قال سلمه الله : قال الله تعالي و اذا الوحوش حشرت لايّ شيء تحشر الوحوش مع انها ليست ذات شعور و لا مكلّفة في الدنيا حتي جزاها اللّه بالثواب و العقاب في الاخرة و يوم القيمة يوم جزاۤء المكلفين بالطاعات و محاسبة العباد المطيعين و العصاة .
اقول الذي دلّت عليه الشريعة الغرّاۤء و نطق به القرءان و دلّ عليه العقل المصفّي بملازمة اداب الكتاب و السنّة ان جميع الحيوانات من الذّرّة فما دونها الي الحيتان فما فوقها و ما بينهما مكلّفة بل جميع النباتات و الجمادات في كلّ شيء بحسبه و انها كلها محشورة و محاسبة و مثابة و معاقبة و ان كان في بعضها يكون ثوابه و عقابه في الدنيا كما روي انّ [ص 23] زمزم افتخرت علي شط الفرات فاجري اللّه فيها عيناً من صَبِر و منها ما يكون في البرزخ و منها في الآخرة و مما يدلّ علي تكليف الحيوانات قوله تعالي و ما من داۤبّة في الأرض و لا طاۤئر يطير بجناحيه الّا امم امثالكم مافرّطنا في الكتاب من شيء ثم الي ربهم يحشرون ، و من السنة ما اشتهر بروايته من الفريقَيْن انّ اللّه تعالي يقتصّ للجمّاۤء من القرناۤء حتّي ان بعض العلماۤء قال ان كل نوع من الحيوانات ارسل الله اليهم نبيّا من نوعهم و يخاطبهم بلغتهم عن الله تعالي و ذلك من قوله تعالي الّا اممٌ امثالكم قال فاذا كان كل نوعٍ من الحيوانات امّةً مثل بنيادم بنصّ القرءان و قد قال تعالي و ان من امّةٍ الّا خلا فيها نذير فقد دلّ ان كلّ امّة خلا فيها نذير و قال تعالي و ماارسلنا من رسولٍ الّا بلسانِ قومه ليبيّن لهم فمثلاً النمل امّة كبنيادم و قد خَلا فيها نذير من نوعها ارسله اليها و ما رُوِي في تكليف الجمادات مثل ما روي انّ ارضاً كانت في بنياسراۤئيل مزبلة و فيها قذرات و جيَف فشكت الي الله تعالي يا ربّ جعلتَ في البقاع مساجد و مواضع للذّكرِ و انا جعلتني في هذه الحال فاوحي اليها و عزّتي و جلالي لئن لمترضَيْ بقضاۤئي لاجعلنَّكِ مرقداً للعُزّاب و روي انّ بعض التّمر يوجد فيها مثل الرماد فسئل عليه السلام عن ذلك فقال انها تركتِ الذكر ذلك اليوم فارسل اللهُ عليها ملكاً فضرَبها بمنقارِهٖ فكانت هكذا و ما روي عن الصادق عليه السلام انّه قال ماذهب مال في برّ او بحرٍ الّا و للّه فيه حقّ و لاصٖيد صَيْدٌ في برٍّ او بحرٍ الّا بترك الذكر ذلك اليوم و مثل ما روي في علّة الأرض السبخة و الماۤء المالح و النبات المُر [ص 24] كالبطّيخ و غيره انّها عُرِضت عليها ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام فلمتقبلها فكانت مُرّة او مالحة او حامضة اوْ مُدَوّدة و امثال هذا مما لايكاد يحصي نقلتُ هذه الاخبار بالمعني مختصراً و في القرءان ثم استوي الي السماۤء و هي دخان فقال لها و للارض ائتِيا طوعاً او كرهاً قالتا اتينا طاۤئعين و فيه و ان مِن شيء الّا يسبّح بحمدِه و لكن لاتفقهون تسبيحهم و فيه أولميروا الي ما خلق الله من شيء يتفيّؤا ظلاله عن اليمين و الشماۤئل سجّدا لله و هم داخرون ، و بالجملة القرءان و السنّة مشحونانِ بان جميع الحيوانات و النباتات و الجمادات مكلفون و مخاطبون بخطاب العقلاۤء للاشعار بانهم يعقلون التكليف و ما كلِّفوا به مثل قالتا اتينا طاۤئعين و علي قاعدة ظاهر العربيّة ان يقول طاۤئعات و مثل سجّدا للهِ و هم داخرون لا داخرات اوْ داخرة و مثل و الشمس و القمر كلّ في فلك يسبحون ، و الحاصل لا مناص عن قبول هذه الادلّة و لايمكن ان يردّها من يؤمن بقدرة اللّه سبحانه و علمه و يصدّق بكتابه و سنّة نبيه صلي الله عليه و امّا دعوي انّا مانفهم ذلك فلاتردّ النّصّ فانه تعالي اخبر عنهم فقال و لكن لاتفقهون تسبيحهم و الذي ينبغي للمسلم و المؤمن ان يقبل هذا امّا عن فهمٍ و الّا فعن تسليم اذ ليس كل شيء تفهمه الناس مع انه قال و مااوتيتم من العلم الّا قليلا ، و ايضا كيف مَن لميقرأ الّا علم النحو يستنكف ان يقول ماافهم بل عليه اَنْ يسلّم و الّايدخل في قوله بل كذّبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمّاياتهم تأويله وَ ما ورد في تفسير قوله تعالي و يقول الكافر يا ليتني كنتُ [ص 25] تراباً ما معناه ان الحيوانات تشكو الي الله تعالي ما فعل بها بنوادم من الضرب و الذبح فيخلق الله في اَرْضِ المحشرِ رياضاً كاحسن ما وُجد في الدنيا و كانت الحيوانات في غاية الشدّة من الجوع فتقبل علي تلك الرياض فيأمر الله الملاۤئكة ان تمنعها حتي تعفوَ عن بنيادم فتعفو عن بنيادم فيؤذن لها فترتع في تلك الرياض ما شاۤء الله ثم يقول اللّه لها و للرياض كوني ترابا فتكون ترابا فيقول الكافر حين يراها يا ليتني كنتُ تُرَاباً و امثال هذا في الكتاب و السنّة كثير و اما الدليل العقلي فاعلم انّ الادلّة ثلاثة دليل الحكمة و دليل الموعظة الحسنة و دليل المجادلة بالّتي هي احسن فامّا المجادلة بالتي هي احسن فهو المعروف المتداول علي الالسنة و هو المركب من المقدمات القطعية او المسلّمة او المشهورة او غيرها و هذا الدليل لايكشف عن حقيقة هذه المسئلة و كذلك دليل الموعظة الحسنة و انما يكشف عن حقيقتها دليل الحكمة و هو لايعرفه كل احدٍ و انّما يتكلم به محمد و اهل بيته صلي الله عليه و اله فقد امره الله تعالي فقال ادْع الي سبيل ربّك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن ، و المراد انه صلي الله عليه و اله يدعو الي سبيل الله بكل دليل لانّ دليل كلّ معني من نوعه فما ظهر ظهر برهانه و ما بَطنَ خفي بيانُه و عسر برهانه و امّا دليل الحكمة فهو ليس بدليل عند الناس لانهم انّما يعرفون دليل المجادلة بالتي هي احسنُ فلو اتيتُ به لكان مضحكةً لمن جهله و انما هو من مكنون العلم و كلام الائمة عليهم السلام مشحون به و لولا ان يقال انها دعوي لا اصل لها لماذكرتُ [ص 26] من ذلك شيئا و لكن لا بدّ من ذكره علي جهة الاشارة و الاختصار لعلمي بعدم الانتفاع به الّا انّي اذكر حديثاً ذكر عليه السلام فيه هذا الدليل علي مطالب جليلة و ان كان يستلزم التطويل .
