( نقل في هذه النسخة بعض الحواشي لمولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني (اع) علي هذا الكتاب المستطاب )
* * * * *
الحمد للّه ربّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ايّاك نعبد و اياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضاۤلّين و صلي اللّه علي الامين محمد و اله الميامين الذين بيّنوا الدين و اوضحوا الحق المبين بالادلة الموصلة الي اليقين صلي الله عليه و عليهم اجمعين .
امّا بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحساۤئي انّ جناب المحترم الممجد و المعظم المسدّد الاخوند الملّا مشهد بن المرحوم المبرور العلي الملا حسينعلي الشبستري رفع اللّه قدره و شأنه و علّا في درجات المعالي و التوفيق مكانته و مكانه قد التمس منّي ادامَ اللّهُ توفيقه و جعل امدادَه بكل ما تقرّ به العين من احوال الدارين رفيقه اَنْ اشرح الرسالة المسمّاة بالعرشيّة للعالم الجليل الفاخر و الحكيم المتوغّل الماهر محمد بن ابراهيم الشيرازي المعروف بملّا صدرا التي وضعها في بيان النشأة الاخري مع ما انا عليه من الاشتغال بكثرة الاعراض و مداومة الامراض مضافاً الي قلّة البضاعة و كثرة الاضاعة فاستعفيتُه مرة بعد اُخري فلميعفني من ذلك و حيث لايمكنني ردّه بالاكراه اجبته علي حسب ما يسهل عليّ من المقدور اذ لايسقط الميسور بالمعسور و الي الله ترجع الامور .
[ص 3] قال المصنّف : بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الّذي جعلنا ممّن شرح صدره للاسلام فهو علي نور من ربه و اوجدنا من عباده الذين اتاهم رحمة من عنده و علما من لدنه و هداهم الي صراط الله الحق باليقين و جعل لهم لسان صدق في الاخرين .
اقول كلامه هذا كله مقتبس من ايات القرءان و اشار بقوله « ممن شرح صدره للاسلام » الي ان ما يخوض فيه من الابحاث من تحقيقاته صادر عن البراهين القطعية الناشية عن العلوم اللدنية التي هي ثمرات الرحمة العندية اقتبسه مما قال تعالي للخِضر عليه السلام في قوله فوجدا عبداً من عبادنا اتيناه رحمة من عندنا و علّمناه من لدنّا علماً و انما ادّعي ذلك لانه يري ان ما ادّاه نظره اليه حق لا شك فيه لان ذلك النظر كان عن الكشف بسبب التدبر في الافاق و في الانفس و العلم الناشي عن ذلك هو العلم اللّدني و اقول ان الكشف علي قسمين قسم يكشف الناظر به عن حقيقة ما يتدبر فيه و ينظر و ليس له لحاظ غير ذلك فاذا انقطع عما سوي تدبّر الاية ظهر له بعض ما فيها من الايات و العنوانات لان كل شيء خلقه الله تعالي في تقدير الله جعله دليلا و مدلولا عليه و شاهداً و مشهودا و كتابا و مكتوباً و بيانا و مبيّنا و تابعا و متبوعا و عارضا و معروضا و علة و معلولا و امثال هذه فاذا نظر في الاية متدبّراً لها غير ملتفت الي ما يفهم قبل و لا الي قواعد عنده و لا الي ما انست به نفسه من المساۤئل فانه ينفتح له بنسبة اقباله و اخلاصه في اقباله و ما حصل له من الايات و الدلالات فلا شك في صحّته و قطعيته و ذلك العلم لَدُنّيٌّ قال سبحانه و كذلك نري ابراهيم ملكوت السموات و الارض و ليكون من المُوقنين و قال تعالي في الحديث القدسي مَن اخلص للّه العبوديّة اربعين صباحاً تفجّرت ينابيع الحكمة من قلبه علي لسانه الحديث ، و هذا هو الذي يصح فيه قوله [ص 4] تعالي و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و ان الله لمع المحسنين ، و قسم يكشف الناظر به عن حقيقة خصوص مقصوده فان انقطع في النظر في الافاق و في الانفس تحصيلاً لتصحيح معاندته و مكابرته للحق او للغير حصل له شبه قويّة و عبارات متينة و تدقيقات خفيّة تؤيّد باطله لايكاد يتخلّص منها و يردّها و يعرف وجه بطلانها الّا صاحب الكشف الاوّل و الافاق و الانفس و ان كانتا لميُخلقا باطلا و لا عبثا الّا انه سبحانه لمّا اجري حكمته علي الاختبار و الامتحان ليميز الخبيث من الطيب فقال تعالي ان الساعة اتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي و لان الخبيث يشابه الطيّب قال تعالي و مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة و قال تعالي و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثةٍ فشبّه كلّا منهما بالشجرة و كذا في اية فاحتمل السيل زبدا رابيا و مما توقدون عليه في النار ابتغاۤء حلية او متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق و الباطل و ذلك لما بين الضدين من كمال المعاكسة حتي انه يعرف الشيء بضده و كل ذلك لفائدة التمييز و الاختبار و لذا قال عليه السلام لو خلص الحق لميخف علي ذي حِجيً و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضِغث فيمزجان فهنالك هلك من هلك و نجا من سبقت له من الله الحسني ، او كما قال فيعرف المعاند من المشابهات شُبَهاً يؤيّد باطله و مثل هذا في عدم الاصابة من انقطع في النظر في الافاق و في الانفس لتحصيل ما يؤيد ما اَنِست به نفسه من الاعتقادات او المساۤئل فانه يحصل له منهما ما يؤيّد ما في نفسه و مثل هذا ايضا مَن كان عنده قواعد و ضوابط لما يعلم و يعتقد فينظر في الافاق و في الانفس ليحصل له ما يقوّي ما عنده من العلوم فاذا ظهر له شيء منهما عرضه علي قواعده فان وافق قَبِله و ان خالف تأوّله او طرحه و لعلّ الخطأ في قواعده فالكاشف علي نحو واحد من هذه الثلثة لايكاد يصيب الحق الّا نادراً بخلاف الاوّل فانه لايكاد يخطئ [ص 5] الحق مع ان كل واحد من الاربعة يدّعي الصواب و هي دعوي باطلة الا ان يشهد الله سبحانه بصحّتها و ذلك بما انزل في محكم كتابه و اوحي الي نبيه صلي الله عليه و اله و الهم اولياۤءه اهل البيت عليهم السلام فاذا اختلفت الاربعة فعليهم الترافع الي محكم الكتاب و السنة فمن شهِدا له بالصدق فهو الصادق و من لميشهدا له فاولٰۤئك هم الكاذبون و المصنف في كل كتبه و رساۤئله يدّعي المرتبة الاولي و لهذا قال هنا جعلنا ممَن شرح صدره للاسلام فهو علي نور من ربّه و كون المرء علي نورٍ من ربّه انما يعلم اذا كان سالكاً طريقةَ محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و اله بحيث لايقول الّا ما قالوا و يتجنّب كلّ مَن سواهم فان الذين هداهم اللّه الي صراط الله الحق باليقين هم محمد و اهل بيته الطيبون صلي الله عليهم اجمعين و مَن تَبِعَهم في اقوالهم و اعمالهم و اهتدي بهديهم و استضاۤء بنورهم لانهم هم الذين احيوا دين ائمتهم عليهم السلام و ليس منهم مميت الدين و لا اهل التلوين الّذين اخذوا ذات الشمال في ساۤئر الاقوال و الاعمال و هم يحسبون انهم يحسنون صنعاً و في عبارته عكس الترتيب الطبيعي حيث جعل الجعل ممّن شرح صدره للاسلام مقدّماً علي الايجاد من الذين اتاهم رحمة من عنده و امّا الذين جَعل الله لهم لسان صدق في الاخرين فهم محمد و اله صلي الله عليه و اله و شيعتهم المتبعون لهم في كل ما اراد الله منهم و هذا انشاۤء اللّه تعالي ظاهر لا شك فيه و لا شبهة تعتريه .
