ثم نرجع الي كلامه في هذه الرّسالة فنقول و قوله : و التوافق يعني انّ الوحدة الحاصلة من توافق شيئينِ في جهة تكون غير حقيقية كوحدة توافق الاربعة و السّتّة في النصف فان النصف في نفسه و ان كان واحداً الّا انه منسوب الي متغايرَيْن فلاتكون حقيقية فلاتصدق عليه تعالي و اقول ان جميع الوحدات التي ذكرها تكون صادقة عليه تعالي علي ما قرّره من كلامه ليس منها شيء يخرج عن الوحدة الحقيقية الّتي عناها من كلامه حين اثبت التلازم بين الذات و معلولاتها و احال تصوّر الانفكاك بينهما و منعُه لذلك ممنوع بما يلزم [ص 75] من اعتقاده الذي اثبته و برهن عليه .

قال : بل وحدته وحدةٌ اخري مجهولة الكنه كذاته الّا انّ وحدته اصل الوحدات كما ان وجوده اصل الوجودات فلا ثاني له و كذا علمه الوحْداني نفس حقيقة العلم الذي لايشوبه جهل فيكون علما بكلّ شيء من جميع الوجوه و هكذا القول في جميع صفاته الكمالية .

اقول هو يريد انّ وحدته مغايرة لجميع الوحدات كما ذكر قبل هذا الكلام بلا فاصلة و بيّن وجه ذلك انّ وحدته تعالي مجهولة الكنه كذاته و ما سواها معلومة الكنه ثم بيّن انّ وحدته المجهولة الكنه اصل لساۤئرِ الوحدات يعني انّها استقصّ جميع الوحدات كما ان وجوده كذلك لجميع الوجودات و علمه ايضا استقصّ لجميع العلوم و قدرته و ساۤئر صفاته اصول لساۤئِر صفات الخلق .

و قوله « كذَاتِهٖ » لايُرٖيدُ به اَنّ الوحدة مُغَايرة في نفس الامْرِ لذاته و انما الذات لما كانت معروفة عند الكل بانّها مجهولة الكنه و الوحدة لم‌تُعرَفْ بذلك عند الكلّ و انما يعرف ذلك العارفون باللّه من ان وحدة ذاته هي عين ذاته فشبّهها في هذه المجهولية بها و مراده انّها هي هي و الامر الواقع كذلك بقينا في كونِ وحدته المجهولة الكنه اصلا لجميع الوحدات الحادثة كما ان وجوده تعالي اصل لجميع وجودات الحادثات و كذلك صفاته كلها اصل لصفات خلقه و هذا هو المعروف من مذهبه و مذهب اتباعه القاۤئلين بوحدة الوجود الاتسمعهم يقولون معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته فاذا قلتَ لهم الحجر في ذاته و الثّمر قالوا نعم بوجه اكمل و نحوٍ اشرف و ربّما مثّل بعضهم ذلك بالنار في الحجر فانها كامنة في الحجر كذلك الاشياۤء كامنة في ذاته و كما انه اذا حكّ الحجر بالزناد خرجت النار و هي مثال الكامنة لا ذاتها بحيث اذَا خرجت نقص كَمُّ الكامنة و فقد الحجر شيئا [ص 76] مما هو كامن فيه بل الظاهر مثال الكامنة نزل من الكامنة و لم‌يفقد الحجر شيئا ممّا فيه كذلك ذوات الاشياۤء و صفاتهم اذا نزلَتْ من غيب الذات فانّما نزل مثالها و شبحُهَا و ما في الذات باقٍ في رتبته لم‌يتحوّل و لم‌تفقده الذات قال المصنّف في المشاعر في كيفية علمه تعالي بكل شيء فذاته احق بالاشياۤء من الاشياۤء بانفسها فحضور ذاته تعالي حضور كل شيء فما عند اللهِ هي الحقاۤئق المتأصّلة التي نزل هذه الاشياۤء منزلة الاشباح و الاظلال انتهي ، و قال الملا محسن في الكلمات المكنونة فانّ الكون كان كامناً فيه معدوم العين و لكنه مستعِدّ لذلك الكون بالامر و لمّا امر تعلّقت ارادة الموجدِ بذلك و اتّصل في رأي العين امرهُ به ظهر الكون الكامن فيه بالقوّة الي الفعل فالمظهر لكونهِ الحقُّ و الكاۤئن ذاته القابل للكون فلولا قبوله و استعدادهُ للكون لماكان فماكوّنه الّا عينه الثابتةُ في العلم لاستعداده الذّاتي الغير المجعول و قابليّته للكون و صلاحيّته لسماع قول كن و اهليته لقبول الامتثال فمااوجده الا هو و لٰكن بالحقّ و فيه او نقول ذات الاسم الباطن هو بعينه ذات الاسم الظاهر و الفاعل بعينه هو القابل فالعين الغير المجعولة عينه تعالي فالفعل و القبول له يدان و هو الفاعل باحدي يديه و القابل بالاخري و الذات واحدة و الكثرة نقوش فصحّ انه مااوجَد شيئا الّا نفسه و ليس الّا ظهوره انتهي ، و حيث الزمناهم بالقول بوحدة العلة التاۤمة مع معلولها كما تقدّم لانَّ ما لايمكن تصوّر انفكاكه واحد و تلك الوحدات التي نفاها اشياۤء معلولة له تعالي فهي لازمة لذاته لايمكن تصور انفكاكها و ما لايمكن تصوّر انفكاكه بسيط فهو واحدٌ بوحدةٍ حقيقية لان الذات واحدة و النقوش كثيرة كما قالوا لزِمهم اثبات ما نَفَوا و الاعتراف بما انكروا و لزمهم ان تكون تلك الوحدات مجهولة الكنه لانها وحدة مجهول الكنه و قد صرّحوا بكونها معلومة الكنه فيلزمهم امّا كون [ص 77] معلومة الكنه مجهولة الكنه او رفع الجهالة بالكلّ او خطأ قولهم في الكلّ و ذلك لانّ وحدته عندهم اصل الوحدات كلها كما ان وجوده اصل الوجودات و علمهُ اصل كل العلوم و كذلك ساۤئر الصفات و يريدون ان الوحدة حقيقة واحدة و كذا الوُجود وَ العلم و القدرة و غيرها فصرف الوحدة التي لايشوبُهَا شيء غيرها هِيَ وحْدَته عز وَ جلّ و هي عين ذاته تعالي و ساۤئر الوحدات شؤن لها قاۤئمة بها انحطّت بما عرض لها من نقاۤئص مراتب تنزّلها من غير ان تلحق تلك النقاۤئص لها لذاتها بل هي في ذاتها مبرأة عن شوب النقاۤئص و كذلك صرف العلم الذي لايشوبه جهل و صرف القدرة التي لايشوبها عجز و صرف الوجود الذي لايشوبه عدم و كذا ساۤئر الصفات ما خلص و صفا فهو الواجب تعالي و مَا كَانَ مَشُوباً فهو ما ينسب الي الممكن من غير ان يلحق الشوب شَيْئاً منها لذاته فما ثبت للوجودات من الوجود ثبت للوحدات من الوحدة الحق و لساۤئر العلوم من العِلْم الذي هو حقيقة العلم و لساۤئر القُدَرِ من القدرة التي هي صرف حقيقة القدرة و هكذا ساۤئر ٱلصفات و يرد علي قوله هذَا علي كل واحدٍ منها ما ورد علي الوجود صرفه و مشوبه علي قوله ما اَوْرَدْنَاهُ وَ نوردهُ و امّا علي ما نقوله نحن تبعاً لائمّتنا عليهم السلام من انّ الذّات البحت لايلزمُها شيء و لاتلزم شيئا و لاتكون فعلاً و لا ارادة و لا مشيّة لئلّاتكون مستندة الي غيرها او مستنَداً لغيرها و لاتدخل مع غيرها تحت مفهومٍ و لا في قَيْدِ لفظٍ او معني بل هي مبرّءةٌ من كلّ ما يجوز علي غيرهَا فلاتوصَفُ الّا بالوحدة الحقيقيّة التي لايكون منشاؤها متوقفا علي شيء غيرهَا .

