية او علي تأويل معرفته باياته او وجوده باثباته .
و قوله « و اهملوا ما هو مِلاك الامر » بكسر الميم و هو ما به قوام [ص 104] الشيء يعني به انّ مناط البرهان علي ذلك يتوقّف علي تحرير المطلوب و هو ان ذاته تعالي هل هو عين معني الوجود المطلق الّذي يثبت للاشياۤء بعض انحاۤئه و افراده ام لا يشير به الي نحو من انواع استدلاله و كلامه يشير به الي انّ ما نعني به من الوجود الشامل للحقيقة ليس هو هذا المعني الانتزاعي المراد بمعناه بالفارسية بهستي فان هذا معني مصدري ليس له مصداق خارجي و انما هو من الامور الذهنيّة و اقول معني كلامه هذا باطل من وجوه احدها ان كلامه في مواضع كثيرة من كتبه لاتأبي هذا و لكنه لمّا تنبّه له هنا وجده قبيحاً فاعرض عنه و ثانيها ان اصل هذا الاصطلاح لميكن من وضع لغةٍ من اللغات و انّما اصطلحوا بوضع هذا اللفظِ علي شيءٍ لايعرفون له معني الّا الانتزاعي المصدري و حيث كان هذا لايقع الّا صفة و الصفة مسبوقة بالموصوف و الموصوف انْ وصف بالوجود قبل تحقّق الوجود وجب اما ان يكون صفة او يكون الوجود هو الموصوف فيلزم علي الاوّل التسلسل و علي الثاني ثبوت المدّعي و ان لميوصف بالوجود وجب ان يوصف بالعدم المنافي للتّحقق حداهم الحال الي اثبات كون الوجود اسماً للذات الموصوفة و من هنا يقولون الوجود عند العوام هو الكون في الاعيان و عند الخواۤصّ ما به الكون في الاعيان فاذا زوحموا في بيانه اضطربت عباراتهم و مقاصدهم فمن بين نافٍ او مثبتٍ لمطلق شامل للواجب و الممكن او لعامٍ مصدري او نسبيّ اوْ رابطي او لشيء لايعرفه و اذا تتبّعت كلماتهم ظهر هذا و نحن في كلامنا معهم لا بدّ لنا من استعمال هذا اللفظ الّا انا نريد به في معنيين في المعني الاول هو المادة و الماهية هي الصورة و في المعني الثاني هو بتأويل الصنع و الاثر و النور و الماهية بتأويل هويّة الشيء من حيث نفسه فكلام المصنف باطل لدوران كلامه علي كل معني من هذه [ص 105] المذكورات و ثالثها ان قوله من المعقولات الذهنية الخ ، ينافي قوله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الا بقدرٍ معلومٍ و قول الرضا عليه السلام المتقدّم فاذا اثبت الكتاب و السنّة شيئا كان قول كل نافٍ له باطلاً و المصنّف مع دقّة نظره و شدّة توغّله سَلك مَسلك ارباب القشور من انّ الشيء الموجود هو الثخين الغليظ كالجبل و الانسان و امّا مثل المعاني و الصفات فهي عندهم امور ذهنيّة ليست موجودة الّا في ٱلاذهان و لمتكن مخلوقة للربّ الرحمن سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيراً و يأتي الكلام في هذا المقام انشاۤء الله تعالي و رابعها لمّا تبيّن له بطلان استعمال الوجود المطلق في الواجب و الممكن انكر صدقه علي ذات الواجب و الممكن و اما اتّصافه به بمعني تحققه و ثبوته فهو صادق عليه تعالي و علي الممكن عنده و قد قلنا انه باطل اذا عني به الصدق علي الذات من حيث حصولها كما هو الثابت الجازم عنده لانه تعالي انّما يُوصف بهذا المعني من حيث اثبات معرفته في قلوب المؤمنين كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام وجوده اثباته و خامسها لمّا تبيّن له بطلان استعمال الوجود المطلق في الواجب و الممكن انكر صدقه اي صدق المعني المصدري عليه عز و جلّ و علي الموجودات و كانت عباراته في ساۤئر كتبه مصرّحة بذلك ففرّ عن ظاهره الي باطنه فكان قد وقع فيما فرّ عَنه من حيث لايشعر فجعل ذلك الذي فرّ عنه عنواناً لمٰا يريده من شيء واحدٍ مطلق يصدق قويّه علي القديم و ضعيفه علي الحادث فقال كما يأتي بعد هذا بل الحق انّ هذا المفهوم العام الذي هو مبدء اشتقاق الموجود المطلق عنوانٌ لاَمْرٍ محقّق حاصلٍ في الاشياۤء الخ ، فقد فر بقوله عن معني باطلٍ الي معنيً ابطل منه اذ ربّما يقال عليه لو قال بالاوّل انه اخطأ حيث قال بالاشتراك اللفظي لجواز ان يصدّقه كثير من الجاهلين باللهِ و لكنه [ص 106] جعل هذا عنوانا ليتمحّض ان مراده بالاشتراك بين الواجب تعالي و بين الممكن الاشتراك المعنوي لان الاشياۤء من سنخه تعالي فاعتبروا يا اولي الابصار .
و قوله « علي ان هذا الباب مسدود عليهم » يعني به باب كون الوجود المطلق الصادق علي الواجب و غيره انما هو الوجود الحقيقي لا الوجود الانتزاعي المصدري .
و قوله « من المعقولات الذهنية التي لايطابقها شيء » يعني خارجي نقول عليه زيادة علي ما تقدم ليفهم من وفّق الفهم و الهداية هذه الامور الذهنيّة شيء ام ليست شيئا فان كانت شيئا فلايخلو امّا ان يكون منتزعة من الخارجي او لا فان كانت منتزعة من الخارجي فقد طابقها شيء و ان لمتكن منتزعة فاما ان يكون ذاتا او صفة فان كانت ذوات فمن خالقها في الذهن و لا شكّ ان خالقها هو ربّها فان قيل هو النفس او قيل هي صفة مع ان ايجاد صفة بلا موصوف ممتنع عقلا و نقلا كما روي عن الرضا عليه السلام فتكون تلك كلّها ردّاً لكتاب اللّهِ العزيز حيث يقول و ان من شيء الا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلومٍ و يقول تعالي و اسرّوا قولكم او اجهروا به انه عليم بذات الصدور ، الايعلم من خلق فاذا اخبر تعالي انه خلقها و وضعها في الذهن بقدر معلوم كان قوله لايطابقها شيء باطلا و ان لمتكن شيئا فجعلها اشياۤء في الذهن و لا شيء باطل .