روي الشيخ عبدالله بن نورالله البحراني في كتابه العوالم : محمد بن حربٍ الهلالي امير المدينة قال سألتُ جعفر بن محمد عليهما السلام فقلتُ يا ابن رسول الله في نفسي مسئلة اُريد اَن اسألك عنها فقال ان شئتَ اخبرتُك بمسئلتِك قبل ان تسأَلَني و ان شئتَ فاسئل قال قلتُ له يا ابن رسول الله بايّ شيء تعرف ما في نفسي قبل سؤالي فقال بالتوسّم و التّفرّس اماسمعتَ قول اللّهِ عز و جلّ انّ في ذلك لَآياتٍ للمتوسمين و قول رسول الله صلي الله عليه و اله اتّقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله قال فقلتُ له يا ابن رسول اللّهِ فاخبرني بمسئلتي قال (ع) اردتَ اَنْ تسئَلَني عن رسول اللهِ صلي الله عليه و اله لِمَ لَميُطِقْ حمله عليّ عند حطّه الاصنام عن سطح الكعبة مع قوّته و شدّته و ما ظهر منه في قلع باب القموص بخيبر و الرّمْي به الي وراۤئه اربعين ذراعا و كان لايطيق حمله اربعون رجلاً و قد كان رسول الله صلي الله عليه و اله يركب الناقة و الفرس و الحمار و ركب البراق ليلة المعراج و كلّ ذلك دون عليّ عليه السلام في القوّة و الشدّة قال فقلتُ عن هذا واللهِ اردتُ اَن اسألك يا ابن رسول اللّهِ (ص) فاخبرني فقال عليه السلام انّ عليّاً برسول الله صلي الله عليه و اله تشرّف و به ارتفع و به وصل الي اطفاۤءِ نار الشرك و ابطل كل معبود من دون الله عز و جلّ [ص 27] و لو علاه النبي صلي اللّه عليه و اله لكان (ص) بعليٍّ مرتفعاً و واصلاً الي حَطِّ الاصنام و لو كان ذلك كذلك لكان افضل منه الَاتري ان علِيّاً عليه السلام قال لمّا علوتُ ظهْرَ رسولِ اللّه صلّي الله عليه و اله شرفتُ و ارتفعتُ حتَّي لو شِئتُ اَن انالَ السماۤء لنِلتُها اماعلمتَ انّ المصباحَ هو الذي يهتدي به في الظلمة و انبعاثُ فرعه من اصله و قد قال عليٌّ عليه السلم اَنا مِنْ اَحْمدَ كالضَّوْءِ مِن الضَوْء اَماعلمتَ انّ محمداً و علياً صلوات الله عليهما كانا نوراً بين يدي الله عز و جلّ قبلَ خَلْقِ الخلقِ باَلفَيْ عَامٍ و انّ الملاۤئكة لما رأت ذلك النور رأتْ له اصلاً قد تشعّب منه شعاع لامِعٌ فقالت الٰهنا و سيّدنا ما هذا النور فاوحي الله تبارك و تعالي اليهم هذا نور من نوري اصله نبوّة و فرعه امامةٌ امّا النبوة فلمحمدٍ عبدي و رسولي و اما الامامة فلعليّ حجّتي و وليّي و لولاهُما ماخلقتُ خلقي اماعلمتَ انّ رسول الله صلّي الله عليه و اله رفع يد علي (ع) بغدير خمّ حتي نظر الناس الي بياض ابطيهما فجعله مولي المسلمين و امامهم و قد احتمل الحسن و الحسين عليهما السلم يوم حظيرة بنيالنجار فلمّا قال له بعض اصحابه ناوِلْني احدهما يا رسول اللهِ قال نعم الراكبانِ و ابوهما خير منهما و انه صلي الله عليه و اله كان يصلّي باصحابه فاَطالَ سجدة من سجداته فلمّا سلّم قيل له يا رسول اللّهِ لقد اطلتَ هذه السجدة فقال ابني ارتحَلَنٖي فكرِهتُ اَنْ اُعَاجِلَهُ حتّي ينزلَ و انّما اراد بذلك رفعهم و تشريفهم فالنبي صلي اللّه عليه و اله امام نبي و عليّ [ص 28] امام ليس بنبيّ و لا رسول فهو غير مطيقٍ لحملِ اثقالِ النبوّة قال محمد بن حربٍ الهلالي فقلتُ له زدني يا ابن رسول اللّه فقال انّك لاَهلٌ للزيادة انّ رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله حمل عليّا علي ظهره يريد بذلك انه ابو وُلدِهٖ و امامةُ الائمة من صلبه كما حوّل رداۤءه في صلوة الاستسقاۤء و اراد ان يُعلِم اصحابه بذلك انه قد تَحوّل الجدبُ خصباً قال قلتُ زدني يا ابن رسول اللّهِ فقال احتمل رسول اللّهِ صلي الله عليه و اله عليا يريد بذلك ان يُعلِمَ قومه انّه هو الذي يخفِّف عن ظهر رسول اللهِ صلّي الله عليه و اله ما عليه من الدَّين و العِدَاتِ و الاداۤء عنه من بعده قال فقلتُ يا ابن رسول اللّه صلي الله عليه و اله زدني فقال احتمله ليعلم بذلك انه احتمله و ماحمل الّا لانه معصوم لايحمل وزراً فتكون افعاله عند الناس حكمة و صوابا و قد قال النبي صلي الله عليه و اله لعلي عليه السلم يا عليّ انّ اللّهَ تبارك و تعالي حمّلني ذنوب شيعَتِك ثم غفرَها لي و ذلك قول الله عز و جلّ ليغفر لكَ اللّه ما تقدّمَ مِنْ ذنبِك وَ ما تأخَّر و لمّا انزل الله عز و جلّ عليه عليكم انفسكم قال النبي صلي اللهُ عليه و اله ايها الناسُ عليكم انفسكم لايضرّكم مَن ضَلَّ اذَا اهتديتم و عليَّ نفسي و اخي اطيعوا عَلِيّاً فانه مطهّر معصوم لايضلّ و لايشقي ثمّ تلا هذه الاية اطيعوا الله و اطيعوا الرسول فان تولّوا فانّما عليه ما حُمِّل و عليكم ما حُمِّلتم و ان تُطٖيعوه تهتدوا و ما علي الرسول الّا البلاغ المبين قال محمد بن حرب الهلالي ثم قال جعفر بن محمد عليه السلام ايها الامير لو اخبرتُك بما في حمل النبي صلي الله عليه و اله [ص 29] عليّا عليه السلم عند حَطِّ الاصنام من سطح الكعبة من المعاني الّتي ارادَها به لقُلتَ انّ جعفر بنَ محمّدٍ لمجنون فحسبُك من ذلك ما سمعتَ فقمتُ و قبّلتُ يدَيه و رأسه و قلتُ اللّه اعلم حيثُ يجعل رسالته ه .
اقول اذا نظرتَ الي بيانه عليه السلم و استدلاله علي ما اراد من المعاني لمتجد فيها دليلاً صحيحاً علي طريق دليل المجادَلةِ بالّتي هي احسَنُ و اكثر احاديثهم عليهم السلام و ما يستدلون به من هذا القبيل مثل قوله عليه السلام في الاستدلال علي ان رسول الله صلي الله عليه و اله اراد بحمل عليّ عليه السلم علي ظهره لتكسيره الاصنام الاشارة الي انّه يراد منه هداية نفسه و هداية عليّ لانّه هو الذي حُمّل به في قوله عليه ما حُمِّل و عليكم ما حُمِّلتم ، فهذا النمط و مثله من الاستدلال هو دليل الحكمة الّذي امره اللّه ان يدعو الي سبيله به فقال ادعُ الَي سبيلِ ربّك بالحكمة و الموعظة الحسنة وَ جَادِلْهُمْ بالّتي هي احسَنُ .
فاِذَا عرفتَ هذا فانا اذكر لك دليلاً من هذا علي انّ كل شيء مكَلّف و مُحَاسَبٌ بنسْبَةِ حاله و هو بضرب المثل كما علّم الله عباده في كتابه بقوله تعالي و تلك الامثال نضربها للنّاس لعلّهم يتفكّرون . فنقول اوّلاً اعلم انه تعالي ابتدع نوراً لٰا مِن شيء فكوّنه و لميكن قبل تكوينه شيئا و هذا هو وجود الاشياۤء كلّها فخلق من صفوته الانبياۤء و الرسل و الائمة و الاوصياۤء عليهم السلام و خلق من فاضله يعني من شعاعه المؤمنين و الملاۤئكة ثم خلق من فاضل الفضلة الحيوانات كما قال تعالي اممٌ امثالكم ، و خلق من فاضل هذا الفاضل النباتات و اليه الاشارة بقوله صلي الله عليه و اله اكرموا عماتكم النخل و عن [ص 30] اميرالمؤمنين عليه السلم انّما سمّيتِ النّخلة نخلة لانّها من نخالة طينة آدم ه ، و لهذا قال صلي الله عليه و اله اكرموا عماتكم النخل و خلق من فاضل النباتات المعادن و الجمادات كذلك و كل هذه المذكورات خُلِقت من الوجود الّذي خلقه الله لا من شيء و هذا الوجودِ شعور و تمييز و فهم و ذكاۤء و خير و عقل و فطنة فكلّ ما كان قريباً من المبدأ كان اصفي و الطف و انور كالانسان و كلّ ما بعد من المبدء كان اكثف و اغلظ و اشدّ ظلمة كالتّراب و ما بينهما بالنسبة ففي كل شيء شعور و تمييز و فهم و ذكاۤء و خير و عقل و فطنة بنسبة رتبته من المبدأ و من الوجود فما كان قويّاً قويَت فيه هذه القوي و تكليفه شديد و ثوابه عظيم و عذابه اليم و ما كان ضعيفاً ضعفت فيه هذه القوي بنسبة وجودِهٖ و كان تكليفه ضعيفاً و ثوابه و عذابه بنسبة تكليفه و تكليفُه بنسبة ما اُوتٖي و اللّٰه سبحانه اَحاطَ بكل شيءٍ علماً و اَحْصَي كلَّ شيء عدداً و لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصيٰها و مثال الوجود المذكور كنور السراج هو نور واحد و لكن مراتبه متفاوتة كلّ ما قربَ من السّراج كان اشدّ نوراً و حرارة و يبوسة و كلّ ما بَعُدَ من السراج كان اضعف نوراً و حرارة و يبوسة بنسبة رتبته من السراج و ما بين الطرفين بالنسبة فلايُوجد جزؤ من النور و ان ضعف الّا و فيه نور و حرارة و يبوسةٌ بنسبة نوره فلاتوجد حرارة في جزء من ذلك النور بدون يبوسة و لا نور او يبوسة بدون حرارة و لا نور او نور بدون واحد منهما او بدونهما كذلك مراتب الوجود لايوجد شيء بدون [ص 31] هذه الامور التي هي القوي و ان كانت فيه ضعيفةً بنسبة وجوده و نحن لضعف بصاۤئرنا لاندرك شيئاً من ذلك و اللّه الذي خلقها يعلمُها و هو الذي اخبر بذلك و اولياۤؤه الذين اطلعَهم علي ذلك اخبروا به فان وجدتَ ما اشرنا اليه فذلك المطلوب و الّا فعليك القبول من الذي خلق ذلك و اخبر به في كتابه الحق و علي اَلسنة اولياۤئه الصادقين فافهم ما اشرنا و اشرب صافيا و لاتركن الي ما تتوهم في نفسك بان العلماۤء ماذكروه فلو ذكروه اتقبل منهم و ان لمتفهم ذلك فالائمة عليهم السلام هم العلماۤء الراسخون المعصومون عن الغفلة و الخطأ و السهو و النسيان المؤيّدون من الله سبحانه بالعلم و الفهم و التوفيق و التسديد فينبغي ان تقبل منهم فانهم اولي من غيرهم بالقبول منهم فان قلتَ ماصحّ لي النقل عنهم لِاَقْبَل قلتُ هذا المعني المشار اليه في اَخْبارهم المتواترة معني فكيف لايصحّ اِلّا عند مَن سبقت له الشّبهة و لكن اذا ما صحّ النقل في شيء من تلك الاخبار المتكثرة فالقرءان الشريف نطقت محكمات آيٰاتِه بذلك فاَيْن المناص عن الاقرار لمَنْ لميُسْلك الانكار .
