[ص 22] اقول انه تعالي كان عالما و لا معلوم و لا كافر و لا مؤمن هذا علمه الذاتي الذي هو ذاته و له علم اخر مطابق للمعلوم فقولك كان عالما بان الكافر الخ معناه ليس بصحيح لان معناه انه كافر قبل ان يكفر و هذا لا معني له و القول الصحيح ان يقال له انه تعالي كان عالما بان زيدا لايؤمن ليصح ان يقال فمتي كلف الخ هذا ما يرجع الي تصحيح اللفظ و اما المعني فالذي نبه الامام عليه السلم عليه في هذه المسئلة هي ( هو خ‌ل ) حقيقة الجواب الا ان فهمه صعب قال عليه السلم كان عالما و لا معلوم فلما وجد المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و المعني انه كان وحده لم‌يزل و لايزال فلما احدث المعلوم كان معلوما له حين احدثه و قبل ان يحدثه كان عالما و لا معلوم اذ ليس قبل ان يوجد معلوما و الا لكان شيئا قديما معه تعالي و لكن العبارة الظاهرة للجواب هي انه تعالي لما كان علمه غير زماني و لا دهري بل الازمنة و الدهور و ما فيها نقطة في علمه لاتقبل القسمة لذاتها عند علمه و جميع الاجزاء و الجزئيات الواقعة في الازمنة و الدهور في مستقبل الامور يعلم سبحانه مجملها و مفصلها في ازمنة وجودها و امكنة حدودها و الاستقبال و الماضي و الحال انما هو عندها و بنسبة بعضها الي بعض و عنده جل و علا في آن واحد فان من سيوجد بعد مائة سنة من ايامنا هذه مثلا و بعد بلوغه يكفر باختياره قد كان عند الله في وقته الذي حده له و كفر في وقت كفره و عندنا لم‌يكن من ذلك شئ و انما هو امر مستقبل و لله تعالي فيه البداء فان بدا لله في ان يعصمه من الكفر قبل ان يكون وقته تحت الفلك كان له [ص 23] ذلك و لم‌يكفر و هذا الذي كان في علم الله فالذي في علم الله يقع و الذي يقع هو ( فهو خ‌ل ) ما شاء و اليه الاشارة بقول الصادق عليه السلم كما رواه في الكافي في باب الاستطاعة و لكن حين كفر كان في ارادة الله ان يكفر و ( و هم خ‌ل ) في ارادة الله و علمه الايصيروا الي شئ من الخيرات الحديث ، فعلم الله بأنه يكفر ليس موجدا لكفره بل هو باق علي اختياره ان شاء امن و ان شاء كفر و ان امن كان الواقع في علمه هو الايمان قبل ان يؤمن و ان كفر كان الواقع في علمه كفر قبل ان يكفر لانه علم ما سيفعل في مستقبل امره باختياره فالعبد مختار بينهما حتي يقع منه احدهما ثم هو مختار في الانتقال الي الاخر و الله سبحانه يعلم ما يكون منه لانه هو الذي يخلقه بعمله الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير و هو سبحانه مختار في عبده و اعماله ان شاء عصمه و ان شاء خذله ثم اذا وقع من عبده احد الحالين كان جل و علا مختارا في ملكه ان شاء غير و ان شاء ابقي فالذي انتم تفرضونه ان الله يعلم انه يكفر و امره بالايمان هو عند الله انه قادر علي الايمان و عند العارفين بالله و بافعاله فان امن كان الله انما يعلم منه الايمان و ان كفر كان انما يعلم الله منه الكفر و اما هذا الكلام الذي ذكره الاشاعرة فباطل لانه تشبيه علم الله بعلم خلقه الدهري و هو قول الصادق عليه السلم بدت قدرتك يا الهي و لم‌تبد هيئة يا سيدي فشبهوك و اتخذوا بعض اياتك اربابا يا الهي فمن ثم لم‌يعرفوك يا الهي الدعاء فمتي كلف العبد كان ذلك التكليف استنطاقا لطبيعته يؤل امره اليها باختياره بمعونة اللطف و الخذلان فان اختار [ص 24] الايمان امكنه ذلك فان امن كان ما في علم الله هو ايمانه و ان اختار الكفر كان ما في علم الله هو كفره و هذا الرجل الذي وقع منه الكفر قبل ان يكفر ليس في علم الله انه كفر و انما الدعوي انه في علم الله انه سيكفر و الجواب ان نقول هذا الرجل قبل ان يكفر في علم الله انه يمكن منه الايمان و ليس يمكن منه الايمان فان كان الاول تساوي الحالان بالنسبة اليه فجاز ان يؤمر بالايمان و لايجوز ان يقال انه لايقع منه الا الكفر لان هذا ليس بمختار فيهما و ليس هذا الفرض الاول بل الفرض الثاني و ان كان الفرض الثاني لزم اما ان يقال انه لم‌يفعل شيئا لانه ماكفر و انما احدث فيه الكفر بل لايصح ان يقال كفر لان هذا اللفظ الذي هو كفر فعل ماض صدر من فاعل قاصد للفعل راض به و يقبل ( لقيل خ‌ل ) خلق الله كفره كما تقول في صورة جسمه خلقها الله و لاتقول خلق صورته او تصور فاذا جاز وقوعه منه و هو قاصد له وجب ان يكون مختارا في فعله و ان كان مختارا فيه امكن له تركه و اذا امكن له تركه تمكن من ضده و هو الايمان و جاز تكليفه به كما هو الواقع فكما جاز منه الكفر جاز منه الايمان او لم‌يكلف به لانه تكليف بما لايطاق و اذا جاز منه وقوع الايمان بل لم‌يخلق الا للايمان و لم‌يطلب منه غيره فلما فعل غير ما خلق له و غير ما يراد منه و جري علي ( عليه خ‌ل ) مقتضي فعله الموجب للعذاب لم‌يلزم من ذلك ان يكون داعي التكليف و باعثه قبيحا لانه انما يكلف ( كلف خ‌ل ) بالطاعة ليصل بها الي كل خير فلما نسوا ما ذكروا به لزمهم وصفهم و ليس من التكليف ليكون مستعقبا للضرر الخالي من النفع [ص 25] و انما ذلك بتركهم التكليف و لو ان اهل الكتاب امنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الارض و لكن كذبوا و اخذناهم بما كانوا يكسبون و ذلك بما قدمت ايديكم و ان الله ليس بظلام للعبيد .

