[ص 1]

رسالة في جواب الشيخ محمدمهدي بن الملا شفيع الاسترابادي

عن عشر مسائل منها ما سأل عن طهارة طين الطريق

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و اله الطاهرين .

امّا بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي انه قد ارسل اليَّ جناب الشيخ المهدي الشيخ محمدمهدي مساۤئل اراد كشف النقاب عن وجوهها و كنت في شغل عنها و عن غيرها لموانع من الاعراض و الامراض تصدّني عن التوجه الي شَيْء و لكن لمّا التزمتُ اجابته فيها الزمتُ علي نفسي ما يتسهّل من الجواب اذ لايسقط الميسور بالمعسور و الي اللّه ترجع الامور .

قال سلمه الله : قد اشتهر بين اصحابنا الحكم بطهارة طين الطريق اذا غلب علي الظن نجاسته لان الاصل يقتضي الطهارة مع ان الظاهر يشهد بالنجاسة و ذهب العلّامة في النهاية الي العمل بالظن الغالب عملاً بالظاهر و الحال انهم يحكمون في غسالة الحمام بالنجاسة عملاً بالظاهر ما وجه الفرق بين الصورتين .

اقول اختلف الاصحاب رضوان اللّه عليهم في ثبوت النجاسة بايّ شيء يحصل بعد اصالة الطهارة فالمفهوم من المنقول عن ابن‌البراج من عدم اعتبار الظّن مطلقا في اثبات النجاسة هو اليقين و ظاهر كلام العلّامة في المنتهي الاكتفاۤء بالظنّ المستند الي سبب شرعي فالعلم المذكور في خبر حماد عن الصّادق عليه السلام في قوله الماۤء كلّه طاهر حتّي تعلم انه قذر و في خبر عمار كل شيء نظيف حتي تعلم انّه قَذِر ه‍ ، عنده اعم من اليقين و الظاهر من كلامه ان السبب المعتبر هنا شهادة العَدْليْنِ لا العدل الواحد قال في المنتهي لو اخبر عدل بنجاسة الاناۤء لم‌يجب القبول امّا [ص 3] لو شهد عدلان فالاولي القبول و قوله في التذكرة ان استنَد الي سبب كقول العدل فهو كالمتيقّن و الّا فلا و الظاهر انه اراد به اذا كان مالكاً له كما قاله في المنتهي لو اخبر العدل بنجاسة اِناۤئه فالوجه القبول و استبعد البهاۤئي ما فهمه العلّامة من التعميم بناۤء علي انّ العلم لايفهم منه عرفاً الّا اليقين و جزم المحقق بعدم القبول بالعدل الواحد و جعل القبول بالعدلين اظهر و قال بعضهم شرط قبول العدلين اخبارهما بذلك لاختلاف العلماۤء في المقتضي للتنجيس و قال بعضهم شرط قبول خبر العدل بنجاسة اناۤئه ان يكون قبل الاستعمال اذ بعد الاستعمال لم‌يكن مالكاً ح للماۤء لذهابه بالاستعمال فيكون اخباراً بنجاسة مال الغير و اكتفي ابوالصلاح في الحكم بالنجاسة بمطلق الظّنّ سواۤء استنَد الَي سببٍ شرعيّ ام لا و الظاهر من هذه الاقوال هو ما ذهب اليه العلّامة في المنتهي من قبول الظنّ المستند الي سبب شرعي و هو شهادة العدلين و اخبار المالك و امّا غير ذلك فلاينقل الشيء عن حكم الاصل فانّه قد ثبت بيقين و لاينقض الّا بيقينٍ مثلِهِ لكن هذا حكم اقتِضاۤئي من الشارع و اذا اطلقه في جميع افراد الصور و كان فيها بعض الافراد خارجاً عن حكم الاقتضاۤء بحكم وضعي بان يكون لها مانع و المانع غالباً اقوي من المقتضي استثناه منها كما استثني في حكم الاقتضاۤء الكلي من قوله لاتنقض اليقين بالشك ابدا ثلاثة اشياۤء غسالة الحمّام و غيبة الحيوان و البلل المشتبه بالمنيّ فان المانع للاقتضاۤء في الاوّل ما تجد من نفسك و من غيرك في الحمّام من القاۤء النجاسات و عدم التحرز منها اعتماداً علي [ص 4] التطهير في الكثير فانه يحصل للمتنبّه المتفقد القطع بالنجاسة لكنك مع عدم التفقد عن بصيرة و عن غفلةٍ لايظهر لك الّا ان الطهارة ثابتة بيقين الاصل و انّ النجاسة مشكوك فيها و الشارع عليه السلم في التكليف بما يشتمل المكلّفين يجري الاحكام عن الله تعالي علي ما تعرفه العاۤمة فيكون ذلك عدلاً في العوام لعدم احتمالهم اكثر من هذا و رأفةً بالخواۤص و توسعةً لهم فضلاً منه عليهم و منه ليشكروا آلاۤئه علي ارادته اليسر بهم دون العسر و المانع للاقتضاۤء في الثاني ارادة الوسع بهم و التّخفيف عليهم و لم‌يجعل عليهم في الدين من حرج لعلمه تعالي بايمانهم و اجابتهم له حين حملهم علي المشاۤقّ فلمّا قبلوا خفّف عنهم و انزل لهم الايات لايُكلّف نفساً الا وسعها الخ ، و المانع للاقتضاۤء في الثالث انّ ما يشتبه به لايكاد يشتبه علي احدٍ اذا تنبّه لذلك و لٰكنّه لمّا جوّز المنافي حكم بالاشتباه و انما جوّز المنافي لعدم الانتباه و التفقّد او عدم البصيرة في معرفة الموضوع فلاجلِ ذٰلِك جَعَل الشّكّ يقيناً لان هذا الشك لم‌يحصل عن تساوي الطرفين و