قال سلمه الله تعالي : و ما مهية القبر و حقيقته و ما معني ان الروح ترد الي الانسان في قبره الي حقويه و ما الراجع و ما المرجوع اليه و ما ضغطة القبر و ما معني حضور اهل العصمة (ع) عند القبور و الاحتضار خصوصا مع الكفار و كيف تتصل نفوس الكفار بالملئكة و ما الفرق بين ملئكة الثواب و العقاب و كيف يغيب الامام عليه السلم عن المؤمن بعد ظهوره له و كيف يظهر للكافر .

اقول مهية القبر محل سكني الموتي و اول منزل من منازل الاخرة و اما في الظاهر فهو بيت الجسد و هو معروف و اما في التأويل فهو طبيعة الشخص و حياته و شهوته ان الله تعالي يقول ان الله يسمع من يشاء و ما انت بمسمع من في القبور فقال تعالي اموات غير احياء و ما يشعرون ايان يبعثون و اما معني ان الروح ترد الي الانسان الخ فعلي ظاهره لكنها ليست في العالم الزماني السفلي بل في اعلي مراتب الزمان في هورقليا و انما قلنا اعلي مراتب الزمان لان هورقليا بين بين فقد يطلق عليه اعلي الزمان و قد يطلق عليه اسفل الدهر و هذا الاطلاق للمناسبة الصحيحة فان النائم يكون منه الحركات الشديدة و جسده لايتحرك و قد تحدث منه الحركة لقرب الجسم من الجسد فان الانسان اذا نام غردت روحه علي غصن من دوحة المثال و تلك الدوحة مغروسة في الاجسام و الاجسام متشخصة بالاجساد و اما الراجع فهو الروح في المثال و المرجوع اليه هو الجسم في الجسد و اما ضغطة القبر فحكمها حكم ما [ص 85] ذكرنا في رجوع الروح لان كل عالم البرزخ و ما يصير اليه هو منه و علي الجسم تقع مع تعلق الروح به و قد تظهر في الجسد لمعجز و حضور اهل العصمة عليهم السلم في الاحتضار و في القبر للمؤمن و الكافر كل ذلك في ذلك العالم و اليه الاشارة بقوله تعالي و لو انزلنا ملكا لقضي الامر ثم لاينظرون يوم يرون الملئكة لا بشري يومئذ للمجرمين و غير ذلك من الايات و الروايات بمعني ان الملئكة لاتدرك لشخص في عالم الاجساد الا اذا لبس الملك صورة الجسد كجبرئيل عليه السلم في صورة دحية الكلبي و نزوله مع ميكائيل و كربيل الي ابرهيم في البشري ثم الي لوط بهلاك ( لهلاك خ‌ل ) قومه و غير ذلك و كل نفس انما تتصل بما يجانسها من الوسائط فارواح المؤمنين تتصل بملئكة الثواب من جنود رضوان عند الاحتضار و عند الحساب و في البرزخ و يوم القيمة و في الدنيا و في الجنة قال تعالي حكاية عن ملئكة الثواب ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة الاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن اولياؤكم في الحيوة الدنيا و في الاخرة الاية ، و ارواح الكفار تتصل بملائكة العقاب من جنود مالك عند الاحتضار و عند الحساب و في البرزخ و في الدنيا و الاخرة علي عكس المؤمنين و اما الفرق بين ملائكة الثواب و ملئكة العقاب ان الوجود اذا تحققته وجدته ذاتيا و تبعيا و المراد بالوجود التبعي الوجود المتحقق الذي يكون احداثه باحداث الذاتي و المراد هو الذاتي و التبعي ليس مرادا لذاته و انما اريد لتمام الذاتي فهما يظهران معا و ان كان الذاتي متقدما ذاتا و العرضي الذي هو [ص 86] التبعي ذاتي في رتبته و لهذا قال و كلتا يديه يمين بعد قوله بيمينه و بشماله ثم اذا نظرت بالتزييل الحقيقي رأيت الوجود ينقسم الي ذرات هي ملائكة فملائكة اليمين الذاتي ملئكة الثواب و ملئكة الشمال العرضي ملائكة العقاب فالاول وجود الفضل و الثاني وجود العدل و مايعلم جنود ربك الا هو و اعلم ان الامام عليه السلم اذا ظهر للمؤمن انما يغيب عن شخصه الي صورته و اما ظهوره عليه السلم للكافر فانما يظهر له بظاهره لان باطنه للمؤمن فيه الرحمة و هي الولاية و المحبة و ظاهره من قبله العذاب للكفار ( للكافر خ‌ل ) و ظاهره براءة و عداوة فبهذا يظهر فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني تعاقب الملئكة علي الانسان بالليل و النهار و ما معني قول من يريد الخلاء اميطا عني .

اقول ان النور كل جزء منه يحمله ملك و الملئكة الحاملون لنور النهار المنبثون في ضيائه هم ملئكة النهار و الظلمة كذلك و الحاملون لظلمة الليل المنبثون في ظلمته هم ملئكة الليل فهم يسيرون مع النور و الظلمة في سير الفلك و من كل من النوعين حفظة اعمال تكتب ملكئة النهار اعمال العباد في النهار و ملئكة الليل يكتبون اعمال العباد في الليل و يجتمعون ما بين طلوع الفجر الصادق الي الاسفار فاذا امتد الضياء اي ( الي خ‌ل ) الافق الغربي ارتفعت ملئكة الليل فاذا زالت الحمرة المشرقية و تجاوزت قمة الرأس الي جهة المغرب نزلت ملئكة الليل و منهم حفظة الابدان و الارواح عن الضربة و السقطة حتي ينزل القدر فيخلون بينهم و بين القدر و منهم حفظة الاسباب و منهم حفظة القوي و منهم [ص 87] حفظة الاجال و المدد و الارزاق و الاعمار و هم اهل الواح المحو و الاثبات قال تعالي ان كل نفس لما عليها حافظ و قال تعالي سواء منكم من اسر القول و من جهر به و من هو مستخف بالليل و سارب بالنهار له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله و اما قول علي عليه السلم للملكين الكاتبين اذا اراد الخلاء اميطا عني و لكما علي ان لااحدث ما يسخط الله فهو علي ظاهره لانه عليه السلم بجسمه من ( مع خ‌ل ) الملئكة بل لو قلت بجسده في وجود واحد يعني في كون واحد من الرتب لكنت صادقا فلايجب ان يشرف عليه في خلائه ناظر فيأمرهما فيميطان عنه و هذا يجري له و لاهل بيته الطيبين و لايجري لسائر الناس .

قال سلمه الله تعالي : و هل غير البشر من الجن و الحيوان يحشر ( يحشر و يثاب خ‌ل ) او يعاقب ام لا مع انه لا موات في العالم فان كان الاول فما ثوابها .