قال : و الصلوة علي خير من انزل عليه الكتاب و اشرف مَن اوتي الحكمة و فصل الخطاب محمد و اله الفائزين من ميراث النبوة و الحكمة بالحظ الاوفي و القدح المعلي عليهم السلام و لهم الدعاۤء من الحق الاعلي .
اقول ان المصنّف ليس له التفات الي غير مطلبه غالباً و لهذا لميكن في خطبته ما يدلّ علي براعة استهلالٍ كما يفعله كثير من العلماۤء حتي ان قوله [ص 6] فيما تقدم « و هدٰاهم الي صراط اللّه الحق باليقين » لميرد به الاستهلال و الاشارة الي ان ما ذكره في هذه الرسالة الصراط و معناه و كيفيته و لا عيب في امثال ذلك لانّها امور لفظيّة لميتعلّق بها امر اخرويّ .
و قوله « القدح المعلّي » بكسر القاف و هو السّابع من سهام الميسر قال الاميرزا محمد المشهدي بن محمدرضا بن اسمعيل بن جمالالدين القمّي في تفسيره المسمي بكنز الدقاۤئق و بحر الغراۤئب في تفسير قوله و ان تستقسموا بالازلام ، من عيون الاخبار عن ابيجعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام انه قال كانوا يعمدون الي الجزور فيجزّؤنه عشرة اجزاۤء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام فيدفعونها الي رجل و هي عشرة سبعة لها انْصِباۤء و ثلاثة لا انصباۤء لها فالتي لها انصباۤء فالفذّ و التوءم و المسبل و النافس و الحلس و الرقيب و المعلّي فالفذّ له سهم و التوءم له سهمانِ و المسبل له ثلثة اسهم و النافس له اربعة اسهم و الحلس له خمسة اسهم و الرقيب له ستّة اسهم و المعلّي له سبعة اسهم و التي لا انصباۤءَ لها السفيح و المنيح و الوغد و ثمن الجزور علي من لميخرج له من الانصباۤء شيء و هو القمار فحرّمه الله تعالي و في تفسير علي بن ابراهيم مثله ثم قال بعد كلام و معني تجزئته عشرة اجزاۤء اشتراۤؤه فيما بين عشرة انفس كما ذكر في حديثِ الجواد عليه السلام لا تجزئة لحمه و الفذ بالفاۤء و الذال المعجمة المشدّدة و التوءم بالتاۤء المثناة الفوقانية و الهمزة و المسبل كمُحْسِن بالسين المهملة و الباۤء الموحّدة و النافس بالنون و الفاۤء و السين المهملة و الحِلس بكسر الحاۤء و سكون اللام و السين المهملة و قد يحرك و الرقيب بالقاف و الراۤء علي وزن فَعِيل و المعلّي بضم الميم و سكون العين و فتح اللام و السفيح بالسين المهملة و الفاۤء و الحاۤء المهملة علي وزن فَعيل كالمنيح بالنّون و الحاۤء المهملة و الوغد بالواو و الغين المعجمة و الدال المهملة و قيل معني الاستقسام بالازلام طلب معرفة [ص 7] ما قسم لهم بالاقداح يعني السهام و ذلك انهم اذا قصدوا فعلاً ضربوا ثلثة اقداح مكتوب علي احدِها اَمرني ربّي و علي الاخر نهاني عنه و علي الثالث غفل فان خرج الامر مضوا علي ذلك و ان خرج الناهي تجنّبوا عنه و ان خرج الغَفل اجالوها ثانيا و في بعض الاخبار ايماۤء الي ذلك انتهي ، و في الرسالة الفَرقيّة للشيخ يحيي بن عشيرة البحراني من تلامذة الشيخ علي بن عبدالعال الكركي ذكر مثل ما تقدم ثم قال رواه علي بن ابراهيم في تفسيره و كانت قريش تستقسم بالازلام في طلب الارزاق و كانوا يتفأّلون بها في اسفارهم و ابتداۤء امورهم و هي سهام مكتوب علي بعضِها امرني ربّي و بعْضها نهاني ربّي و بعضها لميكتب عليه شيء فبيّن الله ان العمل بذلك حرام انتهي ، اقول و الموجود في كتب اللّغة تقديم بعض السهام و تأخير بعض فيجعلون الرقيب هو الثالث و المسبل هو السادس و الحلس هو الرابع و النافس هو الخامس كما في القاموس و غيره و في القاموس ايضا المعلّي كمعظّم اي بضم الميم و فتح العين ثم اللام المشدّدة المفتوحة و اعلم اني انّما اطلتُ في ذكر القدح المعلّي مع عدم فائدة تتعلق منه بما نحن بصددهٖ لاتفاقِ بعضٍ سألني عنه مكرّرا فذكرتُ سؤاله فاستطردت ذكره و عسي ان ينتفع به لو وقف عليه و لكثرة ما تذكره العُلماۤء مثالاً لبعض مَن نال نصٖيباً وافراً من مطلبه .