تعادلهما و انما نشأ ممّا قلنا و من مثله و من هذا النوع السبب الشرعي فانّه لولا قبول شهادة العدلين لامتنع الحكم بين اثنين لعدم الاطلاع من الحاكم علي الغيب و علي الامور الواقعيّة فتتعطّل الاحكام و يختلّ النظام و هو اعْظم مفسدة من نقل الحكم باخبار العدلين عن يقين الاصالة و قد اتّفقت كلمتهم علي انّه لو كان الماۤء مبيعاً لازماً و شهد العدلان بنجاسته جاز ردّه بشهادتهما و ان كان الحاصل منها هو الظّنِّ و مثله اخبار المالك حال كونه مالِكاً فانّ ما [ص 5] اقامه الشارع الموصل للقاعدة مخرِجاً من حكمها مخصّصِاً لو لم‌يعتبر لانه مفيد للظنّ لم‌يعتبر المفيد لليقين لان الافادة منهما من حاكمٍ واحدٍ فيجب القبول منه و المحكم من القرءان ناطقٌ بمثل ذلك فيما لو شهِد ثلاثة بالزنا علي شخصٍ فانّهم كما قال تعالي فاذ لم‌يأتوا بالشهداۤءِ فاولۤئك عند الله هم الكاذبون فانه يجوز انّهم صادقون في نفس الامر و حكم عليهم انّهم عنده كاذبون لانهم ليسوا باربعة فاذا عرفتَ ما اشرنا به ظهر لك ضعف ما ذهب اليه القاضي و دلّ عليه كلام الخلاف و ظهر لك انّ المراد بالعلم في الاخبار هنا ما هو اعم منه و من الظن الشرعي و امّا اخبار العدل عن غير ملكه و ان افاد الظن كما ذهب اليه الحلبي فلاينقل عن الاصل المتيقن لان افادته الظّنّ من قراۤئن لم‌يرد عن الشارع عليه السلام اعتبارها و الّا لجري في جميع الاحكام كالعدلين فان قلت انّما لم‌يجر في الجميع كالعدلين لعدم اطّراد افادته فاذا حصلَتْ اعتبر قلتُ انّما منعنا منه لعدم الاطّراد لو كان الاطّراد معتبراً فامّا اذا لم‌نعتبره و لم‌يعتبره الشارع عليه السلام فايّ فائدة فيه لانّ الشارع نصب لليقين نظيراً يقوم مقامه و هو اخبار العدلين و ان لم‌يفد ظنّاً فان اعتبر القاۤئل بخبر الواحد الافادة قلنا هي لم‌يعتبرها الشارع في العدلين و لم‌يجعلها مناط القبول فكيف تكون مناطاً له من غير جعل الشارع عليه السلم و ان لم‌يعتبرها في الواحد فالواحد لم‌يَعْتَبِرْهُ الشّارع عليه السلم فافهم فاذا فَهِمْتَ هذا فطين المطر طاهر لانّ المطر مُطَهِّر فما اصابَهُ المطر فقَدْ طهر و في رواية الكاهلي عن ابي‌عبدالله عليه السلم في اٰخِرها قال كُلُّ شيءٍ يراه المَطر فقد طهُرَ و في الكافي و التهذيب و الفقيه [ص 6] عن ابي‌الحسن عليه السلام في طين المطر انه لا بأس به ان يصيب الثوب ثلاثة ايّام الّا ان يعلم انّه قد نجّسه شيء بعد المطر فاِن اصابه بعد ثلاثة ايّام فاغسله و ان كان الطريق نظيفاً فلاتغسله ه‍ ، اقول هذه الرواية صحيحة المعني و بيان ذلك ان قوله عليه السلام الّا ان تعلم انه قد نجّسه شيء بعد المطر ، ان اراد به اليقين فظاهر لان الظن علي هذه الارادة حكمه ساقط فيكون الطين طاهراً و ان غلب علي الظنّ النجاسة كما اشتهر و لا عيب فيه و ان اريد به الاعمّ فقد بيّنّا ان الظّن المستند الي سبب شرعي كالعلم و الاصحّ ثبوتُ النجاسة به و هو شهادة العدلين و اخبار المالِكِ حال التَّمَلُّكِ و ان اريد به مطلق الظنّ فقد بيّنّا ان الشارع لم‌يعتبره خصوصاً في مقام معارضة اليقين بل ينقلب شكّاً حينئذ كما في صحيحة زرارة فلايكون مخرجاً و ناقلاً عن اصل يقين الطهارة و قوله فان اصابه بعد ثلاثة ايّام فاغسله ، يحتمل ارادة الاستحباب و ارادة الوجوب و هذا الاحتمال يفهم من عبارة الحديث لا انّه منصوص عليه بارادة احدهما ليجب المصير اليه فان احتملنا الوجوب لم‌يكن احتمالنا الّا من لفْظ الامر مع قطعِ النظر عن كونه واقعاً بعد ما هو نص علي نفي الغسل و ان احتملنا الاستحباب اعتضد بكونه واقعاً بعد نفي الغسل و بفهم العقل اذ ليس يفهم انّ الدّاعي الي الغسل الّا كونه بعد ثلاثة ايّام و لايفهم من ذلك الّا انّه مظنّة لابواب ( لابوال ظ ) الدّواۤبّ و ارواثها و احتمال ملاقاة النجاسات و هي مؤيدات الاستحباب فاحتماله ارجح و لاسيّما ما يفهم من قوله الّا ان يعلم انه قد نجّسه شيء بعد المطر لانّه عليه السلم حصر [ص 7] الوجوب الغسل في العلم بالتنجيس بعد المطر خاۤصّة و امّا بعد الثلاثة الايّام فليس دٰاخلاً في التنجيس اذ هو طَورٌ آخر فيحمل علي الاستحباب لاحتمال النجاسة او الكراهة و الاحتمال و ان كان مساوياً او راجحاً هُنَا لايكون موجباً للنجاسة الّا عن السبب الشرعي لاعتبار الشارع عليه السلم له فهو بحكم امرِه بذلك و كذلك قوله عليه السلام و ان كان الطريق نظيفاً ، فانّه مرجّح لكون