[ص 1]

رسالة في جواب السيد محمد بن السيد ابي‌الفتوح

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحسائي ان جناب سيد ( سيدنا خ‌ل ) الاجل ذو الفهم اللامع و العلم الواسع السيد الممجد السيد محمد ارسل الي بهذه المسائل يريد الجواب عما يرد من الاشكال فيها لدي ذوي الالباب و لما كان من اهل الذوق المستقيم و الطبع السليم ( المستقيم خ‌ل ) اكتفيت بالاشارة و الاختصار .

( قال : ارادة العبد المنبعثة من العلم و الداعي لايخلو اما ان تكون واجبة او ممكنة فعلي الاول يلزم الجبر و علي الثانية ننقل الكلام الي علة الرجحان في نفسها اي نفس الارادة و هكذا فاما ان ينتهي الي التسلسل او الي الواجب فيلزم ما لزم في الشئ الاول فينافي الاختيار . نسخة ٢٦ خ ) .

فاقول و بالله سبحانه المستعان و اعلم ان الارادة في حق العبد غيرها في حق الواجب سبحانه لانها في حق الواجب علي ما هو الحق المطابق لمذهب اهل العصمة عليهم السلم من انه ليس لله ارادة قديمة و انما ارادته حادثة و ان الارادة غير العلم فانك تقول افعل كذا ان شاء الله و لاتقول افعل كذا ان علم الله و دعوي من يعتقد قدمها باطلة اما دعوي اهل الاشراق و المشائين و الصوفية و امثالهم من انه تعالي ابدا مريد اذ ليس له حالة كان فيها منقبضا عن الفعل و الميل الذي هو العناية المقتضية لربط ( له باطل خ‌ل ) الاسباب بالمسببات علي كمال ما ينبغي و يعبر عنها بالارادة فيكون بعد حصولها متغيرا بل كلما جاز عليه وجب له و هذا باطل لان كل ما اشاروا اليه غير محض الذات و كل ما سوي الذات البحت حادث و لايجري هذا في العلم و القدرة لانا لانريد منها ( بها خ‌ل ) معني مترتب علي الذات كما هو شأن الارادة بل نريد ان العلم و القدرة عين الذات بلا مغايرة لا في الفرض و الاعتبار و لا في الحيث و لا في الواقع و لهذا [ص 3] قلنا انه عالم بالاشياء معناه ( معناه انه خ‌ل ) سبحانه فهو عالم و لا معلوم يعني فهو هو و لا شئ غيره و اما علي ما يقرر ( يقرره خ‌ل ) المتكلمون من انه لو كانت حادثة لكان ( لكانت خ‌ل ) لايخلو اما ان يكون ( تكون خ‌ل ) قائمة ( قائمة به خ‌ل ) فيكون محلا للحوادث و ( او خ‌ل ) قائمة بغيره و صفة الشئ لاتقوم بغيره او بنفسها و الصفة لاتقوم بنفسها و ايضا لو كانت حادثة كانت محدثة ( حادثة خ‌ل ) بارادة اخري و هكذا و يلزم التسلسل او الدور فجوابه عن الدور ( الاول خ‌ل ) انها حادثة و ليست قائمة بذاته قيام عروض و انما هو قائمة به قيام صدور لان قيام الشئ بالشئ علي اربعة اقسام قيام صدور كقيام الكلام بالمتكلم و قيام عروض كقيام السواد بالجسم و قيام ظهور كقيام الوجود بالمهية و قيام تحقق كقيام المهية بالوجود فلايكون محلا للحوادث و ايضا فقد اقامها بنفسها و كونها صفة انما هو بالنسبة الي الواجب و الا فهي بالنسبة الي جميع المخلوقات ذات تذوتت الذوات بفاضل تذوتها بل كل الاشياء ذات باعتبار ما تحته عرض باعتبار ما فوقه من اول الوجود الي اخر ما لا نهاية له من الممكنات كلها بهذه النسبة و قولهم ان الصفة لاتقوم بغير موصوفها غلط فهذا الكلام صفة لا بمتكلم و هو قائم بالهواء و ان قيل انه قائم بالمتكلم فهو قيام صدور و كذلك المشية فانها قائمة بالله قيام صدور و كذا جميع الخلائق و اما قولهم فانها لو كانت محدثة لكانت محدثة بمشية اخري و يلزم التسلسل او الدور فالجواب انها محدثة بنفسها و هذا قطعي شهد له الوجدان و العقل و النقل اما النقل فظاهر و هو قوله عليه السلم خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الخلق بالمشية و اما العقل فلان المشية [ص 4] و الارادة فعل و الفعل مفهومه الحركة الايجادية فاذا اردت ايجاد حركتك انما توجدها بحركة و هي حركة فتوجدها بنفسها اذ لايمكن الايجاد الا بحركة و ذلك في كل شئ بحسبه و اما الوجدان فاظهر فانك توجد صلاتك بنيتك بلا خلاف و نيتك توجدها بنية اخري ام بنفسها و العلماء اجمعوا انك توجدها بنفسها و لاتحتاج في ايجادها الي نية اخري و هي افضل ما في العمل و قد قال صلي الله عليه و آله انما الاعمال بالنيات و انما لكل امرئ ما نوي فليس لك من العمل الا ما نويت فلو لم‌تكن النية منوية لمااثبت عليها لكنك تثاب عليها البتة فتكون منوية البتة و لم‌تكن لتنويها الا بنفسها البتة فعلي جهة الاختصار ثبت كونها حادثة مضافا الي ما رواه الصدوق في التوحيد عن الرضا عليه السلم انه قال المشية و الارادة من صفات الافعال فمن زعم ان الله تعالي لم‌يزل شائيا مريدا فليس بموحد فاما الارادة من الخلق فالضمير و ما يبدو لهم من الافعال قسم من ارادتهم فنقول قولكم لاتخلو يعني الارادة من العبد اما ان تكون واجبة او ممكنة مما تريدون بهذا الوجوب تريد ان ارادة العبد هي الله سبحانه ام غيره فان كان غير الله فليس واجبا ان كل ما سواه ممكن و ان كان هو الله فتعالي الله ( الله يلزم خ‌ل ) ان تكون ( يكون خ‌ل ) صادرا عن الحادث فليس لذكر الوجوب هنا معني اصلا فارادة العبد ممكنة و قولكم ننقل الكلام الي علة الرجحان فيه ان رجحان الفعل لايوجبه اذ ليس كل ما كان راجحا وجب ايجاده لان الرجحان قد يكون خلاف الحق و خلاف الحق لايكون راجحا في الواقع و انما يكون راجحا [ص 5] عند المكلف عند ما تغلب عليه شهوته علي الفعل و تقدم النفس عليه مع ما تري من الامور القبيحة و المقتضية لترجيح الترك و انما الترجيح شهوة محضة غلطت البصيرة عن قبح ما تعلمه قبيحا و تري قبحه فتغمض عما تري فاذا اردت ان تعاين حقيقة ما قلت لك فانظر نفسك و غيرك من الناس تجد ان المقصر يعرف انه ملوم و يقدر علي ترك ما يلام عليه و لو كان عمله انما عمله لانه ترجح ( يرجح خ‌ل ) عنده بحيث لايقدر علي تركه لانه واجب الترجح ( بالترجح خ‌ل ) لعرف ذلك و لكان اذا عوتب و قيل له لما فعلت تقول اني لااقدر علي تركه و يعرف ذلك من نفسه و لكن الواقع علي العكس بل يعرف انه ما عمله يقدر علي تركه و انما فعله متعمدا و كذلك فعل الطاعات و توهم ان ما ترجح ( ترجح وجب خ‌ل ) باطل فهذا يكفي ذا الفهم و القابلية المستقيمة في فهم المسئلة و علي نحو العيان و الضرورة .