و قوله « و لهم الدعاۤءُ من الحقّ الاعلي » يَحتملُ وجوهاً و المصنّف ربّما اراد وجهاً منها اوْ اكثر منها انّ دُعاۤء ٱللّٰهِ سبحانه لعبادِهٖ باوامره و نواهيه و ما ندب اليه مما احبّ و كره انّما هو لهم عليهم السلام اي تأسيس و تشييد لولايتهم و تعريف لمراتبهم و ثناۤء عليهم باَلْسنةِ فراۤئضه و عزاۤئمه و نوافله و هذا الوجه اعلي الوجوه و اشرفها و هو طريق اولياۤئه اليهم عليهم السلام و قيل انّ الالواح التي نزلت فيها التورية تسعة اظهر موسي عليه السلام منها سبعة [ص 8] و اخفي اثنين و الذي اعرف ان هذا الوجه مما في اللوحين المخفيّين عن بنياسراۤئيل و منها انّ الدعاۤء بل ساۤئر الاعمال لهم عليهم السلام لان جميع اعمال العبدِ و مكاسبه لسيّده لايَمْلِكُ منها شيئا و علي السّيّدِ القيامُ عَلَي عَبْدِهٖ بما فيه بقاۤؤهُ و الي هذا المعني اشار عليه السلام في الزيارة الجامعة المختصة بشهر رجب في قوله انا ساۤئلكم و آمِلُكم فيما اليكم التفويض و عليكم التعويض يعني تعويض العبيد العاملين علي اَعْمالِهمْ الصحيحة و طريق التصحيح ما دلّوا عليه عبيدهم من الاقتداۤء بهم بان يوقعوا جميع اعمالهم لله سبحانه مخلِصين له وحده لا شريك له علي طبق ما امرهم تعالي به من الاقتداۤء بهم و التمسُّك بحبلهم و اخلاص الولاية لهم و البراۤءة من اعداۤئهم و قد امروا بذلك عبيدهم عن امر ربّهم و خَالقهم عز و جل فاذا عملت العبيد اعمالهم علي هذا النحو صحّت اعمالهم و قُبِلت اي قبلها الله سبحانه منهم و اَهْدَاها الي ساداتهم و مواليهم و عَلَي ساداتهم عليهم السلام تعويضهم عن اعْمالهم و حيث كان خلقُ العبيدِ لهم فضلاً من اللّه و منّاً عَليهم و تكَرُّماً اتمّ نعمته عليهم عليهم السلام اَن عوّض العبيد عن امتثال امره بما فيه بقاۤؤهم و صلاح دنياهم و آخرتهم و فوّض ايصال ذلك اليهم الي ساداتهم عليهم السلام علي حسب ما اريهم من تأويل قوله هذا عطاۤؤنا فامنن او اَمْسكْ بغير حسابٍ ، و منها انّ الدعاۤء لهم من الحق الاعلي هو الصّلوة عليهم قال تعالي هو الذي يصلي عليكم و ملاۤئكته و ذلك في قوله انَّ اللّه و ملاۤئكته يصلّون علي النّبي يا ايّها الّذين امنوا صلّوا عليه و سلّموا تسْليماً فان اريد من الدعاۤء لهم من الحق صلاته ففي قوله تعالي هو الذي يصلّي عليكم و ملاۤئكته و قوله تعالي انّ الله و ملاۤئكته يصلون علي النبي و ان اريد من الخلق بامر الحق سبحانه ففي قوله تعالي يا ايها الذين امنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليماً اي صلوا عليه و علي اله و سلموا الامر كلّه لهم و منها ان المعني عليهم السلام ● [ص 9] و الدّعاۤء لهم اي نسلِّم عليهم و ندعو لهم من اللّه بان يعجّل فرجهم و يسهّل مخرجهم وَ امثال هذا من خصوص الدّعاۤءِ و منها انّ الدعاۤء لهم من الحقّ تعالي امر عباده بولايتهم و الاقتداۤء بهم و الرد اليهم و التّسلٖيم لهم و بالبراۤءة من اعداۤئهم .
قال : فيقول العبد الذليل المحتاج الي عفو ربّه الجليل محمد الشيرازي المدعو بصدرالدين جعل الله قلبه منوّرا بنور المعرفة و اليقين هذه رسالتي اذكر فيها طاۤئِفةً من المساۤئل الربوبيّة و المعالم القدسية الّتي انار اللّه بها قلبي من عالم الرحمة و النور و لميكن وصلت اليه ايدي افكار الجمهور و لميوجد شيء من هذه الجواهر الزواهر في خزانة احدٍ من الفلاسفة المشهورين و الحكماۤء المتأخّرين المعروفين حيثُ لميُؤتَوا من هذه الحكمة شيئا و لمينالوا من هذا النور الا ظِلّاً و فَيْئا اذ لميأتوا البيوت من ابوابها فحرموا من شراب المعرفةِ بسَرابها بل هذه قوابسُ مقتَبَسةٌ من مشكوة النبوة و الولاية مستخرجة من ينابيع الكتاب و السّنة من غير ان تكتسب من مناولة الباحثين او مزاولة صحبة المعلّمين .
اقول قوله « اذكر فيها طاۤئفة من المساۤئل الربوبية ، الخ » مثل قوله في المشاعر و قد نبّهتُ علي كثير من بطلان دعواه هناك في شرحنا علي المشاعر و ربّما نذكر هنا شيئا يظهر للناظر فيه بطلان هذه الدعوي في كثير من كلامه و انّه ماخرج عن طريقة الباحثين و المعلمين الّا في بعض المواضع فانه خرج عن بعض كلامهم الي اسوء مما قالوا و اقبح مما ذكروا و ان كان قولهم اكثره لايجري علي قواعد الدين و لاينطبق علي سنة سيد المرسلين صلي اللّه عليه و اله اجمعين و ذلك لان دعواه انه لايقول الّا بقول محمدٍ و اهل بيته الطاهرين صلَّي الله عليه و اله الطيّبين و لو كان الامر كما قال لماذهب الي ان الخلق [ص 10] من الله سبحانه بالسِّنخ و هذا المذهب عند اهل البيت عليهم السلام كفر و زندقة و لماقال بسيط الحقيقة كل الاشياۤءِ و معطي الشيء لَيْس فاقِداً له في ذاتِهٖ لا في ملكه و امثال ذلك مما ينكرونه و يبرءون منه و ممَّنْ ذَهَب اليه و يأتي بيان كثير من بطلان دعواه في مواضعها و المراد بالمساۤئل الربوبيّة المساۤئل التي يبحث فيها عن بيان صفات الربوبيّة و اَفعالِها و الربوبيّة يطلق علي شيئين احدهما الربوبية اذلامربوب و هذه هي ذاتُ اللهِ القدسيّة عزّ و جلّ و لايجوز الكلام عند اهل البيت عليهم السلام فيها لاحدٍ من الخلق لا ملك مقرّب و لا نبي مرسل اسمع قول الصادق عليه السلام كما رواه الشيخ في المصباح في دعاۤء يوم الاربعاۤء قال عليه السلام اللّهمّ فُتَّ ابصار الملاۤئكة و علمَ النبيين و عقول الانسِ و الجنِّ و فَهْمَ خيرتِك من خلقِك القاۤئِم بحجّتِكَ و الذاۤبّ عن حَرمك و الناصحِ لعبادِك و فٖيك الصابرِ علي الاذي و التكذيب في جنبِك و المبلّغ رسالٰاتِك الدعاۤء ، فاذا كان سبحانه فاتَ اَبْصَارَ الملاۤئكة اَن تدركَهُ و علم النّبيين ان يحيطَ به و عقول ٱلانسِ و ٱلجنّ ان تُميِّزَهُ وَ فَهْمَ رسول ٱللّهِ صلّي اللّٰهُ عليه و اله ان يكتنِهَهُ فكيف يكتنهه المصنّف و لاتتوهّم من قوله انه لايكتنهه احد و لايدّعي ذلك فانّ تمييزه بالصفات الكاشفة له هو اكتناهه و هو يدّعي معرفة حقيقةِ الوجود و انّها حقيقة واحدة فصرف الوجود هو الحق تعالي و الوجودات الحادثة انّما لحِقتْها النقاۤئص من مراتب تنزّلاتها و بتلك النقاۤئص العارضة لها من مراتب تنزّلاتها نسب اليها الحدوث و لفظ الوجود صادق علي صرف الوجود و عليها بالاشتراكِ المعنوي و قوله انّها منه بالسّنخ و امثال هذه العظاۤئم الدّاۤلة علي الاكتناه و ستسمع كثيرا منها و اذا سمعتَ شيئاً مما نقول به من الصفات و الاوصاف و الاسماۤء فلانعني بها الّا القسم الثاني مما تطلق عليه الربوبيّة و لانريد القسم الاول فانا نعوذ باللّٰهِ ان نتكلّم فيه و نبرأ الي اللّه تعالي [ص 11] من ذلك و ثانيهما الربوبيّة اذْمربوب و نعني بها الفعل بجميع اَقْسَامه من المشيّة و الارادة و الابْداع و غيرها و المقامات و العلامات الّتي لا تعطيل لها في كلّ مكانٍ و هو المسمي بالعنوان اي الاية و الدّليل و مع هذا فنتكلم فيهما بما تكلّم به محمد و اله الطيبون صلي اللّه عليه و اله و المعالم القدسيّة القول فيها كالقول في المساۤئل الربوبيّة .