قال : ثم ليت شعري كيف وضع الرجل اللغويّ او العرفي لفظا مشتقا و لميفهم بعدُ مفهومَ مبدء الاشتقاق و كيف يكون المشتق اعرف المفهومات و مبدؤه اخفي المجهولات بل ممتنع التّصوّر و كيف يكون المشتقّ معني واحداً و مبدؤه متردّد بين امرين احدهما تلك الذات المجهولة الكنه و ثانيهما النسبة اليه و النسبة الي المجهول مجهولة ايضا .
اقول يقول « ليتني اشعر » و هو تعجّب منه حيث جعلوا مبدء الاشتقاق [ص 107] مجهول الكنه و اشتَقّوا منه معلوم الكنه يريد ان الذي ينبغي ان يكون مبدء الاشتقاق معلوما ليتمكن من الاشتقاق منه و فيه انّهم انّما ارادوا من الشيء القاۤئم بنفسه بمعني الوجود المعني الانتزاعي المصدري لا ان ذاته عندهم معلومة بهذا المعني لينافي قولهم مجهول الكنه و جعلوا اثاره موجودة بالوجود المعروف و هذا انّما اطلقوه علي مجهول الكنه لا علي جهة الاكتناه بل علي جهة التعريف للمقصود و السير الطبيعي في التعريف انْ يكون المشتق معلوم الكنه لقربه منهم و مجانسته لهم فيعرفون ما يجانسهم و لما كان المبدء مجهول الكنه و ذاته المجهولة الكنه ليست مبدء الاشتقاق و انّما مبدء الاشتقاق فعله و اثر فعله اللذانِ لَهُما نوع مجانسةٍ لهم فيحسن ان يطلقوا عليهما ما يعرفون و ان ينسبوا اليهما ما يكتنهون و لمّا كانا ليسا مبدءاً للاشتقاق من كل شيء يصحّ ان ينسب اليه الفعل و الاثر و انما يكونان مبدءاً اذا نُسِبا الي الشيء القائم بنفسه الذي هو مجهول الكنه اطلقوا عليه ما يعرفون ليتعيّن عندهم في كون فعله و اثره هما مبدء الاشتقاق لا ما نسبا الي غيره فيجب في دليل الحكمة بل في العقل ان يكون المشتق معلوم الكنه و المشتق منه اعني علّته التي ينتهي اليها معلوم الكنه و لو بوجهٍ ما و يجب ان يكون الشيء الذي يرجع الي حكمه كل شيء و لايرجع حكمه الي شيء غيره مجهول الكنه و الّا لكان مدركا و المدرك مجانس و المجانس يجب ان يرجع الي الغير المجانس و الغير المدرك و الرَّجل اللغوي و العرفي لايمكنهما وضع لفظٍ بازاۤء ما لايدركانِه لما تقرّر من انه يجب ان يكون بين اللّفظ و المعني مناسبة ذاتية لان الاسم كما قال الرضا عليه السلام صفة موصوف و لا شكَّ في وجوب المناسبة بين اللفظ و المعني و لا شك في لزوم الاقتران بين اللفظ و المعني و الاقتران و المناسبة يمتنعان في حق الغني [ص 108] المطلق القاۤئم بنفسه فيجب ان يكون ما يتقوّم به مبدء الاشتقاق اخفي المجهولات و ممتنع التصوّر نعم من يزعم ان الاشتقاق من نفس الذات لا من فعْله و اَمْرِه كالمصنّف اذا قُبِل منه هذه الاوهام الباطلة يصح ان يقول ما قال من كلّ ممتنعٍ محال .
و قوله « و كيف يكونُ ٱلمشتقّ وَاحِداً معني واحداً و مبدؤه مردّد بين امرين احدهما تلك الذات المجهولة الكنه و ثانيهما النسبة اليه و النّسبة الي المجهول مجهولة ايْضا » مشتمل عَلي مغالطة و امور غير مسلّمةٍ و اشياۤء مختلطة لو اردنا تفصيل ذلك لطال الكلام مع عدم الفاۤئدة و انما المطلوب بيان الحق اذ ليس هذه الامور مختصة بقوله هذا بل كل اقواله او جلّها من هذه المقولة و نحن نعْلم انه لميرد ذلك و انما هذا عنده طريق مستقيم و نحن نقول عليه بنحو ما تقدّم انّهم لميريدوا من وحدة المشتق الوحدة الحقيقيّة و انّما اَرادوا الوحدة النوعية و الجنسيّة و امّا مبدؤه فهو النسبة الي فعله و اثره لا غير و اما الذات المجهولة الكنه فليست مبدءاً كما ذكرنا فليس المبدء متكثّرا بالتردّد عند اهل الحقّ عليهم السلام و امّا التردّد بين الشيئين في المبدأ فلايكون الّا علي رأي المصنّف فيكون المبدأ علي الصحيح هو الذات المعلومة اعني الفعل و اثره فان قلت كيف يكون الفعل ذاتا و هو امر اعتباري او صفة علي قولك قلتُ انّ الفعل انما يكون عرضاً قاۤئما بالفاعل قيام صدورٍ بالنسبة الي الذات الحق لانّ هذه نسبته بالنسبة اليه تعالي و امّا بالنسبة الي آثاره التي هي المفعولات فهو ذاتٌ متحقّقة تذوّتَتِ الذواتُ من صفةِ هيئة تذوّتها فاذا نسبتَ تذوُّتَ ذاتِ زيدٍ الي تذوُّتِ ذاتِ الفعل الذي قلنا انه عرض بالنسبة الي ذاتِ الحق عز و جل كان جزءاً من الفِالفِ جزء هي ذات الفعل و الفعل هو ادم الاوّل عليه السلام و حوّاۤؤه هي امكانات الاشياۤء و وقته السرمد و مكانه هو الامكانات [ص 109] المشار اليها .
و قوله « و النسبة الي المجهول مجهولة » فيه ان النسبة اذا كانت الي ذات المجهول البحت حيث تصحّ النسبة و امّا اذا كانت نسبةَ اشراقٍ و نسبة تأثيرٍ فليست مجهولةً بل هي معلومة كما نحن فيه لان النسبة ترجع في الحقيقة الي الفعل و التّأثير و هي معلومةٌ فافهم و لاتصغِ الي اوهام المصنّف و متابعته لاراۤءِ مَن تقدّم عليه .