اقول كل مخلوق يحشر لان كل مخلوق مكلف من حيوان و جماد نام و غيره قال سبحانه و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم مافرطنا في الكتاب من شئ ثم الي ربهم يحشرون فاعلم ان الوجود كله من نوع واحد كما ان النور المنبعث من السراج من نوع واحد الا انه كلما قرب من السراج كان اقوي و اضوء كذلك الوجود كلما قرب منه ( من خ‌ل ) المبدء الفياض الذي هو المشية كان اقوي و اضوء يعني احساسا و ادراكا و التكليف علي قدر الشعور و الثواب و العقاب علي قدر الشعور فكل شئ من الموجودات مكلف و محشور و يثاب و يعاقب و لكن الثواب و العقاب علي قدر شعور المكلف في الكم و الكيف و البقاء و [ص 88] الانقضاء فما كان حقيقة ( حقيقته خ‌ل ) دائمة كان ثوابه و عقابه دائما و من ينقطع عقابه يكون مثابا للافضل فانما ينقطع ( للافضل و من ينقطع خ‌ل ) ثوابه فانما ينقطع بالاستحقاق و يتصل به ثواب الفضل و هو لاينقطع ابدا و اما ما تفني موته كالجماد و النبات و سائر الحيوانات غير الانس و الجان فانما تفني مدته عند الخلق و حينئذ يفني ثوابه و عقابه عند الخلق و بالجملة هنا حرف لا صلاح في بيانه و الفائدة في جواب السؤال و هو ان كل متحرك و ساكن فهو يحشر و الايات و الروايات في بيان ذلك لاتحصي في الحيوانات و غيرها ففيها افتخرت زمزم فاجري الله فيها عينا من صبر و افتخرت ارض الكعبة علي سائر البقاع او علي كربلاء فاوحي الله اليها اسكني و عزتي و جلالي لولا كربلاء لماخلقتك و مثله ما ورد من ان التمرة اذا تركت الذكر ذلك اليوم ارسل الله عليها ملكا فضربها بمنقاره فكانت رمادا و مثل البقاع السبخة بتركها الولاية و العذبة بقبولها الولاية نقلت ذلك بالمعني و الاحاديث في ذلك لاتحصي و ثواب كل شئ بصفوة وجوده بمعني انه يثاب بملايمة ( بما يلايمه خ‌ل ) اعلي مراتب الملائمة في حقه علي قدر طاعته فعلا و استعدادا و يعاقب بما ينافر وجوده بقدر عصيانه فعلا و استعدادا .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني النفخ في الصور و ما الفرق بين النفختين و ما معني ان الاولي تنزع الارواح من الاجسام و الصور البرزخية و ما المنتزع و ما المنتزع منه و ما معني موت الملئكة و سكان السموات بها و ما معني حياتهم بالثانية و ما معني موت الموت و ذبحه في صورة كبش املح و ما معني ان جهنم يؤتي بها في صورة بعير .