و قوله « التي انار اللّه بها قلبي من عالم الرحمة و النور » نريد به نحن ما يحصّله المؤمن من نور العمل الصالح الخالص المقبول لانه من صبغ الرحمة اي من هيئة الولاية اعني حدود الايمان و امتثال اوَامرِ اللّٰهِ و اجتناب نواهيه و هو الماهِيّة المعبّر عنها بالصّورة لانّ الماهية هي صورة الاجابة او الانكار فان اجاب حين قال تعالي له الستُ بربِّك و محمد نبيّك و علي و ذرّيّته الطيبون اولياۤؤك و ائمتك صُوِّرَ علي هيئة الولاية و هي المراد من الصبغ في الرحمة كما ذكره جعفر بن محمد عليهما السلام في قوله انّ الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته الحديث ، و هو صورة الاجابة بالاقوال المرضية و الافعال الزكية و الاعمال الصالحة و ان انكر ذلك صُوِّرَ علي هيئة العداوة و هي الصبغ في الغضب و هو صورة الانكار بالاقوال الوقيحة و الافعال القبيحة و الاعمال الغير الصحيحة وَ مَا يحصّله من نور الاعتقادات الصحيحة التي اتت بها الشريعة المحمديّة لانه من النور الذي خلق منه المؤمن اعني الماۤدّة المنيرة بنور الامتثال المشفوع بصحيح الاعمالِ و المراد به الوجود اعني مادة المؤمن فالنور الذي يستنير به القلب في الحقيقة هو ما كان من نور المادة اعني الوجود الذي هو شعاع من نور النبوة و من نور الصورة اعني الماهية المطمئنة التي هي من هيئة الولاية و لو اكتسب من غير نور النبوة و هيئة الولاية بان اعتقد غير ما دلّوا عليه عليهم السلام و قال غير ما قالوا و عمل بغير ما امروا به و اجتنب غير ما نهوا عنه كان مظلماً و من [ص 12] الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا و يشهد الله علي ما في قلبه و هو الدّ الخصام و هم يحسبون انهم يحسنون صنعاً هذا هو الذي نريد بما يُنيرُ به اللّهُ قلب عبده المؤمن و امّا ما يريد المصنّف فهو ما حصل بالكشف و الرياضات و قد بيّنّا لك فيما سبق حال اهل الكشف فانهم لايكونون كلهم مصيبين لما ذكرنا و لهذا تراهم يختلفون و تقع بينهم مباينة ابعد مما بين السّماۤء و الارض لانهم لميكونوا طالبين من طريق واحد و دليل واحدٍ حتّي لو اختلفت افهامهم و مذاقاتهم رجعوا الي ذلك الطريق الواحد فيؤلّف بينهم و يجمعهم بل كانت ادلّتهم مختلفة و مطالبهم مختلفة كما ان افهامهم مختلفة فيقع بينهم التباين و الاختلاف و لايزالون مختلفين .
و قوله « و لميكن وصلتْ اليه ايدي افكار الجمهور » صحيح فانّ اكثر ما ذكره لميتنبَّهْ اكثرهم له و لكنه لايلزم من ذلك كونه صحيحاً و ستقِف علي كثير ممّا اقوله و يظهر لك صحة قولي اذا وزنْتَه بميزانِ اَهْلِ الحق عليهم السلام .
و قوله « و لميوجد شيء ، الخ » بلي قد وُجِدَ في مرابطِ كثيرٍ منهم كثيرٌ مثل معني انّ كل شيء في ذات الحق بنحوٍ اشرف فانّ معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته و هذا موجود في كلام كثير من الحكماۤء مثل ابينصر الفارابي فانه قال واجب الوجود مبدأ كل فيضٍ و هو ظاهر علي ذاته بذاته فهو الكل من حيث لا كثرة فيه فهو من حيث هو ظاهر ينال الكل من ذاته فعلمُه بالكلِّ بعد ذاته و علمِه بذاته و يتّحد الكل بالنسبة الي ذاته فهو الكل في وحدةٍ انتهي ، و هذا عنده من الجواهر الزوٰاهر حتي طمِع به و بامثالِه علي ضاۤلّين سبقوه اليها حتي نسب تلك الضلالة و امثالها الي نفسه مع انّ ابانصر من جملة ائمّته و مع هذا يزعم انه مذهب امامنا و اِمامُنا اميرالمؤمنين عليه السلام قال انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و لميقل عليه السلام انتهي المخلوق الي خالقه و الجأه [ص 13] الطلب الي صانعه و موجده .
و قوله « حيث لميُؤْتَوا من الحكمة شيئا » علي مراده ليس بصحيح و امّا علي مقصده فقد اوتوا شيئا و حُرِموا اشياۤء .
و قوله « و لمينالوا من هذا النور الّا ظِلّا و فيئاً » هو يريد به انهم انما نالوا ظلا و فيئا و يريد بالظلّ و الفيء عكس النّور اي الظلمة و الظّلّ يُستعمل بمعني ٱلظّلمة عكس النور و يستعمل بمعني نور النّور و مدّعاه الاستعمال الاوّل و ما في نفس الامر انّه جري عليهم القدر بالامرَيْنِ و الفيء هو الظّل او الظل يخصّ الاوّل الي ما قبل الزوال و الفيء يختص بما بعد الزوال لانه من فاۤء بمعني رجع و هو ما وجد بعد عدمه اوْ ما زاد بعد نقصه .
و قوله « اذ لميأتوا البيوت » اي المعرفة او اهل المعرفة و خزّانها عليهم السلام « مِن ابوابها » اي من حيث اُلهِموا او من حيث عُلِّموا او من الوساۤئط و علي الكل تأويل قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قُريً ظاهرة و قدّرنا فيها السَّيْر سيروا فيها ليٰالي و ايّاماً آمِنٖين .
و قوله « فحُرِموا من شراب المعرفةِ بسَرابها » الّذي يحسبه الظمان ماۤءً اي حُرموا من وُرود حياضها بوُرودِ غياضها يعني حيث وَرَدُوها باراۤئهم و اهواۤئهم و هو الباطل كان ذلك مانعاً لهم من وُرُودِها من حيث اُمِروا به و هدوا اليه من اخذها من اهلها و هو الحقّ وَ ما احَقَّ المصنِّفَ بهذا لو كان يعلم بهدي الله سبحانه .
و قوله « بل هي قوابس مقتبَسة ، الخ » قوابس جمع قابس لميسمع جمعه علي قوابس و القابس طالب النار لا النار المطلوبة كما اراده المصنف و لكن الخطب سهل لان المراد معروف و ليس الاشكال في اللفظ و انّما الاشكال في المعني .