الامر بالغسل للاستحباب لان النّظافة يتبادر الي افهام اهل العرف منها النزاهة التي يقصد منها الاستحباب و الكمال و هي مقابلة لخصوص ذلك الامر بالغسل و المعني ان لم‌تكن نظيفة فاغسله و ان كانت نظيفة فلاتغسله فافهم لانّ مردّ ذلك كله الي انّ طين المطر لاينجس الّا بالعلم بالتّنجيس بعد المطر و الّا فهو طاهر مطلقاً و يكره بعد ثلاثة ايام للاحتمال المذكور و هذا هو الذي فهمه العلماۤء و يدلّ علي الطهارة مطلقاً الي ان تعلم النجاسة باليقين او الظن الشرعي ما رواه في الفقيه قال و سئل عليه السلام عن طين المطر يصيب الثوب فيه البول و العذرة و الدم فقال طين المطر لاينجس ه‍ ، و قوله سلمه الله مع ان الظاهر يشهد بالنجاسة ، قد قلنا فيه ان الظاهر هو المعتضد بالقراۤئن التي اعتبرها الشارع عليه السلام خاصّة و تثبت بها النجاسة و هي مختلفة بحسب مقامات الاصل فهُنَا شاهِدا عدلٍ او يقين مستند الي الحسّ او ما يقوم مقامه او بعد ثلاثة ايام في الكراهة حيث اعتبرها الشارع عليه السلام لانه حصر التنجيس هُنا بعد الطهارة في العلم و اقلّ مراتِبهِ الظنّ الشرعي لانه عليه السلام اقامه مقامه في مثل ما نحن فيه ففي الكافي و التهذيب عن [ص 8] الصادق عليه السلام في الجُبْنِ قال كل شيء لك حلال حتي يحكيك شاهدٰانِ يشهدانِ عندك انّ فيه ميتةً و فيهما عنه عليه السلام كل شيء لك حلال حتي تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبَلِ نفسِك و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سَرِقةٌ الي ان قال عليه السلام و الاشياۤء كلها علي هذا حتّي يستبين لك غير ذلك او تقوم به البيّنة ه‍ ، اقول و لا شك انّ الحكم واحد في المسئلتين بل و في غيرهما لصريح قوله عليه السلام و الاشياۤء كلها علَي هذا فافهم و امّا الفرق بين هذه و بين غسالة الحمّام فقد تقدّمت الاشارة اليه لانّ الظاهر انّ الظّاهر لايعارض الاصل الّا بمرجّحات يحصل منها ظنّ متاخم للعلم و الظنّ الغالب الذي ذكره العلامة (ره) في النهاية يراد منه هذا المتاخم للعلم لاجل قوّة القرينة كما اذا اتاك الفقير العريان و اَتيتَهُ ثوباً عتيقاً فان الظاهر انه صدقة و تمليك لقوّة القرينة من كونه فقيراً عرياناً و كونِ الثّوب عتيقاً قليل القيمة و هذا الظاهر بهذه القرينة مرجّح علي اصل ملكك للثوب بخلاف ما لو كان مَنْ اعطيته ليس محتاجاً و الثوب ذا قيمةٍ عالية فانّ الظاهر هنا لايرجّح علي اصل الملك او يراد منه الظنّ الذي اعتبره الشارع عليه السلام من اخبار المالك و من شهادة العَدْلَيْنِ و انّما صرنا في توجيه كلامه علي هذا لما علم من مذهبه في كتبه كما سمِعتَ سابقاً و ان فرضتَ انه اراد هنا من الظن ما هو اعم من الشرعي كما ذهب اليه ابوالصَّلاح قلنا قد مضي ما يدلّ علي نفيه و انّ الحقّ ما اخْتاره في المنتهي هذا حكم الفتوي و ان اردتَ الاحتياط بغسله عند [ص 9] حصول هذا الظنّ و قصدتَ الاحتياط الاستحبابي فلا بأسَ بل لاينبغي حينئذٍ تركه لكثيرٍ من الناس و لهذا امر الشارع بالغسل علي جهة الاستحباب بعد ثلاثة ايّام و السّرّ فيه و الله سبحانه و رسوله و اله صلي الله عليه و اله اعلم ان الندب الي غسله بعد ثلاثة ايّام لانه بعد الثلاثة ايام مظنّة لحصول الابوال و الارواث و بعض النجاسات او كثرة حصولها فقد يحصل لبعضِ المكلّفين هذا الظنّ فتضطرب نيّته في العبادات و يحصل له التردّد فيما يعتبر فيه الجزم حتي يغسل ما اصابه بل قد يحصل التردّد لبعض مَن يعلم عدم وجوب الغسل هنا و الشارع عليه السلام مريدٌ لاطمئنان نفوس المكلّفين كما في نظاۤئره من الاحكام كقوله عليه السلام في اثر الدم من الحيض بعد الغسل اصبغيه بمشقٍ و امّا قبل الثلاثة فحصول هذا الظنّ لبعض المكلفين قليل بالنسبة الي ما بعدها لقلّة مظنّة حصول الابوال و الارواث و النجاسات فالحمل عليه منه عليه السلام ربّما يكون هادِماً لما بني من طهارته بالمطر اذ ليس كل المكلّفين يفهمون فيلزم من ذلك مع مخالفته لما في الواقع الوجودي او التشريعي الحرج المنفي في هذه الشريعة السمحة .

قال سلمه الله : قد فسّر الاصوليون الحكم الشرعي بخطاب الله المتعلّق بافعال المكلفين او ما يقوم مقامه كالسنة مع انهما دليل شرعي للاحكام فيكون الفقه علي هذا هو العلم بخطاب اللهِ الحاصل عن خطابه المستفاد من تعريفه و هو العلم بالاحكام الشرعية عن ادلّتها فيتّحد الدليل و المدلول و هو فاسد .