و قوله « و كذا علمه الوحداني نفس حقيقة العلم ، الخ » يريد به ما يريد في الوجود و قد بيّنّا بطلان ارادته و مقصوده في ما تقدم و في شرح المشاعر و غيره اذ علمه الوحداني هو ذاته الحقّ سبحانه و ليس في ذاته الحقّ شيء غيره و لايكون مطابقاً [ص 78] لشيء و لا مقروناً بشيء و لا واقعاً علي شيءٍ و العلم الذي يشير اليه المصنف هو ما يفهمه و لهذا يجعله مطابقا للمعلوم و واقعاً عليه و مقترناً به و لا شكّ ان كل ما يكون مفهوما لاحدٍ من الخلق او مطابقاً لشيء او واقعا عليه فهو محدث و كذلك ساۤئر الصفات .

و قوله « فيكون علماً بكلّ شيء ، الخ » صريح في انّ علمه الذّاتي البحت متعلق بكل شيء و مطابق لِكلّ شيء و واقع علي كل شيء لان المفهوم من العلم ذلك اذ لو لم‌يكن متعلّقا بالمعلوم و مطابقا له و واقعا عليه لم‌يكن علماً به و يلزمه امّا ان يكون العلم في الامكان لان المعلومات كلها ممكنةٌ او المعلوم في الازل لان العلم في الازل و يجيء هنا ما ذكرنا قبل من كون الازل ظرفا او محلا للغير من قديم او حادث و المعلوم المقطوع به انّ الازل هو الذات الحق عزّ و جل و هو العلم الحق عز و جل فلايكون وقتاً لغيره و لا محلاّ لحادثٍ و لا قديم و يجيۤء علي كون العلم في الامكانِ كون الازل في الامكان و بالعكسِ بالعكس و كلاهما محال و لايلزم من قولنا هذا كونه غير عالمٍ بها بل هو عالم في الازل بها في الامكان فالعلم في الازل لايخرج عنه لانه هو الازل و لو جاز ان يخرج منه كان ممكنا و المعلومات كلها في الامكان لاتخرج منه ابداً و التعلّق بها في الامكان مع وجودها لا قبله و هذا هو العلم الاشراقي و اذا اردتَ ان تتصوّر هذا فنضرب لك مثلاً و هو انّك سميعٌ حقيقةً و لم‌يكن احد يتكلم فتسمع كلامه فاذا وجد مَن تكلَّم سمعتَ كلامَه حين تكلّم لا قبله و لايقال لك قبل كلامه انّك اصمّ لستَ بسميعٍ بل انت سميع و لكن لم‌يوجد مسموع فاذا وجد المسموع تعلّق السمع به و وقع عليه و هذا التعلق و الوقوع لم‌يكن قبل المسموع لانه نسبته و اضافته يوجد بوجوده و يفقد بفَقْدِه و انت علي كل حالٍ سميع بغير اختلاف في حال [ص 79] سمعِك بعده و قبله و مثله خروج الصورة منك في المرءاة لم‌يكن قبل المرءاة و لا بعدها و المنطبع فيها اشراق منك لم‌تختلف حالتك قبل الانطباع و بعده و لم‌يتجدَّدْ لك حال و لا اضافة و لا نسبة و انما المتجدِّد حال الانطباع فالاضافة و النسبة و التجدّد للمنطبع في المرءاة فافهم المثال وَ تَرقَّ منه الي معرفة الحق المتعال في مراتب التعريف و معارج التوصيف و اشرب صافياً و دع عنك ترّهَاتِ الصوفيّة لانهم يقولون يعلمها في الازل مع ان المعلوم اذا لم‌يكن شيئا كيف يعلم ما ليس بشيء و لكنهم يقولون هي في الازل اشياۤء و اعيان ثابتة في الازل و لهم اختلافات في ذلك الثبوت و التحقق فمنهم من يجعلها كالحصة النوعية من الجنس فانّ حصّة الانسان من الحيوان لم‌يكن محدثاً لها و هي عينه باعتبار و غيره باعتبارٍ و الي هذا المعني اشار الملا محسن في الكلمات المكنونة في ما تقدم مما نقلناه عنه في قوله فالعين الغير المجعولة عينه تعالي و منهم من يجعلها شؤنات ابرزها من ذاته او شؤنات برزت من دون ابرازٍ او صور علميّة معلقة به تعلّق الظلّ بالشّاخص او هي صور لذاته يخلعها تارة و يلبسُهَا اخري الي غير ذلك من الوساوس الشيطانية ثم اذا كانت في الازل فان كانت غيره تعددت القدماۤء ان قالوا بقدمها و كان الازل محلّا للحوادث ان قالوا بحدوثها و ان قالوا كما في الكلمات المكنونة هي عينه فلم يعبّرون عنها بالمغايرة و الكثرة و يقولون هي و هو تعالي و ان قالوا هي غيره فلم جعلوا غيره عينه و جعلوا له من عباده جزءا انّ الانسان لكفورٌ مُبين .

قال : قاعدة عرشيّة كلّ ما هو بسيط الحقيقة فهو بوحدته كل الاشياۤء لايعوزه شيء منها الّا ما هو من باب النقائص و الاعدام و الامكانات فانك اذا قلتَ ج ليس ب فحيثيّة كونه ج ان كانت بعينها حيثية انه ليس ب حتي [ص 80] يكون ج بعينه مصداقا لهذا السلب بنفس ذاته فكانت ذاته امراً عَدَمِيّاً و لكان كل من عقل ج عقل ليس ب لكن التالي باطل فالمقدّم كذلك فثبت انّ موضوع الجيميّة مركب الذات و لو بحسب الذهنِ من معني وجوديٍ به يكون ج و من معني به يكون ليس ب و غيره من الامور المسلوبة عنه فعلم ان كل ما يُسلبُ عنه امر وجودي فهو غير بسيط الحقيقة مطلقا و كل ما هو بسيط الحقيقة فغير مسلوب عنه امر وجودي فثبت انّ البسيط كل الموجودات من حيث الوجود و التّمام لا من حيث النقاۤئص و الاعدام و بهذا ثبت علمه بالموجودات علماً بسيطاً و حضورها عنده علي وجهٍ اعلي و اتمّ لان العلم عبارة عن الوجود بشرط ان لايكون مخلوطاً بماۤدّة فافهم يا حبيبي و اغتنم .

