و قوله « و ثبوت كل مفهومٍ لشيء و حمله عليه سواۤء ، الخ » صحيح في ان ذلك الشيء الذي حمل عليه مفهومٌ موجودٌ لانّه لايصح الحمل الّا علي [ص 49] موجودٍ لان ثبوته له فرع علي وجوده و كذلك المحمول فانه لو لم‌يكن موجوداً لم‌يصح حمله اذ لايصح حمل لاشيء و مجرّد التصور لو سلّمنا امكانه بدون وجود المتصوّر لايجعل المحمول عليه محمولاً عليه فاذا تصوّرتك قديماً و قلتُ انتَ قديمٌ مَاكنتَ بقولي قديماً مثل مذهب المصنّف ان الامكان ليس بشيء مخلوقٍ و انما هو امر اعتباري فاذا قلتُ عصاي ممكنة لم‌احمل عليها شيئا علي قولهم فاذا لم‌تكن ممكنة كانت قديمةً و هي عندهم مخلوقة و ما يجيبون به مثل كلامي هذا وساوسُ و ترّهاتٌ لايحسن ان تُكتب و لولا انّ البيان واجب من اللّهِ سبحانه علي مَن علّمه البيان لكان اكثر ما ذكروا يحرم ذكرها و تدوينُها في الكتب ثم انّا نقول انّ استدلاله هذا اذا بناه علي ما نذهب نحن اليه من انّ الوجودات التي يصحّ نسبتُها الي الحوادث حوادث اخترعها عز و جل لا من شيءٍ بل اشتقّها من اثار فعله كاشتقاق الضرب بسكون الراۤء من ضرب بفتح الراۤء الذي ينبئ عن حركة الفاعل و انّ الماهيات خلقها من نفوس تلك الوجودات من حيث انفسها و لم‌يكن لشيء من الوجودات و لا لشيءٍ من ماهيّاتها ذكر في علمٍ بكونٍ و لا عينٍ الّا بكونها ممكنة بامكان اللهِ تعالي و لم‌يكن لها ذكر في عينٍ و لا علمٍ قبل جعلِها ممكنة بحالٍ من الاَحْوالِ بل كان الله سبحانه متوحِّداً بِذاته لايعلم ان معه في ازله الا ايّاه و ليس في علمه ٱلذي هو ذاته الّا هو و هو الان علي ما كان يعلمها و يعلم كل ما سواه في اوقات وجوداتها و امكنة حُدودِها فاذا بني استدلاله علي هذا الذي هُو مذهب ائمة الهدي عليهم السلام صحّ استدلاله معنيً لان كلّ ما سوي اللّه عدم من حيث حقيقته و انّما هو الله سبحانه افادها انفسها و وجودها من فعله بواسطة علَلِها فافاد المعلول بواسطة علّته و افاد علّته بواسطة علّيّتها و هكذا فيصحّ اوّل استدلاله الي قوله و الكلام عاۤئد اليه فيه .

و امّا قوله [ص 50] « او ينتهي الي وجودٍ بحتٍ » فليس بصحيح ان اراد الحقيقة كما هو مذْهَبُهُ و لو ارادَ المَجاز كما هو مذهبُنا تبعاً لمذهبِ اَئمّتِنا عليهم السلام كان صحيحاً و ذلك ما قرّره سيّد الوصيين صلوات اللّه عليه قال (ع) انتهي المخلوق الي مثله و الجأَه الطلب الي شكله ه‍ ، فيكون قوله او ينتهي الي وجودٍ بحتٍ لايشوبه شيء اي الي افاضة فعل وجودٍ بَحْتٍ لايشوبه شيء فيكون نسبة الانتهاۤءِ اليه سبحانه عبٰارة عن نسبته الي فعله مجازاً .

قال : فظهر ان اصل موجوديّة كلّ موجودٍ هو محض حقيقة الوجود الذي لايشوبه شيء غير الوجود فهذه الحقيقة لايعتبر لها حدّ و لا نهاية و لا نقص و لا قوّة امكانيّة و لايشوبها عموم جنسي او نوعي او فصلي او عرضي او خاۤصّي لانّ الوجود متقدّم علي هذه الاوصاف العارضة للماهيات و ما لا ماهيّة له غير الوجود لايلحقه عموم و لا خصوص فلا فصل له و لا تشخّص له بغير ذاته .

اقول قوله « فظهر انّ اصل موجوديّة كل موجود هو محض حقيقة الوجود » مبني علي ما ذكر من مذهبه و فيه ما ذكرنا من مذهبنا لانّ قوله محض حقيقة الوجود يشير الي القول بالسِّنْخ يعني به انّ اصل موجودية المخلوق هو ذات الحق عز و جل و هو مذهبه في هذه المسئلة فانّ اصل موجودية الجدار هو وجوده و كل وجودٍ فهو ذات الحق تعالي ربّي او من ذاتِ الحق تعالي و كلامه هذا تفريع علي ما ذكر قبله فوجود الجدار من حيث ذاته و حقيقته عنده واجب و الامكان لحق تعيّنه و تخصُّصَهُ بالجدار كما مثّلوه بالبحر و امواجه فان البحر هو الكل في وحدته و الموجة جزؤ من البحر تعيّن بالموجة و تخصّص بضرب الريح فتميّزت من كبر و صغر و ارتفاع فاذا سكنت الريح التي هي علة تحريك الماۤء الذي هو علّة تميّز الجزء من ماۤء البحر ذهب التميّز و اتّصل الجزء بالكلّ فليس الّا البحر و مثّلوه بالثلج و الماۤء [ص 51] فانّ الماۤء هو اصل موجوديّة الثلج تعيّن ذلك الجزء للثلج باشتداد البرودة حتّي جمد الماۤء فكان الجامدُ ثلجاً يقبل الكسر فاذا ذهبت البرودة ذاب الثلج فصار ماۤءً لا كسر فيه اذ الكسر لم‌يقع في الماۤء و نحو ذلك من تمثيلاتهم كالحروف اللفظية من النفَس بفتح الفاۤءِ و كالاعداد من الوَاحد و كالحروف الرقميّة من المداد و قد بيّنّا بطلان ذلك في اكثر كلماتنا بل لكثرة اعتناۤئنا بابطال ذلك ربّما يتوهّم مَن لايعلم انّي مااردتُ الّا مكابرةَ هؤلاۤءِ و عنادهم و ليس بيني و بينهم نبوَة و انّما اُبَيِّن ما لااُعْذَر في ترك تبيينه و الله علي ما نقول وكيل .

و قوله « فهذه الحقيقة لايعتبر فيها حدّ و لا نهاية » قد اشرنا فيما تقدّم ان كلام المصنّف في بيان الوجودات المشوبة يلزم منه كونها جِنْساً و قوله قبل هذا او ينتهي الي وجودٍ بحتٍ و يريد اَنّ الاشياۤء في تقوُّمِها و افتقارها و تحقّق وجودها تنتهي الي الذات البحت حقيقة يلزم منه انّ الذّات تكون غايةً و نهاية لغيرها و قد اطبق الحكماۤء و العلماۤء علي انّه اذا انتهي شيء الي شيء غيره كٰانا حادثَيْنِ لانقطاعِ كلٍّ بالاخر و لانه اِنْ حَلّ احدهما في الاخر لزمهما الحدوث و ان افترقا او اجتمعا لزمهما الحدوث لان الافتراق و الاجتماع من الاكوان الاربعة التي لاتكون الّا في الحوادث و كذا الحال و المحلّ و برهان هذه ظاهر و لهذا نفي المصنّف النهاية و لا نقص و لا قوة امكانيّة قد بيّنّا فيما سبق ان حكمه بكون الافاضة و الايجاد و الاشياۤء من نفس ذاته يلزم منها النَقص و الاسْتكمال و الفقدان المستلزمة للحدوث و لهذا بمقتضي طبيعة الفِطرة نفاها عن مقام الوجوب و بمقتضي طبيعة تغيير الفطرة و تبديلها اتي بما يلزم منه ذلك المحذور .