اقول الفقه هو العلم بالاحكام الشرعية و الاحكام اوامر الله و نواهيه و هي خطابات علي حدة تتعلق بافعال المكلفين من حيث اتّصافها لذاتها بحسن او قبح و هذا العلم الذي هو العلم بها [ص 10] ليس ناشيا عنها انّما هو ناشٍ عن خطابات اخر ليست احكاماً و لم‌تتعلق بافعال المكلفين من تلك الحيثية و انّما هي ادلّة ترشد المستوضح المستنبط الي تلك الخطابات التي هي الاحكام و تبيّنها و هي غيرها فان هذه هي الادلّة الّتي نشا العلم بالاحكام عنها فان الامر للوجوب مثلاً كقوله فليحذر الذين يخالفون عن امره ليس هو قوله تعالي اقيموا الصلوة و لا قوله صلّي الله عليه و اله صلّوا كما رأيتموني اصلّي ، فلم‌يتّحد الدليل و المدلول علي ما في السؤال و ليس الخطاب المستفاد من تعريفه هو الخطاب الذي هو الدليل بل هما متغايران فلايلزم الاتّحاد ثمّ اذا عرفت هذا فنقول ليس كلّما اتّحد الدليل و المدلول كان فاسداً و انّما يكون فاسداً اذا كانا في نفس الامر متغايرين و حكم بالاتّحاد في المتغايرين او لزم من فرض الاتّحاد توقف كلّ من المتغايرين علي الاخر لا مطلقا و لذا قالوا ان الحدّ عين المحدود مفصلاً يعني ان الشيء من حيث الاجمال محدود و من حيث التفصيل حدّ لا انهما متغايران و قد قال الشيخ جواد في شرح الزبدة بعد ذكر ان الحد عين المحدود لايقال ان الحدّ ليس عين المحدود و انما هو مغاير له كيف و المحدود مجمل و الحد مفصل فاين تحصيل الحاصل لانّا نقول المغايرة هنا انما هي في الملاحظة فقط و اما الملحوظ فهو شيء واحد انتهي ، و الحد دليل و المحدود مدلول هذا عَلَي ما يظهر و الحاصل انّ اتحاد الدّليل و المدلول ليس فاسداً مطلقا فافهم و هُنا كلامٌ دقيقٌ ليس هذا محلّه و لايحسن ذكره .

قال سلّمه اللّه : ما معني قول العلماۤء ان كلمة لا اله الّا الله منطبقة علي جميع مراتب التوحيد و ما كيفيّة تركيب كلمة الشهادة علي طريقة النحاة الّتي لايتّجِهُ عليها شيء من المفاسد اصلاً .

[ص 11] اقول اعلم ان مراتب التوحيد اربعة توحيد الذّات و توحيد الصّفات و توحيد الافعال و توحيد العبادة فاذا قلتَ لا اله الّا الله يَعْني ليس هو الهين كما قال الله تعالي و قال الله لاتتّخذوا اِلهَيْن اثنَيْن انما هو الٰه واحِدٌ اي ليس له ضدّ و هذا توحيد الذّات و يعني انه لايشابهه شيء في صفاته قال الله تعالي ليس كمثله شيء اي ليس له ندٌّ و هذا توحيد الصفات و يعني انه ليس له مثيل في افعاله و لا شرك لاحد في مخلوقاته قال تعالي اَرُوني مَا ذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات و قال هذا خلق الله فاَروني ما ذا خلقَ الّذينَ مِنْ دُونِهٖ اي ليس له مثل في افعاله وَ هٰذا توحيد الافعالِ و يعني انه ليس له شريك في عبادته قال تعالي و لايشرك بعبادة ربّه احداً اي انّه متفرّد بالعبادة و ما سواه كلّهم عباده فاشراك احدٍ منهم في عبادتِهٖ تعالي اِتّخَاذٌ له انّه الٰهٌ و هذِهٖ الكلمة الشّرِيفة نافية لكل اله الّا الله لانّ اله نكرة في سياقِ النّفي مُتَضمِّنة لمِنْ و الاصل لا مِن الهٍ فكانت للعموم المؤكّد لوقوعها بعد لاء البترية و تضمّنها لَمِنْ ففي الركن الاوّل يعني توحيد الذات مَنْ جَعل انّ الازل شيء غير اللّهِ كما يتوهّمه كثيرون انّه فضاۤء قديم و الله تعالي فيه فليس بموحدٍ للذّات و كذلك مَن قال بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء و كذلك مَن قال بانّ معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته بخلافِ ما لو قال ليس فاقداً في مُلكه فانه حقّ و كذلك مَن قال انّ الاشياۤء حاصلة له تعالي حاضرة لديه في الازل حصولاً جمعيّا وحدانيّا غير متكثر و لا متغيّر و كذلك مَن قال انه مبدءُ الفيض و هو ظاهر علي ذاته بذاته فله الكلّ من حيث لا كثرة فيه فهو من حيثُ هو ظاهر يقال الكلّ من ذاته فعلمه بالكل بعد ذاته و علمِه بذاته و يتّحد الكلّ [ص 12] بالنسبة الي ذاته فهو الكلّ في وحدةٍ كما نقلوه عن الفارابي و امثال هذه المقالات الفاسدة فكل مَن قال بشيء منها فليس بموحّدٍ للذّاتِ و في الركن الثاني يعني توحيد الصفات مَن جعل ان الاشياۤء من ذاته تعالي كالشعاع من المنير فليس بموحدٍ في الصّفات و خالف قوله تعالي ليس كمثله شيء لانه جعل السّراج مثلاً له ، تعالي اللّه و كذلك كل مَن وصف علمه