قال سلمه الله تعالي : الثانية - لا شك ان التكليف حال استواء دواعي العبد الي الفعل و الترك او حال رجحان دواعي احدهما فعلي الاول يستحيل وقوع المأمور به فالتكليف غير جائز لان الممكن ما لم‌ترجح ( لم‌يترجح خ‌ل ) وجوده لم‌يقع .

اقول لايقال الشك ( لا شك خ‌ل ) في عدم استحالة الوقوع بل اليقين هو جواز الوقوع في هذه الصورة المفروضة و انما حصل التوهم من جهة الاطلاع علي معرفة الدواعي و انا اشير الي بيان بدء الدواعي و منشئها علي سبيل الاختصار ، فاقول اعلم ان الله سبحانه لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته يعني بسيطا حقيقيا للدلالة عليه فالمخلوق خلق من وجود و مهية و هما حادثان و [ص 6] الحادث لايستغني في بقائه عن المدد طرفة عين و الا لفقد و كل شئ انما يميل الي نوعه و وجوده ( و هو جهة خ‌ل ) مدده من الله فالوجود نور و حين يميل الي مدده من الخير و النور و هو الطاعات و المهية علي العكس في كل شئ فهي ظلمة و شر تميل ( يميل خ‌ل ) الي مددها من الشر و الظلمة و هو المعاصي و المكلف مركب منهما فداعي ميله الي الخير من جهة الوجود و داعي ميله الي الشر من جهة المهية و هو محتاج الي احد الميلين و ايهما مال اليه و عمل به كفاه في بقائه بذلك الاستمداد لانه ان كان خيرا قوي الوجود بما فيه من النور و حصل للمهية حفظ الاصل عن الفناء بما في ذلك الخير من شائبة الظلمة لان الخير كما تقدم لايكون وجودا بحتا بدون شئ يحفظ بقائه في ( من خ‌ل ) المهية و ان كان الذي من المهية في ذلك الخير يكاد يفني لضعفه و بهذا الضعيف تستمسك مهية المكلف عن الفناء و ان كان شرا قويت المهية بما فيه من الظلمة و حصل للوجود حفظ اصله عن الفناء بما في ذلك ( ذلك الشر خ‌ل ) من شائبة النور لان الشر كما قلنا قبل في الوجود لايكون مهية بحتا بدون شئ يحفظ بقائها من الوجود و ان كان الذي من الوجود في ذلك الشر يكاد يفني لضعفه و بهذا الضعيف يستمسك وجود المكلف عن الفناء و من ميل جزئي المركب كل واحد الي جهة مدده من جنسه حصل للمكلف منهما الاختيار لان الفعل المكلف فيه العبد اما خيرا يؤمر به و اما شرا ينهي عنه و لما كان المكلف هو المجموع المفرد المركب كان ان شاء فعل هذا و ان شاء فعل ضده و هذا هو الاختيار فالداعيان من المكلف من جهة الصلوح متساويان ابدا الي فعل [ص 7] الشئ بما يناسبه و الي تركه بضده هذا في اصله بنية ( بنيته خ‌ل ) فاذا ورد عليه ورد بالترغيب و الترهيب المعنيين ( المعينين خ‌ل ) لداعي الخير و التخلية و التزيين بمعني لايمنع من ارادة الشر و لايمنع منه عدوه المزين الشيطان و النفس و هويها و الدنيا و زينتها المعنيين ( المعينين خ‌ل ) لداعي الشر و لهذه الرتبة من المكلف داعيان متساويان ● فاذا مال الي فعل الخير اعانه الملك بتحبيب الطاعة و لطف به الرب اللطيف سبحانه و تعالي و هو اعانة علي الطاعة لطفا لايكون مانعا من التمكن من فعل ضده ما لم‌يفعله فكان داعي الخير حينئذ راجحا رجحانا لايمنع النقيض بمعني انه ما لم‌يفعله يمكنه تركه و فعل ضده و ان كان ذلك الضد مرجوحا لانه اذا مال اليه ترجح مرجوحية ( ترجح مع مرجوحيته خ‌ل ) بما يقويه من التخلية و التزيين و الخذلان و كذلك اذا مال الي فعل الشر اعانه الشيطان المقيض بتزيين المعصية و خذله الرب العدل الحكيم بان خلاه و هواه تخلية لا انه تكون مانعة له من فعل ضده هو الخير ما لم‌يفعل الشر فكان داعي الشر حينئذ راجحا رجحانا لايمنع النقيض بمعني انه ما لم‌يفعل المعصية يمكنه تركها و فعل الطاعة و ان كان فعل الطاعة حينئذ مرجوحا لانه اذا مال الي [ص 8] المعصية ترجحت مع كونها قبل مرجوحة بما يقويها الميل اليها من تحبيب الملك المؤيد له لها و من اللطف به من اللطيف الخبير سبحانه فالاستحالة المتوهمة باطلة و قولك ان الممكن ما لم‌يرجح وجوده لم‌يقع ليس كذلك لان الترجيح الموجب للفعل هو شروع المكلف للفعل لانه حين يفعل لايمكنه الايفعل و يمكنه ان يقع فعله و الترجيح ما يبلغ الوجوب يمكن عكسه و فعل ضده و يكون بذلك مرجوحا و اذا بلغ الوجوب امتنع تركه و بلوغه الوجوب هو فعله و احاديث ائمتنا عليهم السلم ناطقة ( ناطقة بهذا خ‌ل ) لمن خاطبوه بها فافهم و اشرب صافيا و دع عنك الاوهام كما روي عنهم عليهم السلم ما معناه ذهب من ذهب الي غيرنا الي عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض و ذهب من ذهب الينا الي عيون صافية تجري بنور الله انتهي .

قال ايده الله : و علي الثاني فالمرجوح ممتنع الوقوع و الا لزم ترجيح المرجوح فالراجح واجب الوقوع فالتكليف بالراجح تكليف بايجاد ما يجب وقوعه و بالمرجوح ما يمتنع وقوعه و كلاهما مستحيلان .

اقول قوله و علي الثاني فالمرجوح الخ جوابه ما تقدم من ان ممتنع الوجود من افعال المكلفين ما فعل ضده حين فعل ضده اما قبل فعل ضده او بعده فهو ممكن الوقوع و الحوالة في ذلك علي الوجدان فتأمل في افعالك تجد كلامنا هذا ضروري الحقيقة لا شك في شئ منه و كذلك قوله فالراجح واجب الوقوع لايجب وقوعه الا حين يقع لا قبله و لا بعده فالتكليف بالراجح و بالمرجوح اذا كان الراجحية و المرجوحية انما [ص 9] هي لقوة ميل المكلف و تحبيب الملك او تزيين الشيطان تكليف بايجاد ما يجوز وقوعه و عدمه و لايكون تكليفا بما يجب وقوعه الا حين وقع و لايكون التكليف بالمرجوح تكليف ( تكليفا خ‌ل ) بما يمتنع وقوعه الا حين اوقع ضده لا قبل ايقاعه و لا بعده فافهم فانه لمن عرف كلامي اظهر من الشمس في رابعة النهار اذا لم‌يكن عليها سحاب و لا غبار .

قال سلمه الله تعالي : و ايضا ورد الامر بالتكاليف اما لفائدة او لا لفائدة ان ( فان خ‌ل ) كان الاول فهي عائدة الي المعبود او الي العابد و الاول محال لانه كامل الذات بذاته و ان كان الثاني فهي اما عاجلة او اجلة و الاول باطل لان التكاليف كلها مشاق و الام في الدنيا و الثاني عبث لان الله قادر علي تحصيل رفع اثام ( الالم خ‌ل ) و تحصيل اللذة للعبد ابتداء من غير توسط ( توسيط خ‌ل ) العبادة و كذلك حكم الشق الثاني .