قال سلمه الله تعالي : و ايضا انه تعالي انما كلفنا النفع لعوده الينا قال تعالي ان احسنتم احسنتم لانفسكم الاية ، فاذا عصينا فقد فوتنا علي انفسنا تلك المنافع فهل يحسن في العقول ان يأخذ الحكيم انسانا و يقول اني اعذبك العذاب الشديد لانك فوت علي نفسك بعض المنافع فانه يقول له ان تحصيل النفع مرجوح بالنسبة الي رفع ( دفع خ‌ل ) الضرر فهب اني فوت علي نفسي ادون المطلوبين فانت تفوت علي لاجل ذلك اعظمها كيف يليق هذا باحكم الحاكمين .

اقول لا شك انه سبحانه انما كلف عبده النفع لعوده اليه لانه لما علم فقره و حاجته و عدم استغنائه عن اعانته و مدده في حال من الاحوال كلفهم قبول النفع منه و لما علم انهم لايقدرون علي ما يحتاجون اليه من المعونة و النفع منه بل لا طريق الي ذلك الا بقبولهم هذا التكليف الخاص بهم و لايمكنهم غيره ( غيره كلفهم خ‌ل ) كما سمعت و رأيت و هذا التكليف هو طريق قبولهم النفع منه لا غيره و نفعهم محصور في تنعمهم و تلذذهم بما يحبون و ما يشتهون لا غير و لما كانوا في انفسهم محتاجين مفتقرين اليه في كل حال لانه غني مطلق و هم فقراء كذلك و الله الغني و انتم الفقراء وجب لكونهم فقراء مطلقا ان حصول مطلوبهم في طلبهم فيه ( منه خ‌ل ) لا غير و ليس لهم طلب الا القبول منه و لايتحقق القبول [ص 26] النافع الا لامره و ارادته الموافقين لمحبته و ليس في شئ مما يوافق محبته قبح بوجه ما بل كل ما يحب حسن لانه تعالي الحق المطلق فاذا لم‌يقبلوا منه ما يوافق محبته وجب ان يقبلوا عنه ( منه خ‌ل ) ما يوافق كراهته اذ لا واسطة بين محبته و كراهته و لا استغناء للمحتاجين عن الاحتياج الي المدد فاذا قبلوا ما يوافق كراهته لزمهم مقتضاها و ليس فيما يكره شئ من الحسن بل كله قبح لانه سبحانه لايكره الخير و لايحب الشر و ليس في شئ من القبيح لذة و لا محبة في ذاته بل هو لذاته خلاف مطلوب النفوس و انما يظهر للغافلين حسنه لغفلتهم عن قبحه مثلا اذا زني الرجل الغافل عن قبح المناهي بالاجنبية يتلذذ و يستحسن فعله لغفلته عن قبحه و لو انه تأمل في قبحه ( قبحه مثل خ‌ل ) ما لو كان الزاني غيره و المزني بها اخته ( اخته او خ‌ل ) ابنته ( بنته خ‌ل ) لعرف ما في الزني من القبح و في حسنه لو كان موافقا لمحبة الله كما لو تزوج ذلك الاجنبي اخته او بنته فاذا قبل المكلف ما يوافق كراهته كان بذلك بعيدا من القرب اليه و من الذات الحقيقية بنفس فعله و ليس ضد القرب الذي هو الخير المطلق الا البعد الذي هو الشر فاذا لم‌يقبل منه فوت علي نفسه النفع فيلزمه ضده الذي هو الضر و لايغني بالعذاب الا هذا فهو حين فوت النفع ابدا فاقد له و الفاقد للنفع ابدا واجد ( واجد للضر خ‌ل ) لان الممكن ما دام موجودا هو متصف باحدهما لانه اما مقبل متلذذ باقباله الي الخير و اما مدبر متألم بادباره عن الخير الي الشر و لا واسطة بينهما و هو قوله صلي الله عليه و آله ليس وراء دنياكم هذه بمستعتب و لا دار الا جنة او نار و ليس المراد ان العذاب [ص 27] الذي استحقه العاصي انه لموجب عين ( غير خ‌ل ) فعله و صادر من عين ( غير خ‌ل ) عمله ليقال انه اذا ترك النفع انما ترك حظ نفسه و لايعاقب علي ذلك كما يقال اذا ترك الاكل لايضرب علي ترك الاكل لانه لم‌يفعل ما يستوجب به الضرب ( الضرب بل نقول خ‌ل ) انه انما جري عليه العذاب من عمله كما لو ترك الاكل الذي لو امر به فانه بسبب ترك الامر بالاكل يؤلمه الجوع الي ان يقتله الا انه يضرب عليه و لكن تركه الصلاح هو الفساد و تركه ( ترك خ‌ل ) الراحة هو النصب ( التعب خ‌ل ) و ترك الطاعة هو المعصية و ترك النعيم هو العذاب و هكذا فلو قال يا رب اني فوت ( فوت علي خ‌ل ) نفسي اهون المطلوبين الي