قال سلمه اللّه : قد ورد في الخبر بنا عرف الله و لولا اللّه ماعرفنا ما المراد من هذا الكلام .
اقول هذا لماقف علي هذا الخبر و الذي وقفتُ عليه بنا عرف اللّه و لولانا ماعرف الله و ذلك في روايتين و لكن علي ما تروي لا منافاة فيه و نتكلّم علي ما ترويه فقوله بنا عرف الله لَهُ معانٍ : احدها بما وصَفْنَا اللّه تعالي بصفاته و ذكرنا ممّا يجوز عليه و يمتنع عليه و كلُّ وَصْفٍ وُصِفَ به من غيرنا فانّه لايجوز عليه تعالي و لايجوز عليه الّا ما وصفناهُ به لانّا [ص 32] لانقول عليه الّا ما وَصِفَ به نفسه و ثانيها اِنَّا شرط التّوحيد فمن لميعرفْنَا لَمْيعرف اللّهَ لان اللّه تعالي جَعَلَنا اركاناً لِتوحيده و المراد بالشرط هنا الشّرط الركني و ذلك لانّهم معانيه فهم عينه و لسانه و يده و امره و حكمه و حملة علمه و معْني كونهم معانيه انهم مَعٰاني افعالِهٖ كالقيام و القعود و الحركة و السكون فانها اركان قاۤئم و قاعد و متحرّك و ساكن التي هي اسماۤء زيد و صفاته فقاۤئم صفة زيدٍ و به يعرف و ركن هذه الصفة القيام و هو مثلُ حَقيقتِهم فزيد بالقيام يعرف لانّه ركن القاۤئم الذي هو صفتُه و هذا علي اعتبار كونِهم المَعاني و ثالثها انا شرط التّوحيد بمعني انّ التّوحيد لايتحقّق الّا بالاقرار بولايتهم الحقّ و فيه تعريض بغيرهم و المراد انّ مَن عرف اِلٰهاً اتّخذ لخلقه دعاةً مهتدين هادين فقد عرف ربّه بالغني المطلق الذي هو عبارة عن التوحيد الكامل بخلاف مَن عرف الٰهاً اتّخذ لخلقه دعاةً ضاۤلّٖينَ مضلّين فانه ماعرف رَبَّهُ لانّ الاله الّذي اتّخذ لخلقه دعاةً ضاۤلّين مضلّين انّما دعاه الي ذلك الحاجة او عدم القدرة علي تحصيل هادين مهتدين او عدم علمه بهم و المحتاج و فاقد القدرة و العلم ليس بالهٍ حقّ فبهم يعرف اللّه و رَابعها انّا اياتُ الله الّتي تدلّ عليه و المراد انّهم هم الايات التي قال الله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتّي يتبيّن لهم انه الحق يعني سنريهم آياتنا التي يعرفون الله بها و هو قول الصادق عليه السلام في حديث عبدالله بن بكر الارجاني من كاملالزيارة و هو طويل و فيه قال عليه السلام و الحجة من بعد النبي صلي الله عليه و اله يقوم مقام النبي [ص 33] صلي الله عليه و اله و هو الدليل علي ما تشاجرت فيه الامّة و الٰاخِذُ بحقوق الناس و القاۤئم بامر الله و المنصِف لبعضهم من بعض فان لميكن معهم من يُنفِذ قوله و هو يقول سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم فايّ آية في الافاق غيرنا اراها اللّه اهل الافاق و قال ما نريهم من اٰية الّا هي اكبر من اختها فايّ آيةٍ اكبر منّا الحديث ، و الاية هي الدّليل عليه و لهذا قالوا عليهم السلام نحن صفات الله العليا و لا شكّ ان الشيء انّما يعرف بصفته و هي كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام صفةُ استدلالٍ عليه لا صِفَةٌ تكشِفُ لَهُ و خامسها لمّا ظهرَتْ عليهم آثار الربوبيّة حتّي انّهم يُحْيُون الموتَي و يُبْرئُون الاكمه و الابرص و يفعلون كلّما ارادوا باذنِ الله سبحانه لانه تعالي اخذ علي جميع ما خلق الطاعة لهم و مع هذا ظهروا بكمال العبوديّة بشدّة العِبَادة و كمال الخوف من مقام اللّه تعالي فعرف الخلاۤئق ربّهم بذلك كما ورد في حق الملاۤئكة انّهم لمّا رأوا انوارهم عليهم السلام تحيّروا فسبّحوا عليهم السلام فسبّحت الملاۤئكة و هلّلوا فهلّلَتِ الملاۤئكة و كبّروا فكبّرت الملاۤئكة و ذلك لانّ الملاۤئكة لَمَّا رأَوْا نورهُمْ صلوات اللّه عليهم ظنّوا انّ هذا نور معبودِهم فلمّا سَبَّحُوا عرفتِ الملاۤئكة انَّ هذا نورُ مخلوقٍ فقالوا عليهم السلام بنا عرف الله و فيه ايضا وجوهٌ و هذه اظهرها و امّا قولهم و لولا اللّه ماعرفْنَا بالمعلوم يعني نحن لانعْرِف الّا ما عرّفنا اللّٰهُ و هذا متحقّق ظاهر و بالمجهول يعني لولا الله لميعرفهم شيء من الخلق لانّه تعالي هو الّذٖي نوّهَ باسماۤئهم و عرّف جميع خلقه جلالة قدرهم و علوّ شانهم و مكانهم كما قال الهادي عليه السلام [ص 34] في الزيارة الجامعة حتّي لايبقي ملك مقرّب و لا نبي مرسل و لا صدّيق و لا شهيد و لا عالم و لا جاهل و لا دنيّ و لا فاضل و لا مؤمن صالح و لا فاجر طالح و لا جبّار عنيد و لا شيطانٌ مَريد و لا خلق فيما بين ذلك شهيد اِلّا عرّفهم جلالة امركم و عِظَم خطركم و كبر شأنكم و تمام نوركم و صدق مقاعدكم و ثبات مقامكم و شرف محلّكم و منزلتكم عنده و كرامتكم عليه و خاۤصّتكم لديه و قرب منزلتكم منه و لا اشكال في هنا اذ كلّ فضل منه و به قال تعالي و ما بكم من نعمة فمن اللّهِ .
قال سلمه الله : قد روي عن الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبيّة فما فقِد من الربوبية وُجِد في العبودية و ما ليس في العبودية فهو في الربوبية ، ما سرّ هذا الكلام .