اقول قوله « كل ما هو بسيط الحقيقة فهو بوحدته كل الاشياۤء » اي بكمال بساطته التي لايمكن فيها فرض التعدّد و الكثرة كل الاشياۤء لانه بحكم عكس النقيض امر وجودي لايسلب عنه شيء كما ذكره في المشاعر باطلٌ بعين ما استدلّ به فانّه انّما استدلّ علي ذلك بانه اذا سلب عنه شيء و اخذ ذلك السلب في مفهومه لزم التركيب فنقول له بسيط الحقيقة امر بحتٌ لا امر لايسلب عنه شيء لان قولك انه امر لايسلب عنه شيء مثل قولك امر سلب عنه شيء اذ في الحالين يلزم التركيب فيلزم التركيب من امرٍ وجودي و امرٍ عدمي فيما فررتَ منه و يلزم التركيب من امر وجودي و من امر وجودي فيما التجأتَ اليه و هو لايسلب عنه شيء و التركيب من الوجوديّين اظهر في التركيب و اقبح لان لايسلب نفي سلب و هو اثبات و انّما البسيط انّه امر بدون قيدٍ علي ان قولك فحيثيّة كونه ج ان كانَتْ بعينها حيثيّة انّه ليس ب يصح اذا اخذت الحيثيّة و لكن لو قيل بنحو ذلك كما يذهب اليه المتكلمون و امثالهم من تقسيم الصفات الي ثبوتية و سلبيّة فانهم اذا وصفوه بسلبٍ مثل [ص 81] هو تعالي ليس بجسمٍ و لكنهم لم‌يأخذوا حيثيّة السلب في مفهوم الثبوت فلايلزمهم المحذور و الذي نذهب اليه تبعاً لساداتنا عليهم السلام اَنّا اذا وصفناه في التعبير عند التعريف بالاوصافِ السّلبية نجعلها حدوداً للاغيار كما قال الرضا عليه السلام كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه يعني كنه معرفته تفريق بينه و بين خلقه اي تنزيهه عما يجوز علي خلقه و غيوره اي جميع غَيْراتِه من جميع ما يناله الادراك ممّا ينفي و يثبت فهو اوصاف ما سواه و تحديد لهم فقولك ليس بجسمٍ تحديد للجسم بالنفي و بالجسمية فافهم هذا ما نقوله ظاهراً و امّا في الحقيقة فلايعرف بنفيِ ما سواه اذ ليس معه شيء منَ السواۤء حتّي يميّز بنفيه و انما هو هو لايشتبه بشيء اذ ليس معه شيء لا في ذاته و لا في ازله لانه ذاته و لا في علمه لانه ذاته اذ كان العلم تعالي و لا معلوم فاذا وجد المعلوم وُجِد معلوماً و اذا لم‌يكن شيءٌ فما معني معلوم و لا معلوم فاذا لم‌يكن شيء معه فما معني قولك سُلِب عنه او لم‌يسلب عنه نعم من كان يقول بثبوت الاشياۤء معه اعيان ثابتة في ذاته او في علمه او معلّقة به كما يقوله المصنف و اتباعه فيصح عنده القول بانه سلب عنه او لايسلب لكنه يبطل عليه قوله بسيط الحقيقة للزوم التركيب علي قوله سلب عنه و لايُسْلَبُ و بقوله كل الاشياۤء فانّ ما هو كُلٌّ ليس ببسيطٍ كيف و هو يقول مركّب الذات و لو بحسب الذّهن و لا شك ان جميع عباراته مقتضاها التركيب و التعدد بحسب الذهن و بحسب الخارج لايخفي علي احدٍ الّا مَنْ نظره فيها نظر تقليدٍ او من هو ناظر الي من قال لا الي ما قال .

و قوله « لايعوزهُ شيء منها الّا ما هو من باب النقاۤئص » فيه انا نقول ما هو من باب النقاۤئص شيء او ليس بشيءٍ فان كان شيئا فالله سبحانه خالقه فهو شيء داخل في الاشياۤء و ان كان ليس بشيءٍ فلا معني لاستثناۤء ما ليْس بشيء علي اَنَّ المصنّف [ص 82] في الكتاب الكبير يذهب الي اتّحاد الشّيء و الموجود و عدم تحقق الشيئيّة بدون الوجود في كلّ طور فالنقاۤئص و الاعدام و الامكانات باي اعتبارٍ كان من الاشياۤء فان سلبها عنه كانت ذاته مركّبة من سُلوب اشياۤءَ مثل هو ليس بجسم و ليس بماهيّة و ليس بنقصٍ و ليس بعدمٍ فان هذه كلّها موجودة اما عنده ففي الذهن و امّا عندنا تبعاً لموالينا عليهم السلام برئتُ الي اللّه تعالي و اليهم من خلافهم فهي موجودة في الخارج و ما في الاذهان فاشباح و اظلّةٌ منْتزعةٌ من ذواتها و موصوفاتها الخارجيّة فان اللّه عز و جل جعل الذهن مرءاةً فاذا اردتَ ادراك شيءٍ اَوْ تَذكّره ممّا ادركته ثم غاب عنك او عزب عن ذهنك التفتَّ بمرءاة خيالك و قابلتَ بها ذلك الشيء في مكانه و وقته فتجد مثاله قاۤئما هنالك في وقت الادراك الاول فتنطبع صورته في مرءاة خيالك و يستحيل اَنْ تدرك شيئا بدون ذلك و يأتي تمام البيان فلايكون في الذهن حقيقة الشيء الخارجي بعينها ما سوي عوارضها الخارجية كما زعموا بانك اذا تصوّرتَ النار كانت حقيقة النار اعني الحرارة و اليبوسة الجوهريين في ذهنِك بذاتها معرّاة عن الاحراق و انّما في ذهنكَ الصور المنتزعة من الخارجي و لذا لاتذكر شيئا او تتصوّره حتي تلتفتَ بمرءاة ذهنك الي مظنّة كونه في وقته او في محلّه و وقته ان في ذلك لايات لقومٍ يعقلون و مما يدل علي ذلك ما روي عن الرضا عليه السلام كما تقدم و انما اذكره تسهيلاً لتحصيله و تكريراً للتأكيد ليثبت في الاذهان و تطمئن قلوب اهل الايمان قال عليه السلام كما رواه الصدوق في اول علل الشراۤئع باسناده الي الحسن بن علي بن فضال عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام قال قلتُ له لِمَ خلق الله الخلق علي انواعٍ شتّي و لم‌يخلقه نوعاً واحداً فقال لئلايقع في الاوهام علي انه عاجز و لاتقع صورة في وهم احدٍ الّا و قد خلق اللّه عز و جل عليها [ص 83] خلقا لئلّايقول قائل هل يقدر الله عز و جل علي ان يخلق صورة كذا و كذا لانه لايقول من ذلك شيئا الّا و هو موجود في خلقه تبارك و تعالي فيعلم بالنّظر الي انواع خلقه انه علي كل شيء قدير و قال جعفر بن محمد عليهما السلام كلّ ما ميّزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود عليكم ه‍ ، و الحاصل هذه الالفاظ الموضوعة بازاۤء هذه المعاني مثل نقص و عدم و امكان و ماهية و ما اشبه ذلك هل هي الفاظ مهملةٌ او مستعملة فان كانت مستعملةً فهي انما وضعت بازاۤء معانٍ موجودة و ان كانت لم‌توضع بازاۤء معان موجودة فهي مهملة و اجمع العقلاۤء علي انها مستعملة موضوعة بازاۤء معان موجودة و لو في الذهن و قد بيّنا الموجود في الذّهن و اقول هذه الموجودة في الذهن مَن خلقَها و كذلك الامور الاعتبارية بل ثبوت شيئيّتها مَن خلقها فان كانت مخلوقة لهم فقولهم هو كلّ الاشياۤءِ يَعْنُون كل الاشياۤء من خلقه فتكون الاشياۤء من خلقهم سُلِبَتْ عنه و ان كانت من خلقه او من خلقهم و لاتُسْلَبُ عنه فاستثناۤؤه لها غَلطٌ و علي كل تقدير فلايكون كلّ الاشياۤء و انما هو كلّ الاشياۤء التي يعيّنُها المصنّف لان الاشياۤء و ان كانت جمعاً محلّيً بالالف و اللام و قد نصّ العلماۤء علي افادته العموم لكنّ المصنّف يريد به العموم العرفي فان قلتَ انه يريد اللغوي و لكن هذه ليست اشياۤء حقيقية و انّما هي امور اعتباريّة قلتُ قد بيّنّا انّ الاعتبار من عالمِ الخلقِ و انّ هذه الامور اشياۤء مخلوقة غاية الامر هل هي مخلوقة للّهِ ام مخلوقة لهم و اللّهُ خلقكم و ما تعملون .