اخره قيل له انت جاهل بدوائك و دائك لانه في الحقيقة ليس الا مطلوب واحد و ضده فاذا تركت الراحة ليس غيرها الا ضدها و هو التعب و لو قال انت تقدر علي ان تعطيني الراحة و ان تركتها قيل له كيف يمكن ان تستريح و انت لاتستريح و نظيره لو كان قريبا منك رجلان فدعوتهما فاقبل شخص و ادبر الاخر فان المقبل اليك المجيب دعوتك البتة يكون قريبا منك فاذا كنت في نور و ليس نور الا عندك كان من اقبل اليك ( اليك كان خ‌ل ) قريبا منك و مستنيرا بنورك و المدبر عنك المعرض عن اجابتك البتة يكون بعيدا عنك لانه لم‌يقرب منك فكيف يكون قريبا منك و هو قد بعد عنك و يكون مظلما لانه لم‌يدخل في النور الذي عندك فلو قال لك انا بعدت عن قربك و لااريده و لاادخل نورك و قد فوت علي نفسي قربك و نورك فلم لاتجعلني قريبا منك من حيث بعدت عنك و داخلا في نورك من حيث لم‌ادخل فانك تقول له انا دعوتك الي قربي و نوري فتركتهما فكيف تدخل [ص 28] فيما لم‌تدخله و انما انت باق في البعد و الظلمة اللذين طلبتهما فهو معذب بما طلب باختياره فافهم .

قال سلمه الله تعالي : الرابعة - سلمنا العقاب و جوزنا العذاب فمن اين القول بالدوام و ما الدليل عليه في المقام مع ( مع ان خ‌ل ) اقسي الناس قلبا و اشدهم غلظة و بعدا عن الخير و الرحمة اذا اخذ من بالغ في الاسائة اليه ( التي خ‌ل ) عذبه يوما و شهرا و سنة ثم انه شبع منه و لو بقي مواظبا عليه يلومه كل احد و يقال هب انه بالغ في الاسائة و الاضرار بك و لكن الي متي هذا التعذيب فاما ان يقتله و اما ان يخلعه فاذا قبح هذا من الانسان الذي يلتذ بالانتقام فالغني عن الكل كيف به هذا الدوام مع انه تعالي قال فلايسرف في القتل الاية .

اقول ان الانسان في كل حال من احواله له مثال منه صفة له يعمل عمله من خير او شر في مكان عمله و وقته فكل ما توجهت اليه وجدته قائما في ذلك الزمان و ذلك المكان بذلك العمل مثلا انت رأيت زيدا في العام الماضي في بيت مخصوص يزني و بعد شهر رأيته في السوق يسرق و هذه السنة مثلا رأيته في المسجد يصلي ففي كل وقت التفت خيالك الي ذلك البيت في ذلك العام الماضي رأيت زيدا يزني و ذلك مثاله لاينفك عن العمل كلما التفت رأيته كذلك و كلما التفت اليه في السوق بعد شهر وجدته يسرق ابدا لاينفك عن هذا الفعل و كلما التفت اليه في المسجد في ذلك الوقت وجدته يصلي ابدا لاينفك عن هذا العمل كلما التفت اليه وجدته كذلك و كذلك حال اكله و شربه و قيامه و [ص 29] قعوده و جميع احواله و حركاته و سكناته كل حال له مثال له قائم بتلك الصفة ابدا سواء بقي هو عليها ام اعرض عنها ام تاب حيا ام ميتا و هذه الامثال صفاته لازمة له كلزوم الظل للشاخص مثبتة في هذا اللوح المحفوظ كلما احدث شيئا كتب فيه قال تعالي انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون فكما كان مثاله ابدا يعمل عمله و كان مثاله هو صفته كذلك يكون هو ابدا متصفا بذلك و قد قدمنا ان اعمال المكلف صور ثوابه و عقابه كما قال تعالي سيجزيهم وصفهم و قال تعالي و ماتجزون الا ما كنتم تعملون ، و ان ليس للانسان الا ما سعي ، انما يأكلون في بطونهم نارا ، يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوي بها جباههم و جنوبهم و ظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون فاذا كان متصفا بذلك و هو ابدا يعمل المعصية فالمعصية ابدا لاتنتهي كما ان الطاعة ابدا لاتنتهي و انما هي شجرة تؤتي اكلها كل حين فان ( و ان خ‌ل ) تاب عن تلك المعصية توبة نصوحا بقي ذلك المثال يعمل المعصية الي يوم القيمة ثم يمحي من ذلك اللوح و تنسي ذكره الملئكة من السماء الثانية و يمحي من تلك البقعة التي عمل فيها و من ذلك الوقت