بوصفِ علمِنا فقال انّ علمه الذاتي مطابق لمعلوماته كعلمنا و مقترن بها كعلمنا لان علمنا مطابق للمعلوم و الّا لم‌يكن علماً به و مقترنٌ به كذلك او وصف قدرته باوصاف قدرتِنا كما قال الصادق عليه السلام في دعاۤء ركعتي الوتيرة بعد العشاۤء : بدَتْ قدرتُك يا الهي و لم‌تبدُ هيئةٌ يا سيدي فشبّهوك و اتّخذوا بعض اياتك ارباباً يا الهي فمن ثَمّ لم‌يعرفوك ، و كذلك حياته و سمعه و بصره و ساۤئر الصفات الذاتية لانها عين ذاته فلاتوصف باوصاف خلقه تعالي فكلّ مَن وصف صفاته الذاتيّة بصفاتِ خلقه فليس بموحدٍ في الصفات و في الركن الثالث يعني توحيدَ الافْعَال مَن زعم انّ احداً من جميع خلقه يفعل شيئاً بالاسْتِقلال بان يحدث ماۤدّةَ مصنوعِهٖ من غير ما خَلَقَ اللّٰهُ فهو مُشْرِكٌ يعني ليس بمُوَحِّدٍ في الافعال و ذلك لان جميع الفاعلين من خلقه انما يفعلون بما خلق فيما خلقَ كالنجّار فانه يعمل بالحديد الذي خلقه الله في الخشب الذي خلقه الله بالقوي الّتي خلقها الله و التمييز الذي خلقه الله و لهذا قال تعالي هل من خالق غير اللّه ، و في الركن الرابع يعني توحيد العبادة ان كلّ مَنْ عبد غير الله او مع الله او توكّل عليه او اعتمد عليه او رجاه او خافَهُ الّا للّه اَوِ انقادَ له لا لِلّهِ فليس بموحّدٍ في عبادة ربّه تعالي و منه قوله تعالي أرأيتَ مَنِ اتّخذَ الهه هويٰهُ فسمّي اتّباعَ هويٰه الٰهاً فكل من [ص 13] فعل شيئاً ممّا ذكرنا في الاركانِ الاربعة فانه لم‌يصدق عليه في الحقيقة انّه قام بمعني لا اله الّا اللّه و ان صدق ظاهراً الّا انّه في الحقيقة لم‌يقلها مخلصاً و هو قوله تعالي و مايؤمنُ اكثرهم بالله الّا و هم مشركون ، و الحاصل انّ المراد بجميع مراتب التوحيد في قولهم هذه المراتب الاربع و الفروع المترتّب عليها جميع العلوم و التّكاليف و مثَّلْتُ بشيء من ذلك للبيان .

و قوله سلمه الله و ما كيفية تركيب كلمة الشهادة الخ ، فالواجب اوّلا بيان معني اللّفظ فاعلم انّه سبحانه لا شريك له لا في نفس الامر و لا في الامكان و الفرض و لكن لمّا احتال ابليس لعنه الله علي الجهّال من بنيٰ‌ادم عليه السلام و امرهم ان يصوّروا صور الصالحين من آباۤئهم ليتبرّكوا بصورهم فصوّروهم و وضعوهم في بيوتهم فلما ماتوا و كانت اولادهم من بعدهم قال لهم ابليس انّ هذه التي في بيوتكم هي آلهتكم و كانت اباۤؤكم يعبدونها فاعبدوها فانّهم شركاۤء للّه و يشفعون لكم عبدوها و سمّوها الهةً و هي ود و سواع و يغوث و يعوق و نسر و اللات و العزي و امثال ذلك فقالوا مثلاً لهُبَل هذا اِلٰه و وَدّ الٰه و سواع الٰهٌ و هكذا و اللّه سبحانه الٰه فجعلوا الالهة متعددةً و لهذا انكروا علي محمّد صلي اللّه عليه و اله لمّا نفاهم و دعاهم الي الله وحده فقالوا أجعل الالهةَ الهاً واحداً انّ هذا لشيء عجاب بل الله واحد من جملة الالهة فقال لا الٰه الّا اللّٰهُ ، فكان معناها لا اله من هذه الالهة التي سمّيتموها باسم الله سبحانه و جعلتموه واحداً منها في دعواكم الّا اللّه فبهذا المعني سقط اعتراض مَن قال لايخلو ان يكون [ص 14] المستثني منه الذي هو المنفي الالهة الحق او الالهة الباطلة فاِنْ كان المنفي هو الالهة الحق لزم تعدّد الالهة و لم‌يجز نفي ما هو الحق و اِنْ كان المنفي هو الالهة الباطلة لم‌يجز الاستثناۤء للحق تعالي منها و الجواب ما ذكرنا من انّها الهة باطلة و لكنهم اعتقدوا انّها الهة حقّ و انّ اللّه سبحانه الٰه حقّ داخل في جملة ما ادّعوا حقيّتها فاتت كلمة الشهادة نافية لبعض ما ادّعوا و مثبتةً لبعضٍ نافيةً لتلك الالهة بمعني انكم كذبتم فيما ادّعيتم فيها و صدقتم فيما قلتم في الله سبحانه فلذا اثبته بالّا فالاستثناۤء من دعويٰهم التي هي عندهم حق و في نفس الامر فيها باطل و حق و النفي وارد بلا علي الباطل و الاثبات بالّا للحقّ فاذا عرفتَ معناها في اللّفظ فاعلم انّ علماۤء النّحو ذكروا في اعرابها وجوهاً اشهرها وجهان احدهما انّ الاسم الكريم مرفوع علي البدلية و ثانيهما انه مرفوع علي الخبرية و الاوّل اشهر و اكثر جرياناً علي اَلْسنة المعرِبين مع اختلافهم في اسم لا فقال الاكثر انه مبني لتضمّنه معني الحرف و هو مِنْ و التقدير لا من الهٍ فانّ افادة النكرة للعموم من هذا التضمّن فبنيت لمشابهتها لِمِنْ و ذلك لمن حصر علّة