و قوله و لايشوبها عموم جنسي او نوعي او فصلي ، الخ » الحقّ انّ الحقّ سبحانه و تعالي منزَّهٌ عن ذلك كلِهٖ كما قال الّا ان كلامه يلزم منه كل ما نفاه و تعليله في قوله لان الوجود مقدّم [ص 52] علي هذه الاوصاف العارضة للماهيات الخ ، يبطله حكمه هو و اتباعه بانّ كلّ شيء في الازل و الازل ليس فيه تقدّم او تأخّر فكلّ ما في الازل حكمه واحد و حكم من قال بان التقدم و التأخر و الشدة و الضعف و ما اشبهها اذا كان من نفس الشيء لذاته من دون شيء غيره لايضر و لاينافي القدم و الوجوب باطل لان ذلك لايتحقق الّا في المختلف المتعدّد اذ الوحدة الحقيقية لايصح فيها فرض تقدم و تأخّر و شدّة و ضعف امّا علي مذهبنا فظاهر لان الازل هو الله سبحانه لا انّه ظرف فيه الواجب تعالي و غيره او يصلح لغيره و امّا عندهم فكلامهم مختلف مضطرب مع انهم يجعلون فيه اشياۤء مُتَعدِّدة و فيه التقدم و التأخر و اذا عورضوا في ذلك قالوا انها موجودة لله سبحانه وجودا جمعيّا بغير تكثر و يقولون المشية قديمة في الازل هي ذات اللّه و لكنها متأخرة ذاتا و قالوا علمه بذاته هو علمه بمخلوقاته الّا انه متأخر عن علمه بذاته و قالوا كلامه صفة قديمة ازليّة لكنها متأخرة عن الذات رتبة و لاادري كيف يرضون ان يكون البسيط متكثرا متعدِّداً و بعضه سابق علي بعض قال الملّا في الوافي في بيان معني قوله عليه السلام و لاكان خلواً من الملك قبل انشاۤئه الخ ، قال و تحقيقه ان المخلوقات و ان لم‌تكن موجودة في الازل لِاَنْفُسِها و بقياس بعضها الي بعض علي ان يكون الازل ظرفاً لوجوداتها كذلك الّا انها موجودة في الازل لله سبحانه وجوداً جمعيّا وحدانياً غير متغيّرٍ بمعني انّ وجوداتها اللّٰايَزاليّةَ الحادثةَ ثابتةٌ لله سبحانه في الازل كذلك و هذا كما ان الموجودات الذّهنيّةَ موجودةٌ في الخارج اذا قيّدت بقيامها بالذهن و اذا اطلقت من هذا القيد فلا وجود لها الّا في الذهن فالازل يسع القديم و الحادث و الازمنة و ما فيها و ما خرج عنها الخ ، فانظر كيف جعل الازل يسع القديم و الحٰادث و غيرهما فهل هو ذات ام محلّ ام وقت و هل يسع [ص 53] بنفسه ام بفعله و المعلوم من كلامه ان الازل ليس ذاتاً لقوله يسع القديم و الحادث و المعلوم ايضاً انه يسع بنفسه و لااقدر علي بيان ما فيه من المفاسدِ و مِن ذلك قوله في انوار الحكمة قال نورٌ تكلُّمه سبحٰاْنه عبارة عن كون ذاته بحيثُ تقتضٖي القاۤء الكلام الداۤلّ علي المعني المراد لافاضة ما في قضاۤئه السَّابق من مكنونات علمه علي من يشاۤء من عباده فانّ المتكلم عبارة عن موجد الكلام و التّكلّم فينا ملكة قاۤئمةٌ بذَواتِنا نمكن بها مِن افاضة مخزوناتِنا العلميّة علي غيرنا و فيه سبحانه عين ذاته الّا انه باعتبار كونه من صفات الافعال متأخّر عن ذاته قال مولينا الصادق عليه السلام ان الكلام صفة محدثة ليست بازليّة كان اللّٰهُ عز و جل و لا متكلم و تمام الكلام في كلامه عز و جل يأتي في مباحث الكتب و الرسل انشاۤء اللّٰهُ انتهي كلامه و اقول قوله قال مولينا الصادق عليه السلام جارٍ علي العادة و الّا فمولاه الكاذب الّذي اقتدي به علي بن اسمعيل بن ابي‌بشرٍ الاشعري الّذي يقول بقدم الكلام و ذلك كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام يقينُ المنافقِ يُرَي في عملِهٖ ه‍ ، فانظر كيف يصح ان يكون ما هو عين ذاته متأخّراً عن ذاته فماادري مَنْ اخّره عن ذاته هل هو نفس الاعتبار مع كونه في نفسِ الْاَمْرِ و الواقع هو ذاته فيكون الاعتبار يقلب الحقاۤئِق حتي انّي اذا اعتبرتُ انّ الرّجل دبٌّ او حمار مشي علي اربعٍ و نَبتَ في بَشَرِهِ ٱلشّعر ام هو في نفس الاَمْرِ متأخِّرٌ و لكن تلك الذات مشتَمِلةٌ علي حِصصٍ متعدّدةٍ بعضُهٰا متقدّم و بعضُهٰا متأخِّر و الكلّ غير خارج عن الذاتِ كما قال في الكلمات المكنونة في بيان سرِّ سرِّ القدر فانه قال و سرُّ سرِّ القدر انّ هذه الاعيان الناشية ليست اموراً خارجةً عن الحقّ بل هي نِسَبٌ و شئُونٌ ذاتِيّةٌ فلايمكن ان تتغيّر عن حقاۤئقها فانّها حقاۤئق ذاتِيَّاتٌ و ذاتيّات الحقّ سبحانه لاتقبل الجعلَ و التّغيير و التّبديل و المزيد و النقصان انتهي ما اردْتُ [ص 54] نقلَهُ و مرادي من الاستشهاد بكلماتهم ابطالُها لانّه يقول مثلاً هو بسيط مطلق و معني البساطة اللّاۤئقة بمقام الحقّ عز و جل انه احديّ المعني لايصحّ عليه شيء من انواع الكثرة و التعدّد و الاختلاف بجميع انواعها من النِّسَبِ و ٱلاضافات و الكلّيّة و العموم و الاطلاق و الكُلّ و الاختلاف في الذات و الاحوال لا في نفس الامر و الوَاقع و لا في الخارج و لا في الذهن لا في الاحتمال و التجويز و لا في الفرض و الاعتبار مطلقاً ممّا يجري في الوجود او الوجدان و يشمل هذا و امثاله قوله عليه السلام كلّ ما ميّزتموه باوهامكم في ادقِّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردودٌ عليكم و مع هذه الاوصاف و الحدود التّوحيديّة يقول انّ وجودات الاشياۤء المشوبة بشيء من النقاۤئص و الاعدام قبل الشوب و بعده من حيث ذواتها و كذلك الماهيات من حيث لحاظ اللّامجعوليّة كلّ ذلك في ذاته البحت اذ هي صور علمِه الذي هو ذاته و ما لا ماهيّة له اي كلّ شيء ليس له ماهيّة غير الوجود يعني انّما له وجود خاصة و يريد به الواجب الحق سبحانه و قد قلنا سابقاً انه سبحانه له ماهيّة و هي وجوده فالاحسن في التعبير ان يقول ما كانت ماهيته نفس وجوده لايلحقه عموم و لا خصوص لان العموم تكثر ذاتي و تعدّد معنوي ظاهريّ بمعني وقوعه كالكلّ او تجويزه كالكلّي او الحكم علَيْه كاشتريتُ العبد كلّه و الخصوص حصر و تحديد ينافي القدرة المطلقة و ٱلعِلْم المطلق فهو لازم للحدوث و هو دليل صحيح و حقّ لا مرية فيه و انّما الاشكالات المنافية لاثباتِ الصَّانع و لاثبات التوحيد في ادلّتهم التي يعرفون بها المعبود عز و جل فانّها كما سمعتَ مستلزمة للجحود و تعدّد المعبود و تركّبه و تشبيهه بخلقه و انتَ فتح اللّه مسامعَ قلبك ان كنتَ تفهم ما اقول من كلامهم فالحمد لله علي التوفيق و ان كان فهمك متوقّفا علي بيان كلّ كلمةٍ فذاك نخرجُ به عَمَّا نحنُ فيه اذ كلّ كلمة حقيقيّةٍ فيها [ص 55] اشكالات متعددة و لاجل هذا اذكر كلامه و اَكِلُ فهم معناه و ما يرد عليه الي فهمك فان قلتَ انا لاافهم منه الّا انه كلام مستقيم قلتُ قبل نقلي له علي جهة النقض له و الردّ عليه و ابطاله فكما قلتَ لانّكَ حٰالة الغفلة نظرتَ الي كلام مَن اقرّتْ له الفحول من العلماۤء و لايخطر علي قلبك انه غير مستقيم كما كان حال مَن قبلك من العلماۤء و ذلك لان الناظر مع الغفلة عن التنبيه يلتبس عليه داعي طبيعة الفطرة و داعي طبيعة الاعتياد و التغيير لخلق الله و التّبديل لِتشابُهِ الداعيين و تماثُلِ متعلّقِ كلٍّ منهما لمتعلّق الاخر كما قدّمنا من ان الحق و الباطل متشابهانِ و امّا اذا ذكرتُ لك ما كنتَ تظنّ انه صحيح بانّه باطلٌ ارتاعَتْ نفسُكَ و استغربَتْ ذلك فرَجعَتْ الي نفسِها فنظرَتْ الي ذلك الشيء بعين الفطرة الاولي الّتي فطر اللّه الناس عليها فعرفْتَ الشيء بنفسه لا بالالتفاتِ الي قول زيد و عمروٍ قبل اَن تلاحظ طبيعة التبديل المكتبسة كما في قوله تعالي فطرة اللهِ التي فطر الناسَ عليها لا تبديلَ لخلق الله اي لاتبدِّلوا خلقَ اللّٰهِ فعند ذلك تكون محسِناً للنظر مجاهداً لتحصيل الصواب فيما استغربَتْهُ نفسُك فتدخل في اهل قوله تعالي و الّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلَنَا و انّ اللّه لمع المحسنين فتفهّم هذه الدقيقة و هذا السّرّ في تحصيل الهداية الي الصواب .