اقول ورد الامر بالتكاليف لفائدة و هي عائدة الي العابد و عودها اليه في العاجل و الاجل معا و لايكون العاجل باطلا و بيان هذه الامور طويل لتوقفه علي بيان المقدمات و لكني اقتصر علي البعض و من عرف اغناه عما سواه ان شاء الله تعالي ، فاقول كما خلق الخلق اما جودا او تفضلا كذلك انعم عليهم ثم لما كان جوده و كرمه يجريه ( يجري خ‌ل ) علي كمال ما ينبغي و الا لم‌يكن كاملا وجب ان يجري فعله في جميع المفعولات علي حسب قوابلهم لان فعله واحد و نسبته علي جميع الاشياء علي السواء فاذا اراد خلق الخلق فلايخلو اما ان يخلقهم علي حسب مقتضي فعله او علي حسب مقتضي قوابلهم حين الخلق [ص 10] فان كان الاول وجب ان يكون الخلق شيئا واحدا لا تعدد فيه و لا اختلاف لان نسبة فعله علي حسب مقتضاه الي جميع الخلق علي السواء ليس شئ منها اقرب من شئ و لا شئ اسهل من شئ و لا شئ قبل شئ و لا جهة للفعل الي شئ دون شئ فيكون ( فتكون خ‌ل ) مصنوعة ( مصنوعه خ‌ل ) واحدا و لو كان كذلك بطلت فائدة الصنع و الايجاد فلايحسن في الحكمة اصل الايجاد و ان كان الثاني و هو ان فعله يجري علي سائر الخلق علي حسب قابلياتهم حين الخلق كان ما قلنا من انه خلقهم ليعبدوه فعرفهم عبادته بالتكاليف و بيان هذا انه خلقهم فلزم الخلق علي مقتضي الحكمة ان يحدث المخلوق علي ما هو عليه و ذلك انه لم‌يكن شيئا مذكورا فاذا اخترع حصة من الوجود خرجت كما هي لا كما الاولي فهذه هي قابلية الثانية و هي غير قابلية الاولي و الا كانت هي الاولي و القابليتان لم‌تكونا قبل خلق الحصتين شيئا مذكورا و انما كانا باختراع الحصتين فلزم هذا نظام مرتب لايكون الشئ كما هو الا بذلك و هذا اعني النظام المرتب شرع و تكليف وجودي لو لم‌يكن لم‌يكن المصنوع كما هو فيظهر لمن عرف كلامي هذا ان هذا التكليف اعظم فائدة للمكلف اذ بدونه لايوجد فيبقي في عدم الامكان نسيا منسيا فيحرم ما عرضه الله بسبب وجوده لخيرات الابد و السعادة التي لاتنفد فاي فائدة اعظم من هذا هو البنيان الصوري القشري و اما البنيان المعنوي العقلي فانه تفضل عليه مرة بعد اخري فكلفه بالتكليف الشرعي بان امره و نهاه و قبوله لامره و نهيه او تركهما هو روح كونه علي ما هو عليه في الخلق و هو جسم لهذه الروح [ص 11] التي هي قبوله لامره و نهيه او تركهما و ذلك المقبول ( القبول خ‌ل ) هو ما هو عليه في الشرع من سعادة او ( و خ‌ل ) شقاوة و المكلف لا محالة قابل لامره و نهيه و ( او خ‌ل ) تارك لهما فلزم التكليف الشرعي الوجود الشرعي ( وجود شرعي خ‌ل ) انشاء الله تعالي بعمل المكلف من قبوله او تركه خلقه الله من مادة امره و نهيه و صورة امتثال المكلف و عدمه و هذا الوجود الشرعي روح وجود المكلف المعلوم كما اشرنا و اصله و حياته و لذا اشار سبحانه الي ذلك بقوله او من كان ميتا فاحييناه و جعلنا له روحا يمشي به في الناس و قال تعالي ان الله يسمع من يشاء و ما انت بمسمع من في القبور و قال تعالي اموات غير احياء فاخبر ان الكافر ميت لا حيوة له مقبور في قبر طبيعته لا حيوة له الا بالايمان و لا ايمان الا بامتثال امره و نهيه تعالي فهذا الوجود الشرعي المخلوق في المؤمن من امر الله و امتثال المكلف و في الكافر من امر الله و ترك امتثال امر الله تعالي هو علة الوجود الكوني فيكون التكليف علة الكون اذ لايمكن التكوين علي ما ( ما هو خ‌ل ) المكون عليه الا بقبوله عن الله و قبوله عن الله بالامتثال و عدمه لايكون الا بالتكليف فقد توقف اظهار كرم الله و جوده و تفضله علي تكوين محله و متعلقه و تكوينه علي قبول ذلك و قبول ذلك لايكون الا بالامتثال و عدمه و هذا متوقف علي التكليف و هذا معني قولنا ان الايجاد متوقف علي التكليف و اليه الاشارة بقوله تعالي