اقول الرواية ليست كما ذكرتم و لو قيل انها منقولة بالمعني فليس هذا معناها و لفظها : العبوديّة جوهرة كنهها الربوبية فما فُقِد في العبودية وجد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبيّة اصيب في العبودية قال الله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحقّ أولميكف بربّك انه علي كل شيء شهيد يعني موجود في غيبتك و في حضرتك ه ، و هذا مذكور في مصباح الشريعة و راويه قيل مجهول و الذي ذكر السيد عبدالله بن السيد نورالدين الشوشتري في شرحالنخبة انه لشقيق البلخي رواه عن الصادق عليه السلام و ظاهر شقيق انه من علماۤء العامة من الصوفية الّا ان السيد المذكور ذكر انه قُتِل لشبهة الترفّض و دفن بالطّالقان و الله اعلم بحاله و ذكره صاحب البحار عنه و اعتمد عليه و نقل منه و اكثر الفقهاۤء [ص 35] لايعتمدون علي شيء من روايته و نحن نشير الي المراد من الكلام و معناه صحيح علي بواطن التفسير و المراد بالعبوديّة الاثر و بالربوبيّة المؤثر لذلك مثاله مثل صورتك في المرءاة فانّها هي العبوديّة و صورتك التي فيك هي الربوبيّة يعني ربوبيّة صورة المِرءاة و معني الكلام ان الاثر يشابه صفة المؤثر التي بها التّاثير و ذلك لانك اذا رأيتَ اثراً في الأرض فله مؤثر فان كان المؤثر قدم زيد عرفتَ انه اثر انسان لان العبوديّة جوهرة كنهها الربوبية فهيئة الاثر من هيئة المؤثر فتعرف ان هذا اثر قدم انسان لا اثر حَيوانٍ و ليس المراد بالربوبيّة الربوبٖيّة القديمة بل المراد انّ هيئة الاثر من هيئة فعل المؤثّر القريب مثل هيئة الكتابة من هيئة حركة يد الكاتب و الكتابة تدل علي حركة يد الكاتب فاذا رأينا الكتابة حسنةً عرفنا ان حركة يد الكاتب مستقيمة و بالعكس لان حركة اليد هي ربوبيّة الكتابة يعني المؤثر القريب و لاتدلّ علي المؤثر البعيد كالكاتب الذي هذه الربوبيّة صفته فاذا رأينا الكتابة حسنة لمتدلّ علي ان الكاتب حسَن او قبيح او ابيض او اسود و انّما تدل علي حركة يده التي حدثت عنها الكتابة لا حركة الاكل و البطش و هذا مثال و آية يعرف الانبياۤء و المرسلون و الاولياۤء ما يراد منهم من المعارف فقال صلي الله عليه و اله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربّه و قال اميرالمؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربّه و لهذا استدلّ الصادق عليه السلم في الحديث المذكور بقوله تعالي سنريهم آياتنا في الافاق و في انفسهم الٰاية ، فقوله عليه السلم من عرف نفسه فقد [ص 36] عرف ربّه ، داۤلّ علي انّ معرفة النفس معرفة الله بمعني انّ اللّه سبحانه جعل النفس آية تدل عليه و لذا قال تعالي سنريهم آياتنا و هذه الاية تدلّ عليه علي نحو ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام صفة استدلالٍ عليه لا صفة تكشِفُ له ه ، و ذلك لانّها اثر فعله و الاثر يدلّ علي المؤثر كما تدلّ الكتابة علي انّ لها صانعا و لاتدلّ علي كيفيته و هيئته نعم تَدلُّ بهيئتها علي صفة حركة اليد كذلك النفس تدلّ علي صفة فعله تعالي كما تدلّ الكتابة علي صفة حركة اليد و قوله فما فقِد في العبوديّة وجد في الربوبيّة ، يراد منه انّ صورتك في المرءاة فُقِد منها الغني و الاستقلال بمعني انها لاتستغني عن صورتك التي هي فيك و لاتستقلّ بنفسها و صورتك الّتي هي فيك مستغنية مستقلّة بنفسها لانها ذات و تلك صفة فما فُقِد من الصفة من الاستقلال وجد في الموصوف و قوله و ما خَفِي في الرّبوبيّة اُصٖيبَ في العبوديّة ، يراد منه انّ ما خفي علي طالب المعرفة من الربوبيّة اصابه اي وجده في العبوديّة مثلا لو طلبتَ معرفة صورتك التي فيك لمتقدر علي الاطلاع عليها فيخفي عليك فتجده في صورتك الّتي في المِرءاة التي هي العبوديّة و هنا ابحاث جليلة يظهر منها جميع معرفة الله تعالي و معرفة صفاته و اسماۤئه و معرفة اوامره و نواهيه و معرفة خلقه و لكن تستلزم تطويلاً طويلاً فلذا اعرضنا عنه .
قال سلمه اللّه : اذا حشر الانس و الجن يوم القيمة فبعد الحساب اين جنّة الجن و جهنّمهم هل هم مع الانس في الجنة او في النار ام لهم جنة و نار مخلوقتان علي حدة .
اقول قوله صلَّي اللّه عليه و اله ليس وراۤء دنياكم بمستَعْتَبٍ [ص 37] و لا دار الّا جنّة اوْ نار ه ، يدلّ مع امثاله و ظاهر الكتاب العَزيز و اجماع المسلمين علي انّه ليس يوم القيمة الّا جنّة او نار و هذا لا شكّ فيه و العلماۤء لماقف لهم علي كلام شافٍ في هذه المسئلة و المفسّرون يظهر منهم الاختلاف لانّهم قالوا في قوله تعالي لميطمثهنّ انس قبلهم و لا جاۤنّ بقولين فقال بعضهم لميمسّ الحوريات قبل ازواجهن انس و لا جاۤن بل هن ابكار كأنّهن بيض مكنون اي بيض نعام في اِحْكامهنّ و قال بعض لميمسّ الانسيّات انس قبلهم و لا الجنيات جان و هو يشعر بعيداً بعدم مناكحتهم للانس المستلزم لعدم مجاورتهم في الجنّة و امَّا انّهم ذكروا ذلك صريحاً فلماقف عليه هذا ما اعرف من قولهم هذا و من اختلافهم في جواز المناكحة بينهم و امّا مَا فهمتُ من الاخبار و هو الّذٖي عندي فهو انّ الدُّور يوم القيمة تسعة و عشرون داراً ثمان جنان اعلاها جنّة عدن و السبع مساكن المؤمنين علي حسب منازلهم في الايمان و الثامنة جنّة عدن لمحمد و آلِهٖ صلّي اللّه عليه و اله و لمن لحق بهم بالمجاورة و سبع جنان حظاۤئر و هي اظلّة للجنانِ الاصليّة السبع كل واحدة من الحظاۤئر من جنّةٍ من الاصلية علي الترتيب و الاصلية افضل من الحظيرة بسبعين ضعفاً و ان كان فيها كل ما في اصلها فهي فرع عنها فهذه خمسعشرة داراً للسعداۤء و سبع نيران اصلية و سبع نيران حظاۤئر نسبتها من الاصلية كنسبة حظاۤئر الجنة من الاصلية فهذه اربععشرة داراً فكانت الدور تسعاً و عشرين داراً و الذي فهمت من اخبارهم عليهم السلام انّ من اتباع المؤمنين ثلاث طواۤئف لايدخلون [ص 38] جنان المؤمنين و هم اولاد الزنا المؤمنون و مؤمنوا الجنّ و المجانين الذين ماجري عليهم التكليف و هم عقلاۤء و لميكن لهم شفعاۤء من اٰباۤئهم و هؤلاۤء الثلاث الطواۤئف يسكنون جنان الحظاۤئر السبع كلّ فيها علي حسب ايمانه امّا مؤمنوا الجن فيسكنون في الحظاۤئر علي حسب ايمانهم في مراتبها لانّهم خلقوا منها و اليها يعودون و لانّهم خلقوا من النار التي من الشجر الاخضر كما روي عن الصادق عليه السلام و الشجر من فاضل طينة الانسان فهم في الحقيقة كالصور بالنسبة الي الذَوات فلذا كانت حقيقتهم من الحظاۤئر التي هي من ظاهر جنّة المؤمنين فافهم و امّا المجانين المذكورون فليس لهم عمل يستحقون به الجنّة الّا باعمال الشرع الوجودي و هو ظاهر للوجود الشرعي و لهذا انّما دخلوا الجنّة بمحض التّفضل الذي هو من مكمّلات الوجود الشرعي و هو من الظواهر فكانوا من اهل الحَظاۤئر و امّا اولاد الزنا فورد انّه لاينجب الّا بعد سبعة ابطن فبعد السبعة الابطن يلحق بجنان المؤمنين و امّا قبل ذلك فله سبع مراتب : مرتبة العقل و الثانية مرتبة النفس و الثالثة مرتبة يُكْسَي لحماً و الرابعة مرتبة العظام و الخامسة مرتبة المضغة و السّادسة مرتبة العلقة و السابعة مرتبة النطفة و الحظاۤئر للجنان سبع فولد الزنا اذا كان عاملاً بالاعمال الصالحات يكون في اسفل جنان الحظاۤئر لعدم طهارته فكانت اعماله قاصرة ناقصة و ان قبلت لكنها في جميع مراتبها ليست زاكية و ابنه بالعقد الحلال يزكو عقله فيكون في الحظيرة