فلايذكره احد ابدا فان قلت ان قولك كلما توجهت اليه وجدته عاملا بالمعصية لايدل علي دعويك لان ذلك انما هو شئ في التصور و انت تدعي وجوده في الخارج و اين ما في الذهن مما في الخارج قلت انما تتصور بذهنك الصورة و هي ظل للخارجي لان الذي في ذهنك لايخلو اما ان يكون ظلا او يكون ذاتا فلو كان ذاتا لزم ان يكون ذهنك فيه البلدان و الاشخاص بذواتها و لم‌يقل به احد [ص 30] و لايتوهمه عاقل و اذا كان ظلا لزم ان يكون لشئ خارجي و يجب ان يكون موجودا خارج الذهن و ليس الا مثال زيد و لهذا اذا اردت ان تذكر مثاله و تراه بخيالك لايمكنك ذلك الا ان تلتفت الي زمانه و مكانه بل لو عمل يوم الجمعة في المسجد لم‌تره و لاتراه الا اذا التفت الي المسجد يوم الجمعة و كون العاصي متصفا ابدا بذلك المثال و ان ذلك المثال ابدا يفعل المعصية هو المشار اليه بما روي عنهم عليهم السلم انما خلد اهل النار في النار بنياتهم و السر في كون النية علة للخلود و هو اهل النار في الدنيا كانت نياتهم انهم ابدا لايطيعون الله فلما كانت نياتهم كذلك دلت علي ان حقايقهم لم‌يكن في اصل تكونها شئ مقتض للخيرات و الا لبدا عنه ميل ما و لو بالتسويف الي جهة الخير فلاينبعث النية علي المعصية بالتأييد لان الدواعي و الميول الخالصة لاتنبعث خالصة ابدا عن الحقايق المشوبة فاذا كانت حقائقهم هكذا لم‌يكن فيها جهة قبول ما هو خلاف ما هي عليه في حد ذاتها فلم‌يجري عليها الا ما قبلته بمقتضي ذواتها باعمالها الظاهرة و الباطنة و منها النية لانها الباعث علي العمل و لكن اعمارهم ماوفت بما عزموا عليه و لو عاشوا ابدا الابدين ماهموا بطاعة الله ابدا حتي انهم يندمون علي تفريطهم و لايعزمون علي التلافي كما حكي الله عنهم في قوله و لو تري اذ وقفوا علي النار فقالوا يا ليتنا نرد و لانكذب بايات ربنا و نكون من المؤمنين فكذبهم الله تعالي لعلمه بما عزموا عليه فقال بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل فانهم كانوا يتبرؤن من التقصير فلما ظهر للناس [ص 31] انهم قصروا ظهروا لهم الاعتذار حياء لا ندما علي تقصيرهم فقال تعالي و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه و انهم لكاذبون اخبر تعالي عن نياتهم و استدامتها ابدا فلهذا اقامها ( اقامهم خ‌ل ) مقام اعمالهم بالمعاصي لانهم لم‌يمنعهم من معاصي الله الا عدم التمكن منها او الموت مع العزم عليها و لو جاز تنعيمهم و الحال هذه لجاز خلاف الاستحقاق و خلاف القابلية و خلاف الحكمة و لو حسن هذا لجاز تعذيب الطبايع و لو جاز ذلك لبطلت فائدة التكليف و لو جاز هذا لم‌يحسن ايجادهم لان فائدة الايجاد هي المعرفة و العبادة المتوقفين علي التكليف ليصل المكلف بهما الي الخيرات و التنعيم الدائم فهذا من الادلة المثبتة لدوام العذاب عند اولي الالباب ، و منها ان الله سبحانه لم‌يخلق شيئا الا و خلق له ضدا ليعلم ( ليعلم الا ضد له خ‌ل ) فلما خلق الرحمة وجب في الحكمة ان يخلق ضدها فخلق الغضب و هو ضد الرحمة و هما ركنان للوجود فخلق من الرحمة اهل الجنة و خلق من الغضب اهل النار و المراد من هذا الخلق هو الخلق الثاني الذي هو خلق التقدير و فيه السعادة و الشقاوة لا الخلق الاول الذي اشار اليه تعالي بقوله كان الناس امة واحدة و هو خلق مواد الخلق اي ايجادهم تامين في الخلقة الظاهرة ناقصين في الخلقة الباطنة يعني خلقهم خلق الايجاد و لم‌يخلقهم خلق التكليف الا انهم كانوا صالحين لقبول الخير و الشر فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و هذا خلق التقدير و التكليف و به السعادة و الشقاوة و المراد من ( و معني خ‌ل ) خلق السعداء من الرحمة و الاشقياء من الغضب انه خلق