قال : ذكرتُها لتكون تبصرةً للسلّاك النّاظرين و تذكرة للاخوان المؤمنين و ان كانت شنعةً للجهّال و الجدليّين و غيْظا لاعداۤء نور الحكمة و اليقين و اولياۤء ظلمات الشياطين المطرودين و لكنّي اعتصمتُ بوجه الله القديم [ص 14] و اولياۤئه من شر عداوة المعاندين و احتجبتُ بملكوته العظيم و انواره من ظلمات اوهام المعطِّلٖينَ الهي ان افتخرتُ فبما انعمتَ عليَّ و قد امرتَ و امّا بنعمة ربك فحدّث و ان اسأتُ او ظلمتُ نفسي فقد استغفرتُ و قد قلتَ و من يعمل سوۤءا او يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه يجدِ اللّهَ غفوراً رحيما .
اَقول قوله « و ان كانت شنعةً للجهّال و الجدليّين » يشير به الي انّ ما ذكره فيها قد عارضه فيه اهل زمانه لما في معانيها من الشناعة لمخالفة اكثرها لما عليه كاۤفّة المسلمين فان كان هذا الذي ذكره هُو الحق كان رسول الله صلي اللّهُ عليه و اله لميبلّغ الدّٖين الي من اتّبعه من المسلمين و يلزم منه الرّد لمحكم الكتاب المبين و الّا كان ما ذكره فيها باطلاً لمخالفته لما عليه كاۤفّة المسلمين الّذين اقرّهم عليه رسول الله صلي اللّه عليه و اله وَ بَشّر مَن اسْتقامَ علي ذلك منهم بالجنّة .
و قوله « و غيظاً لاعداۤء نور ٱلحكمة و اليقين » فيه انّه انّما يغيظ مَنْ لميقدر علي تزييفه و ردّه بالادلّة القاطعة و امّا من يظهر له بطلانه بالادلّة القطعية الضروريّة فانه لايغيظه لانه في الحقيقة ليس نوراً للحكمة و اليقين و انما يراه المصنف كذلك و ليس كذلك مثل ما ذكر في اول المشاعر من ان العقل الكلّي و ما فوقه كل الاشياۤء و هذا الكلام عنده من نور الحكمة و اليقين لان العقل عنده بَسيط الحقيقة و بسيط الحقيقة كل الاشياۤء بعين ما قرّره في المشاعر و قد بَيّنّا هناك بطلان كلامه و اَدِلّتِهٖ و يأتي في هذا الشرح عند ذكر المسئلة انشاۤء اللّه تعالي و اقول هنا كلمة يستدلّ بها كل عارفٍ طالبٍ للحقّ و هي كيف يكون العقل بسيط الحقيقة و هو محدث و المحدث لايكون الا مركبا و قد قرّر الحكماۤء ان كل ممكنٍ زوج تركيبي و كيف لايكون محدثا و فوقه غيره في قوله العقل و ما فوقه كلّ الاشياۤء و ايضاً ان علّة العقل غير ذاته فيجب ان يكون ذا جهتين جهة من نحو علته و جهة من نحو معلوليّته [ص 15] اي نفسه و لانعني بالمركب الّا ما هو كذلك .
و قوله « و لكنّي اعتصمتُ بوجه اللّه القديم » يريد به انّه احتجب عن شرّ عداوة المعاندين و تحصّن بوجه ٱللّه القديم اي بذاته القديمة هذه طريقتهم اذا اطلقوا وجه اللّه يريدون به ذات اللّه و بالقدم المعني المعروف الذي هو ازل الازال و نحن اذا قلنا وجه اللّه فنريد به واحداً من امور احدها الوجه هو المقامات و هي من الذاتِ كالقاۤئم من زيد و كالشعلة المرئيّة في السراج من النار و هو اسم الفاعل و مثال الذات الفاعلة و ثانيها الوجه هو الفعل و هو وجه الفاعل الي المفعول و وجه المفعول من الفاعل و ثالثها الوجه هو المفعول الاَوّل الذي مواۤدّ الاشياۤء كلها حِصَص منْ اشعته و هو النور الذي تنوّرَتْ منه الانوار و هو نور محمدٍ صلي اللّه عليه و آله و رابعها الوجه هو عقل الكل و هو الباب اي باب اللّه الي خلقه و باب اعمالهم اليه تعالي و خامسها الوجه ذمامُ اللّه المنيع الّذي لايطاول و لايحاول و هو الولاية اعني ولاية محمد و اله المعصومين صلي اللّه عليه و اله و سادسها الوجه قد يطلق علي الذاتِ مجازاً كما يريده المصنف و غيره و نريد بالقدم اذا لمنرِد الوجه ٱلسَّادِس هو القدم الامكاني فان لمنرد به ما بلغ ستة اشهر فصاعداً كان المراد به الدهري و هو السبق العقلي و النفسي اي الجبروتي و الملكوتي او السرمدي و هو وقت للوجه الاول و الثاني و اما الوجه الثالث فقد نلحقه بالجبروتي اي بوقت الرابع و اكثر ما نطلقه علي الثاني لارتباطه به و الكتاب و السنة ناطقان بهذه الاطلاقات و ارادتها في مقاماتها كلّ فيما يختصّ به فالقديم الزماني ما له ستة اشهر فصاعداً كما قال عز و جل حتي عاد كالعرجون القديم ، و القديم الدهري ما قبل الزمان و يُسمّيه بعضهم بالقدم بالنظر الي فرضه قبل الزّمان حتي قال ان القول بالحدوث الذاتي قول بقدم شيء غير اللّه تعالي لزعمهم ان جميع الحوادث في الزمان و القديم السرمدي [ص 16] مذهب كثيرين فان السرمد عندهم وقت للذاتِ البحت و هُو ما بين الازل و الابد اي الدوام و الامتداد بينهما تعالي الله عما يقولون علوّا كبيرا و لذا قالوا بقدم المشية و الارادة و اجماع اهل البيت عليهم السلام علي حدوثهما و هو مذهبهم و مذهب من اخَذَ عنهم و اقتدي بهم و المراد من الاعتصام هو الاحتجاب هذا هو المعروف عند الناس و امّا عند الخواۤصّ فالاعتِصام الحقيقي هو الاعتصام بذمام الله المنيع الذي لايطاول و لايحاول و الذمام عهد الله الذي اخذه و اكّده علي خلقه و هو ولاية الله الحق سبحانه اعني ولاية محمد و علي و الهما الطيبين صلي الله عليهما و آلهما الطاهرين و هي معرفة الله سبحانه و توحيده و عدله و نبوّة محمد نبيّه صلّي الله عليه و اله و معرفته من الله و ولاية اهل بيته الطاهرين و امامتهم و معرفتهم من الله سبحانه و من رسوله صلي الله عليه و اله و نبوّة جميع الانبياۤء عليهم السلام و معرفتهم و لو اجمالاً من الله و من رسوله و من اٰلِ رسوله صلّي اللّه عليه و اله و الايمان بجميع ذلِك و بكتُب الله سبحانه التي انزلها علي