الثانية التي هي فوق السفلي هذا مع فرض تساوي الاعمال و ابن [ص 39] الابن بالعقد تزكو عقله و نفسه فيكون في الحظيرة الثالثة و ابنه كك يزكو عقله و نفسه و لحمه فيكون في الحظيرة الرابعة و ابنه كذلك يزكو عقله و نفسه و لحمه و عظمه فيكون في الخامسة و ابنه كذلك يزكو عقله و نفسه و لحمه و عظمه و مضغته فيكون في السّادسة و ابنه كذلك يزكو عقله و نفسه و لحمه و عظمه و مضغته و علقته فيكون في السابعة العليا و ابنه كذلك يزكو عقله و نفسه و لحمه و عظمه و مضغته و علقته و نطفته فينجب و يلحق بجنان المؤمنين و انّما ينحطّ عن جنان المؤمنين قبل طهارة نطفته لانّ طهارتها هي مبدأ الوُجود التّشريعي و قبل ذلك ملحق بالظواهر مستوجب لسكني الحظاۤئر هٰذا ما تشير اليه الاخبار في تلويحاتها في جنان الحظاۤئر و انّ سكّانها هذه الطواۤئف الثلاث فالمؤمنون من الجاۤنّ في جنان الحظاۤئر و هذا يؤيّد القول الثاني للمفسّرين و جنان الحظاۤئر سبع كما تقدم غير جنان المؤمنين لانها تحتها لكلّ جنّة حظيرة كالظلّ منها فحظيرة الجنّة الثانية فوق حظيرة الجنّة الاولي كما ان الجنّتين كذلك و حظيرة الجنّة الثالثة فوق حظيرة الجنّة الثانية و حظيرة الجنّة الرابعة فوق حظيرة الجنّة الثالثة و هكذا و هي متفاوتة في الشرف كتفاوت الجنان الاصليّة و السابعة من الحظاۤئر هي اعلاها و هي تحت الجنّة السفلي من جنان المؤمنين و امّا حظاۤئر النيران فهي ايضا كما تقدم سبع مترتّبة فاوّلها حظيرة الجحيم و هي اعلاها و اهونها عذاباً و اسفلها حظيرة جهنّم و هي اشدّها و حظيرة جهنّم فوق الجحيم كما ان اعلا حَظائر الجنان تحت اسفل الجنان الاصلية [ص 40] و هذه النيران السبع نيران الحَظاۤئر تعذّب فيها عُصاة الشيعة ممن لمتدركه شفاعة و لمتمحّص ذنوبه بالبَلايا في الدنيا اَوْ عِنْد الموت او في البرزخ او باهوال يوم القيمة لان المفهوم من اخبار الائمة الاطهار عليهم السلم انّ محبّيهم لايدخلون النيران و لو كان علي العاصي منهم ذنوب ليس لها مكفِّر الّا النار وضع في حظاۤئر النار حتي يطهر من نجاسة الذنوب ثم يدخل الجنّة و لهذا يقولون اعداۤؤهم و هم في النار الاصليّة كما حكي الله عنهم و قالوا ما لنا لانري رجالاً كنّا نعدّهم من الاشرار اتّخذناهم سخريّا ام زاغت عنهم الابصار ثم قال تعالي ان ذلك لحق تخاصم اهل النار ، و في الكافي عن الصادق عليه السلام لقد ذكركم الله اذ حكي عن عدوّكم في النار بقوله و قالوا ما لنا لانري الآية ، قال واللهِ ماعني اللّه و لااراد بهذا غيركم صرتم عند اهلِ هذا العالم من اشرار الناسِ و انتم واللهِ في الجنّة تحبرون و في النار تطلبون و في رواية اما واللهِ لايدخل النار منكم اثنان لا واللهِ و لا واحد واللهِ انكم الذين قال الله تعالي و قالوا ما لنا لانري الآية ، ثم قال طلبوكم واللهِ في النار فماوجدوا منكم احداً و في رواية اخري اذا استقر اهل النارِ في النار يتفقدونكم فلايرون منكم احداً فيقول بعضهم لبعضٍ ما لنا الآية ، قال و ذلك قول اللّه عز و جل ان ذلك لحق تخاصمُ اهل النار يتخاصمون فيكم كما كانوا يقولون في الدنيا ه ، و انما لميروا احداً من عصاة الشيعة مع انّ منهم مَن يدخل النار لانّهم في نار الحظاۤئر و هي غير نار الكفار و المنافقين فلايرون منهم احداً و هذا المعني موجود في [ص 41] ظاهر الاخبار امّا انّ نيران الحظاۤئر هي نيران الجاۤنّ فلماقف علي خبر في ظاهر لفظه مَا يدل علي ذلك و لا علي كلام لاحد من العلماۤء في ذلك نعم الذي استفدتُ من بواطن الاحاديث لا من ظواهرها انّ نيران الجاۤنّ نيران الحظاۤئر و الاشارة الي جهة مأخذ الدليل من دليل الحكمة و هو انّ الانسان اشرف من الجان و اعلي فيجب ان يكون ثوابهم و جنانهم اشرف و اعلي و سمعتَ ما ذكرنا في جنان الجاۤنِ انّها جنان الحظاۤئر كما صرّحت به الرواية عنهم عليهم السلام و يجب ان يكون عقابهم و نيرانهم اشدّ من عقاب الجان و نيرانهم لان الجان انزل رتبةً من الانس فيجب ان يكونوا اسهل منهم في النيران و في العقاب و هذا معقول لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد فللجاۤنِّ اذ اطاعوا جنانٌ اسفل من جنٰان المؤمنين و هي جنان الحظاۤئر و لهم اذا عصوا نيرانٌ اسهل و اخفّ من نيران بنيادم اذا عصوا لان نسبة الصعود كنسبة النزول فافهم .
قال سلمه الله : قد بلغنا اخبار كثيرة تدل علي تغيير القرءان و تحريفه و تصحيفه مع ان الله تعالي قال انا نحن نزّلنا الذكر و انّا له لحافظون و تصديق هذه الاخبار يستلزم تكذيب هذه الاية و بالعكس و العياذ بالله كيف وجه الجمع بين الاية و الرواية .
اعلم انّ هذه المسئلة وقع فيها الاختلاف و الذي يظهر لي ان الاختلاف انّما هو لعلّة قوله عليه السلام انا الذي خالفت بينكم الّا انّه بما القيٰهُ في خيال بعض العلماۤء حفظاً لهذه الفرقة و الّا فمن نظر الي ادلة القاۤئلين بعدم التغيير رءاهَا اوهن من بيت العنكبوت و ذلك لانّ الدليل امّا ان يكون من الكتاب او السنّة او من دليل [ص 42] العقل او الاجماع و الاربعة لميثبت منها شيءٌ امّا الكتاب فقد دلَّ بصريحه المؤيّد بالحديث المجمع علي معناه من المسلمين كافة علي انّه مغيّر محذوف منه كثير بمعونة الاحاديث المجمع عليها من المسلمين و هي ما روي عن النبي صلي الله عليه و اله لتركبُنّ سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذّة بالقذّة حتي لو سلكوا جُحرَ ضبٍّ لسلكتمُوه ه ، و هذا لايختلف في معناه اثنان من الشيعة و من طرق العامّة ما رووه عن ابيليث الواقدي قال كنتُ رَديفاً للنبي صلي الله عليه و اله في غزوة اَوطاس ● فمررنا بشجرة كان المشركون ينوطون عليها اسلحتهم يقال لها ذات انواطٍ فقلتُ يا رسول الله اجعل لنا ذاتَ اَنواطٍ كما لَهم ذاتُ انواطٍ فقالَ صلي الله عليه و اله قلتم و الذي نفس محمد بيده ما قالت بنواسراۤئيل لنبيهم اجعل لنا الٰها كما لَهم آلهة لتركبن سنن من قال قبلكم حذو النعل بالنعل الحديث ، او كما قال و هذا الحديث لايختلف في معناه اثنان منهم فقد حصل اجماع المسلمين علي المعني و في صريح القرءان و كتبنا له في الالواح من كل شيء موعظة و تفصيلاً لكلِ شيء و هذه التورية التي عند اليهود قد غيّروا فيها صفة محمد صلّي الله عليه و اله بالاجماع من المسلمين و قد اخبر القرءان عن كثير من ذلك منه قوله تعالي و قد كان فريق منهم يعني من اسلافهم اليهود يسمعون كلام الله في اصل جبل طور سيناۤء و اوامره و نواهيه ثم يحرّفونه عمّا سمعوه اذا ادّوه الي من وراۤئهم من بنياسراۤئيل من بعد ما عقلوه فهموه بعقولهم و هم يعلمون انّهم في تقولهم كاذبُون ثم قال تعالي فويل للّذين يكتبون [ص 43] الكتاب بايديهم يحرّفونه من احكام التورية ثم يقولون هذا من عند الله و ذلك انهم كتبوا صفةً زعموا انها صفة النبي صلي الله عليه و اله و هو خلاف صفته و قالوا للمستضعفين هذه صفة النبي المبعوث في اخر الزمان طويل عظيم البدن و البطن اشهب الشعر و هو صلي الله عليه و اله بخلافه و انه يجيۤء بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة ليشتروا به ثمنا قليلاً لتبقي لهم علي ضعفاۤئهم رياستهم و تدوم لهم منهم اِصٰاباتهم و يكفوا انفسهم مؤنة خدمتهم لرسول الله صلي الله عليه و اله و قال تعالي ان الذين يكتمون ما انزل الله من الكتاب من صفة النبي صلّي اللّه عليه و اله و حذفوها