قال سلمه الله تعالي : و ما معني قوله ان ثمار الجنة انما نضجها و حلاوتها بسبب حرارة النار .

اقول المراد بهذه النار نار الارادة المشار اليها في قوله تعالي و لو لم‌تمسسه نار و هي من الشجرة الكلية المعبر عنها ببرزخ البرازخ و قد يعبرون عن هذه النار بنار العشق و لهذا قال شاعر اهل التصوف :

العشق نار الله اعني الموقدة فطلوعها و غروبها في الافئدة

و بالجملة فارادته بهذا المعني صحيحة و لا اشكال فيها لان اصل الحرارة انما حدثت من حركة الفعل فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني ان كل شئ عائد الي ما منه بدء و كما خلقنا اول خلق نعيده و مبدء الكل و اول الخلق عقل و المعاد الجسماني ثابت و ما معني رجوع الكفار الي اهل البيت عليهم السلم .

اقول ان كل فرع جاري ( جار خ‌ل ) مجري اصله و اصل هذه المفعولات العقل الاول و هو لما خلقه الله قال له ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل فجرت هذه الكلمة في ادم الاول و في ذريته فكل واحد من ذريته قال له ادبر فادبر فقال له اقبل فالمطيع يقبل و العاصي يدبر اما المطيع فبرز من المبدء الاعلي و يعود اليه و اما العاصي فبرز من المبدء الاسفل المجتث و هو عكس الاعلي و ضده و اقبل بظاهره بسؤاله الوجود ليقوي به علي الادبار الي مبدئه فكان في اقباله ظاهرا مدبرا حقيقة و باطنا و لما كان [ص 113] المخلوق فقيرا في بقائه الي دوام المدد المتصل كان ابدا في السير في سؤاله و استعداده منذ تميز ( تميز من خ‌ل ) جنسه سيرا مستديرا صحيح الاستدارة حتي يعود الي ما منه بدء فان كان ذا نفس ناطقة عاد عود مجاورة لا عود ممازجة و الا فيعود عود ممازجة لا عود مجاورة و لا عود فناء و عدم و انما هو عود فناء و بقاء ثم البروز و التشخص له مراتب تمايز اجسام كما تري و تمايز امثال و اشباح كما تحس و تمايز نفوس كما تعلم و تمايز معاني كما تعقل و تمايز حقيقة كما تعرف و ليس لواحدة من هذه المراتب عند عودها الي ما منه بدئت فناء عدم فيه بل فيما فوقه هذا بالنسبة الي المعروف من احوال هذه النشأة و اما بالنسبة الي احوال النشأة الاخري فليس الاسفل بفان في الاعلي بل يدرك الاعلي بطور من الاعلي كما يدرك الاعلي الاسفل بطور من الاسفل لقوة التشاكل و التلازم و عدم الموانع و قوله تعالي كما بدءنا اول خلق نعيده معناه انه بدأه من طين فاماته و رجع الي ما منه بدء ثم يعيده كما بدء و بدء تركيب روحه عند تمام بنيته فاذا كان يوم القيمة و تمت بنيته في قبره الذي هو بطن امه ركب روحه كما ركبها اولا لانها بنفخة الصعق تفككت كما ذكرنا سابقا في المخازن الستة من الصور و قوله و مبدء الكل و اول الكل عقل بيانه ان العقل مبدء العقول و اطواره مبدء اطوار ما سواه من الرقائق و النفوس و الذر و الاجسام و اما رجوع الكفار الي اهل البيت عليهم السلم فانهم يرجعون الي ما صدروا عنه منهم عليهم السلم لانهم صدروا عن خلافهم و عداوتهم و انكارهم فيرجعون اليه و كل [ص 114] شئ يرجع الي ما صدر عنه من مؤمن و كافر .

قال سلمه الله تعالي : ثم ان كانت الاجرام البسيطة غير قابلة للكون و الفساد فما معني كشط السماء و عودها و هل يجري ذلك في الاطلس و المكوكب ام لا و كيف لاتتناهي بقوة جسمانية .