البناۤء في مشابهة الحرف فهي بمعني كل اِلٰهٍ و قيل بني الاسم معها علي التركيب فهو كجزء كلمة اي كحرف من كلمة لمن لم‌يحصر علّة البناۤء في مشابهة الحرف الّا انه في الحقيقة راجع الي مشابهة الحرف لان المراد من الحرف ما جاۤء لمعني اَوْ لَا و هو الظاهر و ذهب الزّجاج الي انّ اسم لا معرب و الاوّل اقرب و فائدة ذكر الاختلاف يبني عليه بعض المقصود فمن قال بانّ الاسم الكريم مرفوع [ص 15] علي البدلية اختلفوا فمنهم من قال هو بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف المقدّر بتستحقّ العبادة او بموجود او في الوجود و ما اشبه هذا و التقدير لا اله يستحقّ العبادة الّا اللّه فالله بدل من ضمير يستحقّ لانّه اقرب و الاِبدال من الاقرب اولي و لانه تابع في الاعراب للمبدل منه و تبعيّة اللفظ في الاعراب للفظٍ اولي من تبعيّتِه لمحل اللفظ و هذا بناۤء علي انّ لا اله مبني و هو و ان حلّ محلّ المبتدأ اِلَّا انّه الأن في محلِّ نصبٍ بلا او منصوب بها علي قول الزجاج و خبرها المحذوف مرفوع بها لا بالمبتدأ فيكون محلّها الاقرب هو النصب فلايكون الاسم الكريم المرفوع بدلاً من اسمٍ بعيدٍ محلّه النّصب و محلّه في الرفع محلّ المحل فهو ابعد فالاِبدال من الضمير مع قربه و كونه بحكم اللفظ اولي فان قيل انّ الضمير نفسه ليس مرفوعاً و انّما محلّه الرفع فلا بدّ لكم من الابدال من المحل قيل له ان المرفوع لايبدل من المنصوب و الضمير محله الرفع فالابدال منه مع قربه اولي من الابدال ممّا محلّه النصب و انّما الرفع محلّ المحل مع بُعْدهٖ فلو ابدل من محلّ محلّه الّذي هو المبتدأ المرفوع لزم بُعْدانِ بعدٌ باعتبار اللفظ فان الخبر اقرب و بعدٌ باعتبار المحل فانّ المحل اقرب من محل المحلّ و نظير الابدال من الضمير ماقام احدٌ الا زيدٌ و نظير الابدال من المحل لا احدٌ فيها الّا زيدٌ و هذا مذهب الاكثر و ربّما استشكل بعضهم في الاحتمالين في الابدال من الضمير و في الابدال من محل المبتدأ اما في الاوّل فلان البدل فيه بدل البعض و شرطه اشتماله علي ضمير المبدل منه و ليس في [ص 16] هذا ضمير المبدل منه و امّا في الثّاني فلانّهما هنا متخالفان في النفي و الاثبات و الجواب عن الاول بان البدل من تمام المبدل منه فلايحتاج الي ضمير يربطه به لان فاۤئدة ضمير الربط لئلّايدل انه كلام جديد فلايفهم البدلية من اصلها بخلاف ما هنا و عن الثاني فلان البدلية فيهما من حيث الاشتراك في العامل فان قولك ماقام احد الّا زيد قد اشترك فيه في قام احد و الّا زيد لانهما معمولان لقام فلا ضرر في البدلية و نظير الابدال من المحل لا احد فيها الاّ زيدٌ و ربّما استشكل بعضهم و قالوا ان شرط البدل ان يحلّ محلّ المبدل منه و هنا لايمكن فيه و الجواب اوّلاً انا لانسلّم ان البدل شرط صحته ان يحل محل المبدل منه لفظا و انّما شرطه ان يحل محلّه في المعني الذي يدل عليه اللفظ و ان لم‌يصح ان يحلّ لفظه محل لفظ البدل كما قرّره الشيخ الرضي رحمه الله في انا ابن التّارك البكري بشرٍ و لانّ مَن يذهب الي البدليّة فيما نحن فيه يجعل المبدل منه كأن لم‌يكن فيكون البدل مكانه و قيل ان البدل ليس هو زيدٌ وحدَهُ بل البدل الّا زيد لانه بيان لاحدٍ الذي عنيت بعد احد الذي نفيتَ لانك حين قلتَ ماقام احد نفيتَ القيام عن بعض ما يتناولهُ احَدٌ و بقي منه شخصٌ لايعلمه المخاطب بعينه و لايعلم هل نفيتَ عن الكل او عن البعض و انت عند نفسك انما نفيتَ عما سوي زيد فبيّنتَ للمخاطب من لم‌تنفِ عنه الخطاب فقلتَ الّا زَيْدٌ و قيل انّ هذا بدل علي حدة ليس من الابدال يعني انه بدل لغوي لا اصطلاحي و الظاهر انه اصطلاحي و لا منافاة كما ذكرنا و قيل ان الابدال فيه علي فرض [ص 17] ما فيها احد الّا زيد لانّ المعني لايختلف و يصحّ ان يقع ح البدل موقع المبدل منه و من قال بانّ الاسم الشّريف مرفوع علي الخبريّة و هو سيبويه و اتباعه اراد بانه خبر عن المبتدأ لا انه خبر للَا فلايرد عليه ان الاسم الكريم معرفة و لا لاتعمل الّا في النكرات و ذلك لان محل اله الابتدا و المبتدأ قبل دخول لا مرفوع و الاسم الكريم خبره و التقدير الاله المعبود بالحق اللّه فلمّا سمّوا الهتهم بهذا الاسم الذي هو الاله و جعلوه سبحانه واحداً منها وجب نفي تلك الالهة عن المشاركة في هذا الاسم فاَتوا