فقوله « فلا فصل له و لا تشخّص له بغير ذاته » صحيح كما مر لان مَن لايجري عليه العموم و الخصوص ليس له فصل لان الفصل هو المميّز بين المشتركات في الذات و لا تشخُّصَ له بغير ذاته و ذلك لانّه اذا وُجِدَتْ ذاته بنفسها تشخّصت بنفسها بالطريق الاَوْلَي .

قال : و لا صورة له كما لا فاعل له وَ لَا غاية بل هو صورةُ ذٰاتِهِ و هو مصوّر كلّ شيءٍ لانه كمال ذاته و هو كمالُ كلّ شَيءٍ لانّ ذاته بالفعل من جميع الوجوه فلا معرّف له و لا كاشف له الّا هو و لا برهان عليه الا ذاته [ص 56] فشهد بذاته علي ذاته و علي وحدانيّة ذاته كما قال شهد اللّه انه لا اله الّا هو لان وحدته ليست وحدة شخصيّة توجد لفرد من طبيعةٍ و لا نوعيّة و لا جنسيَّةٍ توجد لمعني كلّيٍّ من المعاني و ماهية من الماهيات .

اقول انّ المعبود بٱلحقّ عز و جل لا صورة له لانها من لوازم المصنوعية اذ لاتتحقّق المصنوعيّة الّا بتأليفِ من مادة هي وجوده علي اصطلاحِ القوم و من صورة هي ماهيّته علي اصطلاحهِمْ و لانها اي الصورة هي قابلية الماۤدّة "٢" للصنع و انفعالها "-٢" فكما انه عز و جل لا فاعل له يصنعه و لا غاية له اي لشيءٍ منه فيلزمها الابعاد سواۤء كانت حسّيّة ام معنويّة واقعة ام مفروضة ام محتملة كذلك لا صورة له و هذا مما لايختلف فيه احد الّا من عدل عن مقتضي الادلة القطعية مثل قوم من الصوفية فانّهم قالوا انّه متناهي الذات لانّ هذا هو مقتضي التفريد و الابانة من السواۤء غير متناهي القدرة و مثل الكراميّة و الحنابلة القاۤئلين بانّ البارئ تعالي جسم علي صورة الانسان حتي انّ قوماً منهم رَووا انّه نظر في المرءٰاةِ فرأي صورة نفسه فخلق ادم عليها و حكي ابواسحق النظام و محمد بن عيسي برغوث ان قوما قالوا انه تعالي الفضاۤء نفسه و ليس بجسم لان الجسم يحتاج الي المكان و نفسه مكان الاشياۤء و قال برغوث و طاۤئفة منهم يقولون هو الفضاۤء نفسه و هو جسم تحلّ الاشياۤء فيه الّا انّ هؤلاۤء قالوا و ليس بذي غاية و لا نهاية و لكن القول بالجسم يلزمه التحديد و النهاية كما برهن عليه في الحكمة و هذه الاقوال الفاسدة و امثالها ربّما نسبت الي اقوام من المعتزلة و الكراميّة و الحنابلة و قد قامت الادلّة القاطعة التي لايتوقّف فيها الّا مكابر او سوفسطاۤئي علي نفي الصورة و الجسمية ، و قول المصنف بل صورته ذاتُه صحيح لان الصورة في حقه تعالي كينونته و قيامه بنفسه و هي علمه بذاته فمعني علمه بذاته [ص 57] كينونته و معني كينونته قيامه بذاته و معني قيامه بذاته الغني المطلق و الوجوب الحقّ و معني الغني المطلق احتياج كل ما سواه اليه و قيام كل ما سواه به و مرادُنا من نسبة هذه المَعاني الي هذه الصفات هو العبارة عن معرفتنا لمفاهٖيم ما اراد منّا معرفته من وصفِه نفسَهُ لنا بهذه الصفاتِ لٰا ما هي عليه منْه عزّ و جلّ لان ذلك لايعلمه الّا هو لان ذلكَ هو ذاته سبحانه و تعالي .

و قوله « و هو مصوّر كلّ شيءٍ » يراد منه انّه لمّا كان ما سواه محتاجا اليه في كلّ شيء حتّي في معرفته نفسه و معرفة غيره له بانّه محتاج الي الغني عما سواه في كل شيء وَسَمها بمِيسم الفقر و الحاجة اليه بان قلّدها بالعلامة الداۤلّة علي ذلك الافتقار المطلق و هي الصورة الجارية علي طبق ارادته عز و جل لتكون عاۤمّة الدّلالة علي ما اراد من شرحه و بيانه لاولي الالباب من قوله عز و جل ان في خلق السموات و الارض و اختلاف الليل و النهار لايات لاولي الالباب الذين يذكرون الله قياماً و قعوداً و علي جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات و الارض ربّنا ماخلقتَ هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار فكانت الصورة للاستشهاد و الاستدلال كمالاً للاية و الدّليل كما انّها نقص في حق المستدلّ عليه لانها وسم الفقر و الاحتياج و حيث كان التصوير هدايةً و تعليماً لاداۤء الشهادة بما حُمِّلَ من بيانها عَلَي طبق ما اراد من العباد كان الصنعُ و الايجاد جارياً علي حكم قبول قوابلها للامداد ليقوم التكليف بالقسط و العدل في البلاد و لهذا شاۤء تصويرهم علي حسب الاستعداد فقال تعالي في اي صورةٍ ما شاۤء ركبك فما استقام في تصوّره فمن حسن اجابته و قابليته و ما اعوجّ في تصوّره فمن سوۤء انكاره و قابليته قال تعالي و لكلٍ دَرجاتٌ ممَّا عملوا .