رسله و بما اوحي الي انبياۤئه و اولياۤئه عليهم السلام و باليوم الاخر و بجميع ما اتي به محمد صلي الله عليه و اله من احوال الموت و القبر و البرزخ و احوال قيام القاۤئم عليه السلام عجل الله فرجه و سهّل مخرجه و بما اخبر به هو و اهل بيته من رجعتهم و احوالها و بفناۤء الخلق و ببعثهم و حشرِهم و بالجنةِ و النار و بوجودهما الأن و بالصراط و الميزان و الحشر و النشر و المرصاد و الحساب و تطاۤئر الكتب و الختم علي الافواه و انطاق الجوارح و بالحوض و الشفاعة للمذنبين من الموحّدين من امته امّة الاجابة و غير ذلك مما نطق به الكتاب و اخبر به صلي الله عليه و اله و اقامة الصلوة و ايتاۤء الزكوة و صيام شهر رمضان و حج البيت ممن استطاع اليه سبيلا و الامر بالمعروف و النهي عن المنكرِ و الجهاد في سبيل اللّه بالنفس و المال و القيام بجميع ما فرضه الله و سنّه رسول اللّه صلي الله [ص 17] عليه و اله و ندب اليه من فعل او ترك كلّ ذلك علي طبق ما امر الله تعالي به و بيّنه رسوله و اوصياۤؤه صلي الله عليه و اوصياۤئِه عن اللّه تعالي مؤتمّاً بهم مسلِّماً لهُمْ راۤدّاً اليهم مقتدِياً بهم مواليا لهم متبريا من اعداۤئهم و ممن مال اليهم و اقتدي بهم و قدّمهم علي مَنْ قدّمه الله و رسوله صلي الله عليه و اله و ممّن لميتبرّأ منهم في الدنيا و الاخرة آتِياً بجميع اعماله مشفوعةً بالايمان الخالص لله سبحانه الباۤتّ الثابت بجميع مٰا اشرنا اليه مجملاً و مفصّلاً و ما ذكرنا هو معني قولنا هو محبّ لهم بجَنانه و اركانه و لسانه فالقيام بذلك علي حدِّ ما حدّ اللّه تعالي و حدّ رسوله و اوصياۤؤه صلي الله عليه و اله هو الاعتصام بذمام الله تعالي ٱلحقيقي و اَمّا الاعتصام بالاعتماد و التوكّل علي اللّهِ و علي ولاية محمد و اله صلّي اللّه عليه و اله او التوكّل علي خصوص الولاية كما يقع من اصحاب الفرق الّذين لايعرفون غيره و لايحتملون الّا الفرْق و التعدّد فالصَّادق فيه المستقيم بحيث لايعتريه الريب يجري له اثر ذلك و يَكونُ بِهٖ محفوظاً من كل ما يكره ما دام معتصماً بالتّذكّر و اِنْ قصّر في اكثر التّكاليف ما لميكن منكرا و امّا الاعتصام باللَّفظ مع اتيانِهٖ بالمنافيات فلايكاد ينتفع به نعم لو لَازَمَ ذلك حصل له نوعُ وقايةٍ في ٱلجملة بنسبة مَا اعتادت به نفسه فاذا توقّي من الخلق اَن يطّلعوا علي عوراته سُتِرت عوراته او اكثرها عن عاۤمة الناس و امّا الخواۤصّ فتظهر لهم عوراته منكشفةً علي نحو ما اشار اليه المتنبّي في شعره حيث يقول :
ثوبُ الرياۤءِ يشفّ عمّا تحتَهُ فاِذَا التحفْتَ بهٖ فانّك عاري
و ٱعتصام المصنّف من ايّ الاقسام و انت اذا عرفتَ الاقسام و اردتَ ان تعرف الشخص من ايّ الفِرق فانظر الي يقينه و يقينُ المرء يعرف في عمله كما اشار اليه اميرالمؤمنين صلوات الله و سلامه عليه فان كان قوله من قولهم عليهم السلام و رأيه من رأيهم و اعتقاده من اعتقادهم فهو يميل معهم حيثما مالوا [ص 18] و ان كان من مميت الدين فهو يميل معه حيثما مال و اعلم ايها الناظر في كلامي انّي اَعتقد انّي اذا قلتُ قولا فانّي اُملٖي علي كاتبين لايغادرانِ صغيرة و لا كبيرة فلاتتوهّم عليّ ان بيني و بين المصنّف شيئاً من عداوة او حِقد او حسدٍ او تكبّر او شيءٍ حداني الي الردِّ عليه غير بيان الحقّ فاني انا و انت مسئولانِ و لاتتوهّم انه كما يجوز عليه الغلط و الغفلة تجوز عليّ لانّك اذا تتبعتَ كتبه وجدته يَميل في عباراته و اعتقاداته لمثل ابنعربي و عبدالكريم الجيلاني و ابن عطاۤءاللّهِ و اضرابهم و يأوّل كلام اهل البيت عليهم السلام علي كلامهم و يحمله علي مراد اعداۤئهم و لا كذلك انا و تتبّع كلامي تجد كل قولٍ و كلامٍ فيه لايطابق صريح كلامهم عليهم السلام و ما دلّوا عليه قد زيّفتُه و ابطلته بادلّتهم عليهم السلام ان افتريته فعليّ اجرامي و انا بريۤء مما تجرمون و اسمع كلام المصنف في دعواه حيث يقول الهي ان افتخرتُ فبِما انعمتَ عليّ و قد امرتَ و اما بنعمت ربّك فحدِّث ثم اسمع ما اقول له يا شيخ ان الله سبحانه امر نبيه صلي الله عليه و اله الذي قد ثبت ان الله سبحانه انعم عليه بنور الولاية و النبوة و صدّقه بالمعاجز الباهرة و البراهين الزاهرة و امّا ما سواه فلاتصل اليه نعمة من اللّه عز و جلّ الّا بتبليغ النبي صلي الله عليه و اله و اداۤئه عنه تعالي و لايثبت لمدّعيها شيء منها الّا بالاخذِ عنه و الاتباع له و اللزوم له في مأٰخِذِ النعمة المدّعي ثبوتها فان كان قول المدّعي من قوله صلّي الله عليه و اله و اعتقاده علي سبيل اعتقاده و تحديده علي نهج تحديده فله ان يقول و الّا فلا .
و امّا تحقيق قوله « و ان اسأتُ او ظلمتُ نفسي ، الخ » فيحتاج الي تطويل و لا طاۤئل فيه فيما نحن بصدده .
قال : و هذه المساۤئل المرسومة في هذه الرسالة الموسومة بالحكمة العرشية بعضُها يندرج في الايمان باللّه و بعضها يندرج في العلم باليوم الاخر [ص 19] و هذان العلمان المشار اليهما في كثير من ايات القران بالايمان بالله و اليوم الاخر هما اشرف العلوم الحقيقية التي بها يصير الانسان من حزب ملاۤئكة الله المقرّبين و بانكارها و جحودها يقع في ضلالٍ مبين و يخرج من ربقة المؤمنين و يحجب عن جمال ربّ العالمين و يحشر مع الشّياطين كلّا بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون كلّا انهم عن ربّهم يومئِذٍ لمحجوبون .