اقول اعلم ان معني قولهم ان الاجرام البسيطة غير قابلة للكون و الفساد انما هو في التدريجيين اللذين هما النمو و الذبول اي الزيادة و النقصان لانها غير قابلة للايجاد و الاعدام فكما جاز عليها الايجاد و هو الصوغ الاول يجوز عليها الكسر و هو الكشط و الطي و الانشقاق و الانفطار و السلخ فتنشر دخانا كما كانت في ابتدائها دخانا و يزال فتقها فتكون رتقا ثم تعود الي ما منه بدئت فتجاور الارض بعد كشط زبد فيها ( زبديتها خ‌ل ) فيجاوران الماء الذي منه خلقتا الا ان اوضاع الثلثة باقية و هذا معني المجاورة و ذلك بعد النفخة الاولي ثم يصاغ في النفخة الثانية هي و ما فيها من الارواح و الاشباح و الاجسام و هذا هو التبديل المذكور و هو المعني المذكور في القران و الاخبار و لا فرق في ذلك بين المكوكب و الاطلس و بين الارض و اما كيف لاتتناهي قوة جسمانية فالجواب ان كل قوة حادثة روحانية او جسمانية فانها تتناهي و لكن لاتتناهي الي الفناء و انما تتناهي الي البقاء و ان مردنا الي الله و الي الله المصير .

قال سلمه الله تعالي : و ما وجه كون الحسنة بعشرة و السيئة بواحدة و ما وجه تضاعفهما علي نساء النبي صلي الله عليه و آله و بني‌هاشم .

اقول قد قدمنا ان الانسان خلق من عشر قبضات من الافلاك التسعة و من [ص 115] هذه الارض ارض النفوس و كانت هذه العشرة ( العشر خ‌ل ) متأصلات في الوجود و الحسنة من الوجود و اليه تعود فاذا فعل الانسان الحسنة كان اول مبدئها من القبضة الاولي التي من الفلك الاطلس التي خلق منها قلبه و هي متأصلة في الوجود و الحسنة من الوجود فتكون ثابتة فيها فتكتب فيها حسنة و تنزل الي قبضة المكوكب التي هي الصدر فتكتب فيها حسنة لتأصلهما و هكذا في كل قبضة فتكون عشرا فاذا فعل السيئة كانت السيئة مجتثة لا قرار لها لانها من المهية المجتثة الاصل و اول ابتدائها من المكوكب اي الصدر لا من الاطلس اي القلب فتمر علي الصدر و ما تحته و لا تستقر في شئ من ذلك لاجتثاث اصلها حتي تصل الي قبضة الارض الي الجسد فيحصل لها نوع استقرار لقوة الاحساس بالنسبة الي الجسد بخلاف ما قبله فانها وجودات مجردة فلايستقر فيها ما ليس من نوعها لانحطاط رتبته فاذا مضت سبع ساعات في كل ساعة ينعكس بخار السيئة الي ما فوق فيمر منعكسا من الجسد الي الحيوة ثم الفكر ثم الخيال ثم الوجود الثاني و الوهم و الهمة و النفس فاذا وصل بخارها من الجسد الي النفس كتبت سيئة اذ لا تعدد لها و اما رجوع بخارها الي المراتب السبعة فهو شرط ثبوتها في الجسد و اذا كثرت و تراكمت تكاثف البخار و طبع علي المراتب السبعة اولئك الذين يضاعف لهم العذاب ماكانوا يستطيعون السمع و ماكانوا يبصرون و اما تضاعف العذاب علي نساء النبي صلي الله عليه و آله و بني‌هاشم فلان لهم من جهة القابلية جهتين الاولي جهة غيرهم من سائر المكلفين من التعريفات [ص 116] و القوي و القابليات و غير ذلك و جهة من جهة النبي صلي الله عليه و آله فلأن لها تأثيرا في تضعيف التعريفات و القوي و القابليات فان قربه صلي الله عليه و آله مؤثر في ذلك كالقرب من السراج في تضعيف الاستنارة فاذا قبل ضوعف له الاجر و اذا لم‌يقبل ضوعف عليه العذاب مرتين احديهما من ترك التكليف و الثانية من ترك القرب من المنير صلي الله عليه و آله فانه حرمان للنور كالحرمان لنور الطاعة بترك الامر فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني ما في بعض الادعية بالاسم الذي استويت به علي عرشك و استقررت به علي كرسيك و ما المراد بذلك .

اقول الاسم الذي استوي به علي عرشه هو الاسم الاعظم الذي هو ذكر الرحمن في قوله تعالي و من يعش عن ذكر الرحمن الاية ، و هو فلك المحبة الحقيقية و عالم فاحببت ان اعرف فاستوي به علي عرشه فاعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه و هو الرحمة التي وسعت كل شئ قال الحسين عليه السلم في مناجاة يوم عرفة يا من استوي برحمانيته علي عرشه فصار العرش غيبا في رحمانيته كما صارت العوالم غيبا في عرشه و كان استواؤه علي عرشه هو نفس ذلك الاسم فاستوي بظهور علل الاشياء و علم الكيفوفة و البداء و هو العرش نفسه اي العلم الباطن و هو الباب الباطن من العلم و استقر به علي كرسيه استقراره هو ذلك الاسم بظاهره و هو نفس الكرسي فاستقر بظهور صور الاشياء من الذوات و الصفات و الاضافات و النسب لان نقش الصور هو تمام الاستقرار و هو الكرسي [ص 117] نفسه اي العلم الظاهر و هو الباب الظاهر من العلم كما قال ( قاله خ‌ل ) عليه السلم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني قوله تعالي و ماانسانيه الا الشيطان و كيف ينساها المعصوم او ينسيه الشيطان .