و قوله « فانك اذا قلت ج ليس ب فحيثيّة كونه ج ان كانت بعينها حيثيّة انه ليس ب » قَدْ قلْنَا عليه انّه لايلزم ذلك بل يجوز ان يكون كونه ليس ب لايتّحد [ص 84] بكونه ج فيكون كونه ليس ب مستنداً الي فعل كونه ج او اثر فعله او لبعض احواله بحيث لايكون جزء ماهيته كما قلنا فيما تقدّم في الصفات السلبية من كون السلب راجعاً الي نفسه اوْ اِلَي متعلقه اعني المسْلوب علي نَحوِ مٰا اشارَ اليه الرّضا صلوات الله عليه بقوله و غُيورهُ تحْدٖيدٌ لما سِوَاه و قلنا عليه ايضا انّما يصح السلب و لا سلب في مقامٍ يمكن فيه الثبوت اذ النفي فرع الثبوت و لو ذهناً و امكاناً و وجود غيره في مقامه ممتنع ذهنا و خارجاً و في نفس الامر بكل اعتبارٍ فيسلب و لايسلب و حكمهما انّما يصح فرضه فيما يصحّ تحقّقهُ و في مقام الذات يمتنع فرض وجود شيءٍ و لو عقلاً فسقط اعتبار قوله هذا عند اهل الاعتبار .

و قوله « حتي يكون ج بعينه مصداقا لهذا السلب بنفس ذاته » قد قلنا عليه انّه لٰايجب ذلك اذا سلب عنه شيء لجواز ان يكون مصداقاً بنفس الصفة و الفعل و الاثر كَذَات زيدٍ انما تكون مصداقا للقاۤئم بنفس الظهور بالقيام و من حيث الفعل و اثره اعني القيام و امّا اذا اخذتَ السلبَ في ماهيّة الذات كان المسمي اي الذات هو الثبوت و النفي و علي هذا لايقال يكون الثبوت مصداقاً للنفي الّا مجازفة في التّعبير بل يقال ان الذات مصداق للثبوت و النفي و علي كلّ تقدير انّما يضرّ لزوم التركيب علي قولنا و اما علي قوله فلايضر لزوم ذلك اذ مصحّحات ذلك عنده كثير منْهٰا ان الكثرة نقوش و لايضرّ ذلك مع اتّحاد الذّات و منها ان الوحدة الحقيقية تستهلك الكثرات و منها انّ الاَشْيَاۤءَ شُؤُنٌ حَاصِلَةٌ لَهُ حُصُولاً جَمْعِيّاً وَحْدَانيّاً لٰايَقْدَح كثراتها و تركيباتها في وحدةِ الحقّة و بساطة الحَقيقةِ و منها انها عوارض له باعتبار مراتب تنزّلاته و امثال هذه العبارات الباطلة و مٰالُهَا الي معني واحدٍ كما نقول الشجرة واحدة بلحاظ وحدتِها و كثيرة بلحاظ اغصانها و ورقها و ثمرها و كلامهم علي هذا ناقص فينبغي لهم اَلَّايقولُوا ليس [ص 85] كمثله شيء بل كل شيء مثله و بهذا يتم كلامهم و كأني بك ايها الناظر في كلامي هذا تنكره و تقول انهم لايقولون بهذا و لايريدونه و كأني بك اذا قلت لك اسمع قول شاعرهم :

كلّ ما في عوالمي من جمادٍ و نباتٍ و ذات رُوحٍ مُعَارِ

صُوَرٌ لي خلعْتُها فاذا ما زِلْتُها لاازُولُ و هي جواري

انا كالثوبِ ان تلوّنتُ يوماً باحمرارٍ و تارةً باصفِرارِ

تسكتُ و لاتردّ جواباً .

و قوله « فكانت ذاته امراً عدميّا » يريد به ان الذات اذا كانت مصداق ليس ب كانت مصداقاً لعدمٍ و كذا قوله و لكان كل من عقل ج عقل ليس ب و فيه ان التعبير عن مراده ان يقال انّ الذات تكون مصداقاً للاثبات و النفي ليس علي نحو التوزيع و لا علي نحو التعاوُرِ بل لمجموعهما فتكون الذات وجوداً عَدَماً فيلزم ارتفاع النقيضين اي لا وجوداً و لا عدماً او اجتماعهما اي وجودا و عدماً و ح هنا دقيقة تعالت عن التمييز بالكنه و هو انا قد قرّرنا ممّا دلّ عليه عباده عز و جل ان كلّ ما يجوز عليهم يمتنع عليه و ما يمتنع عليهم يجب له سبحانه فيجب في حقه اجتماع النقيضين بجهة واحدة فتقول هو عالٍ دانٍ بجهة واحدة قريب بعيد كذلك و يجب له ارتفاع النقيضين و هو عين اجتماعهما فتقول هو لا عالٍ و لا دانٍ و لا قريب و لا بعيد الّا ما كان مما هو من صفات الخلق لانه يمكن في حقهم فلايجتمع له تعالي ذلك و نقيضه فلاتقول عالم جاهل لا عالم و لا جاهل متحرك ساكن لا متحرّك و لا ساكن لان صفات الخلق فيها التضاۤدّ حقيقة و صفات الحق سبحانه لا تضاۤدّ فيها حقيقة اذ لايمكن اعتبار كثرة فيها مطلقا فعالٍ و دان و قريب و بعيد التي تجوز علي الخلق لاتجوز علي الحق تعالي لا هي و لا ضدّها فلاتقول هو عال كعلو زيدٍ دانٍ كدنوّه لانهما في الجهة و هي لاتجوز عليه و لاتقول هو قريبٌ [ص 86] كقرب زيد و بعيد كبعده لانهما في المسافة و لا عالم كعلم زيد و لا جاهل كجهله لانّهما في ثبوت الغير و عدمه فلزوم كون الذات وجوداً و عدماً وصف له بصفات خلقِه لانه في المتضاۤدّ في الحقيقة لا من حيث لزوم اجتماع النقيضين او ارتفاعهما اللَّذَيْنِ ينسبانِ الي الحقِّ تعالي بل هما من منسوبات الخلق و لو اريد بهما ما يصح عليه تعالي اي الوجود الذي يصح عليه و العدم الذي يصح عليه جاز و ليس وصفه بالعدم مع الوجود من اخذ نفي الغير في كنه الذاتِ لان ذلك النفي مما لايجوز عليه و ما يجوز عليه هو الوجود بالايات اي اثباته باياته و العدم الوجود بالذاتِ فانّه عز و جل مفقود بذاته لكل ما سواه و موجودٌ بٰايٰاته لكل مَن خلقه و براه اذ ليس للوجود و العدم معني في حقّ ذاته المقدسة عز و جلّ غير هذا و امّا معناهما المعروف عند الخلق فهو انما يصح علي فعله و علي مثله الْاعلي المشار اليه بقول الحجة عليه السلام في دعاۤء شهر رجب يعرفُكَ بِهَا مَنْ عَرَفَك لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك الدعاۤء .

و قوله « فثبت ان موضوع الجيميّة مركب الذات و لو بحسب الذهن من معني وجودي به يكون ج و من معني به يكون ليس ب » قد اشرنا فيما ذكرنا انّ معناه عنده او لازم كلامه ان مدلول ج غير مدلول ليس ب ليصحَّ التركيب و قد صرّح به في قوله مركّب الذّاتِ و ظاهر قوله و لكان كل مَن عقل ج عقل ليس ب عدم مغايرتهما مع دلالة ج علي الثبوت و دلالة ليس ب علي النفي و بين الكلامين تباين عظيم لان ظاهر ان كلّ من عقل ج عقل ليس ب اتّحاد المفهوم او اتّحاد المِصْدَاق و كلا الامرين ينافي التركيب فيه و كلا الشّقّين في الاوّل يستلزم التركيب فيه .