قال : بل الحق ان هذا المفهوم العام الذي هو مبدء اشتقاق الموجود المطلق عنوان لامرٍ محقّق في الاشياۤء متعدِّد حسب تعدُّدِها مقول بالتشكيك عليها بالاشدّيّة و الاقدميّة و مقابلَيْهِما و اكمل الموجودات و اشدّها هو الوجود الحق الذي هو محض حقيقة الوجود لايشوبه شيء غير الوجود و هو اظهر الوجودات و اوضحها بحسب نفسه لكن لفرط ظهوره و قهره و استيلاۤئه علي المدارك و الاذهان صار محتجباً عن العقول و الابصار فحيثيّة خفاۤئه بعينها حيثية ظهوره و علي هذا تبتني مسئلة التوحيد و به ينفتح بابه لا بغيره اصلا .
اقول يريد ان مفهوم الانتزاعي المصدري العام كما ذكره نقلا عن كلام اولٰۤئك النّاقلين عن بعض المتألّهٖين و انّه من المعقولات الذهنيّة التي لٰايطابقُها شَيْءٌ الذي جعله اولۤئك شامِلاً لجميع الاشياۤء واجبها و ممكنِها ظلّي اعتباري لا تحقّق له في الخارج فكيف يصدق مثل هذا النحو من الوجود علي الذات الحق سبحانه بل الحقّ في المَسْئلةِ انّ هذا المذكور عنوان اي دليلٌ و آية لامرٍ اي لوجودٍ محقّق ثابت في نفسه في الخارج و هذا الوجود المحقّق سارٍ في الاشياۤء متعدّد فيها حسب تعدّدها بكل نوع من انواع التعدد تعدّد الاعداد في مراتبها او في معدوداتها و تعدّد الانواع من الاجناس او تعدد الحصص النوعية او الفصليّة و تعدد الجزئيّات و تعدّد [ص 110] الاجزاۤء و الحاصل انه اذا كان تعدّده بحسبها فكل طور من اطوار التّعدّد جارٍ في افرادِهَا و كلّ طورٍ من التَّعدد الجاري في افرادها يجري في اطوار ذلك الوجود السّاري في الاشياۤء كلّ بحسبه و هذا معني كلامه و ما يوافقه من المعاني و قد قلنا انّ الذي التجأ اليه اسوء من الذي فرّ عنه لانّه لميرض بكون الوجود المطلق الشامل للواجب و للاشياۤء ان يكون مصدريّا ذهنيّا انتزاعيّا و حكم بان هذا عنوان لوجود ذاتي متحقّق شامل للواجب تعالي و للاشياۤء بكل نوع من انواع حقاۤئقها و اعراضها و اوصافها و اسماۤئها و ساۤئر آثارِها متّحد بماهياتها علي طبق ما هي عليه من الذّوٰات و الاحوال و الاثار و صلوح الانتزاعي لذلك التّعدد و الكثرات المختلفة محقّق لكونه هو اكوانها في الاعيان امّا الحقيقي الذي يزعم ان الانتزاعي عنوانه فلايصلح لشيء ممّا ذكر اذ ما يليق بالوجوب لايليق الحدوث بمثله و قسيمه او جزئه او جزئيّه و كيف تكون حقيقة واحدة بعض افرادها هو الحق عز و جل و بعضها الجدار و الحجر و الشجر و تلك الحقيقة صادقة علي ذوات تلك الافراد جميعها بالتواطي و ان كانت صادقة علي ذواتها من حيث الكم و الكيف بالتشكيك فنفي المصنف الانتزاعيّ المصدري و شمولَه مع امكان توجيهه الي نوع من الصحة و اثبت الحقيقي الذي كان الانتزاعي عنوانه و العنوان وصف المُعَنْوَنِ و صفته التي من عرفها فقد عرف المُعَنْوَنَ فيجري فيه كل ما يجري في العنوان و الّا لميصح كون العنوان عنواناً ما هذا الّا شيء تكاد السموات يتفطرن منه و تنشق الارض و تخرّ الجبال هَدّاً و قال ذلك الحقيقي الذاتي الذي هو حقيقة الاشياۤء اعني ما كان الانتزاعي المصدري عنواناً له مقول بالتشكٖيك عليها بالاشدّية و الاقدمية و مقابلَيْهِما يعني انّ ذلك الوجود الحقيقي يقال علي جميع الاشياۤء واجبها و ممكنها بالتشكيك فالفرد الواجب [ص 111] يقال عليه ذلك الحقيقي بالاشديّة و الاقدميّة شدّة و قوّة و قدماً ليس لها نهاية و ليس وراۤءَهَا غاية و لايحتمل في شيءٍ مما يصح عليه امكان الزيادة لا ذهناً و لَا خارجاً و لا في نفسِ الامر و الافراد الممكنة يقال علي كل واحدٍ بنسبة مرتبته من الكون بالشدّة و بالضعف و بالتقدم و التأخر و النقص و الزيادة و اقول اذا اراد به ما نريده نحن من كون المراد بالوجود هو الماۤدة صحّ قوله في كل ما يتعلق بالحوادث و بطل قوله في كل ما ينسب الي الذات الحق تعالي مطلقاً اي سواۤء اراد به الماۤدة ام غيرها .