الفريقين موادهما من الوجود [ص 32] في الخلق الاول كل منهما صالح لقبول الخير من جهة وجوده و لقبول الشر من جهة مهيته فقال لهم الست بربكم من اجاب دعوتي و امن بي خلقت صورته من جنس اجابتي و الايمان بي و هو الرحمة و يكون بذلك مآله الي جنتي و رحمتي و من اعرض عني و كفر بي ( اعرض عن دعوتي و لم‌يؤمن بي خلقت صورته من جنس الاعراض عني و الكفر خ‌ل ) و هو الغضب و يكون بذلك مآله الي ناري و غضبي فمنهم من اجاب خلقه من الرحمة و اليها يعود و من انكر خلقه من الغضب و اليه يعود فاجري علي كل ( كل اهل خ‌ل ) اصل فروعه و فروع كل من الاصلين لا نهاية لها فصورة الرحمة خلقها لمن اطاعه باجابته و الي الرحمة يعود و من فروعها الجنة و نعيمها الدائم الذي لا انقطاع له بل كلما تطاولت الدهور عليهم ازدادوا نعيما و لذة و جدة و شبابا و عكسها صورة الغضب خلقها لمن عصاه بمعصيته و عدم قبوله لدعوته و الي الغضب يعود و من فروعها النار و حميمها الاليم و عذابها الذي لا انقطاع له بل كلما تطاولت الدهور عليهم ازدادوا تألما و عذابا و ضعفا علي عكس الجنة و اهلها و لهم عذاب مقيم فكما ان اهل الجنة دائما يأكلون و يتلذذون من ثمرات اعمالهم كذلك اهل النار يتألمون من طلع اعمالهم فانهم لآكلون فيها ( منها خ‌ل ) البطون ثم ان لهم عليها لشوبا من الحميم ( حميم خ‌ل ) ثم ان مرجعهم لألي الجحيم استجير بالله من غضب الله و منها انه قد دل العقل و النقل و اجماع المسلمين علي ان اهل الجنة ابدا يتنعمون و ان نعيمهم لا انقطاع له و قد دل العقل و النقل علي ان النار عكس الجنة و ضدها و ان جميع ما فيها ضد ما في الجنة و قد ثبت ان الجنة لاينقطع نعيمها و تنعم اهلها فيجب ان تكون [ص 33] النار لاينقطع عذابها و تألم اهلها لانها ضد ( ظل خ‌ل ) الجنة فكيف يصح ان ينتهي الظل و ذو الظل لاينتهي و لا شك ان تألم اهلها ظل لتنعم اهل الجنة لان التنعم فرع الجنة و التألم فرع النار و هي ضدها و ظلها و هذه التي سمعت من الادلة العقلية و لكنها من دليل الحكمة الذي ينظر به الفؤاد و اما الادلة النقلية فالايات و الروايات ناطقة بذلك كقوله تعالي كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب و قوله تعالي لايقضي عليهم فيموتوا و لايخفف عنهم من عذابها و الاحاديث مشحونة بذلك و اجماع العلماء من الفريقين علي ذلك معلوم لاينكر و لايجهل و دعوي ان اهل النار يؤل امرهم الي النعيم باطلة فان هؤلاء المتصوفة اعداء اهل البيت عليهم السلم هم القائلون بذلك لما قال اهل العصمة عليهم السلم بدوام التألم لاهل النار و اولئك همهم الخلاف لاهل العصمة ( الحق خ‌ل ) عليهم السلم ليتقربوا بذلك الي ائمة الجور فجري فيهم قول النبي صلي الله عليه و آله كما رواه الفريقان لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة الحديث ، و ذلك ان اليهود قالوا لن‌تمسنا النار الا اياما معدودة و قال بعضهم الا اياما معدودات و نظيرهم في هذا الامر القائلون بانقطاع العذاب عن الكافر و ان مرادهم يؤل الي النعيم و به قال مميت‌الدين ابن عربي و تبعه جهال من اهل هذه المذهب في صورة العلماء و تكلفوا تأويل القران و النصوص و صرفوا القول عن مفهومه و حرفوا الكلم عن مواضعه حتي وقعوا في مهلكة غفلة بان جعلوا محكمات الكتاب و نصوص اهل الخصوص [ص 34] تابعا لرأي اهل الضلالة كابن‌عربي و عبدالكريم الجيلاني و هم لايعلمون و لو قلدوا ائمتهم و ردوا الامر اليهم لكان خيرا لهم و اقوم .

قال سلمه الله تعالي : ( ثم خ‌ل ) ان العبد هب عصي طول عمره ( عمره فاين عمره خ‌ل ) من الابد فيكون العذاب المؤبد ظلما تعالي الله عن ذلك مع ان التجاوز عن الوعيد مستحسن فيما بين الناس .