اقول ان المعني اني تركت ما الاولي ذكره او غفلت عما الاولي تذكره و هذا غير قادح في حق الانبياء عليهم السلم حال النبوة و ان كانوا يعدونه تقصيرا و معصية و يعاتبون في سرهم عليه و هم عليهم السلم يعلمون ان ذلك لم‌يقع من جهة وجودهم الذي هو نور الله و انما يقع من جهة مهيتهم التي هي من نوع الجهل الذي كان ابليس مظهرا له و معني كون مهيتهم من نوع الجهل انه من ( اي خ‌ل ) العدم لان المهية انما وجدت بتبعية الوجود لكنها في حقهم عليهم السلم متلاشية تكاد تفني لقوة نور وجودهم و لهذا كانت حسنات الابرار سيئات المقربين فاذا كان منهم شئ من ترك الاولي او فعل المباح عدوه ذنبا و نسبوه الي الشيطان لان منشاه من نوع حياة الشيطان فلذلك قال انسانيه و لم‌يقل نسيته لان الانبياء لاينسب الي نفسه شيئا بل ينسب الحق الي الله و ينسب ترك الاولي و فعل الجائز الي الشيطان و اما الجواب عن انه كيف ينساها فهو ان معناه ( معني خ‌ل ) ينساها يترك ( يتركها خ‌ل ) و يعرض عنها الي ما هو اهم منها من شغل وجوده بربه فاذا اشتغل بما هو اهم عن شئ فان كان ذلك الشئ فيه نوع منفعة لم‌يجز ان ينسب تركه الي الله لان الله لايتجاوز المنفعة و ان قلت لايعزب عنه مثقال ذرة و لا الي نفسه لانه لا انية له و انما ينسبه الي الشيطان و ان لم‌يكن ذلك الشئ فيه نوع [ص 118] منفعة فالصرف عنه من روح القدس فاشغله الله بذكره عن ذكر الحوت و نسب نسيان ذكر الحوت الي الشيطان لما ذكرنا لان الشيطان ليس له سلطان علي الذين امنوا و علي ربهم يتوكلون .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني ما في ظاهره نسبة المعصية الي اهل العصمة عليهم السلم و ما تأويل تلك المعصية و ما معني ذنوبهم و استغفارهم .

اقول ان نسبة المعاصي الي اهل العصمة عليهم السلم علي وجوه منها كونهم يشهدون ان لهم نوع انية و لو في بعض الاحوال نظيره ما قال شاعرهم :

اقول و مااذنبت قالت مجيبة وجودك ذنب لايقاس به ذنب

و تفصيل مراتب هذا الوجه يطول به الكلام فلايناسب هذه الاجوبة المختصرة المبنية علي الاشارة و الاقتصار و منها انهم عدوا فعل المباحات او الراجحات الشرعية التي تكون مرجوحة بالنسبة الي حالهم كالنكاح للسنة و لكسر شهوة النفس و كالاكل للتقوية علي الطاعة بالنسبة الي الحضور بين يدي الملك الجبار ذنبا و منها ما تحملوا من ذنوب شيعتهم فانها ذنوب حقيقية ضمنوها و هي تقصيرات في شان جبار السموات فلذلك يستغفرون و يبكون و لولا ذلك لاخذوا بها .

قال سلمه الله تعالي : و كيف يكون الفلك التاسع في نهاية السرعة و الثامن في نهاية البطؤ .