من التورية و يشترون به ثمنا قليلا عرَضاً من الدنيا يَسيراً و ينالون به في الدنيا عند الجهّال رياسةً و قال تعالي يا اهل الكتاب قد جاءَكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً ممّا كنتم تخفون من الكتاب كنعت محمد صلي اللّه عليه و اله و آية الرجم في التورية و بشارة عيسي باحمد في الانجيل و يعفو عن كثير مما تخفونه لايُخبر به و في مجمعالبيان عن الباقر عليه السلام عند تفسير قوله تعالي يا ايها الرسول لايحزنك الذين يسارعون في الكفر ، من سورة المائدة ان امرأة مِن خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من اشرافهم و هما محصنانِ فكرهوا رجمهما فارسلوا الي يهود المدينة و كتبوا اليهم ان يسئلوا النبي صلي الله عليه و اله عن ذلك طمعاً في ان ياتي لهم برخصةٍ فانطلق منهم كعب بن الاشرف و كعب بن اسيد و شعبة بن عمرو و مالك بن الضيف و كنانة بن ابيالحُقَيق و غيرهم فقالوا [ص 44] يا محمد اخبرنا عن الزاني و الزانية اذا اُحْصِنا ما حدّهما فقال صلّي اللّه عليه و اله و هل ترضون بقضاۤئي في ذلك قالوا نعم فنزل جبريل عليه السلام بالرجم فاخبرهم بذلك فابوا اَن يأخذوا به فقال له جبرئل اجعل بينك و بينهم ابنصوريا و وصفه له فقال النبي صلّي الله عليه و اله هل تعرفون شاۤبّا امرد ابيض اعور يسكن فدك يقال له ابنصوريا قالوا نعم قال فايّ رجل هو فيكم قالوا هو اعلم يهوديٍ بقي علي وجه الأرض بما انزل الله علي موسي (ع) قال فارسِلوا اليه فبعثوا اليه فاتاهم عبدالله بن صوريا فقال له النبي صلي الله عليه و اله انّي انشدك الله الذي لا اله الا هو الذي انزل التورية علي موسي و فلق البحر فانجيٰكم و اغرق ال فرعون و ظلّل عليكم الغمام و انزل عليكم المنّ و السلوي هل تحلّون في كتابكم الرجم علي من احصن قال ابنصوريا نعم و الذي ذكّرتنٖي به لولا خشيتُ اَن يحرقني رب التورية اِن كذبتُ او غيّرتُ مااعترفتُ لَكَ و لٰكن اخبرني كيف هو في كتابك يا محمد قال ان شهد اربعة رهطٍ عدول انه قد ادخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم فقال ابنصوريا هكذا انزل اللّه في التورية علي موسي فقال له النبي صلي اللّه عليه و اله فما ذا كان اوّل ما ترخّصتم به امر اللهِ قال كنا اذا زني الشريف تركناه و اذا زني الضعيف اقمنا عليه الحد فكثر الزنا في اشرافِنا حتي زني ابن عم ملكٍ لنا فلمنرجمه ثم زني رجل اخر فاراد الملك رجمه فقال له قومه لا حتّي ترجم فلانا يعنون ابن عمه فقلنا تَعالوا نجتمع فلنصنع [ص 45] شيئا دون الرجم يكون علي الشريف و الوضيع فوضعنا الجلد و التحميم و هو ان يجلد اربعين جلدةً ثم يسوّد وجوههما ثم يحملان علي حمارين و تجعل وجوههما من قبل دبر الحِمار و يطاف بهما فجعلوا هذا مكان الرجم فقالت اليهود لابنصوريا ما اسرع ما اخبرته به فامر بهما النبي صلّي الله عليه و اله فرجما عند باب مسجده و قال انا اوّلُ مَن احيَي امرَك اذ اَماتوهُ فانزل الله سبحانه فيه يا اهل الكتاب قد جاۤءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب و يعفو عن كثير الحديث ، و في قوله سمّاعون لقوم اخرين عن ابنعباس و جابر بن سعيد المسيب ارسلوهم في قصّة زان محصن فقالوا لهم ان افتيٰكم محمد بالدية فخذوه و ان افتيٰكم بالرجم فلاتقبلوا لانّهم كانوا حرّفوا حكم الرجم الذي في التورية ه ، و منها ان حكم الاخرة من الجنّة و النار حذفوه من التورٰية فليس فيها الان شيء من ذلك و الله سبحانه يقول و كتبنا له في الالواح من كل شيء موعظة و تفصيلاً لكل شيء الي غير ذلك و كذلك في الانجيل ممّا حذفته النصاري من اسم محمد و صفته و القرءان مصرّح بتغييرهم في التورية و الانجيل و الاحاديث المجمع عليها قد دلّت بنصّها علي ان كل ما كان في الامم الماضية يكون في هذه الامّة حذو النعل بالنعل و القذّة بالقذّة فاذا ثبت بالدليل القطعي انهم غيّروا التورية و الانجيل و حَذفوا منها و ثبت بالدليل القطعي انّ ما كان هناك يكون في هذه الامّة حذو النعل بالنعل و القذّة بالقذّة ثبت ان القرءان غُيّر وَ بُدِّلَ لاينبغي للعارف بما [ص 46] قلنا ان يرتاب في ذلك و امّا السنة فقد وَردت الاحاديث المتكثرة بالتغيير و التبديل و التقديم و التاخير و الزيادة و النقيصة و غير ذلك حتي ان السيد نعمتالله الجزاۤئري رحمه الله ذكر في رسالته الصلاتيّة انّ الاخبار الداۤلّة علي ذلك تزيد علي الفي حديث و لمنقف علي حديث واحدٍ يشعر بخلاف ذلك و القرءان الموجود الأن ستّةالاف اية و ستمائة و ست و ستون اية تقريبا و المروي في صحيحة هشام بن سالم الجواليقي ان القرءان الذي نزل علي محمّد صلي الله عليه و اله سبعةعشرالف ايةٍ و في رواية ثمانيةعشراَلْفَ آيةٍ امّا الزيادة فيه فوردت في روايتين او ثلاث كقوله عليه السلم لولا ما زيد في القرءان و نقص لميخفَ حقّنا علي ذي حِجَي و اجمع المسلمون علي عدم الزيادة في هذا الموجود الأن و انّما الخلاف في النقيصة و حملوا احاديث الزيادة علي زيادة بعض الحروف في بعض القراءة مثل ملك و مالك و مثل مسكنهم و مساكنهم و الّذي افهم من الزّيادة انها هي الحاصلة من التقديم و التأخير كما في قوله تعالي افمن كان علي بَينة من ربّه و يتلوه شاهدٌ منه و من قبله كتاب موسي اِماماً و رحمة فانها هكذا : و يتلوه شاهدٌ منه اماماً و رحمة و من قبله كتاب موسي ، فكان الكلام المؤخر زاۤئداً في المكان الثاني ناقصاً من الاوّل و الكلام المقدّم زاۤئداً في المكان الاوّل ناقصاً من المكان الثاني و امّا النقيصة فالاحاديث متواترة معني في ذلك فورد عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه حُذِف و اُسقِط ما بين « فان خفتم الّا تقسطوا في اليتامي » و بين « فانكحوا ما طاب لكم من النساء » الآية ، [ص 47] اكثر من ثلث القرءان و ورد ان سورة الاحزاب بقدر سورة البقرة و الحاصل هي كما قال السيد نعمتالله الجزاۤئري انها تزيد علي الفَيْن و من روايات العامة ما رواه الشيخ سعد بن ابراهيم الاردبيلي من علماۤئهم في كتاب الاربعين الحديث يرويه باسناده الي المقداد بن الاسود الكندي قال كنتُ مع رسول اللهِ صلي الله عليه و اله و هو متعلق باستار الكعبة و يقول اللهم اعضدني و اشدد ازري و اشرح صدري و ارفع ذكري فنزل جبريل (ع) و قال له اقرأ المنشرح لك صدرك و وضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك و رفعنا لك ذكرك بعليٍّ صهرِك ، فقرأ النبي صلّي الله عليه و اله علي ابنمسعود فالحقها في تأليفه و اسقَطها عثمٰن ه ، و بالجملة اذا دلّت علي مسئلة اخبار قدر الفي حديث و لميوجد خبر منافٍ لذلك بل القرءان شاهدٌ بتصديقها لايحسن اجتهادٌ في مقابلتها و اما الدليل العقلي فتمشيته علي التغيير و التبديل و الاسقاط اظهر من تمشيته علي عدم التغيير لانّ نافين التغيير قالوا لو صح التغيير لميبق لنا اعتماد علي شيء من القرءان اذ علي هذا يحتمل كل آية منه ان يكون محرّفاً و مغيّراً و يكون علي خلاف ما انزل الله فلميبق لنا في القرءان حجة اصلاً فتنتفي فاۤئدته و فاۤئدة الامر باتّباعه و الوصيّة بالتمسّك به و قالوا ان الله سبحانه يقول و انه لكتاب عزيز لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و يقول انا نحن نزّلنا الذكر و انّا له لحافظون فكيف يتطرّق اليه التحريف و التغيير و ايضاً قد استفاض عن النبي و الائمة