و قوله « و هو كمال كلِ شيءٍ » فالجملة معطوفة علي قوله بل هو صورة ذاته ثم علّل كونه كمال كل شيء بكون [ص 58] ذاته بالفعل فقال لانّ ذاته بالفعل اي لايكون شيء من كمالِها و مما تكمّل به غيرها بالقوّة او فاقدة له بل كل ما لها من كل شيء من الكمالات بالفعل اي حاصل له غير منتظرٍ و لا متوقعٍ لمفقود او لما بالقوّة و يريد المصنّف انّ كل كمال وصل الي احدٍ من الخلق كلّيّ او جزئيّ فهو في ذات الله عز و جل بالفعل علي نحوٍ اشرف منه في غيره لانه غير منتظر لشيء من الكمالات مما يعلم و ممّا لايعلم و كلّها فيه بالفعل لان الغني المطلق ليس فيه ما بالقوة من جميع الوجوه و الّا لكان مقيّداً في حالٍ و هذا هو المطابق لما يذهب اليه من انّ معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته و ان كلّ شيء من انواع الخيرات و الكمالات و الوجودات فهو في ذاته بنحوٍ اشرف و لا ريب انّ تصوير الشيء بصورة طاعته و بصورة معصيته كمالٌ لانه صوّره بصورة اجابته سواۤء كانت خيراً ام شرّاً يعني انِ استجاب لله تعالي حين قال له الستُ بربّك و محمّد نبيّك و علي و اله عليه و عليهم السلام ائمتك و اولياۤئِك الاستجابة الحسني بتصديق الجَنَان و قول اللسان و عمل الاركان صوّرَهُ بصورةِ اجابته و هي صورة الايمان و التوحيد و ان استجاب لله تعالي الاستجابةَ السّوۤءي بان انكر ذَلكَ بعد البيان صوره بصورة انكاره و هو صورة المعاصي و الكفر و لا ريب انّ التصوير علي هذا التقدير في شأن الفريقين كمال و حقّ كما ذكرنا فيكون بالفعل له في ذاته بنحوٍ اشرف و الّا لكان فاقدا او منتظراً للوجود او للبلوغ كما في ما هو بالقوّة او محتاجاً لغيره في افاضة الخير و الكمالات الي الغير هذا علي مذهبه من كونها في ذاته بنحوٍ اشرفَ و امّا علي مذهبنا فتصويره سبحانه للاشياۤء كمال في حقّها و ما هو كمال في حقها فهو نقص في حقّه عز و جل مثلا كمال الممكن في الاستمداد و الزيادة و الاستمداد و الزيادة نقص في حق الواجب سبحانه و تعالي فكلّ كمالٍ يصل [ص 59] الي الممكن فنَقول فيه امّا ان يكون حادثا او قديماً فان كان حادثا امتنع ان يكون في ذات اللّهِ و ان كان قديما امتنع ان يكون في ذات الحادث فان قلت الذي في ذات اللّهِ سبحانه لاينزل بنفسه الي الحادث و انما النّازل اليه اثره و ظهوره الاتري انّك اذا علمتَ مسئلةً من العلم كانت في نفسِك فاذا علَّمت بها زيداً لم‌تنزل هي بنفسها الي زيد بحيث تخلو نفسُك منها كالدرهم اذا اخرجته من الكيس خلا الكٖيس منه و انّما ينتقش في نفس زيد صورة ما انتقش في نفسك من المسئلة فكذلك ما نحن فيه قلتُ لك اوّلاً هذا الاثر النازل اثر فِعْليّ ام اثر ذاتي بمعني ان النّازل مصنوع من شعاع ما في الذات اِمَّا بمعني ان ما في الذات اثّر مثله في زيد بفعلٍ منه من مادّة مخترعةٍ و انما هيئة النازل كهيئة فعلِ ما في الذات كالكتابة فان مادّتها و هو المداد لا من حركة يد الكاتب و لا من نفس يده و لا من نفس الكاتب و انما الذي من الكاتب ان هيئة الكتابة هيئة حركة يده لا نفس الحركة و لا هيئتها المتّصلة بالحركة و انما هيئة الكتابة هي شعاع هيئة حركة يد الكاتب و لهذا نعبِّر عن هيئة الكتابة بانّها هيئة حركةِ اليدِ المنفصِلةُ من جهة انّ هيئة الكتابة هيئة حركة يد الكاتب لكن لحركة يده هيئتان هيئة متّصلة بالحركة لاتفارقها اذ لاتتحقّق الحركة الّا بها و هيْئة منفصلةٌ عنها و هي التي تقوّمت بها الكتابة و المنفصلة شعاع للمتّصلة و اِمَّا بمعني انّ ما في زيدٍ نفس ظهور ما في الذات اي تنزّله بنفسه في مراتبه الي زيد و عمروٍ او حصّة من الذات وصلت الي زيد و لايصح للمصنّف و اتباعه شيء من ذلك لانّه ان كان النازل اثراً من فعل الذات مخترعاً لا من شيء صحّ لنا ذلك و لايصح لهم لانّ اثر فعل الذات المخترع لا من شيء لايصح ان يكون في الذات و الّا لم‌يكن مخترعاً فعلي هذا يكون المعطي فاقداً له في ذاته لانه لاحق بالصفات السلبيّة نعم يكون [ص 60] العبارة عنه في حق الحق عز و جلّ ان معطي الشيء ليس فاقدا له في ملكِهٖ و ان كان النازل ظهور ما في الذات بمعني تنزّله بنفسه فقد كانت الذات مختلفة الاحوال و مختلف الاحوال حادث و ذلك بالنسبة الي احوال الظٰاهر و الظهور فان حالة الظهور غير حالةِ البطون و ان كانت في مراتبه و لهذا حكموا علي الوجودات بانّها تلحقها من المراتب عوارض تشوبها و هي نقاۤئص و بها تميّزت من صرف الوجود و ان كان النازل حصّة من الذات وصلت الي زيدٍ فقد تجزَّأَتِ الذات و تكثرَتْ سواۤء قلنا اِنَّ تنزلاتِ الحصّة و تكثّر مَراتبها انّما هي بالنسبة الي زيدٍ خاۤصّةً كما توهّموا ام مطلقاً و ثانيا هل كانت هذه العطايا التي تزعمون انها في الذات بنحوٍ اشرف عنده معلومة متعينة بمعني انه يعلم انّ في ذاته اشياۤءَ غيره ام لم‌يعلم ان في ذاته غيره فان كان يعلم فقد كان محلّاً لغيرهٖ فليس بصمدٍ لكون ذلك الغير له مدخل في ذاته تعالي او يكون معروضاً اَوْ عٰارِضاً و ان كانَ لم‌يَعْلم و انتم تعلمون فانتم اعلم منه بنفسه و يكون هذا ردّاً لقوله تعالي و اللّه يعلم و انتم لاتعلمون ، فكون كمالاته و ما يجوز له يجب له لايلزم منه انّ ما يخلقُ لخَلْقِه من كلّ ما يكون كمالاً في حقّهم يكون غير فاقدٍ له في ذاته لكونه كمالاً في حقه عز و جل فان جميع ما في الخلق من الايدي و الارجل و الاعين و الرؤس و الوجوه و الالسن و العظام و الشعر و البشر و العورات و آلات النكاح و المني و الحيض و الاكل و الشرب و النوم و اليقظة و الضحك و البكاۤء و الحركة و السكون و غير ذلك مما خلق عز و جلّ لخلقه كمال في حقّهم فان الفاقد منهم شيئاً منها ناقص و كلّها ليست كمالات في حقّ الحق جلّت عظمته بل نقاۤئص فعلي قولهم انّ مُعْطي الشيء ليس فاقداً لهُ في ملكه و انّ ذاته بالفعلِ غير منتظرٍ لشيء يجوز عليه لان ما يجوز عليه يجب له فمثل هذه الّتي ذكرتُ هو سبحانه اعطاها عبادَهُ لحاجتهم اليها فاذا كانت في ذاته بما فيها من النقاۤئص [ص 61] و المذاۤمّ فاين صرف الوجود الّذي يذكرونه فاعتبروا يا اولي الابصار .