و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و انما خلقهم لعبادته لتخلقهم بها خلقا يصلح له تعلق رضاه او غضبه فقوله و الاول باطل يعني به ان تكون [ص 12] الفائدة عاجلة لا معني له صحيح لان كونها عاجلة شرط الايجاد الذي هو سلب سعادتهم و نعيمهم و كونها اجلة لان ما اعد لهم من النعيم لاينفد انما هو ثمرات اعمالهم لان اعمالهم شجرة طيبة تؤتي اكلها كل حين و كذلك ما اعد لمن عصاه من العذاب الاليم المؤبد انما هو ثمرات اعمالهم لان اعمالهم شجرة خبيثة هي طعام الاثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم فالتكاليف و ان كانت مشاقا و الاما ( مشاق و الام خ‌ل ) بالنسبة الي النفس لانها تأنف من الانفعال لما فيها من الدعوي الباطلة فهي في الحقيقة ملاذ و راحة ( راحة الاتري خ‌ل ) الي ما تجد نفسك بعد اداء الصلوة الفريضة التي هي اعظم المشاق من اللذة و الراحة و السرور و لهذا امر الشارع عليه السلم بسجدة الشكر شكرا لنعمة التي هي اداء الفريضة و لو كانت في الحقيقة مشقة و الما لماوجدت اللذة و الراحة و السرور هذا كله في الدنيا و لهذا قال صلي الله عليه و آله جعلت قرة عيني في الصلوة و لو لم‌تكن نعيما و لذة لماقال ان قرة عينه فيها فان قلت انما ذلك كذلك بملاحظة ما يترتب عليها من النعيم قلت و هذا ايضا كاف في كونها في الحقيقة نعيما و لذة و قوله و الثاني عبث الخ قد تقدم جوابه في ضمن ما ذكرنا و بيانه ان تكون الفائدة اجلة الخ ليس كذلك كيف يكون عبثا و تلك الكرامات العظيمة من الله التي لا غاية لها في البقاء و في النعيم متوقفة عليه كما بيناه و قوله لان الله تعالي قادر علي تحصيل دفع الالم و دفع ( تحصيل خ‌ل ) اللذة للعبد ابتداء من غير توسط ( توسيط خ‌ل ) العبادة الخ ، ليس بمتجه لان الله سبحانه قادر علي كل شئ لا شك فيه و لكنا قلنا هل يفعل بمقتضي قدرته [ص 13] و فعله ام بمقتضي القابلية فان كان بمقتضي قدرته و فعله تساوي في ذلك جميع الخلق بل لايكون المخلوق الا واحدا بل الحكمة يقتضي كون الايجاد من اصله مرجوحا فلايحسن الايجاد من اصله لما يلزم فيه من المفاسد و ان كان يفعل بمقتضي القابلية كما هو الامر الواقع وجب لكمال علمه و قدرته و اتقان صنعه ان يكون المصنوع علي غاية كمال ما اقتضته قابليته من فعل صانعه فيقتضي كمال ذلك الاقتضاء ان يحكم له من الوجود و شرعه من الشرع و وجوده ما خلق له اولا من انه خلق للمعرفة و الطاعة اللذين هما شرط بقائه و نعيمه و هذا شأن الكريم اللطيف الحكيم لانه انما خلقهم للخير الدائم و ما خلق به ثانيا من انه خلق ثانيا لما هو ميسر له و عامل له بعمله و هذا ما سمعت من الوجودين شرطه القابلية كلها من عمل المكلف سواء كانت في الوجودي او التكليفي و شرط القابلية و تحققها التكليف فلو لم‌يكن التكليف لم‌تتحقق القابلية لا في الشرعي لانه انما يطيع بقبول الامر و يعصي بتركه و لا في الوجودي لانه سبحانه عرض عليهم الايجاد فلم‌يقبل من قبل و لم‌يترك من ترك الا بالعرض ( بالغرض خ‌ل ) اذ لو اتيهم بمقتضي فعله و ارادته لقبلوا بلا اختلاف فيكونون سواء و هو السر في قوله تعالي لهم الست بربكم حيث عرض ذلك الايجاد عليهم و لم‌يقل لهم انا ربكم و قبولهم لذلك هو عملهم حين الخلق لا قبله و لا بعده كما ان الانكسار لايكون قبل الكسر و لا بعده بل يكون معا ( مع الكسر خ‌ل ) و مع هذا فهو فعل منه المفعول كما قال الله تعالي كن فيكون و لو لم‌تتحقق القابلية لم‌يتحقق الوجودان ( الوجود خ‌ل ) و [ص 14] لو لم‌يكونا بطل النظام لعدم وجود متعلق الكرم و الجود فعلي الثاني يكون الامر المذكور حقا لانه عبث فلايمكن في الحكمة تحصيل دفع الالم و تحصيل اللذة للعبد الا لتوسط ( بتوسيط خ‌ل ) التكليف فافهم .