اقول انما كان الفلك التاسع في نهاية السرعة لخفته و قوة تجرد معناه لان جسمه لا شئ فيه من الكواكب فكان سيره واحدا ليس فيه دواع مختلفة [ص 119] كالمكوكب فتعوقه في السير و لا عدم استواء في جرمه بالغلظ و الرقة كالمتممات الحاوية و المحوية لالتواء دورته اذا كان متمما واحدا و لتخلل الخارج المركز اذا ضم الي المتمم الثاني و اما من جهة تجرد معناه فلأن معناه مجرد عن المادة و المدة و الصورة لان باطنه الاسباب و العلل و معاني الاشياء و لا شئ اسرع دورا منها لشدة دورانها و خفة جسمها و عدم العوائق مما ذكرنا و ما لم‌نذكره كان اسرع الاجسام دورا و اما الثامن فلثقله لانه اثقل الافلاك كلها لما فيه من الحركات المختلفة و المتحركات المتكثرة فان كل كوكب فله حركة خاصة به و له فلك جزئي قد تداخلت التداوير و تصادمت التقادير فثقل جسمه من تصادم الحركات و اختلاف المتحركات و اما معناه المدير له فانه و ان كان مجردا عن المادة و المدة لكنه ( لكن خ‌ل ) ليس مجردا عن الصورة فكان في نفسه بطيئا و كان تعلقه بجسمه تعلق ارتباط و اقتران فعاقه الثقيل بثقله عن سرعة السير فكان بطيئا لضعف حركة معناه و ثقل جرمه لان معناه كان تلك الصور المتكثرة المختلفة الذات و الهيئات و الحركات لانها نفوس هذه الكواكب المتكثرة المختلفة و صفته هذه لاتوجد في غيره من الافلاك فلذلك كان ابطأ بالنسبة الي رتبته .

قال ايده الله تعالي : و ما تفصيل لايكون شئ في السماء و لا في الارض الا بسبعة اشياء فما تفصيل تلك السبعة في المجرد و في الافاق و في الانفس و في الجنين .

اقول اعلم ان قوله عليه السلم لايكون شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه [ص 120] يقدر علي نقص واحدة فقد كفر او فقد اشرك و نقص بالصاد المهملة او ( و خ‌ل ) بالمعجمة يراد منه ان المشية في ايجاد الكون و هو الوجود و الارادة في العين و هو الذات اي تتميم الذات بايجاد المهية لان الشئ لاتقوم عينه و لايظهر وجوده الا مركبا منهما و القدر في هندسته و حدوده و القضاء في نظمه و تمامه و الاذن في امضائه و اظهاره و الاجل في مدة بقائه و الكتاب لحفظه فكل شئ ظهر في الوجود من الامكان فانما ظهر بهذه السبعة لا فرق بين المجرد و غيره و انما الخفاء في المجرد و نحن نشير اليه فاعلم ان اعلي المكونات العقل الذي هو عبارة عن المعاني المجردة عن المادة و المدة و الصورة و هو انما كان بهذه السبعة و كل معني منه كان بالسبعة لانه يكون ( مكون خ‌ل ) فهذا من المشية و اذا كان مكونا انما يظهر و يتشخص في نفسه بانه هو و انه كان و هذا من الارادة و انه مقدر بانه غير محدود بزمان و لا لزمان و لا في مكان و انه مقدر محدود في السرمد فهذا من القدر و انه انما كان هو هو لانه تم ما له فهذا من القضاء و انه انما خرج في الوجود بالرخصة من الله و هذا من الاذن و انه لا الي غاية زمانية و انه الي غاية سرمدية و هذا من الاجل و انه وضع قائما لاستقامته فلايكون مبسوطا و هذا من الكتاب و كل معني منه فعلي هذا الترتيب و كل شئ في الافاق و في الانفس حتي الخطرة فانها كذلك و كذلك الاجنة فمن عرف من هذه المسئلة شيئا عرف كل شئ مكون فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما حقيقة البداء و ما يجري فيه و ما لايجري فيه [ص 121] و هل النسخ بداء ام لا و كيف يؤمر ابرهيم بالذبح و لايقع .