[ص 89] اقول ان النفخ عبارة عن جذب لطيف او دفعه بلطيف مثله في اللطافة و الخفة و غير ذلك و لهذا قال الباقر عليه السلم لمحمد بن مسلم لما سأله عن قوله تعالي و نفخت فيه من روحي فقال له ما هذا النفخ قال عليه السلم ان الروح مجانس للريح فافهم الاشارة و نفخ اسرافيل (ع) في الصور للصعق هو جذب الارواح بما يناسبها من نفس الحيوة بفتح الفاء و هو المشار اليه في كلام الحسن بن علي عليهما السلم في تفسير الله يتوفي الانفس حين موتها ما معناه علي بعض الروايات اذا اراد الله موته امر الروح فجذبت الروح و امر الروح فجذبت الريح فمات و اذا اراد رجوعه الي الدنيا امر الريح فجذبت الروح و امر الروح فجذبت الروح و مثل معناه ما رواه العياشي عن الباقر عليه السلم قال ما من احد ينام الا عرجت نفسه الي السماء و بقيت روحه في بدنه و صار بينهما سبب كشعاع الشمس فان ( فاذا خ‌ل ) اذن الله في قبض الروح اجابت الروح النفس و ان اذن الله في رد الروح ( الروح اجابت النفس الروح خ‌ل ) ، و هذا الجذب و هذه الاجابة مثل جذب نفخة الصور و اجابة الارواح و هو مثل جذب المغناطيس للحديد و نفخة البعث و الحيوة نفخ دفع و استدعاء من الارواح حين النفخ و اجابة من اسرافيل و قد تقدم بيان لهذه المسئلة و الاولي تنزع الارواح من الاجسام مع الصورة ( الصور خ‌ل ) البرزخية فاذا وصلت الي الصور دخلت في بيوتها الستة من ذلك الثقب المختص بها فيأخذ البيت الاول صورته البرزخية و الثاني يأخذ المادة المجردة و الثالث يأخذ الركن الاحمر و هو الاسفل الايسر و الرابع يأخذ الركن الاخضر و هو الاعلي الايسر و الخامس يأخذ [ص 90] الركن الاصفر و هو الايمن الاسفل و السادس يأخذ الركن الابيض و هو الايمن الاعلي و يكون بين النفختين اربعمائة سنة و روي اربعين سنة و هذا موافق لروايات ( لرواية خ‌ل ) العامة فهو محمول علي التقية او علي ان كل سنة عشر سنين كسني الرجعة و اذا اراد الله تجديد الخلق احيي اسرافيل (ع) و نفخ في الصور نفخ الدفع و هو النفخ المعروف فاذا نفخ خرج الركن الابيض لان النفخ يمر عليه اولا فيدفعه الي الاصفر فيتركب معه بالطول و يدفعهما الي الاخضر فيتركب معهما بالعرض و يدفعها الي الاحمر فيتركب مع الاخضر بالطول و مع الاولين بالعرض و يدفعها الي المادة و تمازجها و تدفعها الي الصورة التي هو المثال فتقوم معلنة بالثناء علي الحي القيوم و يدفعها و تقصد جسمها في قبره فتدخل فيه فيتلازمان تلازم اشتياق و وفاق و المنتزع بالنفخة الاولي من الاجسام الروح المتركبة من الستة الاشياء المذكورة و الاجسام هي المنتزع منه و المنتزع من الارواح هذه الستة من كل واحد فينتزع الخمسة من المثال و الاربعة من المادة و الثلاثة من الطبيعة و الاثنين من النفس و العقل من الروح و اما معني موت الملئكة فالعقليون بانتزاع الوجود من المهية و الروحانيون بانتزاع المعني من الرقيقة و النفسانيون بانتزاع الرقيقة بما فيها من الصورة و الطبيعيون بانتزاع مشاعر الملك الثلاثة من طبيعته ( طبيعيته خ‌ل ) و الماديون بانتزاع الطبيعة بما فيها من ماديته و المثاليون بانتزاع المادة بما فيها من مثاليته و الجسمانيون بانتزاع المثال مع ما فيه من جسمانيته كهيئة موت الانسان و هكذا سائر مراتب الملئكة و معني [ص 91] حياتهم رجوع ما انتزع فيما انتزع منه و اما موت الموت فهو عبارة عن فنائه و اما ذبحه فانه اذا دخل اهل الجنة الجنة و اهل النار النار مثل لاهل الجنة و اهل النار الموت في صورة كبش املح فيذبح بين الجنة و النار و يقال يا اهل الجنة خلود و لا موت و يا اهل النار خلود و لا موت فهناك يشتد سرور اهل الجنة و حزن اهل النار و اما كون الموت المشار اليه في قوله تعالي الذي خلق الموت و الحيوة و هو الذي يذبح بين الجنة و النار في صورة كبش فالذي يظهر لي ان ذلك كناية عن احتقاره و ضعفه اظهارا للعظمة و القهر و ان الذبح كذلك كما في قوله تعالي و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين و انما خص بالذبح دون الموت و الفناء لان الموت ليس فيه ما في الذبح لان الموت انما يكون لذي الروح و لايلزم منه عدم ايجاده مرة ثانية لعدم ظهور القهر الدال علي ارادة عدمه ابدا و الذبح ابلغ في هدم البنية و قد يستعمل في غير ذات الروح لاحتمال ذلك في الموت لانه امر نسبي و وجود ارتباطي و اما الفناء فهو و ان كان ابلغ من الذبح لكن يتوهم فيه الغيبوبة التي يظن منها العود لعدم ظهور القهر فيه و اما كونه املح فلأن الموت هو الحائل بين الوجود و العدم و الوجود بياض و العدم سواد و املح هو الذي فيه بياض و سواد فلاجل كونه نسبة بينهما كان املح و ليس هذا معني الكبش الاملح في فداء النبي (ص) اسمعيل و في عقيقة الحسن و الحسين عليهما السلم و ان كان معني املح كذلك لاجل اختلاط النور و الظلمة الا ان ذلك من معني [ص 92] اخر لان البياض من الحق و النور و السواد من الباطل و الظلمة اما النور و الحق فمن شانهما و فعلهما عليهما السلم و اما الظلمة و الباطل في ما يجري عليهما من الظالمين و حالهما من الحالتين بياض و سواد فناسب ان يعق عنهما بكبش املح كما ناسب ان يكون قصر الحسن عليه السلم في الجنة من زمردة خضراء كلون السم و قصر الحسين عليه السلم في الجنة من ياقوتة حمراء لحمرة دمه عليه السلم و لصبره و كبش اسمعيل هو من مظاهر الحسين عليه السلم لان ابرهيم (ع) احب ان يكون ابنه فداء للحسين عليه السلم و لكن الحسين (ع) كان فداء له و لشيعته ( للشيعة خ‌ل ) فكان السبق له عليه السلم فكانت صورة المذبوح كبشا و اما اللون فمن لون الفجر لانه ابيض مشوب بالسواد و هو قوله تعالي و قران الفجر ان قران الفجر كان مشهودا و الفجر هو الحسين عليه السلم الذي كشف ظلمة الشبهة التي دخلت علي الشيعة بمصالحة الحسن عليه السلم لمعوية قال الصادق عليه السلم ما معناه سورة الفجر سورة الحسين عليه السلم فمن داوم عليهما في فرائضه و نوافله حشره الله مع الحسين عليه السلم و اما معني ان جهنم يؤتي بها في صورة بعير فهو ان احوال الاخرة كلها حية لا موات فيها قال تعالي و ان الدار الاخرة لهي الحيوان فاذا اريد الاتيان بها لا بد ان تكون في صورة حيوان و اذا كان كذلك فاولي ان تكون بعيرا لما بينهما من صورة المناسبة فان البعير اذا هاج يكون في حال عجيبة لايهاب شيئا و تكون رؤيته حال هيجانه مهيبة جدا فناسب ان تكون جهنم كذلك و ان كانت جهنم اشد من [ص 93] البعير شدة لاتكاد تنضبط لكنها علي هيئة هيجان البعير الذي يعرفونه الناس مع زيادة عظمة و هول لايكاد يتناهي فيأتون بها الي ارض المحشر تقودها الملائكة بسبعين‌الف زمام في كل زمام سبعون‌الف حلقة كل حلقة يمسكها الف ملك و لكنها صورة صفة لا صورة مقدار و لهذا تكون محيطة باهل الجمع مثل الحلقة تتضايق عليهم و تسوقهم الي ارض المحشر فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما السلسلة التي ذرعها سبعون ذراعا و الحجب السبعين او السبعين‌الفا و خصوصية العدد .

اقول السلسلة المذكورة سبعون ذراعا بذراع ابليس و ان الذي نزل فيه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه هو الرابع و الاخبار بينت حكمها فعن الباقر عليه السلم قال كنت خلف ابي و هو علي بغلته فنفرت بغلته فاذا شيخ في عنقه سلسلة و رجل يتبعه فقال يا علي بن الحسين عليهما السلم اسقني فقال الرجل لاتسقه لاسقاه الله قال و كان الشيخ الرابع و عنه عليه السلم انه نزل وادي ضجنان فقال ثلاث مرات لاغفر الله لك ثم قال لاصحابه اتدرون لم قلت ما قلت فقالوا لم قلت جعلنا الله فداك قال مر بي فلان بن فلان ابي فلان يجر في سلسلة قد دلي لسانه يسألني ان استغفر له و انه ليقال ان هذا واد من اودية جهنم و هذه السلسلة في التأويل كما قلنا سبعون ذراعا ثلثون ذراعا من الشجرة الملعونة في القران و اربعون من الخلفاء الذين بعدهم من ولد سابع و الجميع سبعون ذراعا بذراع ابليس لان هؤلاء ذريته و هم شياطين الانس و السلسلة التي في عنق الرابع التي يجر بها لانه ذراع منها تظهر سلسلة [ص 94] من حديد الذي مسخ من العذاب الذي نزل علي قوم يونس فلما امنوا كشف عنهم عن الصادق عليه السلم لو ان حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت علي الدنيا لذابت الدنيا من حرها و هذه صفة تلك لعنهم الله و اما الحجب فانها سبعة و سبعون‌الفا و سبعمائة‌الف و الحجاب الاكبر هو الستر و هو برزخ البرازخ و اثنان و هما فعله و ( و مفعوله و ثلاثة و هي فعله و خ‌ل ) صفته و اسمه و اربعة النور الابيض و النور الاصفر و النور الاخضر و النور الاحمر و بالجملة فالحجب كثيرة جدا و قد ذكرت الحجب التي بين العارف و بين مطلوبه في اجوبة مسائل الآميرزا جعفر النواب اليزدي و اشرت الي اسماء ثمانية منها و التاسع الاعظم فمن اراد ذلك طلبه هناك و اما وجه خصوص العدد فقد ذكرته في اجوبة مسائل اهل اصفهان و الاشارة الي ذلك بكلام مختصر ان الشئ المكون لايكون الا ذا سبعة و ان كان في كل شئ بحسبه مثلث الكيان مربع الكيفية لان السبعة هي العدد الكامل و انما كانت كذلك لذلك و لانها جمعت اول عدد فرد و هو الثلثة و اول زوج و هو الاربعة فالثلثة الكيان ( للكيان خ‌ل ) عقل ( روح خ‌ل ) و نفس و جسم و الاربعة حرارة و رطوبة و برودة و يبوسة و هذا جار حتي في العقل الا انه في كل شئ بحسبه و هذه السبعة هي مراتب الاصول فاذا اريد بها الفروع كالمسببات و الاثار نقلت صورة العدد الي الرتبة الثانية اشارة الي ان المعلول ليس في رتبة علته و انما هو في رتبة بعدها فيكون سبعين و لما كان الاثر و المعلول ليس جزءا من المؤثر و العلة و انما يكون السبعون ذلك المسبع رتبا اخرها الاثر و [ص 95] المعلول فيكون واحدا من سبعين فالسبعون مراتب لذي السبعة و مظاهر له و السبع‌مائة للسبعين و السبعة‌الالاف للسبعمائة و السبعين‌الالف للسبعة‌الاف بهذه النسبة هذا اصل علة خصوص العدد و اما غيره فنقول ان السبعة عدد كامل و كذا السبعون و ما زاد عليه و الكامل باعتبار الاطلاق و الاستعمال يدل علي ارادة دخول غيره فيه من حيث الاكملية و ان كان اكثر فيراد بالسبعين مجرد الكثرة لا خصوص العدد فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني كون الصراط ادق من الشعر و احد من السيف .