و قوله « و لو بحسب الذهن » يدلّ علي ان التّغاير في المفهوم خاصّة مستلزم لعدم الوحدة الحقيقية و هو عندنا كذلك و امّا [ص 87] عندهم فقد يكون علي نحو لاينافي الوحدة الحقيقيّة فانظر الي كثرة الاضطراب في اقوالهم و اعتقاداتهم .

و قوله « و غيره من الامور المسلوبة عنه » يدلّ علي ان الامر المسلوب عنه يوجب التّركيب و يُنَافي البساطة الذاتيّة فيجب ان لايُسْلَب عنه ذلك الامر و يراد من هذا الامر كل وجوديٍّ و عليه يكون غيره ما ليس بوجودي و لا ما كان من النقاۤئص و الاعدام و غيره في كلامه معطوف علي ما الكلام فيه و هو يبطل استثناۤءه فيكون كل ما يَصدق عليه اسم الشيء داخلاً في حكم سُلِب عنه اوْ لايُسْلب عنه كما ذكرنا سَابِقاً فَافهم .

فقوله « فثبَت انّ البَسٖيطَ كلّ الموجودات من حيث الوجود و التّمام » فيه مٰا قرّرنا ان البسيط هو المنزّه عن كلّ شيءٍ من الموجودات و الّا كان مركبا من تضايف نسبته اليه و حصوله له كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و كمال توحيده نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع من الازل الممتنع من الحدث ه‍ ، و كل شَيْئين بينهما نسبة الاقتران بالاجتماع و الافتراق و فيه ايضا ان قوله من حيث الوجود و التّمام ترجيح من غير مرجحٍ اِذِ الوُجُود و الْعَدم المُقَابل لَهُ وَ التّمَام و النقص و ما اشبهها من ٱلاَشْياۤءِ كما تقدّم و قد قدّمنا ايضاً علي انّ هذه العبارات كلها انّما تصح لفظاً و معني علي فرض انّ مَعهُ غيره في ازله و رتبة قدمه و بعد ثبوت وحدته و تفرّده في كل رتبة و مقام هو هو بالضرورة يمتنع فرض سُلِبَ اوْ لايُسْلَب كما قال الرضا عليه السلام في جوابه لعمران الصابئ حين قال يا سيدي هل كان الكاۤئن في نفسه ( معلوما ظ ) عند نفسه قال الرضا عليه السلام انّما تكون المَعلمةُ بالشيء لنفي خلافه و ليكونَ الشيء نفسه بما نفي عنه موجوداً و لم‌يكن هناك شيء يخالفه فتدعوه الحاجة الي نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علم منها افهمتَ يا عمران [ص 88] قال نعم واللهِ يا سيدي فان قلتَ ان المصنّف يقول بمعني الحديث لانه لايثبت شيئا ينافيه و الامام عليه السلام انما قال و ليس هناك شيء يخالفه قلتُ قوله عليه السلام الي نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علم منها ينافي ما تقول لانّ مراده عليه السلام عدم وجود شيء معه اصلا لا وجود شيء لايُخَالفه حتي يصحّ قول المصنّف كل الاشياۤءِ لاني اسألك هل يعلم شيئا موجوداً في الازل غير ذاته ام لايعلم فان كان لايعلم شيئا موجوداً غيره تعالي كان ما قلنا و ان كان يعلم شيئا موجوداً غيره وجب عليه في علمه لنفسه تحديدُ ما علم منها ليتميّز عن الغير فمراده عليه السلام ان ليس معه غيره ليحتاج الي تمييز نفسه منه .

و قوله « و بهذا ثبت علمه بالموجودات علماً بسيطا » يريد به علمه بها علي وجهٍ كليٍّ ازليٍّ عنده و هي مع كونها ذوات الاشياۤء غير مغايرة لذاته لانّها علمُه بها الّذي هو ذاته ، قال الملا محسن في رسالته التي وضعها في كيفيّة علمه تعالي لابنه علم الهدي قال فللاشياۤء وجهانِ وجه الي الحق سبحانه و هو من هذا الوجه حاصل له متحقّق عنده حاضر لديه في الازل حصولا جمعِيّا وحدانيا غير متكثر و لا متغيّر باقٍ و بالجملة علي ما يناسب ذاته عز و جلّ و صفاته و افعاله و وجهٌ اخر الينا و هي من هذا الوجه لم‌تحصل و لم‌تتحقّق و لم‌توجد الّا فيما لايزال وجوداً متفرّقاً متكثّراً متغيّراً نافداً و بالجملة علي ما يناسب ذواتنا انتهي ، فتكون الذات عندهم واجدةً في الازل للاجمالي فاقدة للتَّفْصٖيلي فما في الازل غير مغاير للذات عندهم اذ الاشياۤء لاتسلب عنه في الازل بخلاف ما في الامكان فيكون غير عالم في الازل بما في الامكان مما نعلمه نحن مما هو من الوجه التفصيلي .

و قال المصنف بعد هذا « و حضورها عنده علي وجهٍ اعلي و اتمّ » و يريد به ما اراد صهره فكان عالما في الازل عندهم بنصف المعلومات [ص 89] لان المعلومات التي عنده في الازل يعلمها بعلمه الذي هو ذاته بلا مغاير بينها و بينه و لا تكثر تعالي اللّه عما يقولون علوا كبيرا و مذهبنا تبعاً لمذهب ساداتنا عليهم السلام انّه تعالي في الاَزل الّذي هو ذاته و ليس يعلم ازلاً غير ذاته الّا الازال الحادثة المخلوقة عالم و لا معلوم اي هو عالم و لا معلوم يعني لم‌يكن في الازل معلوم غيره لان الازل هو ذاته و ليس في ذاته شيء نعم لك اَنْ تقول هو عالم في الازل بها في الحدوث و الامكان و ليس لك ان تقول هو عَالِمٌ بها في الاَزلِ فتكون هي في الازَل و انّما هو سبحانه في الازل عالم بذاته و لايعلم في الازل غيره فلمّا وجدت الاشياۤء في الامكان في امكنة حدودها و ازمنة وجودها وقع العلم عليها اذ لايقع العلم علي غير شيء و الّا لكان جهلاً قال الصادق عليه السلام كان اللّه ربنا عز و جل و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلمّا احدثَ الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور ه‍ ، فتفهّم هذا الحديث الشريف و انا اظنّ انّك تعترف بان جعفر بن محمد عليهما السلام يعلم و انه اعرف منهم بالله و بعلمه سبحانه و اذا اثبتوا الاعيان الثابتة في الازل و اثبتوا علمه تعالي بهم في الازل علي سبيل الاجمال كانوا قد جعلوا ذات اللّهِ محلّاً لغيره و انه يعلم بعض المعلومات لان الذي في الازل هو الاجمالي و امّا التفصيلي الذي هو اشرف من الاجمالي فلم‌يحصل عندهم لِلّهِ سبحانه في الاَزلِ فهو فاقدٌ له تعالي ربّي تعالي ربّي لا حول و لا قوة الّا باللّهِ العلي العظيم .

و قوله : و حضورُها عنده علي وجهٍ اتمّ » يريد انّها حاضرة في ذاته علي وجه اتمّ و اشرف بحيث لايكون منها تكثّر في الذات و لا مغايرة كما هو رأيهم في قولهم معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته و قد تقدم بعض الكلام معهم في [ص 90] ذلك و يأتي .