قال ايده الله تعالي : و ايضا اذا كان السعيد سعيدا في بطن امه و الشقي شقيا في بطن امه و لايختلف ( لايتخلف خ‌ل ) و لايتبدل ابدا علي ما هو مفاد بعض روايات الطينة فلايتصور ثمرة للتكليف ( التكليف خ‌ل ) اذ كل ينساق الغاية ( الي غايته خ‌ل ) البتة .

اقول لا شك ان السعيد من سعد في بطن امه و الشقي من شقي في بطن امه و لكن الاشكال في معرفة الام و معرفة قدر عمرها و قدر بقاء جنينها في بطنها فان من عرف ذلك زال الاشكال عنه و نشرع في بيان هذه الثلاثة اولا علي سبيل الاختصار و الاقتصار لتوقف زوال الاشكال عليه فاما الام فلها معنيان مقصودان في الحديث : احدهما ان الام هي الصورة لا المادة كما توهمه بعض الحكماء و المادة هي الاب بعكس ما قالوا و قد اشرنا الي ذلك في الفوائد و بعض معناه ان الحكم لايتعلق بالمادة و الا لتساوت افراد الجنس في الحكم فيكون الانسان و الكلب واحدا و كذلك السرير و الصنم لانهما من الخشب و لكن لما كان الحكم متعلقا بالصورة كالسرير ( كان السرير خ‌ل ) من الخشب مستحسنا و الصنم من الخشب مستقبحا و ليس ذلك الا من الصورة فالحسن انما حسن في بطن امه و هي الصورة و القبيح انما قبح في بطن امه و هي الصورة و لو كانت الام هي المادة لكان الصنم انما قبح لكونه خشبا و لم‌يقل به عاقل او يقال ان السعيد من سعد في صلب ابيه و لم‌يقل به مؤمن و الثاني ان الام هي الوالدة المعروفة و علي هذا [ص 15] المعني ليس في صلب الاب الا ماء و هو النطفة يصلح للسعيد او ( و خ‌ل ) الشقي كالمداد قبل الكتابة و الصورة تصلح للاسم الشريف و الوضيع و لايتميز الا في بطن امه اي الصور لان تخطيط البنية المعنوية كاعتدال المزاج و صفائه عن الفضلات البلغمية و الدموية و سلامته من الاحتراق الناري من الجمود السوداوي اذا كان في اخلاطه زيادة سوداء صافية مستقيمة و ما يطابقه من تخطيط الصورة الظاهرة يقتضي الاتيان بالاعمال الصالحة و الاعتقادات الصحيحة و الميل الي الخيرات و ذلك هو منشأ السعادة و لاتتحقق هذه الهندسة من تعديل المزاج و البنية الا في بطن امه لا في صلب ابيه و كذلك عكس هذه الاشياء من افراط المزاج و البنية و تفريطهما المقتضيتان ( المقتضيان خ‌ل ) للاتيان بالاعمال الطالحة و الاعتقادات الباطلة و الميل الي الشرور التي هي منشأ الشقاوة انما يتحقق في بطن امه ، و اما قدر عمرها فالام الثانية ( الذاتية خ‌ل ) التي هي الصورة فعمرها طويل و له فصلان الاول فصل التكليف الظاهري و هو من اول البلوغ الشرعي الي الممات و في هذا الفصل ينتزع ( تزرع خ‌ل ) الاحكام الظاهرة الفرعية من الشرعية و العقلية فاذا مات ارتفع هذا التكليف و الفصل الثاني هو فصل الترقيات و التكاليف الحقيقية و هو من الكون الجوهري اي العقلي الي الكون المائي من الاظلة و الذر ثم منه الي ما لا نهاية له في الامكان و في هذا الفصل تزرع الاحكام الباطنية الاصلية من الشرعية و العقلية و الترقيات الذاتية في طرفي الاقبال و الادبار الي ما لا نهاية له في الامكان فمن عرف هذا الوقت الذي هو عمر الام الذاتية التي هي الصورة ظهر له عدم [ص 16] تحقق التخلف و التبدل ابدا كما هو ظاهر كلامه حرسه الله تعالي من الزيغ و الزلل تعويلا علي ما قال علي ما هو مفاد بعض روايات الطينة و هذا التوهم سار في ضمائر الكل الا الاقلين و لهذا تري