و قوله « و اكمل الموجودات و اشدّها هو الوجود الحق ، الخ » يريد به انّ تلك الحقيقة الوجودية تحتها افراد تصدق علي افرادها بالتشكيك و اكمل الموجودات و اشدّها هو الوجود الحق فيكون الوجودات الممكنة عنده افراد ذلك النوع الذي سمّاه الحقيقة و الواجب واحد منها الّا انه قوي شديد خالص لايشوبه شيء و هي غير خالصة بل مشوبة باشياۤء ليست وجودات فيلزمه ان الاشياۤء كل واحد منها واجبها و ممكنها اما ان تكون جزئيّات تلك الحقيقة او اجزاۤء من ذلك الكلّ و علي كل تقديرٍ يكون المصنّف و اتباعه من الجاعلين بينه و بين خلقه نسبا كما في قوله تعالي فيمن قال انّ الملاۤئكة بنات و جعلوا بينه و بين الجنّة نسباً ، و المصنف ايضا قائل ان تلك الحقيقة الخالصة عن شوب النقاۤئص هي الواجب تعالي فيكون من الجاعلين له من عباده جزءاً ان الانسان لكفورٌ مبين و يلزمه ايضا انّ هذه النقاۤئص و الاعدام و الماهيات و المعقولات الذهنيّة ان كانت اشياۤء فهي امّا مخلوقة و امّا قديمة فان كان الوجود حقيقة لكل شيء فهو حقيقة لها فلاتكون نقاۤئص بل قد تكون متمّمة و قد قرّرنا في شرح المشاعر و غيره انّ اللّه عز و جل لميخلق شيئا فرداً قاۤئماً بذاته للذي اراد من الدلالة عليه و اثبات وجوده كما قال الرضا صلوات اللّه عليه [ص 112] و الاشياۤء بجميع اجناسها و انواعها و افرادها و ابعاضها و صفاتها و احوالها و افعالها و اقوالِها كلّها مركّبة من وجودٍ هو مادّتها و من ماهيّة هي صورتها فاذا خلق اللّهُ وجود شيءٍ بقي في خزانة جنسه او نوعه او امكانه غير متميّز و لا متحصِّص و لا متشخّصٍ بل هو كالقطرة في الماۤء قبل انفصالها و كالحرف في مداد الدواة و لميكن متعيّنا لذلك الشّيء في نفسه و لا عند احدٍ من الخلق حتي يلبسه فعل الفاعل عز و جلّ ما قدّر له من الصّور المشخّصة و الحدود المعيّنة كما قال تعالي في اي صورة ما شاۤء ركّبَكَ فاذَا لبس الكسوة ظهر في الاعيان و هكذا كلّ حصّةٍ من جنس او من نوعٍ بل حقيقة هذه الوجودات كلها حِصَصٌ من اجناسِها تتميّز بالفصول التي هي الصور النوعية او حصص من الانواع تتميّز بالحدود الهندسيّة و الهيئات الشخصيّة بل حقيقة تلك الوجودات عند مَن ينظر بنور اللّه اجزاۤء من كلٍّ لَا جزئيّات من كلّي و انّما هي كما في الباب و السرير و الصنم من اجزاۤء الخشب تتميز بالصور و علي كل فرض فان كلّ وجود منها فانّما كماله بتحقّقِه و تعيّنه و ذلك متوقف علي هذه المعيّنات و هي اشياۤء و ما كونها اشياۤء الّا بتحقّقها في مقاماتها و في انفسها هي وجودات و مُعَيِّنات نوعيّة فهي كحصص الخَشب فانّها في انفسِها وجودات و معيّنات نوعيّة ثم يُميّز بعضُها منْ بعضٍ بالمعيّنات الشخصية فالتمييزات النوعية و التمييزات الشخصيّة علي نمطٍ واحدٍ و اذا فحصتَ عن حقاۤئقها وجدتها كلها وجودات موصوفيّة و وجودات صفتيّة و ليس فيها شيء غير هذين اذ ما ليس بوجود ليس بشيء و ان كان وجود كل شيء بحسبه و ما يظن انه نقص بمعني عدم فهو ان كان شيئا فهو وجود مخلوق كغيره و الّا فلا شيء و لا عبارة عنه و دعوي امتزاج شيء بلا شيء او تركيبه منه و من لاشيء باطلة اذِ الامتزاج او التركيب انّما يكون من الوجوديات [ص 113] و حيث ذهب المصنف الي ان الوجودات المشوبة هي في ذوات انفسها علي ما هي عليه قبل الشوب و انّما عرض لها ما لحقها من عوارض مراتب تنزّلاتها للرتبة لا لذاتها فعليه ان يكون كلّ ما تصدق عليه الشيئيّة وجوداً بنسبته و كل ما هو وجود فهو لذاته باقٍ عَلَي صرافة الوجود لذاته كما قالوا في الماۤء في الثلج فتتساوي جميع الاشياۤء فلايكون للتخصيص فاۤئدة بل علي قوله كلّ شيء ازليّ لذاته و انما ينسب الحدوث و الامكان للافراد المشوبة مِنْ حيث لحوق عوارض المراتب لها و كل شيء منها غير مُحْدَثِ الذّات و انما نسب اليه الحدوث للعوارض و علي قولنا تبعاً لقول موالينا عليهم السلام كلّ شيء سوي الذات الحق عز و جل حَادثٌ لا من شيء اي لمتكن ماۤدّته مأخوذةً من شيء قبله غير مخترع الماۤدة ليكون مصنوعاً من غير مصنوع فكل شيءٍ منها لميكن مذكورا قبل جعله ممكنا لا بكونٍ و لا بامكانٍ و لا بعلمٍ و لميكن مذكوراً قبل كونه الّا بامكانه قال تعالي اوَلايذكر الانسانُ اَنَّا خلقناه من قبلُ و لميكُ شيئاً ، فالذي يزعم المصنف انّه غير الوجود ما هو حتّي نعْرفه فان كان قوله حقّا بان الوجود هو حقيقة كل شيء فليس شيء غيره و ان كان شيء ثبت غير الوجود فالوجود لايكون حقيقةً لشيء ، فقوله « هو الوجود الحق الذي هو محضُ حقيقة الوجود لايشوبه شيء » يلزم عليه انّ هنا اشياۤء غير الوجود و قد بيّنا ان الامور الذهنيّة و الاعتبارية و امثالهما ان لمتكن اشياۤء موجودة لمتكن اشياۤء تشوب غيرها و لايلزمنا ما يتوهم انها غير موجودة او انها موجودة بالوجود فان الوجود موجود و لايقال انّما وجد بنفسه و غيره وجد به لان قولك انه وجد بنفسه اتريد به انه هو الايجاد فيلزمك انه فعل لا مفعول ام تريد ما به التحقّق و القوام فيلزمك ما نقوله انّه الماۤدة و آية ذلك ان الصورة في المرءاة تقوّمت بماۤدّتها فاذا قلتَ انّما تقوّمَتْ بقيّوميّة [ص 114] المقابل للمرءاة و هو وجودها قلتُ هذا صحيح و لكن تعرف كيفيّة التّقوّم و باي شيء كان ام لا فان كنتَ تعرف ذلك وجب منك القول بما نقوله و ان كنتَ لاتعرف فانا عليَّ البيان و الله سبحانه المستعان قد ذكرنا ذلك مرارا الّا انّه لغموضه و عدم التفات اكثر البصاۤئر اليه خفي قبل البيان و بعده و الان اذكره ان الشيء يتقوم في بقاۤئه بما تقوّم به في ابتداۤئه و في الابتداۤء تقوّم بماۤدته و صورته و من ايات هذا الصورة في المرءاۤة و نمثّل بها للبيان امّا مَاۤدّة الصّورة في المرءاة فهي ظِلّ المقابل المشرق علي المرءاةِ المنفصل و لمنرد بالمنفصل حصول الانفصال فيه و عدم اتّصاله بالمقابل لانه ظل له و لو انفصل عنه فني و انّما نريد ان الهيئة المتّصلة بالمقابل المتقوّمة به قيام عروضٍ لمتكن هي التي في المرءاة بل التي في المرءاة ظلّها فهو متقوم بالمقابل اعني ذا الظِلّ تقوّمَ صدورٍ و متقوم بالمرءاة تقوّم عروضٍ و هيئة الصورة اي صورتها هي هيئة المرءاة من الكبر و الصفاۤء و البياض و الاستقامة و مقابلها و قد قلنا انّ مادّتها التي هي ظلّ القاۤئمة بالمقابل قاۤئمة بما في المقابل قيام صُدُورٍ و اشراق فهي داۤئمة الاشراق و الافاضة كاوّل المقابلة و المرءاة داۤئمة الانتزاع بقابليتها و الاستفاضة فكلُّ بقاۤئها و دوامِها كاوَّل حصولها و لماُرِد التشبيه اصلاً الا للتّعبير بل المراد ان جميع احوالها في اوقاتها حالٌ وَاحدٌ يعني كل انٍ اوّل اشراقها و افاضتها و انتزاعها و استفاضتها اِذْ ما به الكونُ بهِ المَددُ و كل مصنوع لايتوقف الّا علي العلل الاربع الفاعلية و هي فعل الفاعل و هذه لاتدخل في هويّة المحدث و لا في مفهومه لانه كحركة يد الكاتب لاتدخل في هويّة الكتابة و لا في مفهومها و الماۤدّية و الصوريّة و لا هويّة له غيرهما و لا مفهوم له من غيرهما و الغاۤئيّة كالاولي اذ هما لوازم الوجود اي التحقق و الثانية و الثالثة للماهية بمعني انّ الشيء [ص 115] حقيقته و هويته جميعاً لميشذ عنها شيء فيهما و امّا الاولي و الرابعة فخارجان عن حقيقة الشّيء بحقيقتهما نعم هيئته صورة هيئة الاولي و صلوح هيئة الرّٰابعة فالايجاد اي الاحداث من الاولي و التّحقق و التذوتُ و الشيئيّة من الثانية و الثالثة و نعني بالعلّة الثانية الموصوفيّة و بالثالثة الصِّفتِيّة فان فهمتَ كلامي هذا فهِمْتَ القيّوميّة و ما به التقوّم و الّا فالي اللّه ترجع الامور .
