قال سلمه اللّه : قال الله كل شيء هالك الّا وجهه و في الحديث القدسي يا بني ادم خلقتم للبقاۤء لا للفناۤء ، بِمَ يُجمع بين الكلامين المتنافيين .
اقول امّا الٰاية فللهالك ثلاثة معانٍ و للوجه ثلاثة معانٍ و للضمير في وجهه معودان امّا الهِلاك فيطلق علي الموت الذي هو مفارقة الروح للجسد و المعني كل شيء ذي روح فهو ميت كما قال تعالي أفأن مُتَّ فهم الخالدون كل نفس ذاۤئقة الموت ، و الثاني يطلق علي تفرّق الاجزاۤء و بطلان التركيب فتفرّق الاجزاۤء كما في الاجساد فانّ اجزاءها تتفرّق في [ص 57] التّراب و تبقي في القبر محفوظة مستديرة كما تبقي سحالة الذهب في دكّانِ الصاۤئِغ غير مشاهدة و لا محسوسة حتي يصفّيها و تخرج تامة فهي باقية غير فانية و لاترجع الي العدم كما توهّمه بعضهم بل تبقي في قبره مستديرة يعني مترتبة علي ترتيبه في حال الحيوة فاجزاۤء الراس فوق اجزاۤء الرقبة و اجزاۤؤها فوق اجزاۤء الصدر و اجزاۤؤه فوق اجزاۤء البطن و هكذا و بطلان التركيب يكون في الارواح فانها حين قبضها الملك من الجسد خرجت حيّة الي نفخة الصور الاولي نفخة الصعق و هي في الحقيقة مركّبة من ستة اشياۤء كما هي الأن فاذا نفخ اسرافيل في الصور انجذبت الي ثقبها الخاۤصّ بها و فيه ستّة مخازن فاذا دخلت في ثقبها خلعت شبحَها و مثالها الذي هو القالب في المخزن الاول و المادة في الثاني و الطبيعة في الثالث و النفس في الرابع و الروح في الخامس و العقل في السادس و بطل فعلها و حركتها و ذلك بين النفختين و هي اربعمائة سنة فاذا نفخ اسرافيل عليه السلام نفخة البعث و الحيوة للحشر دفعت النفخة العقل فاتّصل بالروح و هما بالنفس و هي بالطبيعة و هي بالمادة و الجميع بالقالب فحييَتْ و نزلت الي جسدها و ولجته و خرج الشخص الي المحشر فهذا التفرق و البطلان هو الهلاك الثالث هلاك الدّين و المعني كلّ شيء هالك و باطل الّا وجهه اي كلّ دين باطل الّا دينه او كلّ شيء هالك الّا دينه و باطل او هالك في الدين و باطل فيه الّا دين اولياۤئه و اتباعهم الذي هو دينه اَوْ الّا اولياۤؤه و اتْباعهم فانهم ناجون في الدين و وجهه اولياۤؤه و امّا الوجه فيطلق علي الذات المقدّسة من باب تسمية [ص 58] الكل باسم الجزءِ و المعني كل شيء فانٍ الّا الله تعالي الثاني يراد بالوجه اولياۤؤه عليهم السلام اي كل شيء هالك الّا اولياۤؤه عليهم السلام الثالث يراد بالوجه الاصل اي كل شيء هالك الّا اصله الذي خلق منه ليخلق منه كما خلق اوّل مرة و امّا الضمير فيعود الي الله او الي الشيء و بيان ما اجملنا و تفصيله علي الاوّل من الهلاك انّ كلّ ذي روح تفارق روحه جسده الّا ذاته سبحانه لانّه احدي المعني ليس بمركب فيتغيّر بل ذات بسيطة بَحتٌ لا كثرة فيها لا في الواقع و لا في الفرض و الاعتبار هذا علي ان الوجه هو الذات تعالي و علي انّ الوجه هم اولياۤؤه عليهم السلام يكون المعني كل ذي روح تفارق روحه جسده مفارقة بطلان بحيث لايبقي لهم شعور في حال الّا محمد و اله صلي الله عليه و اله فانهم اذا ماتوا لميموتوا بهذا المعني و اذا قتِلوا لميقتلوا بهذا المعني بل اذا ماتوا او قتلوا فارقت ارواحهم اجسادهم مع الادراك و الشعور لهم و لهذا روي انّ رأس الحسين عليه السلام و هو علي سنان سنان النخعي لعنه الله كان يقرأ القرءان و كذلك ارواحهم و كما هو معروف بين ارباب الحديث و العلماۤء انّ عليا عليه السلام يحضر جميع الاموات عند الموت و عند الحساب في القبر و هو مقتول لعن اللّه عبدالرحمن بن ملجم و ذلك في حياتهم التي عند ربّهم و انّك الأن تزورهم فاذا سلّمتَ عليهم صلي اللّه عليهم سمعوا