و قوله « لان العلم عبارة عن الوجود بشرط الّايكون مخلوطاً بماۤدّة » يريد انّ العلم بسيط لانه اذا اراد انه حقيقة الوجود لايمكنه ان يجعله ماۤديّا او مخلوطا بها فيكون قد جعل في ذات الحق سبحانه ماۤدة لاستلزامها التركيب فاذا اشترط في الوجود الذي هو العلم عدم الشوب بالماۤدة كان هو حقيقة العلم و صرف العلم و هو العلم الازلي لانّ الوجود المخلوط بالمواۤدّ و النقاۤئص حادث ليس هو حقيقة الوجود و ليس هو حقيقة العلم و نحن نقول له العلم بها حضورها عنده فان اراد حضورها عنده كل شيء في مرتبة وجوده من ملك الله سبحانه كما نذهب اليه نحن و ان علمه بها هو عين ذلك الحضور الذي هو نفس كونها كان عالماً بكلّ شيء و صحّ لايعزب عنه شيء في الارض و لا في السماۤء و ان اراد بحضورها عنده كونها في الازل و انّما قيل عنده لانّ وجودها مترتّبٌ علي وجوده فله التقدّم الذاتي و ذلك الحضور لاجل كونه في الازل لايكون مخلوطاً بالماۤدّة لتقدّس الازل عن المواۤدّ لزمه ما قلنا سابقاً من كونها قديمةً و مخلوطةً بذاته او مقْرونةً به او كونه محلّا لها و كون المواد و المخلوط بالمواۤدّ غير معلومة له في الازل فيكون فاقداً لها و قد قال ان معطي الشيء غير فاقدٍ لهُ فان قلتَ انه قال انّها في ذاته بنحوٍ اشرف قلتُ هو ما يعنون به من الوجه الاجمالي بقينا في الوجه التفصيلي و النحو الاخسّ لم‌يكن علي قولهم معطِياً له و هو فاقدٌ له فقول الملا محسن في الرسالة المذكورة في اولها الحمد لله العليم الحكيم الذي لايعزب عن علمه مثقال ذرّة في السموات و لا في الارض مناقض لقوله انه لايعلم في الازل الّا الاجمالي و لقول المصنّف لان حضورها عنده علي وجهٍ اعلي و اتمّ بشرط الّايكون مخلوطا بماۤدة لان من لم‌يكن علمه الّا بالمجملات و بشرط ان لايكون مخلوطاً بماۤدة لايكون عالماً بكل [ص 91] شيءٍ بل ببعضٍ دون بعضٍ بخلاف ما اذا قلنا انه تعالي متفرّد في ازله ليس معه غيره فهو عالم و لا معلوم لان علمه عين ذاته و لم‌يكن في ذاته و لا مع ذاته شيء ليكون معلوماً فاذا وجد الشيء وقع عليه العلم و مثاله كما اذا اشعلتَ سراجاً في الهواۤء فانه لايقع منه شعاع علي شيء فاذا وجد كثيفٌ ظهر النور عليه و لم‌يكن النور معدوماً بل هو موجود و لكن المستنير معدوم فاذا وجد المستنير ظهر النور فانه علي هذا التقرير يكون عالماً بكل شيء لكن الشيء المعلوم لم‌يوجد في ذاته و انّما وُجِدَ خارج الذات فافهم يا حبيبي و اغتنم و قد قال المصنف هذا اللفظ و نحن و هو قد عرضنا بضاعتنا عليك و كشفناها بين يديك فانا اقول هذا قول محمد و اهل بيته الطاهرين (ص) و المصنف يقول قال الفارابي و مميت الدين فاختر لنفسك ما يحلو و قد بسطنا الكلام في جوابنا للملا محمد الدامغاني ايده الله و في شرح المشاعر فما خفي عليك هنا فاطلبه من هناك .

قال : قاعدة مشرقيّة واجب الوجود واحد لا شريك له لانه تام الحقيقة كامل الذات غير متناهي القوّة و الشدّة لانه محض حقيقة الوجود بلا حدٍّ و نهاية كما علمت اذ لو كان لوجوده حدّ او تخصّص بوجهٍ من الوجوه لكان تحدّده و تخصّصه بغير الوجود فكان له محدِّد قاهر عليه و مخصِّص محيط به و ذلك محال فما من كمال وجودي و لا خير الّا و فيه اصله و منه نشؤهُ و هذا هو البرهان علي توحيده .

اقول « قوله واجب الوجود » محكم لا اشكال فيه امّا انّه واحد فلان ما زاد عليه يوجب النقص في كل منهما لكون كل منهما محصوراً بالاخر اذ قولك هو غني عن كلّ شيءٍ لايستلزم الغني المطلق بل قد يلزم منه احتياج و نقص اذا فرض آخر لان الاخر ان كان محتاجاً اليه ثبت التوحيد و حصل الغني [ص 92] المطلق و ان كان مستغنيا عنه قلنا كونه محتاجاً اليه اكمل من كونه مستغنيا عنه فيكون مع وجود المستغني عنه ناقصاً هذا في شأن ذاته و في شأن فعله ان كان كل ما سواه معلولا له حصل الغني المطلق و الكمال الحقّ و ان وجد شيء لم‌يكن معلولاً له و قد ثبت انّ احتياجه اليه و كونه معلولاً له اكمل في حقّ فعله لعمومه كان نقصاً فاشار سبحانه الي المعني الثاني اذاً لذهب كل الهٍ بما خلق اي لو كان اله غيره لاستبدّ كلّ صانعٍ بمصنوعاته و تميّز كل صنعٍ بتمييز صانعه و مقتضي الكامل المطلق ان يستند كل ما سواه اليه فيقع التدافع بين صنعي الصانعَيْنِ في كل مصنوعٍ فاذا لم‌يكن احدهما صانعاً لكل شيء فان كان لنقص في نفسه و فعله كان مصنوعاً و ان كان لتعلق صنع الاخر به كان عاجزاً و كان مصنوعاً و الوجهان جاريان فيما لو تبعّض الصنع في المصنوع الواحد او وقع الصنعان فيه او ارتفعا عنه فدلّ قوله تعالي علي هذه المعاني بالمطابقة و بالتضمن و بالالتزام و اشار سبحانه الي المعني الاول بقوله تعالي و لعَلَا بعضهم علي بعض .

و امّا انه تعالي لا شريك له ففي اربعة امور :

الاول توحيد الذّات لان الحق منحصر في الازل و الازل هو ذاته اذ لو كان ظرفاً له لكانا قديمين ازليّين لهما ظرف قديم و هكذا فيتسلْسَل فاذا كان الازل ذاته لم‌يكن سوي الازل الّا المصنوع المستند الي صانعه في كل شيء اي في كل ما يصدق عليه اسم الشّيء و ليس له ضدّ لانّ الازل ليس شيء غيره الا الامكان و الامكان و ما فيه مصنوعه تعالي و المصنوع لايكون ضدّا و الّا لماصدر عنه لان الضّد هو المقابل و امّا الممتنع فمعناه مصنوع له سبحانه و ما يريدون منه ان قصدوا متصوّراً فهو مخلوق لله تعالي و ما في اذهانهم صورة ذلك سواۤء اشاروا بذلك الي حقّ ام الي باطل فان كان حقّا فاللّه موجد [ص 93] كل خير و ان كان باطلاً فالله خلقه بمقتضي اوهام المبطلين علي حدِ قوله تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم فافهم كي تسلم و تغنم و ان لم‌يكن متصوّرا فليس بشيء و ليس هذا علي حد الامتناع الامكاني فان الامتناع الامكاني مخلوق كل ما ميّزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود عليكم او اليكم علي اختلاف النقلَيْنِ و الذين يزعمون انهم يتصوّرون شريك البارئ سبحانه غلطوا لان الذي يتصورونه ما انتزع من هُبل و اللّات و العُزّي و ما اشبهها حيث جعلوها المشركون شركاۤء و ورد نفي الشريك اي ما جعله المشركون شريكا توهّموا هذا المعني فيتصورونه و ليس الممتنع شيئا و لا عبارة عنه الّا ما استعمل في الموهوم الممكن اذ لو كان شيئا لعلمه الله سبحانه حيث يقول قل اتنبئونه بما لايعلم في السموات و لا في الارض و قال تعالي و جعلوا للّه شركاۤء قل سَمّوهم ام تنبئونه بما لايعلم في الارض .

و الثاني توحيد الصفات بمعني ان معاني صفاته ليس فيها شريك فليس له شريك في حياته اذ لا موت فيها و لا في علمه اذ لا جهلَ فيه و لا في قدرتهٖ اذ لا عجزَ فيها و هكذا ساۤئر صفاته قال تعالي ليس كمثله شيء .

و الثالث توحيد افعاله بمعني انه سبحانه تفرّد بايجاد الشيء لٰا من شيء فلايخلق احدٌ سواهُ شيئاً من المواۤدّ قال هذا خلقُ اللهِ فاروني ماذا خلق الذين من دونه و قال تعالي ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السماوات و قال تعالي قل الله خالق كل شيء و هو الواحد القهار .

و الرابع توحيد عبادته بان لايعبد الّا هو و لايتوكّل الّا عليه و لايرجو الّا ايّاه و لايخاف الّا ايّاه فالموحّد في العبادة لايجد في كل مقاصده و سره و علانيته الّا اللّٰه فمن كان يرجو لقاۤء ربّه فليعمل عملا صالحاً و لايشرك بعبادة ربّه احداً فاذا وجد العارف من وصفه تعالي و معرفته الوحدة الحقّية في المراتب [ص 94] الاربعة ظهر له انه تعالي تام الحقيقة كامل الذات لانه بذلك اللحاظ في كل المراتب الاربعة لايفقد كمالا و لايحتمل الزيادة اذ كل كمالٍ فمن فيضه فلايكون متناهي القوة و الشّدّة لان التناهي يستلزم غيراً و ذلك امّا ان يكون ايّاه اوْ يكون عنه فلاتتناهي شدّته و قوّته و علي اصطلاح القوم من تسمية الوجود اذا كان تعالي حقيقة الوجود كان ما يفرض نهاية ان كان وجودا فهو تلك الحقيقة او صادر عنها و ان لم‌يكن وجوداً لم‌تكن نهاية فان ما لم‌يكن وجوداً ليس شيئا و هو قول المصنّف لانّه محض حقيقة الوجود بلا حدٍّ و لا نهاية كما علمت .

و قوله « اذ لو كان لوجوده حدّ او تخصّص بوجهٍ من الوجوه لكان تحدّده و تخصّصه بغير الوجود » يريد به انه لمّا كان حقيقة الوجود كان الحد و التخصّص المفروض غير الوجود اذ لو كان وجوداً لكان داخلا تحت تلك الحقيقة و لكنه غير الوجود و غير الوجود محتاج الي الوجود فيكون ما هو محتاج اليه قاهراً له و مخصّصاً له و محيطاً به و هو محال اذ لايحيط به ما في تقوّمه محتاج اليه و هذا ظاهر .

و قوله « فما من كمال وجودي و لا خير الّا و فيه اصله و منه نشؤُه ، الخ » اقول فيه اعلم ان الكمال عَلي ثلاثة اقسامٍ ٱلقسم الاوّل الكمال الحقّي و هو الذّات الحقّ عز و جلّ و القسم الثاني الكمال الحقيقي و هو الكمال الفعلي و هو ما ينسب الي الفعل و المفعول الاوّل اعني الحقيقة المحمديّة و ما يشتق منهما و هو المثال و الاية و الوجه المسمي بالعنوان و القسم الثالث الكمال الممكن و هو ما يكون من صفات العقول و النفوس و الاجسام و المصنف و اتباعه يزعمون ان القسم الاَوّل هو منشأ القسمين الاخيرين و هو المعني عندهم بنحوٍ اشرف يعني ان كمال العقل هو في الذات الحقّ عز و جل بنحوٍ اشرف و هو كمال الذات او من كمال الذات علي الاحتمالين و هو قوله و فيه اصله و منه منشأوه اي في الواجب اصله يعني اصله هو ذات الحق او [ص 95] انه شأنه فالاوّل كالحروف من الالف و الثاني كالنار من الحجر و العلّة في ذهابهم الي هذا و نحوه تقديرهم للكون و النّشؤ بمقتضي افهامهم و قياسهم له علي ما يصدر عنهم بهوي انفسهم و مَن اضلّ ممّن اتّبع هويه بغير هديً من اللّه فاخبرني ايّها الناظر في ايّ كتاب رووا هذا عن نبيهم محمدٍ صلي اللّه عليه و اله و في ايِّ حديثٍ نقلوه عن اله صلي الله عليه و اله و لكنهم لمّا سمعوا ما وصل اليهم من اهل الحق عليهم السلام مِنْ انّ اللّه سبحانه خلق كلّ شيءٍ و فيها اشياۤء لاتدركها عقولهم و قالوا عليهم السلام انه عز و جلّ خلق الْاشياۤء لا من شيء فاستبْعَدَتْ عقولهم اَنْ يكون شيء لا مِنْ شيءٍ و انّما يكون الشيء من الشيء فلمّا نظروا تناهت عندهم العلل الي علّةٍ لا علّةَ لها و هو ذات الله عز و جل فقالوا ما قالوا و ليست القدرة الباهرة بايجاد شيء من شيء لان ذلك شأن قدرة المخلوق العاجز و انّما القدرة الباهرة بايجاد الشيء و احداثه لا من شيءٍ و ايضا انا قد ذكرنا مكرراً و نذكر انه يلزم علي قولهم انّه يلد لان هذا المعني الذي يشيرون اليه احد اصناف الولادة و قد ذكرنا ايضا انّه اذا انشأها من ذلك الاصل الذي هو ذاته او من ذاته كان مختلف الاحوال اذ حال الذات قبل الاخراج مغايرٌ لها بعد الاخراج لانّ البارز ان كان هو بعينه هو الكامن خلت الذّات و اختلفت الحالات و ان كان غيره فالبارز اِنْ كان من ظهور الكامن و شعاعه فحالة الاشراق غير حالة عدمه و ان لم‌يكُنْ من ظهور الكامن و شعاعه لم‌يكن منه و انّما كوّنه لا من شيء .

و قوله « و هذا هو البرهان علي توحيده » يريد به انّ كونه محض حقيقة الوجود بلا حدّ و لا نهاية بحيث لو فرض من الاغيار غيرٌ فهو امّا منه و امّا عنه و الّا كان محدوداً بذلك الغير متناهياً و هذا بُرْهانٌ محكم علي التوحيد كما ذكر و ان لم‌يصحّح قوله منه او عنه لانه يريد الابتداۤء و التبعيض و التنزل و الظهور و هذه [ص 96] عندنا باطلةٌ في حق ذاته تعالي و انما يصحّ في خزاۤئنه الامكانيّة .

قال : فلايمكن تعدّد الواجب لانه لو تعدّد لكان المفروض واجباً محدوداً لوجود ثاني الاثنين فلم‌يكن محيطاً بكلّ وجودٍ حيث تحقّق وجود لم‌يكن له و لا حاصلاً منه فاۤئضاً من لدنه فحصلت فيه جهة عدميّة امتناعية او امكانيّة فكان زوجاً تركيبيّاً كالممكناتِ و لم‌يكن تحت حقيقة الوجود الذي لايشوبه حدّ و عدم هذا خلف فثبت الّا ثاني له في الوجود و انّ كلّ كمالٍ وجوديّ رشح من كماله و كل خير لمعة من لوامع نورِ جماله فهو اصل الوجود و ما سواه تبع له مفتقر في تجوهرِ ذاته اليه .