اقول حقيقة البداء ظهور ما كان خافيا و من هنا قيل اشياء يبديها لايبتديها و لكن لايكون البداء المسئول عنه الا بعد المشية لما جري فيه البداء فيمحو ما اثبت و يثبت ما محا و اما المخترع فلايقال فيه ان هذا من البداء علي المعني المتعارف و هو المسئول عنه و اما علي معني اخر يحتاج الي تطويل التأويل و لا طائل فيه في هذا المقام الذي نحن فيه و اعلم ان البداء المسئول عنه هو انقضاء مدة وجود الممحو و ابتداء مدة وجود المثبت فالمحو افناء الشئ و محو ذكره من الالواح السماوية و الاثبات هو ايجاد الشئ و اثبات ذكره في الالواح السماوية و الالواح السماوية هي نفوس الملكئة الموكلين بذلك مثلا الملئكة الموكلون بزيد نظروا الي بنيته و تركيبه و عرفوا ان صاحب هذا البنية يعيش عشرين سنة و ارتسم ذلك في نفوسهم و ذلك هو كتابة كون عمره عشرين سنة فعمل صالحا و تصدق و وصل رحمه و احسن عبادته فقوي مدده من الفيض لقوة القابلية و اقتضاء الاستمداد لقوة السبب بينه و بين المبدء الفياض و هو العمل الصالح فنظر اولئك الملئكة الي بنيته فوجدوها قد قويت فلما اختبروها عرفوا ان صاحب هذه البنية يعيش خمسين سنة فانمحت كتابة العشرين و انتقشت كتابة الخمسين فقد انمحي ما كان و ثبت ما لم‌يكن و هذا معني البداء انه بدا له سبحانه في العشرين فمحاها و بدا له في الخمسين و اثبتها و العلة في ذلك انه سبحانه يخلق الاشياء علي ما هي عليه في الوجود و ما هي عليه في [ص 122] الوجود لاقتضاء وجودها حين ايجاده بنفسه و بقوابله كالمشخصات الستة و السابع كما مر و بالعلل الذاتية و بالموانع فان ذلك و ما اشبهه هو ما هي عليه و تلك بما يقتضيه ( تقتضيه خ‌ل ) من نفسها و باضافتها هي من حجاب ( مرجحات خ‌ل ) وجوده علي عدمه او بالعكس و الشئ مراتب وجوده متعددة كما اشرنا اليه سابقا فقد يوجد في مرتبة باسباب مقتضية و تحصل في المرتبة الثانية موانع لايجاده فيمحا او موجب لتغييره فيغيره و علي هذا النحو جري المحو و الاثبات فان علم الله سبحانه بأن هذا الشئ يكون في عالم الغيب لعدم المانع او المغير له هناك جاز في الحكمة ان يخبر به ملئكته و رسله و هو المحتوم لانه اذا اخبرهم به علم انه لا مانع له في عالم الغيب فيكون لانه لايكذب نفسه و لا ملئكته و لا رسله و قد لايكون لوجود مانع منه في الشهادة كالدعاء و الصدقة و لايلزم من عدم كونه في الشهادة التكذيب المذكور لانه سبحانه اخبر علي السنة حججه ان الصدقة مثلا ترد البلاء و قد ابرم ابراما و الحجج عليهم السلم اخبروا الرعية بذلك عن الله تعالي فاذا اخبر و كان ما اخبر به فقد صدق نفسه و ان لم‌يكن فقد صدق نفسه و اليه الاشارة بقولهم عليهم السلم ما معناه ان اخبرناكم بشئ و كان فقولوا صدق الله و رسوله صلي الله عليه و آله و ان لم‌يكن فقولوا صدق الله و رسوله صلي الله عليه و اله توجروا مرتين فقد يخبر الله انبيائه بشئ و لايكون لانه كما قال لهم فقد صدق نفسه و صدقهم كما روي ان الله سبحانه اوحي الي بعض انبيائه (ع) ان قل لفلان الملك اني متوفيه الي ( بعد خ‌ل ) ثلثة ايام فتصدق الملك فانسي في اجله ثلاثين سنة [ص 123] و مثله في ملك اخر فدعا فانسي في اجله و ذلك هو ما قال سبحانه و السر فيه ما قلنا لك ان الاسباب و الموانع ان وجد منها شئ في عالم الغيب لم‌يخبر بذلك الشئ لئلايكذب نفسه و ملائكته و رسله و ان لم‌يوجد منها شئ في عالم الغيب اخبر به كما مر و لا تكذيب بعد تعريفهم باسباب الشهادة و مع هذا كله فالحادث ما لم‌يكن ففيه لله البداء اذا شاء و ان لم‌تكن ( لم‌يكن خ‌ل ) موانع لا في الغيب و لا في الشهادة لانه سبب من لا سبب له و سبب كل ذي سبب و مسبب الاسباب من غير سبب و هو السر المكتوم و الكنز المخفي فاذا وقع العين المبرم فلا بداء في ان لايقع و له البداء في محوه و نفيه و تغيره ( تغييره خ‌ل ) فافهم و اعلم ان فوارة البداء و شمسه التي في قعره تضيء علي العمق الاكبر مشية الله سبحانه و ذلك في اكوان الامكان و امكان الاكوان و اما النسخ فهو بداء تشريعي لانتهاء مدة الحكم كما ان البداء نسخ تكويني لانتهاء مدة المحكوم به او عليه و اما امر ابرهيم عليه السلم بذبح ابنه فاعلم ان هذه المسئلة في جوابها شيئان ينبغي التنبيه عليهما احدهما ان الله سبحانه قد يأمر بالشئ و يحبه و لايريد وقوعه و قد يأمر بالشئ و يحبه و يريد وقوعه و قد ينهي عن الشئ و يكرهه و لايريد وقوعه و قد ينهي عن الشئ و يكرهه و يريد وقوعه فمحبته لاتفارق امره و كراهته لاتزايل نهيه و ارادته قد توافقهما فما اراد الامر به خاصة كانت محبته في الامر خاصة و في الوقوع لو وقع و ما اراد الامر به و وقوع المأمور به كانت محبته فيهما و كذلك النهي اما المحبة و الرضا فلها ( فلهما خ‌ل ) اعتباران اعتبار العلم و [ص 124] اعتبار الخيرة و تسيره ( يسر خ‌ل ) المعلوم فبالاول لايخالف شئ منها محبته كما في الدعاء و بالثاني قد يكون ما يحب و قد يكون ما لايحب فامر ابرهيم عليه السلم بذبح ابنه مما يحب الامر به و لايحب وقوعه لمحبة العلم بل يحب الايقع و ثانيهما انه امره محبا للامر به و للوقوع من جهة محبة الخيرة للعبد و اليسر و لما كان الاصل الداعي الي الذبح انما هو ارادة فداء الحسين عليه السلم و فيه محبة عظيمة راجحة و لكن فيها محذور و هو لزوم سبق ابرهيم عليه السلم و ابنه للحسين (ع) و لجده و ابيه و امه و اخيه صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و فيه اختلال الوجود و فساد النظام و لما انحطت درجة ابرهيم و ابنه عليهما السلم عن ذلك اثيبا علي العزم و الصبر و الجزع علي الحسين عليه السلم بثواب الوقوع و الفداء فجاء الكبش الاملح من اشعة الفجر فداء لابنه (ع) و ذلك هو الخيرة و اليسر لابرهيم و ابنه عليهما السلم لان الحسين عليه السلم سبق السابقين فكل شهيد من ذريته حتي هابيل و لما كان الامر لليسر و الخيرة كان وقوع الاشياء علي الترتيب الطبيعي فحصل من جهة الترتيب الطبيعي و اصابتهما بالثواب و الفداء من حج ( مرجح خ‌ل ) للمقام الادني و هو الثواب و الفداء علي المقام الاعلي و هو الذبح فداء للحسين عليه السلم و ذلك هو الوزن بالقسطاس المستقيم في الاستحقاق و اعطاء كل ذي حق حقه فكان الثواب علي الجزع علي الحسين عليه السلم و الفداء بالكبش الاملح ارجح و الوجود لايتعلق بالمرجوح للشخص و ان كان ذلك المرجوح ارجح في نفس الامر و لشخص اخر فافهم [ص 125] فقد كشفت القناع لذوي الانتفاع و الله خليفتي عليك يوفقك و يحفظك و يحفظ عليك .