و قوله « و هو اظهر الموجودات و اوضحها ، الخ » يعني ان الموجودات اثار و الاثار و ان ظهرت فانما ظهورها من فاضل ظهوره و هو سبحانه ظاهر باياته محتجب عما سواه بما سواه كما ظهر لما سواه بما سواه قال اميرالمؤمنين عليه السلام لاتحيط به الاوهام بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكَمها ه ، و انما كان اظهر من كل شيء لان كل شيء اثر ظهوره و الاثار و الصفات مع انها هي الظاهرة تضمحل في ظهور الموصوف مثل ما اذا اردتُ اَن اُخاطِبَك فاني لااتمكّن اَن اتوصّل اليك الّا بواسطة صفتِك لانهٰا اَقْرب اليَّ من ذَاتِكَ لِظُهُورها فاقول يا قاعد فاخاطبُك بالقعود مع انّي غير ملتفتٍ اليه الّا بالعرض و لماقصده و انما المقصود اَنْتَ لما اريد منك لا من الصّفة مع انّك قد غيّبتَها بشدّةِ ظهورك بها فانت اظهر عندي و عندك و عند كل من يسمع كلامي من صفتك و انّما تذكر صفتك بالعرض اذِ القعود اثر من فعلك و لو كان اظهر منك لكان هو المظهر لك لانه اذا اجتمع في مقامٍ او رتبةٍ ظاهرٌ و اظهر مترتبان اي احدهما عن الاخر او من الاخر او به كان الاظهر هو المظهر للظاهر و اليه الاشارة بقول سيّدالشهداۤء عليه السلام علي ما نقله بعضهم ملحقاً بدعاۤئه يوم عرفة قال عليه السلام ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهِرَ لك متي غِبتَ حتي تحتاجَ الي دليلٍ يدلّ عليك و مابعدتَ حتّي تكون الاشارةُ هي الّتي توصل اليك عمِيَتْ عينٌ لاتراكَ ( و لاتزال ظ ) [ص 116] عليها رقيباً و خسِرتْ صفقةُ عبدٍ لمتجعل له من حبِّكَ نصيباً ه ، فلاجل ذلك لايخفي علي احدٍ كيف يخفي علي اَحدٍ و لميكن الاحد احداً الّا به لكنّه عز و جل لفرط ظهوره لانّه لا نهاية لظهوره لانّه اظهر من نفسِك لنفسِك ظهوراً لايتناهَي و لشدّة قهره و استيلاۤئه علي المدارك و الاذهان و غيرهما لعدم امكان اجتماعها معه في رتبة و المدرك للشيء مجتمع معه و مُلْتَقٍ به احتجب بها عنها كما قال علي عليه السلام و بها امتنعَ منها و روي عن النبي صلي الله عليه و اله ان للّه سبعينالف حجاب من نورٍ و ظلمةٍ لو كشف حجابٌ منها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ه ، و لمّا تجلّي تعالي بجزء من شعاع نور العظمة و الستر الحادثين للجبل و لموسي عليه السلام جعله دكّا و خرّ موسي صعقا و روي انّه بقدر الدّرهم و روي انه بقدر ثقب الابرة و في صحيحة عاصم ابن حميد عن الصادق عليه السلام فيمن يدّعي الرُّؤية قال ذاكرتُ اباعبداللّه عليه السلام فيما يروون من الرؤية فقال الشمس جزؤ من سبعين جزؤا من نور الكرسي و الكرسي جزؤ من سبعين جزءا من نور العرشِ و العرش جزؤ من سبعين جزءاً من نور الحجاب و الحجاب جزؤ من سبعين جزءاً من نور الستْر فان كانوا صادقين فليملئوا اعيُنَهم من الشمس ليس دونها سَحاب اقول و المراد من الستر اوّل مفعولٍ صدر عن فعله تعالي فاذا كان نور الشمس جزءاً من ستّةعشرالفَالفٍ و ثمانيةٰالاف الفٍ و ثمانمائةالف جزءٍ من نور الستر الذي هو شعاع الستْر و هو جزءٌ من سبعين جزءاً من السّتر فيكون نور الشمس جزءاً من مائة و اثنين و ثلاثينالفَ الفِالفٍ و خمسمائة و خمسةٍ و ستينالفَالفٍ و ستّمائةالفِ جزءٍ من السّتر و الستر اثر فعله و محلّه و متعلّقه اذ لميكن في الاكوان قبله اثر لفعل اللّهِ عز و جل و هذه الشمس لاتكاد [ص 117] تدركها الابصار لشدّة نورِها و وضوح ظهورها فكيف يُدْرَك في ظهوره سبحانه و لمّا كان في عز جلاله كما قال عبده المرتضي و مولانا و سيّدنا الرضا عليه السلام كنهه تفريق بينه و بين خلقه كانت حيثيّة خفاۤئه عن كل مدرك سواه بعينها عين ظهوره لكلِّ من برأه و انشاه .