صلوات اللّه عليهم حديث عرض الخبر المروي علي كتاب الله [ص 48] ليعلم صحّته بموافقته له و فساده بمخالفته له فاذا كان القرءان الذي بايدينا محرّفا فما فاۤئدة العرض مع ان خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذّبٌ له فيجب ردّه و الحكم بفساده او تاويله و الجواب عن الاول انّا لانقول انّ التغيير في جميع كلامه او في كلّ كلمة او في كلّ اية او بما يختلّ به نظم القرءان لانّ التغيير باسقاط اياتٍ و كلمات و ليس كلّما سقط من شيءٍ انتفت فاۤئدة الباقي بل الباقي باقٍ علي كماله و بلاغته مثلا علي قولكم انه الأن كما انزل لميتغيّر لو انّ شَخْصاً اسقط نصف البقرة و ثلث العمران و ربع النساۤء او بالعكس هل يكون في الباقي فاۤئدة و حجة ينتفع به الناس ام لا فان قلتم انّ اسقاط نصف السورة لايبطل حجيّة باقيها كما قلتم في الحديث انّ اشتمال بعضه علي المنافي اذا كان صحيحاً لايخلّ بباقيه الموافق و لايبطل الاحتجاج به فالقرءان اولي بذلك لانّه كلّما كان اكمل كان بعضه اولي بالاستقلال من بعضِ غير الاكمل انظر لو قلنا بانّ اية الكرسي وجد منها الله لا اله الّا هو الحيّ القيّوم و اسقط باقيها مابطلت بلاغةُ الموجودِ منها و الاحتجاج به بل هو باقٍ علي ما هو عليه في جميع فواۤئده الّا ما كان مرتبطاً بالمحذوف و ما كان مرتبطاً بالمحذوف فان علم حافظ الشريعة الذي استودعه رسول اللّه صلي الله عليه و اله شريعته انّ الرعيّة تحتاج اليه ذكره لهم و لايخلّ به مثل استحقاق الزوجة مع عموم استحقاقها في القرءان من كلّ ما ترك زوجها و خصّصوها عليهم السلام علي مقتضي ارادة اللّه تعالي لانّهم يريدون هداية الخلق الي الحقّ فلو فُقِدَ شيءٌ مِنَ القرءان ممّا تحتاج اليه رَعِيّتهم وجب علي [ص 49] المستحفظ للشرعية ( للشريعة ظ ) اَن يلقيَه اليهم في احاديثه كما دلّت عليه الاخبار مثل قوله عليه السلام انّ الأرض لاتخلو من حجّةٍ كيما ان زاد المؤمنون ردّهم وَ اِنْ نَقصوا اتمَّهُ لهم ، فلايحصل نقص علي الرّعية بما اُسقط من القرءان و المسدِّد المكمّل عليه السلام مَعَهُمْ بقوله و فعله و تسديده و ان قلتم ان اسقاط البعض يسقط حجيّة الباقي لاحتمال التغيير في كلّ آية قلنا هذا انّما يتم لو لميعلم مواضع الاسقاط و امّا اذا علم مواضع التغيير و الاسقاط ببيان العالم عليه السلام فلايتم هذا لكم لانّه عليه السلام قد بيّن مواضع التغيير مثل و اجعلنا للمتّقين اماماً لمّا قرئت عند الصادق عليه السلم فقال قد سئلوا الله عظيما ان يجعلهم للمتّقين ائمة ، فقيل له كيف هذا يا ابن رسول الله صلّي اللّه عليه و اله قال انّما انزل الله و اجعل لنا من المتّقٖين اماماً و مثل يا ايّها الرسول بلّغ ما انزل اليك من ربك فان لمتفعل فما بلّغت رسالته اي من ربّك في عليّ الاية ، فان قلتم هذه اخبار آحاد لايعوّل عليها قلنا ما الموجب لردّها و جعلها اخبار آحادٍ و هي تزيد علي الالفين و القرءان كما سمعتَ يؤيّدها فان كان لان العمل بها ينافي الاحتجاج به و التمسّك به قلنا علي قولكم انه لميغيّر بحالٍ يجوز التمسّك بكل شيء منه او لايجوز لان فيه ما يحتاج الي صرفه عن ظاهره مثل يد الله فوق ايديهم و الي ربها ناظرة ، فان قلتم لايجوز لانّ فيه المتشابه و يحتجّ به الدهري و المرجئ و غيرهما و انّما نحتجّ بمحكمه قلنا في المحكم عام فلايكون محكما الّا بعد التخصيص و فيه المنسوخ و غير ذلك و المقرّر للمحكم منه هو الامام عليه السلام و هو المقرّر للعمل به في بعض دون بعض و منها بيان [ص 50] مواضع التغيير لان القرءان فيه تفصيل كل شيء و اكثر الاحكام التي عندكم ليس فيها دليل من القرءان و انّما ادلّتها من السنة و في السنّة ما من شيء الّا و فيه كتاب او سنة و قد اخبروا في الاحاديث الصَّحيحة عنهم عليهم السلم انّ جميع ما عندهم من القرءان فالذي يخبرونكم به و ليس مذكوراً في هذا القرءان و لا شكّ انّه منه كما قالوا فاِمّا ان يكون في التأويل او في لفظه و الاصل عدم التأويل لانّ من قال انّه من القرءان و لميوجد في هذا القرءان الموجود عندنا لابدّ له اَن يقول انه مذكور في القرءان في لفظه و احتمال التأويل مرجوح لمخالفته الاصل و كون اميرالمؤمنين عليه السلم جمع القرءان و عرضه علي القوم و لميقبلوه و رجع به مما يؤيّد انه غير هذا و الّا لماكان لرجوعه به و لا لعدم قبولهم له مزيّة اذا كان هو هذا الموجود و دعوي انّ هذا لميثبُتْ مباهتة لشهرته بين المسلمين من المؤالف و المخالف و دعوي انّ ما اتي به عليه السلم انما هو من قبيل التفسير ينافيها قوله عليه السلم هذا كتاب الله كما انزل فان قبلتموه فاقبلوني معه لاحكم بما انزل الله فيه و مخاطبته عليه السلام لطلحة و محاۤجّته و جوابه للزنديق مشهورة فان قيل كل هذه اخبارِ آحَادٍ لايعوّل عليها قلنا فأتوا بخبرٍ واحدٍ يوافق قولكم مسند اَوْ غير مسندٍ مع انّا قلنا لكم انّ احاديث لتركبنّ سنن من كان قبلكم الخ ، ممّا اتّفق علي صحة معناها جميع المسلمين و اللازم من ذلك نصّ القرءان الموجود علي تغييره باسقاط و تبديل و تقديم و تأخير و تأويل علي غير مراد الله و غير ذلك خرج منه الزيادة فيه من غيره من الايات [ص 51] و الكلمات باجماع المسلمين و انّ الموجود قرءان لا شكّ فيه و بقي ما سوي هذين داخلا فيما نصّ عليه هذا القرءان من وقوع ذلك في كتب الامم الذين قبلنا و راجع ما مضي و امّا قولهم ان اللّه سبحانه يقول و انه لكتاب عزيز لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه فليس فيه دلالة علي مدّعاهم لان اسقاط بعضه لايلزم منه تطرّق الباطل علي الباقي منه لانّه حق و لو قيل يتطرّق الباطل علي المجموع من حيثُ هو مجموع قلنا انّما يتطرق علي المجموع لو قلنا بان ما اسقطوه ذهب و امّا اذا كان محفوظاً عند اهله فلايلزم منه ذلك فانّه مثل ما لو اتّخذتَ من هذا الموجود انتَ وحدك بعض سورة و تركتَ الباقي فانه لايضرّ الباقي و هو موجود عند غيرك علي انّ المراد من معني هذه الاية انّ القرءان لايكون فيما اخبر به عما مضي و عمّا يأتي شيء مخالف للحق ففي التفسير لاياتيه الباطل من قبَل التورية و لا من قبَل الانجيل و الزبور و لا من خلفه اي لايأتيه من بعده كتاب يبطله و في مجمعالبيان عنهما عليهما السلم ليس في اخباره عما مضي باطل و لا في اَخْباره عمّا يكون في المستقبل باطل بل اَخباره كلّها موافقة لمخبراتها ه ، و كذلك قوله تعالي انّا نَحْنُ نزّلنَا الذِّكرَ و انّا لَهُ لَحافظُونَ فانّ اسقاط بعضه عند اناسٍ لاينافي كونه محفوظاً عند آخَرٖين وَ ليس المراد انه لايجوز ان يقال بانه سقط منه شيء لانه يخالف الاية و يلزم منه تكذيبها كما في متن السؤال لانّك يمكنُكَ انت اَنْ تُسْقِطَ منه شيئا و لايلزم منه ذلك لان المراد من الاية مثل المراد مِنَ الاولي وَ اِنْ اُرِيدَ تأويلها علي هذا المعني فهو الأن [ص 52] محفوظ عندهم عليهم السلم و لميذهب المحذوف منه من الوجود ليكون غير محفوظ و امّا عَرض الخبر المروي علي كتاب الله الخ ، فنقول ليس المراد به العرض علي جميع آياته بل علي ما يصلح عليه العرض و الذي امر بالعرض عليه هو الذي اخبر باسقاط بعضه فلمَ لاتقول لعلّه انّما امر بالعَرْضِ لعلمِهٖ بانّ ما يحتاج الي العرض علي الكتاب من الخبرين المختلفين يُبَيِّنُه الموجودُ من القرءان بالعرض عليه و ما لايبيّنه