بعضهم ينكر احاديث الطينة و يوجب طرحها و يحكم ببطلانها و بعض يقول لانعرف منها شئ ( شيئا خ‌ل ) و يسكت عنها و هو انصاف و سلامة له و في بعض قبلها و تكلم في بيانها و خبط خبط عشواء و ركب عمياء لايدري في مسيره هل هو مقبل او مدبر و لايدري حين وضع قدمه في سيره اين وضعه علي قرار ام علي غير قرار و لو ردوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم و انما توهموا هذه التوهمات لظن بعضهم انها عنصرية و ظن بعض منهم ان القلم جف فيها و لم‌يعلموا ما هي و اما اسماؤهم التي خلقها سبحانه باعمالهم و هي الصورة الوجودية الشرعية و هي ابدا تصاغ و تكسر لم‌يفرغ القلم من كتابة حروفها في الفصل الاول من احكامه الي الممات و في الفصل الثاني من احكامه الي غير نهاية فالطينة هي الصورة الوجودية المخلوقة بعمل المكلف فاذا عمل خلقت له و اذا خلقت له حركته الي العمل و اذا عمل ما يطابق الاول احكم صيغة ( صنعة خ‌ل ) الاولي و زيد فيها من نوعها و اذا عمل ما يخالف الاول كسرت و صيغت علي مقتضي العمل الثاني فهذه الطينة فهي لم‌تكمل و لم‌يفرغ منها ليقال السعيد من سعد في بطن امه و الشقي من شقي في بطن امه و لايتخلف و لايتبدل ابدا بناء علي ان القلم جف من كتابة الطينة و كتابة مقتضاها و اما علي ما بيناه من السر المصون [ص 17] و الغيب المكنون يظهر لمن عرفه كالشمس الطالعة ان السعيد من سعد في بطن امه و الشقي من شقي في بطن امه و ان المكلف لايفارق بطن هذه الام و ان هذه ( عنده خ‌ل ) الام دائما يزاد فيها و ينقص ابدا و بالتكليف دائما يتغير المكلف و يسبق و يقصر و بهذا تظهر ثمرة التكليف و مع هذا فلا ريب ان كل احد ينساق الي غايته البتة كما قال صلي الله عليه و آله لسراقة بن مالك لما سأله عن هذا فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له و كل عامل بعمله لكن تلك الغاية يخلقها للمكلف الحكيم العليم بخاتمته التي هي نتيجة سابقته ، و اما قدر بقاء جنينها في بطنها فكما مر من انه قد بقي في الكون الجوهري الف سنة في بطن امه و في الكون الهوائي الف سنة و في الكون المائي الف سنة و في الكون الناري الف سنة و في الكون الاظلة و الذر الف سنة ثم تنزل الي الملائكة حتي كمنت فيه روحه و دفعته الي الريح علي جهة الوديعة ثم الي السحاب ثم الي التراب ثم الي المعدن ثم الي النبات ثم الي الغذاء ثم الي المعدن ثم الي النبات ثم الي الحيوان و من المعدن الثاني الي الحيوان اربعة اشهر ثم الي كمال الحيوان بان تستقيم الارحام في تسعة اشهر او ينقص ( يغيض خ‌ل ) في ستة اشهر الي تسعة اشهر او تزداد الي سنة ثم الي ان يموت ثم الي ان يبعث يوم القيمة الكبري ثم الي ما لا نهاية له ابدا في بطن امه نعم قد يكون له احوال كاملة يكون فيها خارجا عن امه موليا عنها فرارا فاقدا لها في وجدانه لا في وجوده فانه ابدا لايفارقها و ذلك حين يعرف نفسه و هو مع ذلك كله عامل بعمله يصاغ و يكسر بصيغة ( بصنعة خ‌ل ) حتي [ص 18] يورده الله سبحانه ( سبحانه الي خ‌ل ) ما يشاء في حكمه و هو الحكيم العليم و اعلم ان الام الظاهرة هي محل لزرع الام الباطنة في الدنيا و لك ام ثالثة قدرت لك في التنزيل و هي ام قد حملت بك في التأويل و هي الارض فانها التي القت ما فيها و تخلت و تضع كل ذات حمل حملها فافهم و اشرب عذبا صافيا .