اقول قوله « فلايمكن تعدّد الواجب » حقّ لا في الخارج و لا في الذهن و لا في نفس الامر لانّه لو تعدّد ففرض اثنين فما زاد لكان المفروض واجباً اوّلاً بالنظر الي من فرض معه محدوداً بذلك المفروض فتقول هو الّا المفروض ثانيا فكان في المفروض واجباً جهة امكانيّة او امتناعية بان تكون هو و يمكن ان يحيط بكمال المفروض معه او يمتنع فتكون ذاته مركبة مما هو بالفعل و مما هو بالامكان او بالامتناع و المركب لايكون واجبا لما في ذاته من الانتظار و التوقع و هو قول المصنف لوجود ثاني الاثنين فيكون منتهياً اِلي كمال الثاني اذا لم‌يكن كمالُه لَه او عنه فيكون فاقداً ناقصا لانه اذا تحقّق وجود و كمال مغايران له و لم‌يكونا له و لا عنه كان فاقداً لهما غير محيط بهما فوجوده و كماله مقيّدان بذلك الغير فتكون ذاته منتظرة متوقعةً لما يمكن او يمتنع .

و قوله « و لا فاۤئضاً منه » يشير به الي ان الكمالات و الوجودات الممكنة فاۤئضة من ذاته و قد بيّنّا في كثير ممّا كتبنا ان جميع الكمالات الممكنة ليس كمالات حقيقيّة و انما هي نقاۤئص في ذواتها و انما سمّيت كمالات في الممكنات لكونها في الحقيقة اجزاۤء و آلٰات لذوي الحاجات يكون فاقدها محتاجاً اليها و بها يدرك [ص 97] حاجته فسمّيت لهذا كمالات و الّا فهي نقاۤئص و كذلك الوجودات الممكنة علي حدٍّ واحدٍ فاذا كانت نقاۤئص و حقاۤئقها من حيث ذواتها اعدام فكيف تكون فاۤئضةً من الذات الكاملة كمالاً غير متناهٍ في الغني و التحقق الذاتي انْ هذا الّا اختلاق فلو حصل تحقق او كمال غيره اي ليس له و لا عنه لتركّبت ذاته كما قلنا مما به هو من الواجب له و ممّا هو فاقد له فيكون كساۤئر الممكنات و لم‌يكن تحت حقيقة الوجود الذي لايشوبه حد و عدم اي لم‌تكن حقيقة الوجود الصرف صادقة عليه هذا خلفٌ فثبت ان لا ثاني له اي ليس غيره في الوجود و المصنّف يريد بان الواجب تعالي لا ثاني له في مطلق الوجود و هو غلط و نحن نريد انه لا ثاني له في الوجود الحق و ذلك لامتناع التّعدّد في الوجود الحق و لا ثاني له في الوجود الممكن لان الممكن اثر فعله فلاينسب الي رتبته كما لاينسب القيام الي رتبة زيد فلايقال انه ثانٍ لزيدٍ .

قال « و ثبت ايضاً ان كل كمالٍ وجوديّ رشحٌ من كماله » هذا مثل ساۤئر كلماته و ليس بصحيح الّا اذا اريد انّ كلّ كمالٍ فيما سواه و هو المدلول عليه بقوله كلّ كمال وجودي رشح و اثر من فعله لم‌يفض شيء منها من الذات لا بالانفصال و لا بالاشراق و لا بالتنزل و الظهور و امّا اذا اريد انّ شيئاً منْهَا كعِلم زيْدٍ فاۤئضٌ من ذات الحقّ بالانفصال او بالاشراق او بالتنزل و علي اي معني فُرض فهو باطل لانّه نقاۤئص لايصح في دين الاسلام انه تعالي محلٌّ لها اَوْ اَنَّها جزءٌ منه او حصّة كحصّة النوع من الجنس و الشخص من النَّوْع او انها اشراق من ذاته سواۤء فرض انّه اقتطعها او ميّزها او افاضها ام كانت كذلك باصلها الغير المجهول فعل ذلك بالله سبحانه ام كانت بغير تكوين ام غير ذلك علي اختلاف انظارهم ، و كذلك قوله « و كل خير لمعة من لوامع نور جماله » فانه في مراده و في مرادنا كالكمال و كالوجود .

[ص 98] و قوله « فهو اصل الوجود و ما سواه تبع له مفتقر في تجوهر ذاته اليه » كساۤئر اقواله و قولنا فيه كساۤئر اقوالنا لانّ الاشياۤء تتحقّق بمواۤدّها و صورها فمواۤدّها التي يسمي بالوجودات و صورها المسماة بالماهيّات اخترعها عز و جل بفعله و ايجاده ليس من اصلٍ متحقّق قبل الاختراع و ليس لها ذكر كوني قبل ذلك الّا بما هي ممكنة في العمق الاكبر فجميع الاشياۤء و ما لها و ما ينسب و ينضاف اليها تنتهي الي فعله و جميع اياته ناطقة بذلك لكل من له اذن واعية منها انّك اذا ضربت بيدك او بخشبةٍ علي الارض مثلاً حصل لذلك صوت فتدبّر من اين اتي هذا الصوت مع العلم الضروري بان الاشياۤء اذا وجدت من شيء انّما توجد من نوعها و ليس في يدك و الخشبة و لا في الارض صوت ليخلق ذلك الصوت الذي سمعته منه و انّما خلق اي مادّته لا من شيء و ليس من الهواۤء لانّ الهَواۤء ليس فيه صوت فان قلتَ انك قُلْتَ ان الاشياۤء لاتوجَد الّا من نوعها و الهواۤء نوع الصوت قلتُ انّ النوع يتحقّق في فرده بلا تغيير كالانْسٰان في زيد بخلاف الهواۤء فانه لو كان نوعاً له علي المعني المعروف من النوع لكان الهواۤء بنفسه هو الصوت و انّما التشخص في الصغر و الكبر و القصر و الطول كما اذا تلفّظتَ تلفّظاً صغيراً حكاية للفظٍ كبير فيكون اللفظ هو الهواۤء كالتّنفس بدون صوتٍ و اذا دَقَقْتَ في اسفلِ حوضِ ماۤءٍ يسمع الصوت و ليس ثَمَّ هواۤء نعم الهواۤء هو محلّه اي محلّ قيامه فهو من جملة مشخّصاته و المشخّصات خارجة عن النوع و الّا لم‌يتحقّق النوع اصلا فالنوع تؤخذ منه ماۤدة الشخص و صورته و تؤخذ من الجنسِ مادة النوع و الصوت مادته مخترعة لا من صوت و صورته من الكبر و الصغر و الطول و القصر مخلوقة منه اي من نفس الصوت من حيث هو كما خلق الانكسار من نفس الكسر [ص 99] من حيث نفسه نعم اذا فتّشتَ عن حقيقة صورته وجدتها محدثة من هيئة الدَّقّ فَانّ الدفعَ هو الفعل الذي به حدث الصوت و قد بَيّنّا مراراً ان هيئة المفعول من هيئة الفاعل كما تري ان هيئة الكتابة من هيئة حركة يد الكاتب و منها النور الظاهر من السراج فانه حدث من مسّ فعل النار اي حرارتها و من دخان الدهن الّذي حدَث مِن تكليس حرارة النار التي هي فعلها و ليس في النار نفسِها ضياۤء و لا في حرارتها و يبوستها ضياۤء و لا في الدخان ضياۤء فمن اي شيء خلق الضّياۤء و هكذا جميع الاشياۤءِ و بالجملة مذهبنا في هذه الامور تبعاً لمذهب موالينا وَ سَادَاتنا صلّي الله عليهم اجمعين ان الحق عز و جل لاتكون ذاته مبدأ لشيءٍ ممّا سِوَاه في كلّ شيء و انّ كلّ ما سواه اثر فعله لم‌يكن له ذكر و لا اسم و لا رسمٌ قبل فعلِهٖ بحالٍ منَ الْاَحْوال بل كل شيء منها و لها مخترع و اثر لِفِعْلِهٖ فكل شيء سواه ينتهي الي ايجاده و صنعه .