الموجود من القرءان امر بعرضه علي السنّة او علي ما عليه العاۤمّة اَوْ لَعلَّ المعروض عليه من هذا القرءان الموجود لميكن مغيّرا و مجرد الاسقاط لايوجب عدم جواز العرض لجواز ان يكون ما اسقط لايتعلّق به عرض شيء عليه او ما يتعلّق به من العرض تقوم السنة مقامه فيه او العرض علي ما عليه العاۤمّة بل ربما يكون هذا راجحاً من جهة انّ القرءان فيه ماكان حديثا يفتري و لكن تصديق الذي بين يديه و تفصيل كلّ شيء فلمّا اخبر سبحانه بان القرءان فيه تفصيل كل شيء و رأينا اكثر الروايات المختلفة لايمكن عرضها عليه و لايوجد فيه تفصيلها حصل لنا قطع بمعونة تلك الاخبار المتكثرة انّه لو وجد كلّه لاغني في عرض جميع الاخبار المختلفة عليه عن السنّة و عن العرض علي مَذاهِب العاۤمة لانّه تفصيل كلّ شيء و الّا لَماكانَ فيه تفصيل كلّ شيءٍ لانّ ما لايغني عن غيره كان خاۤصّ النفع وَ مَا كٰانَ خاۤصّاً لايخبر عنه في القول الحقّ اَنّه عاۤمّ فاخبار التحريف موافقة للكتاب و مصدّقةٌ لَهُ عِنْد اُولي الالبٰاب و امّا الاجماع فهو داۤئر بين انْ يكون مَنْقُولاً اَوْ مُحَصَّلاً خاۤصّاً لوُجُودِ المُخَالِف في [ص 53] كلِّ آنٍ مِن زمَنِ الائمّةِ عليهم السلام الَي هذا الٰانِ و ان اختلفت الشهرة باختلاف الازمنة و المنقول يجوز ان يكون منقولاً عن اجماعٍ محقّقٍ و هذا علي فرضه و وقوعه في الظاهر يكون حجةً و مصادِماً للمخالِف و في الحقيقة قد يكون وجود المخالف بعده و كثرته و قوّة دليله ناقضاً لذلك الاجماع لاحتمال انْ يكون اصل منشأ القول المخالف من اتمام الامام عليه السلام لما نقص المؤمنون او ردّهم عمّا زَادُوا بقرينة قوّة الدَّليلِ و لمٰا ثبتَ عند المحقّقين من جواز تعاكس الاجماعَيْن في بعض صُور الاجماع المركّب و من جواز انقلاب الاجماع الظاهر و ان كان نادر الوقوع كما اشرنا الي ذلك في رسالِتنا الموضوعة في الاجماع و قولي في الظاهر لاحتمال ان تكون قطعيته حصلت من التّسامح (ظ) لا من قطعية الدليل بنفسه فانّها اذا حصلت من قطعية الدليل بنفسه اضمحلّ الخلاف لان قطعية الدليل بنفسه لايجتمع مع ضدّه الّا نادراً لتغيّر القطع بقوّة الاحتمال المتجدد و لايكون الّا في وقت متباعدٍ عن وقت الاوّل او صِقْعٍ نٰاۤءٍ عن مكان الاوّل بحيث لايكلّف المستَنْبط الاطّلاع عليهما و يجوز ان يكون منقولاً عن اجماع محصّل خاۤص و هذا مع ثقة الناقل و سلامته من الاحتمال الاوّل لايزيد علي خبر الثقة و ان كان لو انفرد الخبر الصحيح معه كان ارجح من الخبر كما هو الظاهر لكنه لايقاوم الفي حَديث معتضدة بلزوم نصّ القرءان كما تقدّم مع ان اكثرها صحيحة يشهد العقل السّليم من الشبه لها و المراد بالشبه ما بيّنّا كثيراً مّا في اجوبتنا و مباحثاتنا ان العلماۤء اذا كان المباحث لهم مخالِفاً لهم علي اربعة اقسام : قسم يسلك [ص 54] طريق المكابرة و العناد و مثل هذا لايوفّق للصواب و السداد و قسم ليس كذلك و لٰكنه ربّما اعتادَتْ نفسه بشيء و انِست به فاذا حصل له ما ينافيه مٰالَتْ نفسه و ربّما يكون من حيث لايشعر بالاعتياد الي صرفِ ما يُخَالِفُ ما اَنِسَ به و تاويله و هذا كذلك و ان كان اخفّ تقصيراً من الاوّل و قسم ليس كالاوّلين و لٰكنّه مطمئنّ الي قواعِدَ عنده يعتمد عليها فيقبل ما يوافقها و ينكر ما يخالفها و هذا ايضاً كثير الخطأ و لايكاد يهتدي الي سواۤء السبيل لانّه ربّما كان الغلط و الخطأ في قواعده الّا اذا كانت قواعدُهُ واقعيّة اِمّا من كتاب مُجمَعٍ علي تأويله او سنّة عن النبي صلّي الله عليه و اله لا اختلافَ فيها او قياس تعرف العقول ه ، يعني انّ العقول متّفقة علي قبوله كما رواه في الاختصاص عن محمد بن الزبرقان الدامغاني عن موسي بن جعفر عليهما السلم و لا شك في صوابه حينئذٍ و قسم ليس كالاوّلٖين بل هو بعد ما مارسَ العلوم و تأدّبَ بٰاداب الروحانيين حصل له عقل اكتسابي و فهم طبعاني فاذا القي اليه الكلام نظر فيه بفهمه و تدبّر معني المراد منه غير ملتفتٍ الي ما اعتادت به نفسه و لا الي قاعدة عنده بل ينظر نَظَر المتدبّر و يستمع استماع المتفهّم المتعلّم فهذا هو الذي يصدق عليه قوله تعالي و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبُلنا و انّ اللّه لمع المحسنين ، فالعقل السالم من الشّبه الثلاث يشهد بما قلنا بل يجوز ان يكونَ منقولاً عن الاجماع السكوتي و ما اشبه ذلك و لاجلِ هٰذَا اشترط بعضهم الاطِّلاعَ الابتِدَاۤئي ليرتفع الاحتمال و يتبيّن الاِجْمَالُ و المحصّل الخاۤصّ لايرفع الاختلاف بل يجوز لمَنْ لميحصّله معارضتُه كما دلّ [ص 55] عليه خبر الاختصاص عن الكاظم عليه السلام حيث قال فيه فما ثبتَ لمنتحليه من كتاب مُجْمَعٍ علي تأويله او سنّةٍ عن النبي صلي الله عليه و اله لا اختلاف فيها او قياسٍ تعرف العقول عدلَه ضاق علي مَن انتحلَ تلكَ ردّها و وجب عليه قبولها و الديانة و الاقرار بها و ما لميثبت لمنتحليه من كتاب مستجمعٍ علي تأويله او سنّةٍ عن النبي صلّي الله عليه و اله لا اختلاف فيها او قياسٍ تعرف العقول عدله وسِع خاۤصُّ الامّة و عاۤمّها الشكّ فيه و الانكار له الحديث ، الّا انه اذا حَصَلَ لَهُ دليل معارض له حيث تعتبر المعارضة نُظِرَ فيهما بعين الترجيح وَ قَدْ شاعَ في كتبِ الاصحاب في مَواضِعَ كثيرة الحكم في مُقابلة الاجماع المنقول لقوّة الدليل المعارض له و ترجيحه بل ربّما يكون بعضهم يحصل له ترجيح في مقابلة الاجماع المنقول باحْتِمَالٍ يجري علي خاطره يُرَجّحُ به دليله عليه لانّه عندهم دليل مرجّحٌ لِلدَّلٖيلِ او دليل يَتَرجَّحُ بدَلٖيل لا انّه دليل مستقلّ وحدَهُ بدون شيء يعضده غالباً لقيام الاحتمال كما مر و ان كان هو بحكم الخبر الواحد و اصرح من الخبر لعدم الاحتمالات المنافية لدلالته المتطرّقة الي الخبر الّا انّه غالباً لايستعملونه دليلاً تاماً مستقِلاً و الا لميكن خاۤصّا بل كان محَقّقا و لهذا لاتكاد تجد حكماً من احكامهم ليس له دليل الا خصوص الاجماع المنقول بل لا بُدَّ معه من رواية او اعتبار شرعي و ليس لانه غير حجّة بل لما يتطرّق اليه من الاحتمالات في النقل بِمَ يثبت به و مَا المنقول هل هو المحقّق ام المحصّل الخاص ام عاۤمّ ام غير ذلك حتي انّه قد يكون اجماعانِ في زمنٍ واحد متقابلانِ و لايكونانِ [ص 56] محقّقَيْنِ قطعاً كما نقل عن الشيخ ظاهر الاجماع علي جواز الصلوة في فرو السنجاب وَ عن ابن زهرة في الغنية ظاهر الاجماع علي المنع من الصلوة فيه و هما مُتعاصرانِ و بالجملة ليس حيث نقل الاجماع تعيّن به الحكم كما سمعتَ من مثل اجماعات ابنادريس و السيد المرتضي حتّي انه نقل عنه تسعة اجماعات في تسع مساۤئل لميعلم بها قاۤئل بل مذهب الفرقة المحقّة علي خلافها و الاصل انّه اجماع حصّله هو مستنبَطاً لميجده غيره فاذا وقفتَ علي ما في الادلّة الاربعة التي اشرنا اليها فيما نحنُ فيه تبيّن لكَ صحّة ما قلنا و ما نصره الشيخ ابوعلي الطبرسيّ رحمه اللّه من عدم التغيير منتقِض بما ذكرناهُ و بما قرّره هو في مجمعالبيان في مواضع كثيرة من تغيير الكتب السابقة و حذف كثيرٍ منها كما في التورية و الانجيل المستلزم لصحة تغيير كتابنا بنصّ الاخبار المجمع علي العمل بها من جميع المسلمين فاذا تفهّمتَ ما اشرنا اليه ظهر لك مطابقة الرواية للاية و عدم المنافاة بينهما و الله سبحانه يقول الحق و هو يهدي السبيل .