قال سلمه الله تعالي : الثالثة - ان مخالفة التكليف ( التكاليف خ‌ل ) و ترك العبادات من العبد لماذا يصير منشأ للعذاب مع انه تعالي مستغن عن طاعة العبد منزه عن لذة الانتقام متعال عن الغرض الحاصل له و مع ذلك وصف نفسه بأنه منتقم فما وجه التوفيق .

اقول ان الله سبحانه ليس كما يتوهمه الجاهلون من انه سبحانه اذا عصاه عبده غضب عليه لاجل معصيته كما هو مدلول السؤال بل السر في ذلك انه سبحانه انما خلقهم ليعرفهم نفسه و يظهر عليهم اثار كرمه و كان قد خلقهم لا من شئ و لا لشئ و ما كان هذا حقيقته بحيث لاتكون له حقيقة قائمة بنفسها و الا لكان اما غير مخلوق و اما انه مخلوق من شئ كالجدار فانه لما بناه البناء من الطين و اللبن قام باصله و ان اضمحل صانعه و انما مثال ما يخلق لا من شئ الصورة في المرءاة فانها لم‌تخلق من شئ و لا اصل لها الا تجلي الشاخص لها بها فكذلك المخلوق لا حقيقة له الا تجلي الله سبحانه له به فلايقوم باصله كما يقوم الجدار فاذا اردنا تشريح هذا المخلوق بنظر الفؤاد لم‌نجد له مادة الا نفس تجلي الحق سبحانه لديه و لا صورة الا نفس انفعال ذلك التجلي عند فعل المتجلي كما نقل ( نقول خ‌ل ) ليس للصورة في المرءاة مادة الا ظهور الشاخص لها بها و [ص 19] ليس لها صورة الا هيئة المرءاة من الصقالة و البياض و ( او خ‌ل ) السواد و الاستقامة او ( و خ‌ل ) الاعوجاج و الطول او ( و خ‌ل ) العرض و الكبر او ( و خ‌ل ) الصغر و القرب او البعد و في المرءاة ليس للصورة صورة الا ما لبسها ( لابسها خ‌ل ) من هيئتها من التخطيط و الهيئة و اللون و ذلك هو المراد بالمرءاة التي تظهر فيها الصورة لان الصورة انما تظهر بنفسها و لانريد بالمرءاة في الحقيقة هذه الزجاجة فاذا عرفت ان المخلوق خلق لا من شئ و ان مادته هو التجلي و ان صورته هو الهيئة الانفعالية و الهيئة الانفعالية مركبة من اشياء كثيرة تسمي المشخصات و تلك المشخصات هي القابلية و هي في الحقيقة اعمال المكلف في الظاهر و في الباطن كما تقدم و لايكون المخلوق ( الخلق خ‌ل ) بدون هذه القابلية التي هي من عمله و قبوله للايجاد حين خلق فلما اراد سبحانه ان يلطف بهم بين لهم ان المخلوق لايمكن ايجاده بدون ان يقبل الايجاد و قبوله لذلك هو حقيقة عمله و الايجاد خير من قبول الخير بالاعمال الطيبة و شر في قبول الشر بالاعمال الخبيثة و الاعمال صفات العاملين كما قال تعالي سيجزيهم وصفهم ، و لكم الويل مما تصفون و ايجاد الصفات بنحو ايجاد الذوات ( الذوات و اخبرهم و هداهم النجدين بان قال لهم انما هي اعمالكم ترد عليكم خ‌ل ) و ان ( فاذا خ‌ل ) اطعتم لا محالة كانت اعمالكم بامتثال امري نعيما و لذة و ان عصيتم لا محالة كانت اعمالكم بترك امري عذابا اليما لان النعيم مركب من مادة هي امر الله و صورة هي عمل المكلف به و امتثاله لايصح ان يتركب الا من هذا و العذاب مركب من مادة هي امر الله و من صورة هي عمل المكلف بترك امر الله و المخالفة ( بمخالفته خ‌ل ) لايصح ان يتركب من غير هذا فاذا عرفت هذا ظهر [ص 20] لك ان عذاب المكلف نشأ من عمله الذي