اقول يشير بتسميتِها بالعرشيّة الي انّه استوي بنور قلبه علي ما اودَع فيها من المساۤئِل فَاَفَاد كلَّ مستفيدٍ بنسبة قابليّته و استعداده من جواهر المعارف الزّواهر اي من الايمان بالله و من العلم باليوم الاخر و هذان العِلمانِ الذي يشير اليهما يعني بالاوّلِ منهما معرفة اللّٰهِ الحقيقية التي عرفه بها انبياۤؤه بالبراهين القطعية كما ذكره في آخر المشاعر و انما عبّر عن هذا العلم بالايمان للاشارة الي انّه من مدارك القلوب الّتي هي مقرّ اليقين و الثبات الباۤتّ لتجرّد هذه المدارك عن الصور النفسانية اذ من ليس له صورة لايعرف بصورة و ذلك تناوُلٌ من قول اميرالمؤمنين عليه السلام و انّما تدركه القلوب بحقاۤئق الايمان فلذا عبّر عنه بالايمان و في معرفة اليوم الاخر عبّر بٱلعلم لانّ مدارِكَه بالصور النفسانيّة و العلم صورة المعلوم و انّما كانا اشرف العلوم لان العلم قسمان قسم يطلب لذاته و قسم يطلب لغيره و الذي يطلب لذاته هو النّهاية فيكون لا شكَّ اشرف من الّذي انّما يطلب بالعرض اي لغيره و الذي يطلب لغيره قد يكون يُطْلب له غيره فتكون اشرفيّته اضافيّة فمعرفة اللّه و توحيده شيء واحد في الحقيقة اذ لايثبت احدهما بدون الاخر هذا في طريقة اهل الظاهر الذين تتكثر عندهم الحقيقة الواحدة بتكثر مفاهيمها و هي مفاهيم يأخذونها من مدلولات الالفاظ علَي حسب افهامهم القاصرة و اَبْصَارهم الحاسرة و هي اقوي طريقٍ للشيطان الي اغواۤء الانسان و امّا المعرفة الصحيحة [ص 20] فمعرفته عز و جل هي توحيده اذ ليس المراد بالتوحيد تفريده و تمييزه من غيره اذ ليس معه غيره بحيث لايعرف الّا بابانته من ذلك الغير و انما توحيده انّه هو و ليس يعرف الّا بهذا فمعرفته توحيده و توحيده معرفته و كذلك معرفة عدله بل معرفة نبوّة انبياۤئه و ولاية اوليٰاۤئه و معرفتهم صلي الله عليهم اجمعين و فيما رواه ابنشاذان في مناقبه عن اميرالمؤمنين عليه السلام الي اَن قال عن رسول اللّهِ صلي اللّه عليه و اله عن الله عز و جل الي ان قال تعالي و ان لميشهد الّا اله الّا انا وحدي او شهِد بذلك و لميشهد ان محمداً عبدي و رسولي او شهد بذلك و لميشهد ان علي بن ابيطالب خليفتي او شهد بذلك و لميشهد ان الائمة من ولده حُجَجي فقد جحد نعمتي و صغّر عظمتي و كفر باياتي و كتبي و رسلي ان قصدني حجبتُه و ان سألني حَرمتُه و ان ناداني لماسمع نداۤءه و ان دعاني لماستجِبْ دعاۤءه و ان رجاني خيّبتُه و ذٰلكَ جزاۤؤه منّي و ما انا بظلّامٍ للعبيد الحديث ، اشارة اي في هذا الحديث اشارة الي انّ معرفته تعالي هي معرفة مقاماته و علاماته و معانيه اي معاني افعاله عليهم السلام و غير ذلك مما اشرنا اليه اذ من لميعرف الاية و الدليل لميعرف المدلول لان المدرك انما هو الاية و الدليل فمن لميعرف ما يدرك لميعرف ما لايدرك قال اميرالمؤمنين عليه السلام نحن الاعراف الذين لميعرف اللّه الا بسبيل معرفتنا و قال اميرالمؤمنين عليه السلام وجوده اثباته و دليله آياتُه يعني وجدانه لكل من سواه انما هو اثباتُه باياتِهٖ و امّا الايمان باليوم الاخر فمن لوازم الايمان باللّه اي بوجوده و توحيده و عدله و تفرّده بملكه و توحّده بسلطانه الذي سقطت الاشياۤء دون بلوغ امده و لايبلغ ادني ما استأثر به من ذلك اقصي نعْتِ الناعتين و لاتنكشف اثار ذلك الدالّة عليه لاكثر الخلق المكلّفين الّا يوم القيمة و قد وعد سبحانه ببيان كلّ ما وصف به نفسه و صفاته و افعاله [ص 21] و ما يتعلّق بذلك و ما يرتبط به في مثل قوله تعالي و اقسموا بٱللّه جهد ايمانهم لايبعث الله من يموت بلي وعداً عليه حقّا و لٰكنّ اكثر الناسِ لايعلمون ليبيّن لهم الذي يختلفون فيه و ليعلم الّذٖين كفروا انهم كانوا كاذبين فكان مستلزِماً لبيان ما دعا اليه المستلزم لبيان صدق وعده المستلزم لِحٰاۤقِّ عدله و حكمته و لا ريب انّ هذين العلمين اَشْرف من ساۤئر العلوم الشرعية سواۤء عُلِّلت الْاشرفيّة بٱلفرق بين المطلوب لذاته و المطلوب لغيره امْ بكونِ اشرفيّة العلوم باشرفية موضوعاتِها لانّهما اشرف العلوم الحقيقيّة علي الاعتبارين لان العلوم التي بها يصير الانسان من حزبِ ملاۤئكة اللّٰهِ المقرّبين مثل علم الطريقة اي علم اليقين و التقوي الموسومة بتهذيب الاخلاق و تعديل احوال النفس بل روي شقيق البلخي عن الصادق عليه السلام في مصباح الشّريعة في تفسير قول النبي صلي الله عليه و اله طلب العلم واجبٌ علي كل مسلمٍ و قول اميرالمؤمنين عليه السلام اطلبوا العلم و لو بالصّين قال الصادق عليه السلام يعني علم اليقين و التقوي و المراد به علم الاخلاق اي العلم باخلاق الله و اداب الرُّوحانيّين و كذلك علم الشريعة و هو العلم بالاحكام الشرعيّة الفرعية للعمل باوامر اللّهِ و اجتناب نواهيه و ما طُلِبَ منَ العُلومِ لهٰذَيْنِ العِلمَيْنِ فانّ القاۤئم بهذه العلوم كما اُمِر من اقترانه بالعملِ بما عَلِمَ يصير من حزب ملاۤئكة اللّه المقرّبين و هم ملاۤئكة الحجب اعني الكَرُوبيّين وَ هم حَقاۤئق الانبِياۤء و المرسلين كما رواه ابنادريس في مستطرفات السراۤئر عن الصادق عليه السلام و قد سُئِل عن الكروبيين فقال (ع) قوم من شيعتِنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نورُ واحدٍ منهم علي اهل الارض لكفاهم و لمّا سأل موسي ربّه ما سأل امر رجُلا من الكروبيين فتجلّي للجَبل فجعله دَكّاً ه .