اقول اعلم ان الصراط المستقيم و هو طريق الله الي خلقه و طريق خلقه اليه فيطلق و يراد به الامام عليه السلم و قد يراد به ولايته الخاصة و قد يراد به الولاية العامة و قد يراد به ظواهر التكاليف و قد يراد به بواطنها و قد يراد به معرفة النفس او النفس و روي عن الصادق عليه السلم ان الصورة الانسانية هي الصراط المستقيم الي كل خير و الجسر الممدود بين الجنة و النار فان اريد به طريق الله الي خلقه فالمراد به وجودهم التكويني و التشريعي و ليس وجودهم من حيث هو صراطا و ان صدق عليه ببعض التوجيهات بل من حيث هو نور الله كما قال عليه السلم اتقوا من فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و هو ابدا قائم بفعل ربه قيام صدور و تحقق اي طري ابدا و كونه طريقا للخلق الي الله ان استمداد وجودهم التكويني و التشريعي باستعداداتهم الاولية و العقلية و النفسانية و المثالية و الجسمية و البشرية و بالمشاعر الاولية [ص 96] و العقلية و الخيالية و الفكرية و بالميلي الاولي الجزئي و التركيبي و بهيئاته و اوضاعه و اقواله و اعماله و حركاته و سكناته و خطراته و نسبه و اضافاته و كل ما منه و به و له و اليه كل ذلك بتلك الاستعدادات و القابليات و ( هو خ‌ل ) طريقهم في ذلك التكويني و التشريعي الي الله سبحانه و ذلك هو ظهوره لهم بهم و ان اريد به الامام عليه السلم فهو محل فعل الله و الخلق اثار الفعل بشرطه اي عضده لهم في الظهور و عضدهم له في الاستظهار فطريق الاثار في الاستمداد و طريق الفعل في الامداد هو الامام عليه السلم و ان اريد به ولاية الامام الخاصة التي هي المحبة و الايمان بانه الامام المفترض الطاعة الذي لايقبل الله الاعمال الا بحبه التام المشتمل علي اثباته و نفي ما سواه فذلك صراط الله اليهم في التكليف و صراطهم اليه في القبول و ان اريد به الولاية العامة فهو الوجود المطلق الذي به الوجود المقيد و لا شك ( لا شك في خ‌ل ) انه اشد الاشياء استدارة علي ربه فهو الذي خلقه بنفسه و هو الصراط الكلي الاول و ليس صراط ادق منه و لا احد منه و فيه عقبات كؤد لايقطعها بسهولة الا محمد و اهل بيته الطاهرين ( الطاهرون خ‌ل ) عليه و عليهم السلم و فيه عقبات يقف عندها كثير من ال‌محمد صلوات الله عليه و عليهم و اليه الاشارة بقوله صلي الله عليه و اله يا علي لايعرفك الا الله و انا و لايعرفني الا الله و انت و لايعرف الله الا انا و انت و ان اريد به ظواهر التكاليف فانت تجد من نفسك انك لاتقدر علي اداء ركعتين من الصلوة تحفظ فيهما قلبك و ان اريد به بواطنه فاعظم و اعظم لانه مرءاة الوجود و شرح الوجود و ان اريد به معرفة الله التي [ص 97] هي كشف سبحات الجلال من غير اشارة بأن تخرق جميع الحجب و تكشفها ثم تكشف الحجاب الاكبر و تخرقه الذي هو وجودك بأن تراه به صادرا عن فعل الله حين الصدور بالفعل لا بالتصور فيلتبس عليك بوجه من وجوهه و بيانه انك لاتراك مدركا فهو اشد معتركا و اصعب مسلكا و ان اريد به معرفة النفس فهو ان تمحو الموهوم ليصحو المعلوم و ان اريد به النفس فهو معني قول علي عليه السلم لاتحيط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها و هذه الثلاثة الاخيرة متلازمة و البيان فيها واحد و المراد من كون ذلك صراطا هو ما ذكرناه قبل و انت اذا نظرت الي هذه رأيتها ادق من الشعرة فهي عند النظر تمور مورا و تضطرب و تموج موجا و احد من السيف تشق قدم البصيرة و تفرقه و ان كان مجتمعا و هو المراد من انه احد من السيف و ان اريد به الجسر الممدود علي النار طريقا الي الجنة الذي يصعدونه الف سنة و امتداده الف سنة و ينزلون منه الف سنة فهو انما كان احد من السيف و ادق من الشعرة لانه عبارة عن تلك المذكورات اذ هو وجود من وجوداتها فمن مر علي تلك مر علي هذا و من لم‌يمر هناك لم‌يمر هنا لان المعارف الحقة صعبة المنال قل من يمر علي صراطها المستقيم كمعرفة النفس و معرفة المنزلة بين المنزلتين في القدر و معرفة الطينة و اثبات الاختيار لجميع الخلق و معلومية الخلق لله سبحانه و ما اشبه ذلك مما اضطربت فيها الانظار و تحيرت فيها الافكار فان مثل هذه ادق من الشعرة في صغرها و اشد اضطرابا و تموجا منها و احد من السيف اي [ص 98] تفرق القلب المجتمع و تشقه كحد السيف فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني حسين مني و انا من حسين (ع) و لم اختص الحسين عليه السلم بالقيام دون من قبله و من بعده و ما معني كلنا محمد .