و قوله « فلا معرِّفَ له و لا كاشف له الّا هو » يعني لا معرِّف للوجود الصرف و هو الحق عز و جل بحيث يعرفه عباده الّا هو لانّه عز و جل لايعرف من نحو ذاته و انّما يعرف بما وصفَ به نفسه لخلقه و لا كاشِفَ له الّا هو هذا لايصحّ علي جهة الحقيقة و انّما يصحّ علي جهة المجاز بان يريهم آياته في الافاق و في انفسهم حتّي يتبيّن لهم بما تعرّف به فيكشف لهم عن حقيقة ما اراد منهم من معرفته يعني لا مبيّن لحقيقته اي حقيقة معرفته الّا هُوَ و الكشف عن حقيقة ذاته لغيره عندنا غير ممكنٍ علي ما يُرٖيدُونَ اَمّا من جهته عز و جلّ فكلّ ما يجوز عليه فقد وجب له لانّه كما قدّمْنَا غير متوقعٍ و لا منتظرٍ اِذْ لَيْس فيه فقدٌ و لا ما بالقوّة وَ تبْيٖينُهُ لنَفْسِهٖ هو نَفْسُهُ و قد كان منه ما فات ٱلغايات و انقطعتْ دُونه النهايات حتي خفي لشدّة ظهوره عن كل ما سواه و امّا من جهة كلّ ما سواه فلانّ ظهوره لهم يفنيهم اصلاً في نفس الامر عند انفسهم و عنده سبحانه لان ظهوره بذاته كان و هو ذاتُه و هو الازل و في رتبة الازل يمتنع وجود شيءٍ سواه فقد امتنع ظهوره بذاته لغيره لعدم الغير في رتبة الظهور بالذات و لعدم بقاۤء الغير و لامتناع ثبوته و وجوده عند الظهور فقد امتنع ظهوره بذاته بمعني ادراكِ احدٍ سواه لا بمعني انه لايصحّ ظهوره بذاته لذاته اذ يجب ظهوره بذاته لذاته لانه هو ذاته فقد وجب انكشافه بذاته لذاته علي نحو الحقيقة و امتنع انكشافه لما سواه علي نحو الحقيقة و اما علي نحو المجاز فهو ما تعرّف لخلقه بما وصف به نفسه لهم و هو حقاۤئقهم ، فقوله فلا كاشف له الّا هو واجب له علي جهة الحقيقة و ممتنع لخلقه علي جهة الحقيقة و جاۤئز واقع لخلقه علي جهة المجاز و ما جاز و وقع لهم وجب له معهم [ص 62] و قوله « و لا برهان عليه الّا ذاته » مثل قوله و لا كاشف له الّا هو و قوله « فشهد بذاته علي ذاته ، الخ » اقتباس من قوله تعالي شهد اللّه انه لا اله الّا هو و مشيراً الي قول اميرالمؤمنين عليه السلام يا من دلّ علي ذاتِه بذاته فاما شهادته في الاية ففيها وجهان احدهما ما قاله بعضهم من ان شهادة الحقّ للحقّ حقٌّ يعنون ان الشاهد و المشهود عليه و الشهادة واحدٌ و هو الحق الذي لا تعدّد فيه و لا تكثّر فشهد بانه هو و ان لا اله الّا هو و شهادة الملاۤئكة انّه هو و ان لا اله الّا هو شهادة الرسم بالرسم للرسم و شهادة اولي العلم كنوع شهادة الملاۤئكة الّا ان ذلك عند عاۤمّة الناس انّ شهادة الملاۤئكة شهادة اصليّة برزخيّة و امّا عند الخصيصين فشهادة الملاۤئكة فرعيّة ظلّيّة و امّا ما في الدعاۤء ففيه وجوه ذكرناها في شرح المشاعر و غيره و منها ان الذات المدلول عليها هي الذات البحت و الذاتُ الداۤلة كذلك و الدلالة ما خلق من وصفه نفسه لخلقه بذواتهم او باياته و امثاله في الٰافاق و في انفسهم او بما اشرق علي خلقِهٖ من صفة وحدته التي يستدلّون بها علي وحدانيّته و اشباه ذلك و منها ان المدلول عليها هي الذات البحت و الدالّة هي معانيه اي معاني افعاله عليهم السلام و منها ان المدلول عليها هي العلامات التي لا تعطيل لها في كلّ مكانٍ و الداۤلة هي الذات البحت او هي العلامات او هي المعاني و منها ان المدلول عليها هي المعاني عليهم السلام و الداۤلّة هي الذات البحت او المقامات او العلامات او المعاني و امثال ذلك فان كان المدلول عليها هو الذات البحت فالدلالة بالايات سواۤء كانت الداۤلة هي الذات البحت ام المقامات ام المعاني و ان كان غيرها فمنها ما سمعتَ ممّا يجوز عليه علي نحو ما وصف به نفسه علي السن اولياۤئه عليهم السلام لا علي نحو الاراۤء المتشعّبة التي هي طرق الضلالة الي النارِ و انما قلنا في شهادَة الملاۤئكة و اولي العلم بما قالوا انها شهادة الرسم بالرسم [ص 63] للرسم لان وحدته عز و جل ليست وحدة شخصيّة كوحدة زيدٍ توجد لفردٍ من طبيعةٍ فان وحدة زيدٍ ثبتت له من طبيعة الحيوان الناطق يعني حصّةً منها تميّزَتْ بمُمَيّزات شخصية يلزم منه التحديد بنفي ما سواه اي بانّه هو لا عمروٌ و لا وحدة نوعيّة يتميّز بها الانسان من افراد انواع الحيوان و لا وحدة جنسيّة كما يتميّز بها الحيوان المتحرّك بالارادة من انواع الجسم النامي يعني وحدة كلّيّة توجد لمعني كلّيّ يتميّز بها مما يدخل معه تحت جنسٍ واحدٍ كما تكون لواحدٍ من الجنس او الفَصْلِ او النوع او الخاصّة او العرض العاۤمّ فانّها و ان كانت كلّية بالنّسبة الي ما تحتها الّا انها جزئيّة بٱلنّسْبَة الي ما فوقها تتميّز بمميّزات نوعيّة او جنسيّة كلّ واحدَةٍ عما يشاركها ممّا يدخل معها تحتَه فَاِنَّ هذه الوحدات اضافية لتركّبها من الحصص و المعيّنات المتألّفة من الهيئات و الاعراض و الهندسة من النسب و الاوضاع المتممات لقوابلها و المكمِّلات لها اذ ليس واحدة منها حقيقية لانّها مؤلّفة من ابعاد معنويّة و صوريّة و حسّيّة و من اجزاۤء و ابعاض جوهريّة و عرضيّة اذَا توجّهَ اليها الفؤاد و القلب و النفس حلَّلها بخلاف الحقيقية فانّ الفؤاد يشهد امثالَها بسيطة و القلب يدرك ايٰاتها متّحدة و النفس تري اثارها واحدةً و كلّ ذلك في المحاۤلّ الثلاثة الخارج و الذهن و نفس الامر لا اله الّا الله الواحد الاحد الصمد الذي لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفؤا احد .

و قوله « و ماهيّة من الماهيات » يمكن ان يجعل عطفاً تفسيريّاً لمعني كليّ كما هو في نفس الامر اذ لايكون شيء يصدق عليه اسم الشيئيّة الّا و هو ماهيّة لانّها هي هويّته من جهة نفسه و الظاهر انه اراد بالمعني الكلّي ما كان من الكلّيّات الخمس فيكون الماهيّة اعم و علي كل تقدير فانّ الوحدة التي تحصل للمعني الكلّي و الماهيّة لاتكون حقيقيّةً بل قد تكون وحدة شخصيّة [ص 64] و هي انما يحصل من التحديدات و المميّزات او نوعية او جنسية و هي تكون كذلك و ان كان لايلزم في افراد مشخصاتهما الخصوص كما في الشخصيّة بل يكفي فيها الخصوص الاضافي لا الحقيقي و اعلم ان الخصوص الذي هو منشأ الوحدة يختلف باختلاف العوالم فخصوص الاجسام لايصلح ان يقوم مقام خصُوص الملكوت من المجردات عن المواۤدّ العنصريّة و خصوص الملكوت الذي هو عالم النفوس و الطباۤئع و جواهر الهباۤء لايصلح لتخصيص الجبروت لما فيه من الهندسة الظاهرة و خصوص الجبروت الذي هو عالم العقول لايصلح لتخصيص عالم الامر السرمدي لما فيه من الهندسة الباطنيّة و خصوص عالم الامر السرمدي لايصلح لتخصيص الازل عز و جل لما فيه من اعتبار التعدد لانه خلق بنفسه فالوحدة الازليّة لايشابهُها شيء و ما سواها من الوحدات فهو ظلُّ وحدة فعل الازل و فعل الازل وحدته مثل وحدة نفسه و بَدَلُهَا .

قال : و لا ايضا وحدة اجتماعية توجد لعدّة من الاشياۤءِ و قد صارت بالاتحاد في الوجود او الاجتماع شيئا واحداً و لا اتّصاليّة كما في المقادير و المقدّرات و لا غير ذلك من الوحدات النسبيّة كالتماثل و التجانس و التشابه و التطابق و التضايُف ايضا كما ستعلم و ان جوّزته الفلاسفة و التوافق و غير ذلك من اقسام الوحدات الغير الحقيقيّة .