اقول قد تقدم جواب اول هذا السؤال بأنه انما عذب ابدا علي نيته و عزمه القاطع انه يعصي ابدا و انما منعه عن ( من خ‌ل ) عمل المعاصي ابد الابدين بالجوارح عدم ( لعدم خ‌ل ) تمكنه و معاجلة الاجل و لانه لو انقطع عنه العذاب لايخلو اما الايكون موجودا و ليس في الاخرة عدم و اما ان ينعم و قد تقدم ان حقيقته لايقتضي النعيم و لايحسن العبث من الحكيم الذي لايفعل الا عن حكمة فلو وضع الاشياء في غير موضعها لكان ظلما للحكمة و يكون فاعل ذلك ضعيفا كما قال عليه السلم و انما يحتاج الي الظلم الضعيف فيكون تعذيبه لهذا المنافق بالعذاب المؤبد عدلا ان الله لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون و اما ما احتج به الصوفية فيه من ان التجاوز عن الوعيد مستحسن لانه عفو و من كرم النفوس و من اولي في ( من خ‌ل ) كرم النفس من الله تعالي و لانه مدح اقواما يعفون عمن يستحق العقوبة و سماهم محسنين كما قال تعالي و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين فليس بصحيح اما الاول ( اولا خ‌ل ) فلأن الوعيد اذا كان لمن لايحسن العفو عنهم فانه وعد من جهة و ذلك لان ذلك الانتقام قصاص لمظلومين في الدنيا و هو و ان كان وعيدا بالنسبة من المقتص منه لكنه [ص 35] وعد بالنسبة الي المقتص له لانه في مقابلة مظلمته و لو ان للذين ظلموا ما في الارض لافتدوا به و لهذا سماه الله وعدا قال تعالي و يستعجلونك بالعذاب و لن‌يخلف الله وعده و اذا كان وعد الاخرين لايجوز في الحكمة العفو عنه لان فيه ابطال حق الغير مع ما فيه مما يلزم عليه مما ينافي المصلحة و اما ثانيا فلان العفو عن الوعيد لايحسن الا عمن يصلح للاحسان اليه و الا لماجاز مطلق العدل و الحساب لانه ينافي العفو و اذا فتح جواز هذا الباب بطل حكم التكاليف ( التكليف خ‌ل ) و لان من عفي عنه لايبقي واقفا بل لا بد من الاحسان اليه و من لايصلح للاحسان اليه كيف يصح الاحسان اليه و هذا مع ملاحظة ما تقدم و اما ثالثا فلأن العفو عن الوعيد اذا كان احسن من القصاص فهل ( فهل هذا خ‌ل ) الحسن مطلق او انه مقيد فان كان مقيدا فنحن نقول بموجبه لان بعض من يحسن الاحسان اليه يعفي عنه لا مطلقا و ان كان مطلقا ففيه بحث و هو ان نقول اما ان يكون المراد بالاطلاق انه يحسن العفو عن كل احد او انه يحسن العفو عن كل ذنب فان كان المراد به الاول لزم منه ما قلنا من بطلان فائدة التكليف و ان ( فان خ‌ل ) كان الثاني فنقول لم لايكون العفو المستحسن انما هو عن البعض دون الكل فان قلت يجوز ان يكون المراد به العفو عن البعض قلنا فيه شيئان الاول ترجيح البعض دون البعض الاخر ترجيح بلا مرجح اذ نسبة الذنوب كلها الي عفوه ( عفوه متساوية خ‌ل ) لغناه المطلق علي السواء فلايكون المراد به بعضا دون بعض و ان سلمنا انه عن بعض دون بعض فنقول المعفو ( العفو خ‌ل ) عنه هو الصغائر ام الكبائر فان كان هو الصغائر لزم ما قلنا سابقا من لزوم [ص 36] الدوام اذ ( او خ‌ل ) العفو عن الصغائر خاصة كلا عفو لانه لايترتب عليها عذاب يلزم منه الدوام ليكون المعفو ( العفو خ‌ل ) عنه ناطقا ( قاطعا خ‌ل ) عن الدوام و ان كان عن الكبائر ( الكبائر قلنا ان العفو عن الكبائر خ‌ل ) مكفرا للصغائر فيكون العفو عن الكبائر عفوا عن الكل و هو خلاف المفروض مع ما فيه من خلاف الحكمة فان العفو اذا كان تدريجيا يجب علي مقتضي الحكمة ان يكون الابتداء بالصغائر و كون العفو عن الكبائر دون الصغاير يستلزم تأخر الصغائر و هو مخالف للحكمة و ان قلت ان العفو المستحسن انما هو عن الكل لان التمدح بالعفو عن الكل اكمل و اولي بالغني المطلق و الكريم الذي لايتلذذ بالانتقام و لاتستفزه الاحوال قلنا الامر في حقه تعالي كما قال و فوق ما نقول و يقول القايلون و لكن يلزمك ان تقول انه يعفو عن كل احد و لايؤاخذه ( لايؤاخذ خ‌ل ) عن ذنب فكيف قلت انه يعذبهم مدة من الاوقات و يتألمون من ابتداء