اقول الظاهر ان معني حسين مني ان الحسين عليه السلم من محمد صلي الله عليه و آله كالضوء من الضوء و كبدل الكل من الكل او كالولد من الاب و هذا في امر الوجود و اما معني انا من حسين فيحتمل انهم لما كانوا من نور واحد ثم قسموا صدق ( صدق علي خ‌ل ) ان كل واحد من الاخر و يحتمل ان يكون وجود كل واحد سببا لوجود الاخر و مركبا منه و متوقفا عليه توقف معية و تضايف فتركب وجوده العيني من وجوده و من وجود ما توقف عليه فيصدق علي كل واحد انه من الاخر و يحتمل ان يكون في باب الشهادة انه من الحسين عليه السلم لان الحسين عليه السلم ( السلم هو خ‌ل ) سيدالشهداء فكل شهيد فهو من ذرية الحسين عليه السلم و الي ذلك الاشارة بقول الصادق عليه السلم ما معناه انه يكون اثناعشر اماما و اثناعشر مهديا و القائم عليه السلم اخر الائمة و اول المهديين و كلهم من ذرية الحسين عليه السلم و قد اشرت الي هذا المعني في قصيدة رثيت بها الحسين عليه السلم قلت فيها :

لذاك كان ابوه مع اخيه كذا بنوه من نسله حقا و هابيل

و لاجل هذا قال ما قال صلي الله عليه و اله و انما اختص الحسين عليه السلم بالقيام و الجهاد في هذه ( هذه الدنيا خ‌ل ) تبيانا لموافاة التي عاهد عليها في عالم الذر بانه اشتري شيعته من النار بقتله و سبي نسائه و لهذا قام بالجهاد و انما [ص 99] اشتري شيعته من دون سائر الائمة عليهم السلم لمقتضي طبيعته للخشوع و الخضوع المستلزم لجليل البلايا و الرزايا و لهذا جري خطاب الحضرة الالهية ● في ذكر شأن الحسين عليه السلم بنوع الشكاية و الانكسار لان ذكر الشئ من العليم الحكيم من نوع طبيعته و هو شان القضاء المبرم و العلم المتقن فافهم و اما معني كلنا محمد فهذا يشير به الي استفسار قولهم عليهم السلم اولنا محمد و اوسطنا محمد و اخرنا محمد و كلنا محمد و الاشكال في كلنا محمد و لهذا ذكره و بيانه انهم باعتبار نوع النور و الولاية المطلقة و الرد اليهم و الافاضة عنهم و احتياج الخلق في البدء اليهم و العود اليهم و وجوب الطاعة و غير ذلك هم محمد صلي الله عليهم لانفرق بين احد منهم و نحن له مسلمون و وجه اخر ان كل واحد منا اسمه محمد لما روي انهم اذا اتيهم ولد سموه [ص 100] محمدا و بعد السبعة الايام يغيرون اسمه ان شاؤا فلايبعد ارادة هذا المعني مع ذلك المعني و ان كان الاول هو المقصود لكن مع الثاني ينطبق الظاهر علي الباطن .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني الامانة التي اختص بها الانسان فان كانت التكاليف الشرعية او الولاية فما وجه تفسير الانسان بالاول و كيف يختص الانسان و الجن مشاركوه في ذلك و ما معني كونها امانة .

اقول الامانة هي الولاية الخاصة او ( و خ‌ل ) العامة او التكاليف الشرعية من المعارف و الاعمال و الاقوال و الاحوال او المحبة لعلي و اهل بيته عليهم السلم او بغضه او ( و خ‌ل ) بغضهم و عداوتهم فعلي الاول و الثاني و قد مر الاشارة الي تعريفهما يكون المعني انا امرناهم و كلفناهم بذلك فقبلوا و لم‌يعملوا بل تركوا و اهملوا كما قال سبحانه ماكتبناها عليهم الا ابتغاء رضوان الله فمارعوها حق رعايتها فاتينا الذين امنوا منهم اجرهم و كثير منهم فاسقون فمعني حملها يعني تعهد بالقيام بها و لم‌يقم بها بخلاف السموات و الارض و الجبال فانهن استقلن من حملها و مثل ذلك التكاليف و المعارف و الاعمال و غيرها و كذا المحبة و يحتمل ان المراد بحملها دعوي ذلك لا حمله او تمني ذلك و ليس باهل ذلك كتمني منزلتهم (ع) من الانسان الخاص او اعم او انتصابه منصبهم فان الله سبحانه لما خلق الاشياء خلق لكل شئ ضدا فلما خلقهم عليهم السلم و خلق لهم منصبهم فهم يتمنونه بحق و ضدهم يتمني منصبهم بباطل فيقعدون في ضد منصبهم و هم لايعلمون و ذلك لهم لا لغيرهم و قد جعل الله ذلك [ص 101] امانة يجب علي كل مخلوق ان تمكن من شئ من ذلك من منصب او تمني رتبة ( رتبة او دعوي ذلك خ‌ل ) او دعوي شئ مما لهم عليهم السلم ان يؤديه اليهم عليهم السلم فلو خطر بباله شئ من ذلك ان يصرفه الي اهله قال تعالي ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها و قال ( عن خ‌ل ) الرضا عليه السلم الامانة الولاية من ادعاها بغير حق كفر و في المعاني الامانة الولاية و الانسان ابو الشرور المنافق و هو الثاني و في البصائر ما معناه ابين ان يحملنها كفرا اي حمل الانسان الكفر بها و يدخل في ذلك المعني بالعرض تمني ادم (ع) و حوي ذلك و هو الاكل من الشجرة لانه ليس الامانة و انما يلزمه ( يلزم خ‌ل ) منه و لو كان الاكل هو نفس المنزلة لكان ادعاء و لو كان كذلك لكفر ادم و حوي و ان اريد به التكاليف فلايراد بالانسان الخاص بل العام و ان فسر بالخاص فيراد انه اصل كل قصور و تقصير و اغواء و ضلالة و ما سواه تابع له و ان فسرت الامانة ببغض علي و اهل بيته عليهم السلم فتفسير الانسان بالخاص ظاهر و انما اريد بالامانة البغض لعلي عليه السلم لان الله تعالي لما خلق حبه عليه السلم حمله المؤمنون و خلق ضده و هو بغضه و لا بد ان يكون له حامل فعرضه علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنه و اشفقن منه و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا و الانسان في كل ذلك يختص باولية ذلك و اصالته و الجن تابعون فلذلك ذكر المتأصل .

قال سلمه الله تعالي : و ما الدليل علي ان نوح عليه السلم افضل اولي العزم الاربعة ثم ابرهيم (ع) الخ و كيف تنسخ شريعة الافضل شريعة الفاضل بل كيف [ص 102] يأتي الفاضل و يظهر بعد الافضل .

اقول اعلم ان المشهور عندنا ان ابرهيم افضل الاربعة و ظواهر الاخبار اكثرها دال علي ذلك ثم نوح ثم موسي ثم عيسي عليهم السلم و قال بعض اصحابنا بافضلية نوح عليه السلم ثم ابرهيم ثم موسي ثم عيسي عليهم السلم و هذا الذي يقوي في نظري و الدليل علي ذلك من امور : الاول انه قدمه الله سبحانه في الذكر في مقام لوحظ فيه ترتيب الافضلية قال الله تعالي و اذ اخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح و ابرهيم و موسي و عيسي بن مريم و وجه الاستدلال انه ذكر النبيين و قد دخل هؤلاء فيهم و انما ابانهم و خصصهم بالذكر لتفضيلهم و زيادة الاعتناء بهم فلما اقتضي المقام التفضيل لوحظ فيه الترتيب و لان ذلك هو المتبادر عند الاطلاق في مقام التفضيل و لهذا قدم ذكر محمد صلي الله عليه و آله و لو لوحظ التقديم للتقدم الزماني لماقدم ذكر نبينا صلي الله عليه و آله و التقديم في مقام التفضيل و لا قرينة تدل علي شئ يصرف عن الترتيب يدل علي الترتيب في الفضل و كل من له بصيرة بالعربية يقول بهذا ، الثاني ان الله سبحانه اتاه خمسة‌عشر حرفا من الاسم الاعظم و ابرهيم ثمانية و موسي اربعة و عيسي اثنين و هو يدل علي الافضلية ، الثالث ان رسالته عامة و ليس في الانبياء من رسالته عامة الا محمد صلي الله عليه و آله و نوح عليه السلم و اما ابرهيم عليه السلم ففي الخبر انما ارسل الي قرية فيها اربعون بيتا و لاينافي هذا كون شريعة ابرهيم (ع) ناسخة لشريعة نوح عليه السلم و يأتي الاشارة [ص 103] الي ذلك ، الرابع من قول الله تعالي و ان من شيعته لابرهيم و قد اجمع المسلمون من الفريقين ان ابرهيم عليه السلم افضل من موسي و عيسي عليهما السلم فاذا ثبت ان ابرهيم الذي هو افضل من موسي و عيسي من شيعة نوح عليه السلم و لا شك ان الذي من الشيعة مفضول و امامه افضل منه و بهذا يندفع ما ورد من الاحاديث المتكثرة علي علو رتبة ابرهيم عليه السلم بأن يقال قل ما شئت في شان ابرهيم فانه من شيعة نوح بنص الكتاب بكل معني فسرت المشايعة و اما قوله و كيف تنسخ شريعة الافضل بفتح شريعة مفعول تنسخ شريعة الفاضل بضم شريعة الثانية فاعل تنسخ مؤخر فاعلم ان النسخ لا تعلق له بمقام التفضيل لان النسخ انما يكون عند انقضاء مدة الحكم و اذا كان في الشريعة الناسخة احكام متجددة لم‌يكن ( لم‌تكن خ‌ل ) فيما قبلها او مغيرة فهو لاختلاف الموضوع في نفسه و في زمانه و عوارضه فيختلف الحكم كما قيل انما امر الله سبحانه بني‌اسرائيل بقرض لحومهم اذا اصابها البول لان جلودهم بالية كالاعقاب فاذا قطع منها شئ لايحصل منه ضرر و لايخرج منه دم و لما كانت هذه الامة جلودها طرية بحيث لو قطعت حصل منه الضرر العظيم و منه يخرج الدم المنجس امروا بالتطهير بالماء و الله رؤف بالعباد فكان علي هذا تغيير الحكم لاختلاف الموضوع و لاينافي ذلك ( و ذلك لاينافي خ‌ل ) الفاضلية او ( و خ‌ل ) الافضلية و علي مثله جري تأويل قوله تعالي تلك امة قد خلت لها ما كسبت و لكم ما كسبتم و لاتسئلون عما كانوا يعملون و اما انه كيف يأتي الفاضل بعد الافضل فلا اشكال في هذا لان تقدم الافضل و [ص 104] تأخره و توسطه لايناط به عظيم امر لان مراتب الوجود ( الوجود كل مرتبة خ‌ل ) تحصل عند تمام قابليتها و لا ضابط لذلك نعم الامر الطبيعي يقتضي طريقين احدهما ان يكون الافضل اولا و المفضول اخيرا و الثاني ان يكون الافضل اولا و اخرا لاختلاف قوابل مراتب الوجود .

قال سلمه الله تعالي : و ما الوجه في عموم الطوفان لاهل الارض حتي الدواب دون سائر ( سائر امم خ‌ل ) الانبياء .