اوقعه باختياره و تمكنه من تركه من غير جبر و لا ضرورة و انما امره طاعته لانه يريد به اليسر و لايريد به العسر ليسلم من عذابه الذي هو من معصية ( معصيته خ‌ل ) الاتري انك اذا رأيت رجلين اجنبيين معك ليس بينك و بين احد منهما معرفة و لا صداقة و محبة ( لا محبة خ‌ل ) و لا بغض و عداوة ( و لا عداوة و بغض خ‌ل ) بوجه من الوجوه فدعوتهما و اجابك واحد و انكرك واحد كيف كان المجيب طائعا فمن اين جاء هذا الوصف المحبوب الا من قبوله دعوتك و كيف كان الممتنع عاصيا فمن اين جاءه هذا الوصف المبغوض الا من عدم قبوله دعوتك و هذا القبول و هذا الترك هو القابلية التي لايكون الشئ بدونها و الله سبحانه لا حاجة له في ثوابهم و لا عقابهم و لايلتذ بالانتقام و لا بالاثابة و انما وصف نفسه بالمثيب و المنتقم لانه لما سأله ( سال خ‌ل ) عباده الفقراء اعطاهم ما هم مذكورون به من انهم اذا خلوا و اختيارهم اختاروه فعلم ما سيكون منهم و خلق للعاصي الاسباب و ترتب عليها المسببات و الاسباب و المسببات فقراء محتاجون الي كرمه و جوده فاعطاهم ما سألوه بحقيقة استعدادهم لانه كريم لايبخل فخلق ( فخلق للعاصي خ‌ل ) بمعصيته مقتضاها و هو العقاب فسمي نفسه بذلك الترتيب اي اعطائه مقتضي عمله من الانتقام منتقما و كذلك الثواب .

قال سلمه الله تعالي : و ايضا التعذيب في الاخرة ضرر خال عن جهات النفع .

اقول و ان كان التعذيب ضررا خاليا عن جهات النفع لايجوز في الحكمة عدم ايقاعه لانه سبحانه لو منع مقتضي المعصية لجاز منع مقتضي الطاعة [ص 21] لان كلا منهما كان مسببا لسببه فكيف يمنع تأثير سبب و يعطي تأثير سبب و هما في الحاجة اليه سواء و ايضا هذه صفاتهم و لايحسن منع الموصوف صفته كما قال تعالي سيجزيهم وصفهم و قال عليه السلم انما هي اعمالكم ترد اليكم و قد تقدم انه سبحانه اجري عادته انه لايفعل الا علي حسب القابلية و الا وقع خلاف الحكمة ان خلقهم علي ما علمهم و فسدت السموات و الارض و من فيهن و ان خلقهم علي غير ما هم عليه كانوا غيرهم و ايضا هم فعلوا ما يلزمهم به التعذيب باختيارهم و لو رفعه عنهم لكان فعل بهم غير ما طلبوا منه بالسنة استعداداتهم فاذا سأله سائلهم فان اعطاه ما سأله كان ما رأيت و سمعت و ان اعطاه غير ما سأله كانت عطيته بلا قابل لان السؤال انما هو القابلية و اذا كانت بلا قابل تعذر ايجادها انما قلنا ذلك لان المخلوق لايخلو من تنعم او تألم ما دام موجودا و هذا ( هنا خ‌ل ) العاصي ان عذب فذلك و ان نعم كان النعيم لا في محل لان المحل كان منتهيا للعذاب و متقدر له بسبب المعاصي فلايصلح ان يكون محلا للثواب فان المحل المثلث مثلا لايصلح للحال المربع و بالعكس و لاينطبق المستدير عليهما و لاينطبقان عليه و الظلمة لاتقتضي النور و بالعكس فافهم الاشارة .

قال سلمه الله تعالي : و ايضا انه تعالي كان عالما بان الكافر لايؤمن كما هو مدلول بعض الايات متي كلف لم‌يظهر منه الا العصيان سببا للعقاب فكان ذلك التكليف مستعقبا لاستحقاق العقاب فوجب ان يكون قبيحا لكونه مستعقبا للضرر الخالي من النفع .