كلامك و ردّوا عليك سلامك و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان ميّتنا اذا مات لميمت و ان مقتولنا اذا قُتِل لميقتل يعني به انّ ميّتنا و مقتولنا ليس كساۤئر الناس اذا مات احدهم او [ص 59] قتل كان كالحجرة لايشعر بشيء بل نحن اذا متنا او قُتِلنا ندرك في حال الموت ما ندرك في حال الحيوة الّا اشياۤء لمصالح المكلّفين و لذلك لمّا مات النبيّ صلي الله عليه و اله و اخذ علي عليه السلام في تغسيله كان صلي الله عليه و اله يقلّب نفسه علي المغتسل لايحتاج الي من يقلّبه و هذا معني ظاهر لايحتاج الي زيادة البيان و علي ان الوجه هو الاصل يكون المعني كل شيء ذي روح تفارق روحه جسده الّا اصله الذي خلق منه اوّل مرّة فانّه باقٍ من غير مفارقة و هو في اللوح المحفوظ حتي يُخْلَقَ منه كما خُلِقَ اوّلَ مرّة و اليه الاشارة بقوله تعالي كما بدءكم تعودون و قوله تعالي قد علمنا ما تنقص الأرْضُ منهم و عندنا كتاب حفيظ يعني انّ عِلْمَنا بما تنقص الأرض منهم في كتاب حفيظ مثل قوله قال عِلْمُهَا عند ربي في كتاب لايضلّ ربّي و لايَنسي ، و علي المعني الثاني من الهلاك ان كلّ شيء تتفرّق اجزاۤؤه و يبطل تركيبه الّا ذاته سبحانه لعدم تجزّئه و عدم تركيبه بكل اعتبار و علي ان الوجه اولياۤؤه عليهم السلام ان كل شيء تتفرق اجزاۤؤه و يبطل تركيبه الّا محمد و اله صلي الله عليه و اله فانهم باقون باللّه سبحانه فانّ اجسادهم لاتأكلها الأرض لان الله تعالي حرّم لحومهم علي الأرض بل علي كمال تركيبها باقية في قبورهم و انما لميرها البشر في الدنيا لانهم خلعوا البشريّة الكثيفة التي رأوهم بها في الدنيا لانّ تلك البشرية تحدث من هذه العناصر من الطعام و الشراب فاذا خلعوها لمتدركها ابصار اهل الدنيا و هو المعبّر عنه في اخبارهم عليهم السلم برفعهم الي السماۤء الي ثلاثة ايام من دفنهم اوْ اربعين يوما علي اختلاف الروايات لا انّهم يرفعون و تكون القبور خالية و كيف ذلك و هم انّما يحشرون منها و ان نوحاً عليه السلام اخرج [ص 60] عظام ادم عليه السلام او جسده علي اختلاف الروايتين و كان بين اِخراجهٖ و بين موته علي ما نقله المسعودي في مروجالذهب الف سنة و خمسمائة سنة و اربععشرة سنة و موسي عليه السلام نقل عظام يوسف عليه السلام و بينهما تقريباً نحو من اربعمائة سنة و كذلك ارواحهم عليهم السلام روي انّها لاتبطل بين النفختين كما تبطل ارواحُنا بل روي انهم عليهم السلام باقون علي حالهم الأن بعد موتهم الي يوم القيمة لايجري عليهم عليهم السلام من البطلان ما يجري علي الخلق و علي ان الوجه هو الاصل ان كل شيء يعني في عالم الخلق تتفرق اجزاۤؤه الّا اصله الذي في اللوح المحفوظ فان تركيبه باقٍ الي ان يخلق منه و علي المَعْني الثّالِث مِنْ اَنَّ المُرَادَ بالهَلاكِ هلاك الدّٖينِ فعلي اَنَّ المراد بالوجه الذّات المقدّسة عز و جل يكون المعني كلّ دينٍ او كلّ شيء في دينه هٰالك الّا دين الله تعالي و دين اولياۤئه الذين قاموا بدينه و امتثلوا اوامره و اجتنبوا نواهيه و علي ان المراد بالوجه اولياۤؤه فالمعني قريبٌ ممّا قبله لانّ دينهم دين اللهِ و دين الله دينهم و علي انّ المراد بالوجه وجه الشّيء و اَصْلهُ يكون المعني كلّ شيء هالك دينه الّا اصله الثابت في اللوح المحفوظ و معلوم انّ الاصل ان كان ثابت الدين في الاصل كانَ هُوَ ثابتاً فيَكونُ المعني كلّ شيء هالِكٌ في دينه الّا الشيء الذي اصله ناجٍ في دينه فانّه ناجٍ و بقي لِلهَلاكِ معني و هو الفناۤء و التناهي و عليه يتعيّن ان يكون المراد بالوجه الذات المقدسة اذ كلّ شيء متَناهٍ غيره تعالي و اليه المنتهي فهو قبل كلّ شيء و بعد كل شيء [ص 61] و لكن لايلزم من تناهي الاشياۤء فناۤؤها لِيُقَال تبطل الجنّة و النار و اهلهما لان الامكان خلقه اللّه تعالي غير متناهٍ في نفسه و ان كان عند الله متناهياً لانّ عَدم تناهي الممكن لاينافي عدم تناهي الواجب فيقال انه مشارك له بل هو تعالي لايتناهَي وراۤء ما لايتناهَي بما لايتناهَي فالاشياۤء باقيةٌ ببقاۤئه سبحانه و لا نهايةَ لٰاخِرها في الامكان لان الامكان غير متناهٍ في الحدوث و هو سبحانه غير متناهٍ في الازل و محيط بالحوادث الّتي تتناهَي فمعني فناۤء الاشياۤء تناهيها في حكم الازل و امّا في انفسها فهي باقية في اماكنها فقوله و انّما خُلِقتُمْ للبقاۤء ، يرادُ منه انّكم خلقتم للبقاۤء باَسْبَابِه و هو انّكم لمّا كنتم في هذه الدنيا مخلوقين للتكليف لا للبقاۤء فيها لانها فانية خلق فيكم اسباب التغيير و الانتقال عنها الي دار البقاۤء و هي ممازجة العناصر المركبة لاجسامكم لانّها اسباب التلاشي و الفناۤء لتنتقلوا من دار الفناۤء الي دار البقاۤء ففناۤؤكم في هذه الدار كسركم فيها لتتخلّصوا من اسباب الفناۤء ليحصل لكم البقاۤء بالتصفية كما قال ارسطو للدهري الذي سأله فقالَ لِمَ خلق ربّكم هذا العالم فقال ارسطو لايسعه اللّم و انما خلقه كرماً فقال اذا كان علّة ايجاد هذا العالم كرمه اذا ابطله فقد ابطل كرمه فقال ارسطو انما كسَرهُ ليصوغه الصٖيغةَ التي لاتحتمل الفَسادَ ه ، و يريد ان هذا التركيب الذي ظهر به ابنادم في هذه الدار لايصلح للبقاۤء لممازجة العناصر و الاعراض له في تركيبه المقتضية للتغيير و الامراض لان هذا التركيب هو المناسب للتكليف في الدار الفانية فلمّا اراد ان ينقله الي دار البقاۤء المستمر و الثبات الداۤئم كسَره بان اماته فاقبره في الأرض حتي تأكل الأرض جميع ما فيه من الاعراض و التراكيب [ص 62] الفاسدة و يتخلّص من جميع اسباب الفناۤء كما ان الصاۤئغ اذا كان عنده ذهب ممتزج بالنحاس وضعه في الكور او في المياه الحلّالة حتي يتخلّص من جميع الاجزاء النحاسيّة ثم يعمل به ما شاۤء من الحلي و ليس وضعه في الكور و كسره و اذابته افناۤء له بل تطهير له من اسباب الفناء ليصلح للبقاۤء فكذلك الانسان خلقه الله للبقاۤء الابدي و لكنه لايكون الّا بالاعمال فانزله في دار التّكليف و هي دار فانية متلاشية فلو ابقاه علي صفاۤء اصلِ خلقته لكان باقياً في دارٍ لاتبقي فيختلف المقتضيان فجعل فيه تركيب العَناصر و الاعراض الفانية لتكون سبباً لانتقاله من دار الفناۤء الي دار البقاۤء و هو حينئذٍ لايحصل لدار البقاۤء الّا بالتصفية من تلك التراكيب المقتضية للتغيير فهذا الفناۤء و الهلاك غير منافٍ لخلقِهم للبقاۤء بل هو مِنْ اَسْبَابِ البَقاۤءِ لانه لتصفيته منها و لو اُرِيدَ انّهم خلقوا للفناۤء لكان يخلعون لباس الكون فيرجعون الي الامكان و لمّا كان الفناۤء الطاري عليهم بحكم الله سبحانه انّما هو نقض التركيب و تفرّق الاجزاۤء و هي محفوظة في الكتاب و كان المراد بالفناۤء انما هو التصفية من اسباب الفناۤء الموجبة لعدم البقاۤء كانت التصفية من مقدّمات البقاۤء فلميكن بين الاية و الرواية منافاة و الله سبحانه ولي التوفيق و الحمد لله رب العالمين و لا حول و لا قوّة الّا بالله العليّ العظيم و صلّي الله علي محمد و اله الطاهرين و كتب العبد المسكين احمد بن زينالدين بن ابراهيم الاحساۤئي المطيرفي في غرّة جميٰديالاولي سنة الثلاثين بعد المائتين و الالف من الهجرة النبويّة علي مهاجرها و اله افضل الصلوة و السلام حامداً مصلّيا مسلّما مستغفراً .