اقول ان الوجه في عموم الطوفان هو ان النبي نوح عليه السلم كانت نبوته عامة لجميع اهل الارض بخلاف سائر الانبياء (ع) فان افضلهم ابرهيم عليه السلم و لم‌يرسل الا الي قرية فيها اربعون بيتا و كذلك باقي اولي العزم كموسي و عيسي عليهما السلم و جميع الانبياء عليهم السلم نبوتهم خاصة الا نوحا عليه السلم و محمدا صلي الله عليه و آله فانه ارسل الي ما سوي الله تعالي مما حواه الامكان من ( في خ‌ل ) المفعولات و الدليل علي ذلك قول ابي‌محمد العسكري عليه السلم و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة و موسي عليه السلم لما لم‌تكن نبوته عامة كان طوفانه خاصا بقوم فرعون القبط فان قلت اذا كان نوح نبوته عامة انما ارسل الي الانس خاصة و اما الدواب فكيف يعمها و لم‌يكن مرسلا لها قلت قد ذكرنا في مواضع من اجوبة بعض المسائل بل ان ( بان خ‌ل ) كل متحرك بالارادة ارسل اليه من الله من يبلغه ما يريد منه من التكليف و هو قوله تعالي و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم مافرطنا في الكتاب من شئ ثم الي ربهم يحشرون فقد نص علي ان كل ما في الارض من كل [ص 105] ذي روح امم امثالنا و قال تعالي و ان من امة الا خلا فيها نذير فاخبر ان كل امة ارسل اليها نذيرا لانه اخبر ان الكل يحشرون الي الله يوم القيمة و ليس ذلك الا للفصل بينهم و قد دل الدليل العقلي الذي لايدافع انه لايفصل بين من لايرسل اليه رسولا قال تعالي و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا و هو النذير المذكور في الاية السابقة فالدواب التي كانت في زمان نوح عليه السلم التي غرقت انما غرقت لعدم قبولها للدعوة فان قلت هل كان نوح عليه السلم رسولا اليها حتي بلغها فانكرت ام لا فان قلت انه رسول اليها فعليك الدليل اذ لايدل عقل و لا نقل و ان لم‌يرسل اليها فكيف يعم العذاب من لم‌يعص و لم‌يكلف و هذا لايجري علي طريقة اهل العدل قلت لم‌يكن نوح عليه السلم رسولا اليها ابتداء و لكن رسلها تأتيه فيأمرها كما قال تعالي ( تعالي حكاية خ‌ل ) عن بعض النذر غير الانس و اذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القران فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضي ولوا الي قومهم منذرين قالوا يا قومنا انا سمعنا كتابا انزل من بعد موسي مصدقا لما بين يديه يهدي الي الحق و الي طريق مستقيم يا قومنا اجيبوا داعي الله و امنوا به الاية ، و كانوا من جن نصيبين فوفقهم الله للهدي و صرفهم الي محمد صلي الله عليه و آله و هو في صلوته فسمعوا القران و امنوا و تعلموا منه صلي الله عليه و آله دينهم و صرفهم الله تعالي الي قومهم منذرين و الاصل في ذلك انه لايرسل الي امة الا من يقيم عليهم الحجة و ذلك انما يكون اذا كان مجانسا لهم يعرفون كلامه و هو قوله تعالي و ماارسلنا من رسول [ص 106] الا بلسان قومه ليبين لهم فكل نوع من الدواب امة و كل امة ارسل فيها نذير بلسانها ليبين لهم و لكن رسل غير الانس تأخذ من رسل الانس لان الانسان هو الواسطة بين الله و بين سائر الحيوانات الا انها في غير محمد و آله صلي الله عليه و اله و النبي سليمان بن داود عليهما السلم غالبا بالترتيب الطبيعي مثلا كان يأتي نذير الجن الي نذير الانس و يأخذ عنه و يأتي نذير الحيوانات الي نذير الجن و يأخذ عنه و اما سليمان بن داود عليهما السلم فلايجب في حقه ذلك لانه قد علم لغات الحيوانات فهو يبلغ نذرهم بلا واسطة و اما محمد و اهل بيته الطيبون عليهم السلم فكذلك لايجب الترتيب الطبيعي معهم لانهم يعلمون سائر اللغات فيبلغون نذر الحيوانات باحد وجوه ثلثة ان شاؤا خاطبوها بلغاتها و ان شاؤا نزلوا الي رتبتهم فخاطبوهم بجهة المجانسة الحيوانية و ان شاؤا رفعوا تلك النذر الي مراتب الانسانية فخاطبوها بجهة المجانسة الانسانية فنوح عليه السلم في زمانه قد عمت نبوته لجميع اهل الارض من الحيوانات و نذر الحيوانات قد بلغت امتها اوامر النبي نوح عليه السلم فلم‌يقبلوا فاخذهم الله بذنوبهم و ما الله يريد ظلما للعباد فان قلت فعلي قولك ماكان شئ من الحيوانات في ( في غير خ‌ل ) زمان نوح و سليمان و محمد صلي الله عليهم مكلفا لانهم لايكلمونهم بلغاتهم قلت بل ( بلي خ‌ل ) هم مكلفون فمن اخذ نذره عن نبي من تلك الانبياء عليهم السلم فذاك و الا فان الله سبحانه قد جعل امر الخلق الي محمد و آله صلوات الله عليهم فما نقص فعليهم تكميله فافهم .

[ص 107] قال سلمه الله تعالي : و ما كيفية استنزال الانبياء للوحي و العذاب و ما الفارق بين المعجزة و السحر و كيف يتأتي للكاهن الاخبار عن الغايبات .

اقول اما كيفية استنزال الانبياء للوحي فبلسان اهل الظاهر انه اذا بلغ ذلك النبي (ص) ان يكون نبيا ارسل الله عليه ملكا بما يريد تبليغه الي الرعية و استنزال العذاب ان يسأل ربه ان ينزل علي من عصاه من امته العذاب و اما بلسان اهل التأويل انه اذا كمل استعداده اقتضت قابلية نفسه انزال الوحي عليه مثل من كملت فكرته فانه ( فانها خ‌ل ) تقتضي انزال الواردات علي قلبه و خياله بوجود قابلية ذلك او جعل القابلية بتمامها سببا لانزال ذلك و العذاب كذلك و هو اخراج ما في القوة الغضبية لله من الانتقام من الجاحدين بجهة مثير تلك القوة الغضبية و الاخراج يصدر عن النفس القوية علي اخراج ما في الغيب الي الشهادة و اما الفرق بين المعجز و السحر ان المعجز هو فعل ما يكون خارقا لعادة الاسباب و المقتضيات بأن يكون بقوة استدعاء ذلك النبي سبب و مقتض لفعل ذلك الخارق بأن يكون له جهتان جهة مانعة لمقتضاه الاول و جهة موجبة لايجاد ما هو معجز و السحر قد يكون اذا لم‌يكن من السيمياء له هذه الجهتان لكنها ليست بقوة استدعاء الفاعل و انما هي باعتياد ( باعداد خ‌ل ) اسباب و مقتضيات ليميائية او ريميائية او هيميائية خاصة بذلك المحدث المستغرب فلو اريد غيره احتيج الي تدبير اسباب جديدة ( جديد خ‌ل ) خاصة بذلك الغير لاتصلح لغيره فلايكون ذلك مقرونا بالتحدي لخصوص السبب و وجوب اعداده قبل الطلب و كذلك السيميا في ابراز شئ [ص 108] في الخيالات لان ذلك ليس باستدعاء قوة الفاعل و انما هو بتهيئة الاسباب الخاصة بخلاف المعجز فانه باستدعاء قوة الفاعل و لهذا كان مقرونا بالتحدي لصلوح قوة نفس الفاعل و شدة ربطها بفعل الله تعالي لكل مطلوب فكانت بذلك الربط سببا لذلك الايجاد الخارق للعادة لا بتهيئة الاسباب و اما اخبار الكاهن عن الغائبات فليس لان بين نفسه و بين حملتها ربطا فيشافهونه بما يقول عنهم من الاسرار ( الامور خ‌ل ) الغائبة و انما كان بين نفس الكاهن و بين اضداد حملة الغيب ربط و مشابهة فكانت تلك الاضداد التي هي الشياطين تسرق من ذكر حملة الغيب و تسبيحهم كلمات اراد الله منهم اظهارها اختيارا للعباد فتأخذها الشياطين و تضيف اليها مشابهات لها لا من جهة الذات بل من جهة الصورة و انما هي مشابهة لذواتهم فلاتكون كلها حقا و لهذا قال تعالي يلقون السمع و اكثرهم كاذبون لانهم ماسمعوا الاكثر و انما قاسوا عليه نظائره لموافقة ذواتهم التي هي خلاف الحق .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني قول الصدر ان العالم تدريجي الحدوث و كل تدريجي الحدوث فزمان حدوثه زمان بقائه و هو ستة‌الاف سنة منذ خلق ادم عليه السلم الي زمان بعثة محمد صلي الله عليه و آله .