اقول ايضا ليس الوحدة التي يوصف بها تعالي وحدةً اجتماعيّة و هي توجد من اجتماع اشياۤء كما تقول بعتك هذا الذي في الصندوق فتشير اليه باشارة الوحدة مع ان فيه ذهباً و فضّة و جوهراً و ثياباً لاعتبار المجموع من حيث الاجتماع و قد صارت بالاتّحاد في الوجود اي الحصول و الظهور واحداً كالموجود المجتمع من الوجود و الماهية و كالكسر و الانكسار [ص 65] فان الوجود و الكسر متوقفان في الظهور اي الكون في الاعيان علي الماهية و الانكسار و الماهية و الانكسار متوقفان في التّحقق الّذي يحصل الكون في الاعيان علي الوجود و الكسر فاحدهما متوقف علي الاخر في الحصول فصار الشيء الواحد منهما لاتّحادهما في الوجود اي الحصول و كذلك ما يحصل من الاجتماع كما مثّلنا بما في الصّندوق و كذلك الوحدة الاتّصاليّة كما في المقادير كالعشرة فان وحدتها انما حصلت من انضمام خمسةٍ الي خمسةٍ و كالمقدرات كالدراهم العشرة فانّ وحدتها من انضمام خمسة دراهم الي خمسة دراهم فلما اتّصلت الخمسة الثانية بالاولي في المقدار و المقدّر كانا بالاتصال شيئا واحداً حتّي يقال هذه عشرة و تلك عشرة و كذلك في التّماثل كما في الاجناس و الانواع و الاصناف فان وحدة الجنس و النوع و ٱلصنف مع كثرة افراد كلٍّ منها انما هي من جهة تَماثل افرادها و كذلك التجانس و الفرق بينهما انّ التّماثل يُعنَي به ما كانت الافراد من صنف واحدٍ كالتركي و التركي او من نوع واحدٍ كزيد و عمروٍ او من حصّة جنس كالانسان و الفرس اذا لحظ منهما الحصّة الحيوانية او تقول كحيوانية الانسان و الفرس و امّا التجانس فيراد منه مثل الانسان وَ الفرس فانّهما من جنس واحدٍ فتقول هذا الحيوان فيدخل فيه الانسان و الفرس و هذا الجسم النامي فيدخل فيه الحيوان و الشجر و التشابُه كوحدة الامثال علي الظاهر كوحدة مثل المنافقين مع مثل الذي ٱسْتَوْقَد ناراً كما ذكره سبحانه و انما قلتُ علي الظاهر احترازاً عمّا يذهبون اهل التأويل من ان مثل المنافقين هو بعينه مثل الذي استوقد ناراً فتكون علي هذا الوحدة هنا شخصيّة لا وحدة تشابه كما اراد المصنف لان المشبّه عندهم عين المشبّه به فلا تعدّد في نفس الامر و كذا في كل تشبيهٍ في الكتاب و السنة المنقولة باللفظ لان المنقولة [ص 66] بالمعني ربّما كان الناقل ليس ممن لم‌يصل الي هذا المقام و انّما نقل علَي مدلول اللغة ظاهراً و وحدة التّطابق قد تحصل باعتبار مطابقة الصفات او التعلق او المعاني او للذّوات او المقادير فتلاحظ الوحدة في جهة التّطابق في كلّ شيءٍ بنسبته و اظهر ما يعبّر عنها في الضدّ و المخالف و المقابل فيقال مثلا هذا ليس باسود فتريد كل ابيض لانّه ليس باسود و كل اسود لانّه ليس بابيض و في زيد في الدار زيد مبتدأ و الجار خبر و ان شئت قلتَ و المجرور خبر و زيد ليس بقاۤئم اي قاعد او جالس و ليس بقاعد اي قاۤئم او منتصب و كذا المترادف في المعاني و الحاصل تنظر جهة التطابق فيتّحد المتعدد فيها و ح يدخل التطابق في التّشابه مع تطابق الصفات و في التجانس مع تطابق المعاني و في التَّماثل مع تطابق الذوات و وحدة التّضايف في كل شيئين توقّف كلّ واحدٍ علي الاخر في جهة التوقف فيجري في الستة ٱلسَّابقة من حيث الصدق اللّغوي .

و قوله « و ان جوّزته الحكماۤء » يعني بان تكون وحدة التضاۤئف يجوز اطلاقها علي اللّه عز و جلّ لقولهم بالايجاب فيكون الفاعل يلزمه المفعول و لاينفكّ عنه و المصنف قد ذكر ذلك في الكتاب الكبير و نصَره و ان لم‌يقل باللفظ ان الفاعل الحق عز و جل فاعل موجب قال : فصل في ان المعلول من لوازم ذات الفاعل التام بحيث لايتصوّر بينهما الانفكاك ، بيانه ان الفاعل اما ان يكون لذاته مؤثّراً في المعلول ام لايكون فان لم‌يكن تأثيره في المعلول لذاته بل لا بد من اعتبار قيدٍ آخر مثل موجود او صفة او ارادةٍ اوْ الةٍ او معالجة او غيرها لم‌يكن ما فرض فاعلاً فاعلاً بل الفاعل انما هو ذلك المجموع ثم الكلام في ذلك المجموع كالكلام في المفروض اوّلاً فاعلاً الي اَنْ ينتهي الي امرٍ يكون هو لذاته و جوهره فاعلاً ففاعليّة كلِ فاعل تاۤمٍ الفاعليّةُ بذاته و سنخه و حقيقتِه لا بامرٍ عارضٍ لهُ فاذا ثبت انّ كل فاعل تاۤمٍّ فهو بنفس ذاته [ص 67] فاعل و بهويّتهٖ مصداق للحكم عليه بالاقتضاۤءِ و التأثير فيثبت انّ معلوله من لوازمه الذاتية المنتزعة عنه المنتسبةِ اليه بسِنْخهٖ و ذاته انتهي ، لكنّه لَمْ‌ينتهِ عمّا يقول فقد اثبت له وحدة التّضَايف من حيث لايشعر فان قلتَ هذا لايلزم المصنّف لانّه عنده ان الوجود حقيقة واحدة و انّما الوجودات شؤن تلك الحقيقة الغير المجعولات و هي غير مباينةٍ لتلك الحقيقة بل القابل و المقبول و الفاعل و المفعول شيء واحد فلايتّحقق التضايف الّا في المتباينات و حيث ذهب الي الاتحاد لم‌يكن قاۤئلا بجواز وحدة التضايف عليه تعالي لان هذه الوحدة حقيقية بخلاف الحكماۤء من المشّاۤئين فانّهم جوّزوا عليه تعالي وحدة التضايف لان افراد الوجودات عندهم مباينة له ليست من سنخٍ واحدٍ عندهم فوجود الواجب مغاير لوجودات معلولاته و حيث كانت لازمةً لذاته غير منفكّة عندهم عنها لتَماميّة علّيّتِه كانت مرتبطةً به ارتباطا غير معلوم الكنه اذ يلزم من معلوميته امّا معلومية علته او انفكاكها عنها و المعلوميّة ممتنعة و الانفكاك ينافيه تمامية العلّة و المصنف منع من ذلك التجويز لتوقف الوحدة علي لحاظ المغاير بخلاف ما ذهب اليه فان المغايرة صورته قلتُ انما قلتُ اثبت له تعالي وحدة التضايُف من حيث لايشعر لانه توهم انّ هذا التضايف ليس حقيقيا لعدم مغايرة العلّة للمعلول بل هذه الوحدة هي الحقيقية و هو توهّم فاسد من وجوه الاوّل انّا قد اثبتنا المغايرة و المباينة بالادلة النّقلية من الكتاب و السنة و العقلية الضروريّة فان مختلف الحالات و المتغيّر الاطوار و المراتب كيف يصحّ اتّحاده بالازلي و يكون من سنخه الثاني لو سكتنا عن المغايرة في الحقيقة فكيف نسكتُ عن الاعتبارية فان المعلولات انما قيل لها ذلك لفرض المغايرة و الّا لماصح تأثير الشيء في نفسه بدون [ص 68] فرض مغايرة او حمله عليه اوْ ان يصدق عليه كلام لم‌يصدق من جهة صدقه عليه و مهما فرضت المغايرة بكل اعتبار وجبت المغايرة بين الواجب و غيره لانّ الازل لايجوز عليه الفرض و التقدير و الامكان و الاحتمال و ان جاز ذلك في العلة الغير الواجبة بالذات و بين معلولها في بعض الاحوال لوجود الحالة الجامعيّة بينهما و هي الامكان بخلاف الواجب بل امّا تقول هو الله و لا علة و لا معلول و لا ظاهر و لا مظهر و لا مؤثر و لا تأثير فتسقط جميع ما يصدق علي الخلق مما جلّ و دَقّ و امّا ان تقول هو اللّه و خلقه فتثبت تلك الامور و مٰا اشبهها للخلق و تنفيها عن الحق عز و جل بكل اعتبار كما قال الرضا عليه السلام كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه الثالث انّ الربط لايتحقّق الّا بين حادثين للزوم الاقتران و الاجتماع و المشابهة التي لاتكون الّا في الممكنات و ذات اللّه عز و جل لايكون بينها و بين شيءٍ غيرها اجتماع و لا اقتران و لا مشابهة و لا افتراق و لا غير ذلك من احوال الخلق لا في نفس الامر و لا في الخارج و لا في الذهن الرابع قد اثبتنا بالكتاب و السنة و اتفاق العقول علي ان الفاعل لايكون فاعلاً بذاته الّا الفاعل بالطبيعة علي زعمهم ايضا بل اما يكون فاعلاً بفعله و امّا ان يكون غير فاعل لذلك المفعول فانه اذا لم‌يكن المفعول صادراً بفعل الفاعل لم‌يكن الفاعل فاعلاً لذلك المفعول و لا المفعول مفعولاً له ثم لو جاز ان يكون فاعلاً بذاته و هي البسيطة المطلقة المنزهة عن جهةٍ و جهةٍ و حيث و حيث و عن كل ما سوي محض الذات البحت لزم ان تكون علي الدوام فاعلةً لمفعول واحدٍ لاينتهي لعدم انتهاۤئها و لايتعدّد لعدم تعدّدها و لايختلف في ذاته و لا في صفاته لعدم اختلافها كذلك اذْ اَقلُّ احواله ان يكون علي هيئة علته كالصورة في المرءاة فكما تكون علي هيئة المقابل في الانتهاۤء و عدمه و التخطيط كذلك يكون المفعول فيكون غير متناهٍ و غير مختلفٍ [ص 69] و اذا ثبت انه فاعل بالاختيار بمعني انه ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك لان الاشياۤء واقفة علي باب "٢" التكوين اعني التمكين "٢" حتي يؤذَنَ لها بالخروج الي عالم الكون و الّا لكان تعالي يخاف الفوت فلايكون ذا اَناةٍ تعالي سيدي و مالكي لا كما يتوهمه المصنف و اتباعه من انه فاعل بالرضي او بالعناية لما في ذلك و ما اشبهه من المفاسد و يأتي في محلّه الاشارة الي شيء من ذلك انشاۤء الله تعالي انتهت المفعولات الي فعله لانّها اثاره من حيث مواۤدِّها و امثاله من جهة صورها كما ان حروف الكتابة صورها امثال هيئة حركة يد الكاتب فاذا انتهت الاشياۤء الي فعله المحدث كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ه‍ ، كان الربط بين الفعل و المفعول موجبا للتضايف و وحدته غير حقيقية فمن جعل وحدة التضايف بين الواجب و بين خلقه فقد الحدَ سواۤء جوّزها علي الله سبحانه ام لا و سواۤء جعل الخلق مباينين للخالق ام لا الا انّ من جعلها مباينة فالحاده من وجهين احدهما دعوي الربط بين الخلق و بين الحق تعالي و ثانيهما اطلاق وحدة التضايف عليه و من لم‌يجعلها مباينة للخالق فالحاده من وجوه لاتحصي لا حول و لا قوة الّا بالله العلي العظيم .