و قول المصنف « فحيثية خفاۤئه » مع انه لايجوز عليه اطلاق الحيثيات و الجهات انّما هو للتعبير و التعريف .
و قوله « و علي هذا نبتنٖي مسئلة التوحيد و به ينفتح بابه لا بغيره اصلاً » يريد به ان ابتناۤء التوحيد و فتح مغلق ابوابه علي النهج السديد علي ما قرّره من كون صرف حقيقة الوجود هو الواجب و لايصحّ المشاركة في هذا المفْهوم مع لحاظ اخذ الخلوص عن الشوب بالنقاۤئص و الاَعْدام و انّما تصحّ المشاركة في اصل الحقيقة و الحاصل مَبْنَي التوحيد عنده علي صحة القول بوحدة الوجود بل وحدة الموجود و ان كان باعتبارِ قيدٍ كقول بعضهم اَنَا اللّٰهُ بِلا اَنَا و امّا نحن فعندنا هذا مبني الشرك كما نطق به القرءان المجيد في قوله عز و جل و جعلوا له من عباده جزءاً انّ الانسان لكفور مبين و قوله عز و جل و جعلوا بينه و بين الجِنّة نسباً اي مجانسةً و لقد علمتِ الجِنّةُ انهم لمحضرون فان القول بوحدة الوجود كفر بالاجماع و يَصدق ذلك علي وجهٍ ظاهر و وجهٍ خفي امّا الوجه الظاهر فجعل وجود الحق و وجود الخلق داخلانِ تحت حقيقةٍ واحدةٍ و امّا الوجه الخفي فجعل وجود الحق الذاتي و وجود الخلق مقولا عليهما بالاشتراك المعنوي بل اللّفظي اذا اريد بالوجود فيهما الحقيقي الذي هو حقيقة الموجود سواۤء جعل وجود الخلق محدثاً مخترعاً و شرّك بين الوجودَيْن بالمعنوي للزوم كونهما من حقيقةٍ واحدة او باللفظي لوجوب المناسبة الذاتية بين اللفظ و المعني ام جعله قديما باي نحوٍ من انحاۤء مقاصدهم كما تقدم نعم لو اطلق [ص 118] عليهما لفظ الوجود من باب التسمية في التعريف و التبيين او اريد به العام المطلق الانتزاعي و كان عني به في الواجب الحق تعالي عنوانه لميكن به بأس .
قال : قاعدةٌ صفاته تعالي عين ذاته لا كما تقوله الاشاعرة من اثبات تعدّدها في الوجود ليلزم تعدّد القدماۤء الثمانية و لا كما قالته المعتزلة من نفي مفهوماتها رأساً و اثبات اثارِها و جعل الذات نائبة منابها كما في اصل الوجود عند بعضٍ تعالي عن التعطيل و التشبيه بل علي نحوٍ يعلمه الراسخون في العلم من الامّة الوسط الذين لايلحقهم الغالي و لايفوتهم المقصّر .
اقول اعلم ان المعروف من مذهب اهل البيت عليهم السلام عينيّة صفاته تعالي بمعني انّها هي هو عز و جل و هو مذهب اتباعهم من شيعتهم و هذا عندهم مما لا ريْبَ فيه الّا انّ كلّا منهم تكلّموا في معني ذلك فذهب جلّ اهل الظاهر منهم من محقّقي المتكلمين انّ مـٔال معانيها و مفاهيمها الي نفي اضدادها فمعني حيّ انه ذات ليست بميّتة و عالمة ليست بجاهلة و قادرة ليست بعاجزة و هكذا كلامهم في باقي صفاته الثبوتيّة و ذلك انّهم قالوا اذا لمنرجعها الي نفي اضدادِها فامّا ان نجعل لها مفاهيم متغايرة و مغايرة لمفهوم الذات اوْ لا فان كانت لها مفاهيم متغايرة فان كانت قديمة لزم تعدّد القدماۤء و ان كانت حادثة كان خلواً منها قبل كونها و علي الحالين يكون محتاجاً الي الغير و ان لمنجعل لها مفاهيم متغايرة لمتكن صفاتٍ و لميصف نفسه بشيء فلا بدّ من ارجاع مفاهيمها الي نفي اضدادها و منهم من قال بكونها عين ذاته و لميرجع في ذلك الي شيء و ائمّتُنا عليهم السلام قالوا و كمال توحيده نفي الصفات عنه و في بعض رواياتهم و نظام توحيده نفي الصفات عنه و معني الروايتين من النفي نفي زيادتها علي الذات بل [ص 119] هي الذات و انّما تغايرت اسماۤؤها و تكثرت باعتبار تغاير متعلقاتها و تكثّرها و نحن نقول بهذا و سنشرحه شرحاً شافيا انشاۤء اللّه تعالي مَن شرب من كوثره شربة لميظمأ ابداً و ذلك مما دلّونا عليه عليهم السلام امّا قولهم صلي اللّه عليهم و كمال توحيده فهو يدلّ انه قد يحصل التوحيد لبعض الناس مع قولهم بالصفات و اختلاف معانيها و هؤلاۤء ساۤئر اتباعهم و هو توحيد الجملة و هو ان يقولوا الله سبحانه واحد و قد وصف نفسه بصفاتٍ فيجب التصديق بها و انها عين ذاته من غير ان يذوقوا في ذلك معني الاتّحاد او التعدد و قولهم بالاتّحاد و لو ابتلاهم العارف تبيّن له انهم ذاهبون الي التعدد معني و الاتّحاد لفظاً حتي ان الطبرسي رحمه الله في تفسيره جامع الجوامع قال في قوله تعالي و هو معهم اينما كانوا قال ما معناه يعني و هو معهم بعلمه فكأنه يشاهدهم و انما قال بعلمه فراراً مِنْ اَنْ يقول بذاته فيلزم المحذور من الاجتماع مع خلقه و الحواية كما تحويهم الامكنة فعدل الي انه معهم بعلمه لا بذاته و هو صريحٌ في ارادة مغايرة العلم للذات الّا انّه قاۤئل بالاتّحاد و لكن ما داموا قاۤئلين بالتوحيد فهم موحّدون بتوحيد الجملة يعني انه تعالي واحد و هذه ليست آلهة و انّما هي صفاته فليس الّا هو كما ان النملة تزعم ان لله زبانَيْن و هي موحّدة فيصدق علي اهل هذا القول القول بالتوحيد الّا ان كمال هذا التوحيد نفي الصفات بهذا المعني الذي يريد هؤلاۤء لانه في الحقيقة قول بالتعدد و لهذا قال عليه السلام لشهادة ان كل صفةٍ انها غير الموصوف و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع من الازل الممتنع من الحدث و امّا قولهم عليهم السلام و نظام توحيده نفي الصفات عنه فهو ظاهر و امّا مراد الخصيصين من شيعة الائمة الطاهرين عليهم السلام فهو انّه سبحانه و تعالي واحد بسيط [ص 120] احدي المعني لا تكثر في ذاته لا لفظا و لا معني و لا خارجاً و لا ذهنا و لا في نفس الامر و لا في الفرض و الاعتبار بل هو تعالي بكل لحاظٍ في كل حال واحد كامل فوق النهاية بما لايتناهَي في كلّ شيء لذاته و كل ما سواه فهو صادر عن فعله و صنعه و اثارُ فعله كثيرة متعدّدة و كل شيء منها لايكون الّا بعلمه و مشيته و ارادته و قدره و قضاۤئه و باذنٍ منه تعالي و اجل و كتاب فاذا كان صوت ممّا خلق فهو حاضر لديْه فيقال له علي ما تعرف خلقه ممّا عرّفهم انه سميع لانه ادرك الصوت المسموع لانه لايكون الّا حاضراً لديه في مكان حدوده و وقت وجوده فباعتبار ادراكه المسموع وصفته بالسميع و اذا لحظْتَ ما هنالك لمتجد الّا الذات الكاملة و اذا كان لون او مقدارٌ ممّا خلق فهو حاضر لديه فهو مدرِك له عالم به فيقال له علي ما تعرف الخلاۤئق ممّا عرفهم تعالي اِنه بصير لادراكه للّونِ المبصَر لان اللون و المقدار لايكون شيء منهما الّا حاضراً لديه في المكان الذي حدّه فيه و الوقت الذي عَدّه فيه فباعتبار ادراكه للمبصر من اللون او المقدار المرئي وصفتَه بالبصير و ليس هنالك الّا ذاته المقدّسة الكاملة و هكذا ساۤئر الصفات و ادراكه لذلك عند وجود الشيء المدرَك بفتح الراۤء انما هو تعلق الادراك و وقوعه عليه فيُسَمّي هذا الواقع المتَجدّد عند وجود متعلقه بمعني ما بيّن لخلقه فانه تعالي بيّن لهم ان ادراك الصوت اسمه سمع و الموصوف به سميع و ادراك اللون اسمه بصرٌ و الموصوف به بصير و هكذا فاذا لحظتَ الموصوف لميكن منه شيء الّا انه مدرك و ادراكه المتعلّق بالمدرك بفتح الراۤء حادث بحدوثه و هو قبل هذا التعلق كامل كما تقول زيد سميع لذاته بمعني انّه هو ذلك الكمال المسمي بالسميع الذي اذا وجد الصوت تعلّق به فهو سميع قبل كلام عمروٍ فاذا تكلم عمرو تعلّق سمع زيد بكلام عمرو فزيد هو السميع [ص 121] و هو البصير اي اذا وجد لون ابصره و ليس بعض زيد سمعاً يدرك الاصوات و بعضه بصراً يدرك الالوان و انّما السميع البصير العليم هو ذات زيد تكثرت الاسماۤء و النسب باعتبار تكثر المتعلّقات فكذلك ما نحن فيه فانّما قلتَ هو سبحانه سميع بصير عليم قادر و كثّرتَ اسماۤءه الصفاتيّة باعتبار تكثر متعلقات ادراكه فاذا قلت صفاته تعالي التي وصف بها نفسه حي عالم سميع بصير قادر فتريد باعتبار تعلّق تسلّطه سبحانه بالحيوة و المعلوم و المسموع و المبصَر و المقدور و ان قلتَ هذه الصفات منفيّة عن ذاته فتريد انه ليس هناك الّا ذاتٌ كاملة متسلِّطة لا غير و ليس هناك اشياۤء متغايرة مغايرة لذاته بكل اعتبارٍ الّا انّك تصفه بالسمع بلحاظ انه مدرك الاصوات و تصفه بالبصر لانه مدرك المبصرات فصح قولك ان صفاته عين ذاته و تريد انّ ما اصفه به من شيء فانّما هو ذاته لا غير و صحّ قولك بنفي الصفات عنه و تريد انّه ليس الّا الذات البحت الكامل فهذا معني صفاته عين ذاته و معني و نظام توحيده نفي الصفات عنه ثم اعلم انه تعالي سميع قبل المسموع لان المسموع حادث و سمعه هو ذاته و معني ذلك اذا قلتَ سميع بالصوت ان السمع تعلّق بالصوت و لايتعلق به الّا اذا كان شيئا و في الازل لميكن شيء الّا الله الواحد الحقّ المبين فلا بدّ ان يكون السمع تعلّق بالمسموع بعد وجوده و باي نحوٍ من انحاۤءِ الوجود لميكن كلامي و اصواته شيء منها متّصِفاً بشيء من تلك الانحاۤء في الازل و الّا لكان كلامي مع الله في الازل تعالي الله و لايصح ايضاً ان يكون في الازل ليس بسميع فيكون فاقداً لكمالٍ فيجب ان يكون جميع معاني صفاته حاصلة له في الازل و هي ذات اللّه تعالي فاذا وجد شيء من المتعلقات تعلّق به الادراك و لذا نقول قولك هو تعالي عالم بها في الازل باطل اذ ليس شيء منها في الازل ليكون عالماً به [ص 122] و قولك هو تعالي عٰالم في الازل بها في الحدوث صحيح لانّه في الازل عالم لانّ علمه ذاته و معلوماته حوادثُ فيعلمها حين وجدت في امكنة حدودها و ازمنة وجودها و لو قلتَ انه عالم بشيء و لا شيءَ كانَ جهلاً الاتري انّك اذا قلتَ اعْلَمُ ان في يدك شيئا و لميكن في يدي شيء انك جاهل لانّك ادّعيتَ علم شيءٍ و لا شيءَ فلايلزم من قولنا قولك انه تعالي عالم بها في الازل باطل تجهيله تعالي بل العلم اَلَّايكون عالما بها في الازل لعدم وجودها في الازل و العلم لميتعلّق بشيء و دعوي التعلّق ح باطلة و ان كان العلم و هو ذاته تعالي موجوداً في الازل الّا انّ المعلوم و هو انت ليس في الازل و هذا هو قول مقتدانا جعفر بن محمد عليهما السلام كان اللّه ربّنا عز و جلّ و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلمّا احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور ه ، فتدبّر في هذا الحديث الشريف و اسلك بهذا النور في هذا الطريق