اقول اما كون العالم تدريجي الحدوث في العالم العقلي و النفسي و المثالي و الجسماني فمما لا ريب فيه الا ان الظاهر ان المراد به في الزمان و ان كان في الدهر و السرمد كذلك و ان المراد بالعالم اجزاؤه يعني ان ظهور اجزاء العالم في الزمان تدريجي و يريد ان بقاء ما وجد [ص 109] منه زمانه زمان حدوثه اي ظهوره في الزمان و يريد ان ما قبل ادم ابي البشر عليه السلم من العالم ليس في الزمان و انما هو في هورقليا فاول ظهور العالم وجود ادم عليه السلم في هذه الارض بعد خروجه من الجنة لان الجنة التي خرج منها من هورقليا و ان كانت تطلع عليها الشمس و تغرب ليست في الحقيقة تلك الشمس هذه الشمس المرئية بالابصار فيكون علي هذا زمان بقائه باعتبار ما وجد منه من الاجزاء زمان حدوثه زمان حصوله في الكون في الاعيان و هو ستة‌الاف سنة الي بعثة النبي محمد صلي الله عليه و آله تقريبا علي ما نقله بعض المورخين و في بعض الاخبار ايضا علي اختلاف فيها و لكن ليس مراده ضبط المدة بل بيان ان المراد ( المدد خ‌ل ) انما هي في الزمان و ما لم‌يوجد منه في الزمان و ما وجد و فقد ليس له مدة و هذا كلام علي ظاهره و ليس به بأس و لكنه مجمل لم‌ينقح بالتفصيل و الاشارة الي ذلك علي سبيل الاختصار و الاقتصار هو ان الدور داران دار الدنيا و دار الاخرة و العوالم عالمان عالم الغيب و عالم الشهادة فاما الدنيا اذا اطلقت فهي هذه الايام المعروفة عند العوام التي اولها بالنسبة الي الانسان يوم الولادة و اخرها يوم وفاته و الاخرة بالنسبة اليه اذا اطلقت اولها يوم حشره و اخرها مصيره الي الجنة او النار و ما بينهما اي ما بين موته و حشره يوم ثالث لا من الدنيا لكونه قد قدم علي ما قدم و عاين ما ستر عنه في الدنيا و كشف له عما كان خفي ( خفيا خ‌ل ) عنه و لا من الاخرة لانه ذو ليل و نهار و عشية و ابكار و الاخرة ليس فيها ذلك و اما عالم الشهادة فهو [ص 110] المحسوس بابصار العوام في الدنيا و عالم الغيب هو الغائب عنها في هذه الدنيا فالبرازخ الموجودة كما في الحس المشترك ليس من عالم الغيب لوجود الزمانيات فيه كالاصوات و الالوان و الاذواق و غيرها و لا من عالم الشهادة لان العوام لاتدركه بابصارها في الزمان و المعروف من اطلاقات الاخبار و القران الحاق البرزخ ( البرازخ خ‌ل ) باليوم الادني في الصورتين مثل قوله تعالي و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا و النار يعرضون عليها غدوا و عشيا و كقوله عليه السلم في جنة ادم عليه السلم انها جنة من جنان الدنيا و كما قال (ع) في حكاية جابلصا و جابلقا و ان كل واحدة يخرج منها كل يوم سبعون‌الفا لايعودون الي يوم القيمة و يدخل فيها ( يدخلها خ‌ل ) سبعون‌الفا لايخرجون الي يوم القيمة و المعني ان الغربية جابلصا يخرج منها كل يوم سبعون‌الفا يمضون جابلقا و لايعودون الي يوم القيمة و يخرج من جابلقا سبعون‌الفا يمضون جابلصا لايعودون الي يوم القيمة و انهم ليمرون بين السماء و الارض و يتلاقون في الهواء و يتخاطبون فاذا كنت في مكان خال عن الناس و الحركات و الاصوات سمعت دويهم كدوي النحل خصوصا في الليل اذا هدأت العيون و هم من اهل البرازخ الدنياوية فتدرك دوي اصواتهم في الحس المشترك و لو كانوا من عالم الغيب و اهل الاخرة لماسمعت دوي اصواتهم و وقف علي عليه السلم و عنده ضريس الكناسي و علي عليه السلم ينظر الي الارواح محتبين بالغري و اذا سددت اذنيك باصبعيك بحيث لاتسمع شيئا من هذه الدنيا سمعت خرير ماء نهر الكوثر تصب ( يصب خ‌ل ) في الحوض و [ص 111] امثال ذلك و كل هذه و امثالها ليست من عالم الغيب البحت و لا عالم الاخرة الخالص و الا لماادركتها بحواسك الظاهرة بحال و لكنها ليست من دنيا العوام و النصوص من القران و الاخبار تلحقها بالدنيا من وجه كما سمعت و بالاخرة من وجه مثل من مات فقد قامت قيامته و ان القبر اول منازل الاخرة الحاصل ان اراد الملا بهذا العالم التدريجي الذي زمانه ستة‌الاف سنة عالم العوام فحسن و ان اراد عالم الاجسام الزمانية مطلقا فغير مسلم لانه ان اراد ان العالم خلق في ستة ايام و كل يوم عند ربك كالف سنة مما تعدون لزم ان تكون بعثة نبينا صلي الله عليه و آله خارجة عن ذلك العالم فلايكون نبينا صلي الله عليه و آله خاتم النبيين و هذا باطل لان الخاتم داخل في المختوم و ان استند الي قوله عليه السلم ان الفلك استدار كهيئة يوم خلق الله السموات و الارض فليس المراد به ذلك لان المراد باستدارته استدارة استقامة في الاكوان التشريعية و ان كانت مبادي الاحكام الوجودية ( وجودية خ‌ل ) و ذلك بعد اختلافها باعمال الظالمين و شرح الحال يطول فقد ورد ان الجنتين المدهامتين في الرجعة تخرج عند مسجد الكوفة و ما وراء ذلك بما شاء الله ه‍ ، مع انه قد ورد ان الارض قبل ادم (ع) كان فيها عوالم كثيرة كالسلاحف و كالخلق الذين علي صورة البقر و كالطائر المسمي بالقرا و كالجن الذين كان ابليس حاكما عليهم و كالنسناس و كل هؤلاء قبل ابينا ادم عليه السلم و قد اشتهر بين اهل التواريخ بقاء بعض طوائف النسناس بعد ادم ابينا هذا الاخير و احتمال انهم خلق اخر علي شبه الماضين بعيد [ص 112] و خلاف الاصل و حمل هذه علي نوع من البرزخ و ان كان غير بعيد و لكن تقدم بيان البرازخ فافهم .