دخولهم فلم جاز ان يعذبهم و لايعفو عنهم ابتداء لان العفو عنهم ابتداء ابلغ في التمدح بالعفو عنهم بعد تطاول الدهور و لان يعفو عن ابليس و يدخله الجنة ابلغ من ذلك فكيف حكمت انه يعذبهم ابتداء ثم يتمدح بالعفو عنهم فان كان ذلك عن ذنوب يعفو عنها فنقول انه تعالي قد حكم الايعفو عنهم قال تعالي ان الله لايغفر ان يشرك به و ان كان انما عقاب ذنوبهم قد انتفي ( انتهي خ‌ل ) فينبغي ان يقال انه يخرجهم من النار و يدخلهم الجنة و الا لكانوا مظلومين و هو خلاف الحكمة فان قلت انما الحكمة ان ترتفع عنهم التألم و يتنعمون بالعذاب قلنا لو خيروا ان يخرجوا من النار و يدخلون الجنة هل يرضون بذلك ام يقولون نعيم [ص 37] النار خير لنا و لا شك انهم يختارون الجنة و ليس ذلك الا بعدم النقم ( لعدم النعم خ‌ل ) و لو بالنسبة علي قولكم ثم نقول اذا كانت الجنة خيرا لهم و قد فرض ان لا ذنب عليهم فلم لايخرجهم من النار و يدخلهم الجنة و هي خير من النار فان كان لاجل انه حكم انه حرم عليهم الجنة قلنا ان كان منعهم من الجنة لحكمه عليهم بذلك و يكون حكمه هو المانع قلنا بما استحقوا ذلك بدون تقصير فكيف يحكم عليهم من غير استحقاق فان كان حكمه جري علي مقتضي الحكمة مع انهم لا ذنب عليهم كذلك حكم بانهم ابدا يتألمون جار علي مقتضي الحكمة و ان كان هو الموجب لتألمهم و ان كان ان حكمه لايجري علي مقتضي الحكمة الا اذا كان ( كانوا خ‌ل ) مستحقين كذلك نقول انما جري حكمه عليهم بتألمهم لانهم كانوا مستحقين بسبب ذنوبهم و ذنوبهم انما كانت غير متناهية لان نياتهم كانت غير متناهية في التصميم و العزم الجازم علي العصيان و انما قامت النيات مقام الاعمال لانها ميل ذواتهم الذاتي الي ما هم عليه من العصيان و من ادلتهم علي انقطاع التألم ان الله تعالي قال و رحمتي وسعت كل شئ و لا ريب ان الكافر شئ فتسعه الرحمة و الجواب ان الرحمة الواسعة هي الفضل و العدل بخلاف الرحمة المكتوبة فانها فضل خاص ( خالص خ‌ل ) و لهذا قال تعالي فساكتبها للذين يتقون الاية ، و هو الصفة ( هي صفة خ‌ل ) الرحيم الخاصة بالمؤمنين و كان بالمؤمنين رحيما فالرحمة ( و الرحمة خ‌ل ) الواسعة صفة الرحمن و هو اسم خاص بصفة عامة و معني عموم صفته انها تشمل المؤمنين و الكافرين في الدنيا او في الدنيا و الاخرة و علي الرواية الاخيرة ان رحمته [ص 38] تشمل المؤمن بجهة الفضل و الكافر بجهة العدل و لو كان المراد بالرحمة الواسعة هي جهة الفضل خاصة لكان يلزم احد الامرين ( امرين خ‌ل ) اما الاتشمل كل شئ لانها لاتشمل الكفار اول دخولهم النار فلاتسع كل شئ فيبطل استدلالهم او تشملهم فلايتألمون ابدا و لم‌يقل به احد من المسلمين و امثال ذلك مما لا فائدة في ذكره لانه مخالفة العقل ( مخالف للعقل خ‌ل ) و النقل و التأويل للنقل هنا باطل للاجماع علي الصحيح ( تصحيح خ‌ل ) ظاهره و اما العقل فلايتوهمون ان دعويهم مطابقة للعقل غلط لان هذا الذي ذكروه ليس بعقل اذ شرط العقل المسموع ان لايخالف المطبوع لان المسموع قد يكون مكتسبا من مذهب قلد فيه او اعتقاد اعتادت نفسه له و انست به و المطبوع فطرة الله و هي حق و الي هذا اشار اميرالمؤمنين عليه السلم بقوله :

رأيت العقل عقلين فمطبوع و مسموع

فلاينفع مسموع اذا لم‌يك مطبوع

كما لاتنفع الشمس و ضوء العين ممنوع

و الحاصل تفهم الكلام تعرف الحق من الباطل قال الشاعر :

فهب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياء

قال سلمه الله تعالي : و ايضا ايجاد هذا الموجود المستحق للعذاب الدائم لايخلو عن اشكال فان ذلك الموجود له ( له ، له خ‌ل ) ان يقول لموجده حين الذم و العقاب انا ماكنت راضيا بالوجود فلم اوجدتني و ابتليتني بهذا البلاء العظيم مع علمك بان ذاتي كذلك و ليس عدم رضائي من سفاهتي و قلة عقلي بل كل العقلاء يؤثرون العدم علي مثل هذا الوجود المبتلي بالعقاب دائما و لم‌يتخلص من العذاب ابدا .