قال سلمه الله : و ما معني ان الصلوة اميرالمؤمنين عليه السلم .

اقول ان للصلوة ( الصلوة خ‌ل ) في الباطن ( الباطن لها خ‌ل ) اطلاقان احديهما ( احدهما خ‌ل ) هو ولاية اميرالمؤمنين عليه السلم و هو المروي عنه حيث قال و الصلوة ولايتي فمن اقام ولايتي فقد اقام الصلوة ثم استشهد بقوله تعالي و استعينوا بالصبر و الصلوة و انها لكبيرة الا علي الخاشعين قال و ان ولايتي لكبيرة الا علي شيعتي و معني ذلك ان الصلوة مشتقة من الوصلة اي السبب المتصل بين العبد و ربه و ذلك في الحقيقة هو معني الولاية او من الوصل و هو الاتصال و القرب اي الاتصال برحمة الله و هو معني الولاية او من الصلة و هو العطية اي عطية الله و نحلته لعبده التي بها ينال رحمته و هو معني الولاية هذا في الجملة احد الاطلاقين للصلوة في الباطن و ثانيهما يراد بها الامام عليه السلم لان الصلوة من الله هي الرحمة و الامام عليه السلم هو الرحمة التي وسعت كل شئ و هو الرحمة المكتوبة التي هي خاصة بالمؤمنين و الرحمة المكتوبة باطن الرحمة الواسعة و الامام هو باب الله و باب مدينة العلم باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب فاذا قيل الصلوة هي الامام عليه السلم يراد بها ما يراد منها لانها كمال العبادة و العبودية فهي وجود صوري للامام عليه السلم اي لخدمة الولي لانها هي عمود الدين و هو الامام عليه السلم و لانها هي سبيل الله الي عباده المؤمنين و سبيلهم اليهم ( اليه خ‌ل ) و [ص 126] هو الامام عليه السلم فهذا معني ان الصلوة اميرالمؤمنين عليه السلم علي سبيل التنبيه و الاشارة لان بيان ذلك يضيق به الدهر .