و قوله « و بانكارها و جحودِها يقع في ضلال مبين » يريد به ان بجحود هذه العلوم لاسيما الاشرفَين يَصير [ص 22] كذلك يعني بانكارها عن معرفة اي من بعد ما تبيّن له الهدي لانّ الانكار لايكون الّا بعد المعرفة قال تعالي ام لميعرفوا رسولهم فهم له منكرون و قال تعالي يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها و كذلك الجحود انّما يكون بعد العلم و البيان كما قال سبحانه و جحدوا بها و استيقنَتْها انفسهم ظلما و عُلوّاً ، و لا شكّ انّ من انكرها بعد المعرفة و جحدها بعد الاقرار و الاستيقان يقع في ضلالٍ مبين و يخرج من ربقة المؤمنين و الربقة بكسر الراۤء حَبْل تربط به الحيوانات و احكام الاسلام و حدود الايمان التي تجمع من دخل فيه كالعروة التي في الحبل و الخروج عن ربقة المؤمنين او المسلمين عبارة عن الخروج عن حدوده وَ احكامه فمن خرج عن ربقة المؤمنين قد يبقي له اسلامُه و من خرج عن ربقة المسلمين دخل في حزب الكافرين و يحجب عن جمال ربّ العالمين اي عن معرفته و معرفة اولياۤئه و طاعتهم و عمّا يترتّب علي ذلك من النعيم الداۤئم و يحشر مع الشياطين اي شياطين الانس من ازواجه اي امثاله من ابناۤء صنفه و شياطين الجنّ من قرناۤئه المقيَّضَةِ لمن يعشو عن ذكر الرحمن و شياطين الانس هم الذين ران علي قلوبهم اي غلب و غطّي بَصاۤئر قلوبهم ما كانوا يكسبون من المعاصي و المعاصي هي علّة الرَّيْن وَ قابليّته التي هي علّة تعلّق فعل الله سبحانه باحداث الرَين علي قلوبهم كما قال تعالي و قالوا قلوبنا غلْفٌ بل طبع اللّٰهُ عليها بكفرِهم فان فعلهم المعاصي باختيارهم هو علّة الطبع و الرين و لهذا قالَ بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون فنسب سبحانه الرّين علي قلوبهم الي ما كانوا يكسبون من المعاصي و ان كان سبحانه هو الموجد له الّا انه لميكن موجدا له بمحض فعله و خصوص محبته و رضاه و انما اوجده بمقتضي افعالهم الوقيحة و اعمالهم القبيحة كلّا انّهم اي حقّاً انهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون اي يوم يقوم الناس لربّ العالمين لمحجوبون [ص 23] عن ثوابه و رحمته .
قال : فهذا اوان الشروع في عرض هذه الانوار علي صحاۤئف الاذهان و الافكار و الحوالة الي كتبنا المبسوطة في اقامة الحجة و البرهان في كلٍّ من المساۤئل و الانظار الّا اشارة خفيّة يُكْتفَي بها للقرائح اللطيفةِ و تهتدي بها النفوس المتوقدة الشريفة و نُورِدُها في مشرقين .
اقول انه يريد ان في قلبي جواهر من العلْم زواهر الي اخر ما ذكر سابقا فبعد ان بيّنتُ انّها ليست من نحو ما ذكروا و انّما هي من مشكوة النبوة و الولاية فلايتوقّف طالب النجاة و النور لو وجد فيها ما يخالف ما عنده فهذا وقت الشروع في عرض هذه الجواهر علي صحاۤئف اذهان الطالبين و افكار المريدين من حيث الفطرة فان الحقّ اذا ورد مجرّدا عن الدّليل و كانت الفطرة باقية لمتغيّر قبلَتْه و امّا اذا غُيِّرتْ كانت للشخص طبيعتانِ طبيعة الفطرة و هي صورة الحق و طبيعة التّطبع الذي غيّر الطبع و الاولي تقبل الحق بغير دليل لموافقته لها و الثانية تنكره فاذا اقام الداعي الدليل المحكم الرافع لكلِّ شبهة فان كانت الطبيعة لمتبلغ حدّ الملكة بل هي في سلطٰان الحال امكن قبول الحق لبقاۤء مقتضي الفطرة اي لميستولِ التطبع علي جهات النور من القلب و لو بتكرار الدليل و مداومة الاستدلال و المراد بمقتضي الفطرة ان النكتة البيضاۤء التي في القلب لميستولِ عليها سواد المعاصي و امّا اذا كانت الطبيعة الثانية اعني طبيعة تغيير خلق الله و تبديله كانت طبيعةً لٰا تطبّعا بل كانت ملكة لا حالا فانه لايقبل الحق و ان كرّر عليه الاستدلال بالادلّة القاطعة و هو قوله تعالي كلا بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون اي غلب و غطّي عين البصيرة نعم هو بالفطرة الاولي يعرف الحق و يعترف به و لايقبله و لايعمل به و جحدوا بها و استيقنتْها انفسهم ظلماً و علوّاً اذ [ص 24] لميبق للفطرة مقتضٍ لاستيلاۤء المعاصي بنُكْتتِها السوداۤء علي نكتة الفطرة البيضاۤء .
و قوله « و الحوالة الي كتبنا المبسوطة ، الخ » يريد اِنّه اذا توقّف الفهم بعروض الشبهة او عدم الاحتمال علي الدليل فهو مذكور في مثل الاسفار و الشواهد الربوبيّة و اقول انّما يذكر في كتبه المبسوطة ٱلبراهين المنطقيّة و هي لاتفيد العلم العياني كما هو المدّعي و انّما تفيد اسكات الخصم و اقناعه علي انها اذا كانت قطعية انما ينتفع بها مَنْ لميغلب الرّين علي قلبه فان الله سبحانه يقول انما انت منذر من يخشاها و يقول و لو انّنا نزّلنا اليهم الملاۤئكة و كلّمهم الموتي و حشرنا عليهم كلّ شيءٍ قُبلاً ماكانوا ليؤمنوا الّا انْ يشاۤء اللّه بان يغيّر ما هم عليه و تغيير الخلقة و تبديلها قد يكون من المعاصي و قد يكون من العلوم فان العلوم اذا لمتكن مستفادةً من آثار اهْل الحق عليهم السلام و رسخت في قلب المتعلم و نفسه كانت اسْوء حالاً من الاَعْمال السيّئة و اشدّ اِضْلالاً و لهذا تجد تعليم الجاهل و تعلّمه اقرب و اسهل من تعليم العالم و تعلّمه و هٰذا جَارٍ فيما نحن بصدده فان قلتَ هذا وارِدٌ في حقّك قلتُ انا راضٍ بهذا في حَقّي و لكنّي غير راضٍ به في حقِ اميرالمؤمنين و اهل بيته الطاهرين صلي اللّهُ عليه و اهل بيته لانّي لماقل بشيءٍ من نفسي لميكن عنهم عليهم السلام فاذا اعترضتَ علي قولي عنهم عليهم السلام كنتَ معترضا عليهم و لا كذلك كثير ممّن يدّعي و الشاهد علي الجميع ٱستشهاد المستدل فاذا وجدته يستشهد بكلام زيدٍ و عمروٍ او بكلام اميرالمؤمنين و اله عليهم السلام و يأوّله الي كلام زيد و عمروٍ فهو ممن يأخذ عن زيدٍ و عمروٍ و اذا وجدته يستشهد بكلام اميرالمؤمنين و اله صلي الله عليه و اله او بكلام زيد و عمروٍ و يأوّله الي كلام اميرالمؤمنين و اله عليه و عليهم السلام فهو ممن يأخذ عن اميرالمؤمنين و اله عليهم السلام و من يأخذ عنهم لايرد الاعتراض في حقّه خصوصاً اذا [ص 25] كان ممن يعرف مرادهم عليهم السلام من تعليمهم و يعرف مراد خصمِه فافهم .