المظلم فقد نصبتُ لك المنار و كشفتُ لك الاسرار و بقي لهذا تتِمّة و هي قوله عليه السلام وقع العلم منه علي المعلوم فيه تنبيهٌ علي ان العلم يقع علي المعلوم و يطابق المعلوم و يقترن بالمعلوم فلو كان العلم غير واقعٍ علي المعلوم او غير مطابقٍ له او غير مقترنٍ به لميكن العلم علما و لميكن المعلوم معلوماً و هذا مما لا خلاف فيه و لا اشكال يعتريه فاذا حكمتَ بان صفات الله تعالي عينُ ذاته اي هي هو فقولك وقع العلم منه علي المعلوم يكون معناه فاذا احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع الذات تعالي علي المعلوم فهل ترضي ان يكون الامام عليه السلام يريد انه وقع تعالي علي المعلوم و طابقه و اقترن به او انه يريد ان العلم الواقع المطابق [ص 123] المقترن حادث و لايلزم منه القول بانه تعالي لميعلم او انه عليه السلام مافهم الكلام و لايدري ما يقول و ما يلزمه فان كنتَ مؤمناً بسرهم و علانيتهم قاۤئلاً بامامتهم مقتدياً بهم قلتَ هو عليه السلام عالم باللّه و بما يصح عليه و يمتنع علي جهة الحقيقة الامكانيّة و عالم بما قال و انه يريد انّ التعلق و الوقوع و المطابقة و الاقتران انّما هي للعلم الحادثِ الاشراقي الذي يوجد بوجود المعلوم بل نفس هذا العلم هو ذات المعلوم و ليس هو القديم الذي هو الله سبحانه فان العلم المتعلّق بما سواه و مطابق له هو الاشراقي الحادث كما قال تعالي حكاية عن قول موسي عليه السلام في جوابه لفرعون حين قال قال فما بال القرون الاولي قالَ علمها عند ربي في كتاب لايضلّ ربّي و لاينسي و لاتتوهّم بان هذا القول يلزم منه خلوّه من العلم او يلزم كونه جاهلاً كما ذكرنا قبل هذا فانه تعالي لايكون خِلْواً من ذاته اذ علمه القديم هو هو و هو العلم الكامل المطلق و امّا العلم بالحوادث فذاته عز و جل خلوٌ منه لانه انما هو كمال امكاني و كل كمالٍ امكاني فهو ناقص لايجوز ان يكون هو اللّه تعالي نعم لميكن ملكه خلواً من هذا العلم اعني العلم بها اي المقترن بالمعلوم و المطابق له و الواقع عليه و الّا لميكن علماً و هو كتابه تعالي و هو حادث كله مخلوق و الله سبحانه هو خالقه و خالق كلّ شيء و هذا العلم له مراتبُ اعلاها العلم الامكاني المتعلق بامكانات جميع الاشياۤء مما كان و مما يكون و مما لايكون و لو كان انّما يكون اذا شاۤء اَنْ يكون و هذا هو العلم الذي قال تعالي في وصفه بانّ الخلق لايحيطونَ بشيءٍ منه الّا اذا كوّنه قال تعالي و لايحيطون بشيء من علمه الّا بما شاۤء اي لايحيط احد من خلقه بشيء من تكوين ما يمكن تكوينه الّا بما شاۤء تكوينه اي كوّنه اوْ اخبر تعالي بانه يكوّنه مثل امكان زيدٍ اوجده سبحانه علي وجهٍ [ص 124] كلّي غير متناهي الافراد مثلا يمكن ان يخلقه زيداً اوْ عمراً او خنزيراً او طيراً او ارضا او سماۤء او ملكا او نبيّا او شيطانا او جبلا او ناراً او ماۤءً و هكذا بلا نهاية فاذا احدثَ زيداً كان قد اَحْدَثَ فرداً منها فزيد هو مفرد و فيه الامكان الكلي فلو شاۤء تعالي خلقه ما شاۤء كما شاۤء و لايعلم احدٌ من الخلق ايّ شيءٍ يخلق منها الّا بما شاۤء بان يخلق ما شاۤء او يخبر بانه يخلقه كذا و دون هذه من مراتب العلم الامكاني العلم الكوني و هو ما اَلْبس من حُللِ الوجود و الكون ثم العلم الزَّيْتي اي المنسوب الي قوله تعالي يكاد زيتها يضيۤء و هو لمتمسسه نار و هو الارض الميت و الارض الجرز و القابليّات و الاستعدادات ثم العلم العقلي اي المعاني ثم العلم الروحاني اي الرقاۤئق اعني مبادي التصوير ثم العلم النفسي اي الصور الجوهريّة و هو اللوح المحفوظ ثم العلم الطبعاني اي الطيَن بفتح الياۤء ثم العلم الهيولاني اي الحِصَص المادّية ثم العِلْم البَرْزخي اي الصُّوَر الشبَحيّة الظليّة ثم العلم الجسماني اي الحصولات و التحققات ٱلجسمانيّة و هكذا و كلّ شيء من خلقه من جوهر او عرض علم له سبحانه حادث و اعلي الجميع و اعظمه و اشرفه و اعمّه و اشدّه احاطة بلا غاية و لا نهاية هو العلم الامكاني كما قلنا و تَعْدَادُنا هذا علي جهة التمثيل و الّا فهي من حيث اجناسها الكلية الفُالفِ علم و لَوْ لُوحِظَ الانواع و الاصناف و الافراد لنفِدَ البحر قبل اَن تنفد كلماتُ ربّي و لو جئنا بمثله مدداً و الحاصل من التعبير بالصفات هو الوصف المتعلّق بمبادي اسباب المفعولات من صفات الافعال فكما يكون وصفك لزيدٍ بالكاتب من حيث صدور الكتابة من فعله فالصفةُ متعلّقة بمبدئها من فعل زيد فمِن فعلِهٖ بدأتْ و اليه انتهت في وصفِ زيدٍ باسمِ الفاعل يعني الكاتب لاشتقاقه من الفعل وَ اثرِهٖ كذلك يكون الوصف له تعالي بتلك [ص 125] الصّفاتِ من حيث صدور متعلقاتها الّتي بها سُمِّيت و منها تَكثَّرَتْ من اثر فعله الّذي هُوَ مَبْدَءُ اشتقاقِها فمن حيث التعلّق و الاقتران تثبت الصفات منوطةً بمباديها و لا من حيث كان معناها الاَحدِيُّ ذاته المقدسة عز و جل فهو الحقّ الكامل المطلق و فعله مبدء لما اتّصف به لتعريف عباده من الصفات فافهم .