بلا البُتريّة التي تنفي جنس ما دخلت عليه فقالوا لا اله فلمّا علم انهم ادخلوا الاله الحقّ في جملة هذا الجنس علي زعمهم وَ تناوله النفي بالنّظر الي تسميتهم و جعلهم ذلك جنساً يشمله تعالي عن ذلك وجب استثناۤؤه فقالوا الّا اللّه تعالي فانه اله ثابتٌ بالحق لايجوز نفيه و قيل القول بالخبرية ارجح من القول بالبَدليّة لعدَمِ الاحتياج الي تقدير ما الاصل عدمه و ما قيل انّ فيه تكَلُّفَاتٍ بمعني انّ المبتدأ انّما يتمحّض لكونه مبتدأ باعتبار المحَلّ فلايلزم منه ترجيح الوجه الاول عليه اذ لا مناص عن هذا التّأويل علي البدلية و الخبريّة و ربّما ضعّف بعضهم القول بالخبريّة بثلاثةِ امورٍ : الاول انه يلزم منه كون خبر لا معرفةً و لا لاتعمل الّا في النّكرات الثاني ان الاسم الكريم مستثني و المستثني لايصح ان يكون غير المستثني منه لانه لبيان ما قصد بالمستثني منه الثالث ان اسم لا عام و الاسم الكريم خاۤصّ و الخاص لايكون خبراً عن العام فلاتقول الحيوان انسان و اجيب عنها اَمّا عن الاول [ص 18] فبما تقدّمَ من انّ الاسم الكريم خبر للمبتدأ لا خبر للٰا وَ اِذا كَانَ خبراً للمبتدأ كان مرفوعاً به قبل دخول لا و قبل دخولها هو معرفة و انّما نكّر لاجلِ لا ليفيد العموم و ذلك كما قال سيبويه انّ حال تركيب الاسم مع لا لَا عمل لها في الخبر و انه حينئذٍ مرفوع بما كان مرفوعاً به قبل دخول لَا و علّل ذلك باَنّ شبههَا بِاِنَّ ضَعُفَ حين رُكِّبت و صارت كجزء كلمة لاتعمل و مقتضي هذا ان يبطل عملها في الاسم ايضا لكن ابقوا عملها في اقرب المعمولين و جعلت هي مع معمولها بمنزلة المبتدأ و الخبرُ بعدهما علي ما كان عليه من التجرّد و اذا كان كذلك لم‌يثبت عمل لا في المعرفة انتهي ، اقول و اغلب هذه اصول غير صحيحة و الاصح ان التركيب لايمنع عملها كيف و هو يصحح عملها في الاسم و في الاسم و الخبر في قولك لا غلامَ سفرٍ حاضرٌ مع وجود التركيب بل الاصح انها لما كانت لنفي الجنس وجب اَلّا تدخل علي المعارف لان نفي المعرفة لايستلزم نفي الجنس الّا اَنْ ينكّر و اذا اريد دخولها علي معرفة نكّر و ادخل معه من جنسه ليحسن دخولها عليه لنفي الجنس هذا اذا كان اسماً لها فلو وقع بعده المعرفة انكفّت عنه لمنافاة خصوصه بالتعريف لعمومها فيقع مرفوعاً باصل اسمها قبل دخولها و كان معرفة و انّما نكّر لاجل دُخولها فقولك لا اله الا اللّه اصله الاِلٰهُ اللّٰهُ و لا احد فيها الّا زيد اصله الاحد فيها زيدٌ فلمّا سمّي المشركون الهتهم باسم الاله و جعلوا الله سبحانه واحداً من جملة من يشمله اسم الاله و كان الاله قبل تسميتهم مختصاً بالمعبود الحقّ متعيّناً له فنُكّر ليشمل الحقّ و الباطل و ادخلت [ص 19] عليه لا النافية للجنس و المقصود منها نفي الباطل عمّم النفي كلّ باطلٍ و استثني من عموم النفي الحقّ لانّ النفي لايشمله و لكن استثني لئلّايتوهم عموم النفي المستلزم للكفر و لهذا يقال ايّ كلمة اوّلها كفر و اخِرها ايمان و هي لا اله الّا اللّه و الاصل قبل ان يسموا الهتهم بذلك الاله الله و من ثَمّ قال بعض العرفاۤء كالغزّالي و غيره انّما اُتِي بلا مع ان لا اله الّا الله معناها الالهُ اللّه لانها مكنسةٌ لغبار الاوهام و للتوصّل لاثبات وجود الحق الفرد في الافهام فالاسم الكريم مرفوعٌ علي الخبريّة و العامل فيه علي الاصحّ هو المبتدأ و هو الاله قبل ان ينكّر لاجل دخول لا كما قلنا فافهم و الجواب عن الثاني قيل لانسلّم ان اسم لا هو المستثني منه و ذلك انّ الاسم المعظّم اذا كان خبراً كان الاستثناۤء مفرغاً و المفرغ هو الذي لايكون المستثني منه فيه مذكورا نعم الاستثناۤء فيه انّما هو من شيء مقدّر لصحة المعني و الاعتداد بذلك المقدّر لفظاً و لا خلاف يُعْلَم في نحو ما زيدٌ الّا قاۤئم اِنّ قاۤئماً خبر عن زيد وَ لَا شَكَّ انّ زيداً فاعل في نحو ماقامَ الّا زيد الخ ، اقول و هذا المفرّغ لا فرق فيه بين ما لم‌يذكر المستثني منه او يذكر و لايُعتدّ به فانّ المُسْتَثني منه في مٰا زَيْدٌ اِلّا قاۤئم هو احوالُ زيدٍ و معاني افعاله من قيام و قعود و اكل و شرب وَ مَا اشبَه ذلك من صفاتِه الفِعْليّة و التقدير ما حال زيد الّا قاۤئم فنفيتَ جميع احواله الّا قاۤئم فوقع قاۤئم في ما زيد الّا قاۤئم خبراً عن زيد اذ لم‌تخبر عنه بغيره و ليس زيدٌ مستثني منه و انّما المستثني منه هو المقدّر و هو حاله فاللّه في كلمة التوحيد ليس مغايراً في الاصل لاله و [ص 20] انّما اُتِي بلا لنفي ما توهّم دخوله فيه كما تقدّم فراجع و عن الثالث بان اسم لا و ان كان في الصورة اللفظية عامّا لٰكنه لم‌يكن و الحال هذه مبتدأ للاسم الكريم لانّه انّما كان عاماً لاجل تحقّق فاۤئدة دخول لا عليه و الّا فهو خاص كما ذكرنا قبل و الاسم الكريم ليس خبراً لاسم لا وحده حال التركيب بل له مع لا لانّهما حينئذٍ بمنزلة الاله اللّه و ذلك لانه لمّا جعلوه عاماً بزعمهم و هو خاص في الواقع اتي الشارع لاجل تخصيص هذا العموم المُدَّعي بلا لنفي ما زعموه و يبقي الفرد الخاص الحقيقي سبحانه و اتي بالّا لبيان بقاۤء الخاص و ارادة التخصيص كراهة توهم عموم النفي فوقع الاسم الكريم في الحقيقة خبراً عن الخاص لا عن العام فافهم و اعلم ان هذين الوجهين اصح ما قيل في تركيب كلمة التوحيد بقي الترجيح بينهما و الذي انا عليه ضميري و ارادتي و ترجيحي هو انّك ان اعربتَ الكلمة علي ما يطابق معتقد عاۤمة الناس فالوجه الاوّل ارجح و اوفق و ان اعربتَها علي ما يطابق توحيد الخواۤص و اهل المعرفة الذين قال صلي الله عليه و اله فيهم اعرفكم بنفسه اعرفكم بربّه و قال اميرالمؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربّه ، فالوجه الثاني ارجح و اوفق و ان اردتَ الترجيح من جهة الاصول العربية التي بني النحويّون عليها اصولهم فالثاني اولي ايضاً لقلّة التقدير و خفّة التغيير هذا عندي مجملاً و بيان هذه الترجيحات الثلاثة يحتاج الي تطويل طويل و امّا قولكم علي طريقة النحاة التي لايتّجه عليها شيء من المفاسد فهذا شيء مايمكنني عليه لاني اذا قرّرتُ انّما اقرّر [ص 21] علي ما عندي و من لم‌يوافقني يورد عليّ اعتراضات صحيحة كانت ام فاسدة هي عنده صحيحة و كذلك الاخر و المسئلة فيها خمسة وجوه كل قوم يقرّرون مذهبهم علي ما يفهمون و يعترضون علي غيرهم و الله سبحانه يهدي الي الحق و الي طريق مستقيم .

قال سلّمه الله : قال الله تعالي و الليل اذا يسر لمَ حذفت الياۤء بغير جازم .

اقول ان القرءان و علم العروض طريقة كتابتهما غير كتابة ساۤئر الكتب و العلوم فانّ علماۤء العروض يكتبون مثلاً التنوين نونا و الكلمة المتّصلة يفصّلونها علي حسب الوزن و امّا القرءان فيكتب منه بعض الكلمات علي وجهٍ يوافق القراۤءتين او علي احتمال ان يقرأ به كما كتبوا و كل انسان الزمناه طٰئِۤرَهُ في عنقه مع انهم لايحذفون الف المدّ و لو كانت في الجمع كالضاۤلّين و لكن حذفوها هنا لاحتمال ان يقرأ اَلزمناه طَيْرَهُ علي الجنس و كذلك كتبوا و جاٖۤئَ يومئذ بجهنم و جاٖۤئَ بالنّبيين خاۤصّةً في هذين الموضعين علي هذه الصورة كصورة جَاۤئٖي لاحتمال ان يقرأ و جَاۤء علي المعلوم و يكتبون امرأت نوح و امرأت لوط و كل امرأة اضيفت الي زوجها في القرءان بصورة التاۤء الممدودة لا بصورة الهاۤء كما هو المعروف و اذا وقفوا عليها وقفوا بالتّاۤء لا بالهاۤء فيجعلون اللفظ تابعاً للنقش كما جعلوا الخطّ في مواضع النقش تابعاً للفظ في مثل سندع الزبانية و قالوا تحذف الواو في الخطّ تبعاً لحذفها في اللفظ و قد تحذف اعتباطاً نحو يوم ياتِ لاتكلّم نفس الّا باذنه و قد تحذف لمراعاة سجع الٰاي مثل فكيف كان نكيرِ و منه و الليل اذا يَسْرِ لكن هنا لطيفة دقيقة عجز عن [ص 22] حلّها الاكثرون و هي ان رجلاً سأل الاخفش فقال لمَ حذفت الياۤء من و الليل اذا يسرِ بغير جازم فقال اخدمني سنةً فخدمه سنةً ثم قال له اعطني اجرتي بان يجيبَني عن مسئلتي فقال الاخفش الليل يُسْرَي فيه لا انّه يسري ، هذا جوابه لذلك الساۤئل فتحيّر العلماۤء و اولوا الافهام الذكيّة في حل هذا الرّمز و الذي يظهر لي انّ السري يستعمل فِي السّير في الليل و عن ابي‌زيد السُّرَي اوّل الليل و وسطه و آخره و هذا معروف في اللّغة و كانت عادتهم يسرون الليل فاذا بَقِيَ منْ آخِرهِ قدر ربع الليل اناخوا و تركوا السُّرَي فلمّا سأله لمَ حذفت الياۤء من و الليل اذا يسرِ بغير جازم قال له الليل يسري فيه و يحذفون اخره السّري فيه فالّذي يسري فيه يحذف اخره للاستراحة اشارة الي انهم حذفوا الياۤء التي هي اخر يسري لمراعاة سجع الاية و للاستراحة عند التلفظ بقطع النفس و الوقف علي الراۤء فافهم .