قال سلمه الله تعالي : و اذا كانت الطاعة من الله فكيف تجري الاثابة و الطاعة .

اقول معني كون الطاعة من الله انها من ثمرة فعله و هو الوجود و النور و ذلك النور لايحس و لايظهر الا اذا وقع علي شئ ينعكس عنه كشعاع الشمس و ان كان من الشمس لكنه لايظهر الا اذا وقع علي الجدار و انعكس فلولا الجدار لم‌يظهر النور فاستنارة الجدار بالنور انما توجد بالجدار و ان كان النور من الشمس فكذلك ذلك النور و المدد الذي هو اصل الحسنة و الطاعة انما يظهر بالعبد فكما تنسب الاستنارة بالنور الي الجدار و ان كان النور من الشمس لانه لايظهر بدون الجدار كذلك تنسب الطاعة الي العبد و ان كان مددها من فعل الله لانها لاتظهر الا بالعبد فتجري الاثابة و تتحقق الطاعة بهذا النحو فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و هل تكون الحروف قبل المعاني يجري في المجردات ايضا ام لا فان كان الاول فكيف ذلك مع ان غايتها سابقة ابدا .

اقول ان الحروف خلقت قبل المعني لان الفاعل اي المتكلم يأخذ هواء فيصوغه احرفا ثم كلاما يقوم في الهواء فيثمر معني فهو محدث بالكلام و بيانه ان المعني الذي عند المتكلم هو من قلبه و الصورة التي عنده هي من علمه فاذا اراد ان يفهم زيدا مثال ما عنده اخذ هواء من الفضاء و قطعه حروفا تناسب كينونة ما عنده و ركبها علي هيئة تناسب هيئة تلك الكينونة فاذا ابرزه دل اللفظ بمادته علي كينونة و بهيئته علي هيئة [ص 127] هذه الكينونة فيفهم زيد من هذه الكينونة و هيئتها معني محدثا هو ما اراد المتكلم و انما فهم زيد لما في امكان قلبه و علمه من نظيره و لولا ذلك الامكان لمافهم المعني و لهذا كثيرا ما يخاطب بعض الاشخاص و لايفهم لعدم امكان نظيره في قلبه و علمه و المراد بالامكان القريب و الا فقد يفهم بعد حين من لايفهم في الحال و ليس ما فهم زيد هو نفس ما عند المتكلم و الا لكان اذا اخرجه اليه لم‌يوجد عند المتكلم و نظيره النار الخارجة عند القدح بالزناد و الحجر فانه ( فانها خ‌ل ) مثال للكامن في الحجر لا نفسه فافهم فاذا عرفت ذلك فاعلم ان قولنا ان الحروف قبل المعاني انما هو في الزمان فاذا اخبرتك اليوم بكلام تفهم معناه مثلا كلمتك بهذا في اليوم العشرين من شهر رجب سنة الثالثة و العشرين بعد المأتين و الالف و هو يوم املاء هذا الكلام كنت سمعته في هذا اليوم و ادركت معناه قبل خلق عالم الزمان باربعة‌الاف عام فالقبلية التي نريدها اما في الالفاظ الزمانية فقبل سماع لفظها الدال عليها و قبل تخلق جسم السامع و انفعاله بالتأدية و القابلية و اما الحروف الدهرية فهي حروف دهرية هي اجزاء معانيها فسبقها عليها سبق الجزء علي الكل و كون تلك المشابهة ( مشابهة خ‌ل ) لما عند المتكلم لايتمشي به ان ( الي ان خ‌ل ) الله سبحانه يحدث تلك الحروف علي كينونة ما في علمه الازلي الذي هو ذاته و صفتها كما مثلنا سابقا بل هذا ينتهي الي المشية و هو فعل الله سبحانه يصوغ من هواء الامكان الذي هو العمق الاكبر حروفا اي اجزاء تشابه ما في تلك الحركة الفعلية الخاصة بذلك الشئ من الكينونة [ص 128] و الهيئة فيتركب المفعول علي مثال الفعل كما يتركب ضربا الذي هو المفعول المطلق علي مثال ضرب و ينحط عنه في القوة في كل شئ كما ينحط ضربا عن ضرب بنسبة واحدة و كما ينحط المعني الذي يفهم المخاطب عن المعني الذي عند المتكلم لانه مثاله و ضربا مثال ضرب و ليس حروف ضربا هي حروف ضرب بعينها بل هي مثالها بصنع ثان فلما تلفظت بضرب تلفظت بضربا تبعا لضرب لا متأصلة و لا هي هي فكذلك الحركة الفعلية اي المشية الخاصة بهذا المشاء ليس وجود المشاء نفس وجودها و انما هو مثال و شعاع من المشية الخاصة به فتدبر فقد ذكرت لك ما خفي عن الناس و انما هو من سر آل‌محمد صلي الله عليه و آله و قولك مع ان غايتها سابقة ابدا جوابه ما قلنا لك ان ذلك جار حتي في المجردات الا ان تلك الحروف في عالم المخلوقات و المفعولات اجزاء المجردات و اما الحروف السرمدية و عالم المشية فهي قبل المعاني الناشية عنها فصارت الاقسام ثلثة : الاول الحروف الزمانية و هي موجودة زمانا قبل المعاني الدالة هي عليها بمعني ان تلك المعاني ثمرة لتلك الحروف كالثمرة من الشجرة و المراد بتلك المعاني ما هي طريق الي المعاني الخارجية و هي تصورها بصفتها الذي هو طريق الي ادراكها و ان لم‌تكن لها معان خارجية كانت المفهومة من اللفظ الحادثة عنه طريقا لنظائرها في امكان السامع كما مر و هذه القبلية زمانية بالنسبة الي ادراك الفاظها المحدثة لتلك المعاني و ان كان ادراك المعاني في الدهر ، الثاني الحروف الدهرية هي اجزاء معانيها لكونها من نوع واحدة ( واحد خ‌ل ) كاسماء [ص 129] الحروف و مسمياتها فانها حروف ايضا ، و الثالث الحروف السرمدية و هي السحاب المزجي و هي سابقة علي مسمياتها بكل معني كما مر فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني قول الصدر ان العالم حادث زماني .