و من الواجب عليّ ان اتكلم علي كلام المصنّف الذي نقلناه من الكتاب الكبير لحاجة الناظر الي ذلك و لابتناۤء كثير مما يأتي عليه فاقول ان الاستقصاۤء مما لاينبغي لانّي اذكر كثيرا من ذلك في اثناۤء كلامي في المقام المناسب له سواۤء ذكرته هنا ام لم‌اذكره كما هي عادتي و ثانيا يطول الكلام فيه بحيث نخرج عن المقصود زيادة عن المعتاد فقوله : فصل في انّ المعلول من لوازم ذات الفاعل التام بحيث لايتصوّر بينهما الانفكاك ، فيه ان هذا انما يصحّ اذا كان الفاعل فاعلاً بالايجاب لا بالاختيار ثم ان كان فاعلا بالايجاب و قيل بمباينتها له لزم الاقتران خاۤصة و لو قيل بعدم [ص 70] مغايرتها لزم الاتّحاد و يكون التعبير بانها من اللوازم انما هو بملاحظة تأخّرها عن العلّة رتبة و يلزم منه القول بالمباينة و المغايرة اذ الشيء الواحد لايصح فرض تأخره عن نفسه رتبة و لا تأخر بعضه عنه لانه ح ليس بواحدٍ و لا فرض العلّيّة و المعلوليّة و لا اللّازميّة و الملزوميّة لكونها من ملزومات المغايرة و عدم تصوّر الانفكاك لايصحّ الّا في الشيء الواحد البسيط الحقيقي و الّا فكل اثنين يتصوّر الانفكاك بينهما الّا بلحاظ حال الربط فانهما من هذه الحيثية لايتصوّر الانفكاك او ان الاثنينيّة اعتباريّة فانها عندهم يقولون هي من حيث المفهوم يعني ان كونهما اثنين من حيث تغاير المفهومين و في الذات واحد و الكل ليس بصحيح فان لحاظ الحيثية لايوجب الاتّحاد و لا عدم تصوّر الانفكاك في غير حال اللحاظ و تغاير المفهومين اذا كان في الشيء المتّحد في الخارج و في نفس الامر يوجب كذب الذهن فصدق تغاير المفهوم يوجب التعدّد اذ الاعتبار من اقسام الحوادث الواقعة فانّ الذات الواحدة لايمكن اعتبار تعددها الّا من جهة الصفات او الاجزاۤء او الجزئيات الطبيعية و كُلُّ ذلك منافٍ لوحدة الذّات اذا اخذت فيها علي نحو الحقيقة فانّه لو اعتبر ما ليس بواقع متحقّقٍ انّه واقع متحقِّقٌ امّا في الاكوانِ او الامكان لم‌يكن ذلك الاعتبار صحيحاً و ان كان في الاكوان او الامكان كانت الذات متعدّدة امّا خارجاً و اِمّا حكماً و ليس وَاحِدٌ ممّا هو هكذا بواحدٍ بسيطٍ في الحقيقة بل هو متعدّد متكثّر و قوله : بيانه ان الفاعل اِمّا ان يكون لذاته مؤثرا في المعلول اَوْ لايكون ، جوابه انّ الفاعل مؤثر في المعلول بفعله لانه لو كان مؤثرا فيه لذاته فالتّأثير ان كان متأخّرا عن المؤثر رتبةً كان هو من الفعل كما هو المعقول و الواقع و ان لم‌يكن متأخّرا فان كان هو الذات بكل اعتبارٍ كانَت الذات فعلاً و يلزم منه مع اتفاق العقلاۤء علي حدوث الفعل بكل انواعه و اصنافه [ص 71] و افراده ان تكون الذات فعلاً و هو يستلزم فاعلا يحدثه و يحدث به و يقيمه و يقيم به و ان كان غير الذات لزم تعدّد القدماۤء و تكثّر الامثال الازليّة و ايضا لو كان مؤثراً لذاته لاختلفت احواله لان التّأثير متأخر عن المؤثر و لو في الفرض و الاعتبار و لو بالمفهوم فحالة التأثير بعد حالة الذات في نفسها و المتغيّر الاحوال و مختلفها حادث بلا خلاف و لو كان فيما يعلمه ، و قوله : فان لم‌يكن تأثيره في المعلول لذاته بل لا بد من اعتبار قيدٍ اخر ، جوابه لا بدّ من اعتبار قيدٍ آخرَ و هو الفعل اي المشيّة و الارادة و الابداع كما قال الرضا عليه السلام اسماۤؤها ثلاثة و معناها واحدٌ و قوله : لم‌يكن ما فُرِض فاعلاً فاعلاً بل الفاعل انّما هو ذلك المجموع ، جوابه ان ما فرضه المصنف من كون الذات البحت فاعلاً لم‌يكن فاعلا اذ لو فرض ذلك لزم ما قلنا فلا بدّ من قيدٍ يسند الفعل به اليه و هو المشية و الارادة اعني الفعل و ليس المجموع فاعلاً بل الفٰاعل مثالُ الذاتِ البحتِ بفعله اعني المشية و الارادة و المعلول يستند الي الفعل و الفعْل احدثه الفاعل بنفسه اي بنفس الفعل و اقامه بنفسه فهو قائم بالفاعل قيام صدور و بنفسه قيامَ تحقّقٍ اي قياماً ركنِيّاً و المعلول قاۤئم بالفعلِ قيام صدور و باثر الفعل قيام تحقّق اي قياماً ركنيّا و ليس المعلول مستنِداً الي الفاعل لذاته و لا الي المجموع بمعني صدوره من كلٍّ من الفاعل و الفِعْل علي سبيل التعاقب او التبعيض و التوزيع او من القدر المشترك بينهما و الفاعل علي الحقيقة ليس هو الذات البحت و الّا لزم ما قلنا سابقا من انه يكون فاعلاً لمعلول واحدٍ غير منتهي التمام علي الدوام بل الفاعل هو الذات الظاهرة بالمفعول و هو الذي عَنيناهُ بمثال الذات اعني الصفة العنوانية و المعلولات تنتهي الي الفعل كما قال مقتدانا اميرالمؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ه‍ ، و شكل المخلوق هو الفعل لانه مخلوق و لان هيئة المخلوق من [ص 72] هيئته كما قلنا بان هيئة الكتابة من هيئة حركة يد الكاتب لا انّها تنتهي الي الفاعل و قوله : الي ان ينتهي الي امرٍ يكون هو لذاته و جوهره فاعلاً ، جوابه مِاِ قِلِنِا انه لاتكون الذات فاعلا و انّما الفاعل م ثالها الاتري زيداً مرة يفعل و مرّة لايفعل و لو كانت