[ص 39] اقول ليس لهذا الموجود ان يقول هذا القول لانه انما اوجده باختياره و رضاه بعد ان بين له ما يؤل امر الطائع و العاصي بالدليل الذي يفهمه بذوقه فهما قطعيا حتي انه لو علم منه ان عقله ماذاق ازيد ( مااريد خ‌ل ) منه بقي ملهيا عنه حتي يكون يوم القيمة و يجدد له التكليف كما قال الله تعالي و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون و لهذا قال لهم الست بربكم حتي انه خاطبهم بالاستفهام التقريري الدال علي اقرار المخاطب بالمذكور و علمه به و رضاه بذلك الاقرار بما سئل عنه كما تقول لمن تريد منه الاقرار لك بأنك الذي اعطيته دراهم الست بالذي اعطاك دراهم فيقول بلي فاذا تأملت هذا الكلام ظهر لك انه راض بذلك الاقرار و لما اقروا بذلك قال للملائكة اشهدوا يا ملائكتي قالوا شهدنا كراهة ان تقولوا انا كنا عن هذا غافلين فكيف يقول ماكنت راضيا بالوجود مع انه هو الذي دخل في البلاء العظيم باختياره فان الله تعالي مثلا قال لعمرو لاتأكل دينار هذا اليتيم فان من اكل مال اليتيم انما يأكل في بطنه نارا فبعد ان عرفه ذلك حتي علم به يقينا و اشتهي طعاما لايموت بدونه ( بدون خ‌ل ) اخذ دينار اليتيم فاكله فاذا كان يوم القيمة اتي به فاطعم ذلك الدينار نارا في بطنه يطهر ( يصهره خ‌ل ) فاذا كان اشتد به الامر قال يا رب ماكنت راضيا بوجودي في الدنيا حتي لاآكل دينار اليتيم و لا شك انه لو رجع في الدنيا و اشتهي شهوة و لم‌يجد الا ذلك الدينار لاخذه و هكذا فهذا انما يقول ماكنت راضيا بالوجود و اذا وقف علي النار و لو رد و سأل ربه الوجود و اما قوله مع علمك بان ذاتي كذلك فغلط لان الله تعالي انما [ص 40] علم قبح ذاته بمعصيته و لو اطاع لعلم حسن ذاته ( ذاته لان ذاته خ‌ل ) ليست شيئا قبل الايجاد ليعلمها انه ( انها خ‌ل ) قبيحة فيكون قد خلق ما كان شقيا ليشقيه بل ما كانت شيئا فلما خلق كونها و غيبها جعل ذاتا صالحة للشر للتمكن ( لتتمكن خ‌ل ) من قبول الخير فانه لو جعلها متمكنة من الخير و لم‌تكن متمكنة من الشر ( الخير خ‌ل ) اذ شرط التمكن من الخير التمكن من الشر لانه اذا ترك الشر باختياره و هو قادر علي فعل الخير كان فاعلا للخير باختياره ( باختياره و لو لم‌يتمكن من الشر كان فاعلا بغير اختياره فلايكون فاعلا باختياره خ‌ل ) فلايسعه بفعله للخير لانه لايمكنه تركه فلما جعل ذاته صالحة للخير و للشر عرفه طريق الخير الموصل للسعادة و طريق الشر الموصل للشقاوة و اخبره ان طريق الخير هو الاجابة و طريق الشر هو الانكار فبعد ابلاء الاعذار امره فانكر و ترك امره باختياره و حقت عليه الكلمة بعمله و كيف يقول مع علمك بان ذاتي هكذا انما كانت ذاته كذلك بعمله باختياره و اما قوله و ليس عدم رضائي هذا من سفاهتي و قلة عقلي الخ ، غلط و مغالطة بل من سفاهته و قلة عقله لانه بعد ان فعل ما يوجب العذاب الاليم الدائم باختياره و عمله ( علمه خ‌ل ) البتة يكون عدمه اخف علي نفسه من بقائه في هذا البلاء و لكنه هو التي ( الذي خ‌ل ) ادخل نفسه في حلول ( طول خ‌ل ) البقاء و عظيم الشقاء فلم لم‌يطع و هو سالم كما قال تعالي يوم يكشف عن ساق و يدعون الي السجود فلايستطيعون خاشعة ابصارهم ترهقهم ذلة و قد كانوا يدعون الي السجود و هم سالمون و العاقل انما يجوز هذا القول لمن اوجد بغير اختياره و بغير طلبه ثم لم‌يكن اختيار ينصرف به عن المهالك و اما من طلب بفقره ان يغنيه الغني سبحانه ثم انه اعطاه ما [ص 41] يوصله الي سعادة الابد و امره بما فيه نجاته و بين كيفية السلوك اليه و خلده ( حذره خ‌ل ) من موارد الهلكة ثم بين له ان الفضل ليس له قبول الا بالعمل الصالح و هو كذا و كذا و لااعطيه بدونه اذ لا ربط له بك الا العمل الصالح و ان النعيم لايحصل الا بذلك و ان العدل الذي يكون موصلا الي البلاء العظيم و العذاب الاليم ليس له قبول الا بالعمل الطالح ( الصالح خ‌ل ) و هو كذا ( كذا و كذا خ‌ل ) و لااجريه الا به و لاادفعه مع وجود سببه لئلاتبطل حكمتي و عدلي فاكون ظالما و لايظلم الا المحتاج العاجز فانه لايجوز احد من العقلاء له الاعتراض كما قال تعالي الم‌تكن اياتي تتلي عليكم فكنتم بها تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا و كنا قوما ضالين الايات ، و هو ظاهر و الحمد لله رب العالمين ، ( و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين كتبه احمد بن زين‌الدين الاحسائي في السنة السابعة و العشرين بعد الماتين و الالف حامدا مصليا مسلما خ‌ل ) .