اقول العالم اذا اريد به الاجسام او مطلقا و اريد التقدم الزماني كان حادثا زمانيا اي حدث مع حدوث الزمان لا قبله و لا بعده لان الزمان و الجسم و المكان حدثت معا مساوقة لبعضها بعضا بل لايمكن ظهور احدها قبل الاخر لان وجود كل واحد تمام لقبول الاخر للوجود فهي متلازمة كالتضايف في الابوة و البنوة و لايصح ان يكون العالم حادثا في الزمان بمعني ان يكون الزمان سابقا عليه و ان اريد غير الاجسام فهو حادث دهري و ان اريد به كلما سوي الله فمنه حادث مع السرمد و هو فعل الله و منه حادث مع الدهر و هو الجبروت و الملكوت و منه حادث مع الزمان و هو الملك و معني قول بعضهم ان الزمان نهر يجري من تحت جبل الازل و هو الماء الذي قال الله تعالي فيه و كان عرشه علي الماء ان الزمان لا بدء له مع الاجسام اي ليس مسبوقا بالاجسام و لا بدء للاجسام مع الزمان اي ليست مسبوقة بالزمان بل حدثا معا متساوقين في الظهور و معني الحادث قيل هو المسبوق بالعدم و هذا ليس بشئ ( لشئ خ‌ل ) لان العدم ان كان شيئا فهو محدث و نقول فيه ما معني حدوثه و ان كان العدم ليس بشئ ( لشئ خ‌ل ) كان المعني ان الحادث ليس بمسبوق و ان اريد به انه ليس بموجود في الرتبة التي قبله فالاولي في تعريفه انه المسبوق بالغير و القديم هو الذي لايسبق بالغير فيكون [ص 130] الحادث مسبوقا بالغير فهو ليس بموجود في رتبة ذلك الغير ، هذا اخر المسائل الاولي .

فقال سلمه الله : هذا ما قصدت عرضه علي خليفة الخلف و من يحفظ الله به من استوجب التلف و قد امتثلت قول الله فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون فوالله ماوجدت اهلا لهذا الذكر سواك و انت الباب الي تلك الاسباب و الله يمن علي منك بالقبول و رحم ضعفي و هو الجواد و نعم المسئول و اسأله ان يمن بالاجتماع و لايحرمنا رؤيتكم و يجلو ابصارنا بالنظر الي غرتكم .

الي هنا انتهي ( انتهي كلامه خ‌ل ) في الكتاب الاول و في الحديث عن علي بن محمد الهادي عليهما السلم احسن الظن و لو بحجر يطرح الله فيه سره فتنال حظك منه فقال السائل و لو بحجر فقال عليه السلم اماتري الحجر الاسود انتهي ، و اقول اللهم لاتواخذني بما يقولون و اجعلني خيرا مما يظنون و اغفر لي ما لايعلمون انك انت الغفور الرحيم ستار العيوب غفار الذنوب و انت حسبنا و نعم الوكيل .