ذٰاته بنفسها هي الفاعلة لكانت الفاعلية عين حقيقتها فلاتتحقّق الّا فاعلةً و لكنها اذا لم‌تفعل فهي الذات حقيقة و اذا فعلت فهي حينئذٍ قد لبست ثوباً اعني المثال الذي هو ظهورها بالفعل اي فعلها لما ظهرتْ به و ذلك المثال من الذات بمنزلة القاۤئم من زيد و القاۤئم من زيد اذا فتَّشْتَ عن حقيقته وجدته اسماً لفاعلِ القيام لا لذات زيدٍ فهو في الحقيقة مصاغ من فعل زيد للقيام و من القيام الذي هو اثره فجعل اسماً لفاعل القيام و مثاله كالحديدة المحماة بالنار فانّ ذلك فاعل الاحراق لان الحرارة التي هي فعل النار هي المحرقة و الحديدة محلّها الحامل لها فالعالم العارف بالله سبحانه ينتهي عنده الكلام الي امرٍ يكون هو بفعله فاعلاً لَا بذاته و قوله : ففاعليّة كل فاعلٍ تامٍّ الفاعليّةُ بذاته و سنخِهٖ و حقيقته لا بامرٍ عارضٍ له ، جوابه ان الفاعلية لايتحقق بذات الفاعل كما لايقال انّ المقابل للمرءاة هو الفاعل للصورة و انّما تتحقق للشيء بكونه فاعلاً بفعله و لذا سمي بالفاعل و ليس كون الفاعل فاعلاً بفعله يلزم منه انّه ليس بتاۤمٍّ لاحتياجه في فاعليته الي فعله كما نبّه المصنف عليه بقوله كل فاعلٍ تاۤمٍّ لان الشيء لو تحقّقت له الفاعلية بدون الفعل و توقفت فاعليته علي الفعل اتّجه كلام المصنّف لكنّ الذات البحت لايتّصف بصفات الخلق لذاته و هي صفات الاضافة اي الّتي مفاهيمها تنشأ عن الارتباطات كالفاعلية فانها تقتضي فعلا و مفعولا و الخالق و الرازق و المعطي و ما اشبه ذلك فان صفات الاضافة صفات الخلق و لايَجُوز اَنْ يتّصف بها الحق تعالي و الفاعلية انّما يوصف بها من يفعل و فعل نعم الذات البحت متّصفة بمعني الفاعلية [ص 73] و لا فعل و لا مفعول و معناها هو القدرة و العلم و كذلك سائر صفات الخلق فالذات بنفسها تاۤمّة و فوق التمام بمعني الفاعلية الذي هو ذاتها اعني القدرة و العلم المطلقين فلايلزم من قولنا ان الفاعل لايفعل بذاته و الّا لَماكان فاعلاً و انما يفعل بفعله نسبة الاحتياج و النقص فان قلتَ يلزم علي قولِك انه تعالي لايوصف بالعلم و القدرة و السمع و البصر لان مفاهيمها اقتضاۤء الاضافَة فالعلم يقتضي عالما و معلوما و كذلك الباقي و هذا خلاف ما عليه كل العلماۤء و الحكماۤء و العقلاۤء قلتُ نعم الامر كما قلتَ فانّ العلم المقتضي معلوماً و القدرة المقتضية مقدوراً و السمع و البصر و غيرهما لايصح ان يوصف بها تعالي لانها صفاتٌ فعليّة و انما يوصف بمعانيها و هو العلم و القدرة و كذلك يوصف تعالي لذاته بمعني الخالق و هو القدرة و العلم و لايوصف لذاته بالخالق لانه من صفات الافعال و امّا اِذا سمعتَ عنهم عليهم السلام يقولون هو سبحانه عالم يريدون به العلم الذي هو ذاته و هو تعالي لذاته عالم و لا معلوم و قادر و لا مقدور و امّا المقتضي للاضافة فهو من صفات الافعال لاتوصف به الذات البحت و كذلك الفاعل فافهم ان وُفِّقتَ للهدي فهمتَ و الله سبحانه ولي التوفيق ففاعليّة كل فاعل تاۤمٍّ الفاعلية بفعله لا بذاته و سنخه و قوله : فاذا ثبت ان كل فاعل تاۤمٍّ فهو بنفس ذاته فاعل و هويّته مصداق للحكم عليه بالاقتضاۤء و التأثير ، جوابه لم‌يثبت من هذا شيء و انما الثابت انه بفعله فاعل و انّ هويّته تعالي لو كانت مصداقاً للحكم عليه بانها تقتضي لذاتها الفاعلية و التأثير لكان فاعلاً في الازل و مؤثّراً في الازل و قد ثبت انّ الازل هو الذات البحت فاما ان يكون مؤثِّراً في ذاته او يكون في ذاته شيء غيرها يكون مؤثراً فيه او يكون الازل شيئا غير الذات قديماً فتتعدّد القدماۤءُ و يَكون وقتاً او مكاناً و التأثير فيه نفسه باحداثه او بعضه او يكون [ص 74] فيه غير الحق تعالي فتتعدّدُ القدماۤء و يكون محلّا او وقْتاً لما احدث فيه و قوله : فيثبت ان معلوله من لوازمه الذاتية المنتزعة عنه المنتسبة اليه بسنخه و ذاته ، جوابُه انه لم‌يثبت ان معلوله من لوازمه الذاتية بل الثابت في نفس الامر ما سمعتَ حكاية بعضه من كلامنا و في قوله : المنتزعة منه ، تصريح الي ان الاشياۤء عند المصنف ان لم‌نقل انه لم‌يرد انها اجزاۤء منه تُقْتَطع تَنْفَصِل منه بعد ذلك اللزوم بذاتها او تُنْتَزع منه بصورها و اشباحها مع بقاۤء حقاۤئقها كلّ في رتبته من الذات و انما تنفصل من حقاۤئقها التي في ذاته كانفصال النار من الحجر بالزناد او انفصال اللفظ من النفس او تنحطّ منها صورها و اشباحها و اظلّتها مع بقاۤءِ حقاۤئقها في ذاته متّحدة بها او قاۤئمة بها قيام عروضٍ او معلّقة به تعليق الظل بالشاخص و في كل ذلك تثبت المغايرة و يثبت التضايف فتجويزه لهذه الوحدةِ عليه عين تجويز القوم المشّاۤئين و لهذا قلنا من حيث لايشعر و قوله : المنتزعة عنه ، صريح في اخْذِهَا من الذات البحت و قوله : المنتسبة اليه ، محتمل لاحد الوجوه التي ذكرناها في كيفية الانتساب و قوله : بسنخِه و ذاته ، صريح في انّ الاخذ بالاقتطاع و هذا هو المرجو من جناب المصنف من الوقوع في ذات الله سبحانه و تعالي .