قال سلمه الله تعالي : مسئلة - ما كيفية تولد ادم عليه السلم عن ( من خ‌ل ) عنصر واحد بسيط حتي تركبت فيه العناصر .

اقول اعلم ان ادم عليه السلم خلقه الله من تراب الا ان ذلك التراب قد استجن فيه الماء و الهواء و النار و سائر القوي الفلكية كما يأتي و ذلك لما صعدت الحرارة و الرطوبة التي هي علة الكون و سفلت البرودة و اليبوسة التي هي علة الفساد و احتاجت الاجسام الي ارواحها و السفلي الي العلوي و الانثي الي الذكر سألت السفليات من بديع السموات حياتها فدارت بامره الافلاك الثمانية علي التوالي بامره في تقدير الاقوات و دار المحدد الجهات ( للجهات خ‌ل ) علي خلاف التوالي بامره لتسخير المقدرات فالقت الافلاك اشعتها علي مشاكلها من السفليات و استجنت الارواح و القوي في تلك الاشعة فاختلط به نبات الارض فجرت تلك الارواح و القوي في ذرات الارض فكانت غيبا في شهادتها فظهرت في المعادن و النبات و الحيوان كل ذرة تسري بها ستة مكونات في ستة اكوان [ص 31] فالمكونات الاولي اعضاد و اشهاد و مناة و اذواد و حفظة و رواد و لكل من الملئكة جنود لايحصي عددهم الا الله و مايعلم جنود ربك الا هو و الاكوان الكون النوراني و الكون الجوهري و الكون الهوائي و الكون المائي و الكون الناري و الكون المثالي فاما الكون النوراني فهو مختص بادم الاول و لا كلام لنا فيه و اما الكون الجوهري فهو النور الابيض و الكون الهوائي هو النور الاصفر و الكون المائي هو النور الاخضر و الكون الناري هو النور الاحمر و الكون المثالي هو الاظلة في ورق الاس و الذر في التكليف الاول و الكون السادس الذي يحمل الخمسة الاكوان من الستة المذكورة هو الجسم و انما كان حاملا لانه ( لانه خلق خ‌ل ) من عشر قبضات قبضة من جسم العرش خلق منها قلبه و من الكرسي قبضة خلق منها صدره و من فلك زحل قبضة خلق منها عقله و من فلك المشتري قبضة خلق منها علمه و من فلك المريخ قبضة خلق منها وهمه و من فلك الشمس قبضة خلق منها وجوده الثاني و من فلك الزهرة قبضة خلق منها خياله و من فلك عطارد قبضة خلق منها فكره و من فلك القمر قبضة خلق منها حياته و الحاصل فالعنصر الواحد الذي خلق منه ادم عليه السلم هو التراب كما قال تعالي ان مثل عيسي عند الله يعني في التكون من غير نكاح كمثل ادم خلقه يعني ادم من تراب الاية ، و لكن هذا التراب قد اختلطت به جميع العناصر و الطبايع و استجنت فيه جميع القوي و تعلقت به جميع الارواح كما سمعت مما اشرنا اليه و ما لم‌تسمع و لكن نظيره في التدبير و التركيب كالاكسير دبره الحكيم حتي استخرج من الهيولي البسيطة جميع [ص 32] اركانه و كيانه و قواه و طبايعه في حلين و عقدين فكان ذهبا خيرا من المعدني و ادم عليه السلم دبره الحكيم سبحانه كذلك في حلين و عقدين الحل الاول في الماء الاول و الدواة الاولي و الارض الجرز و العقد الاول في العقل طبائعه و في الروح الوانه و في النفس تمامه و الحل الثاني في الطبيعة الكلية و في المادة و العقد الثاني في المثال الوانه و في الجسم تمامه و مثال ما سواه ممن تولد بالتناكح كمثال الذهب في المعدن يتكون من الزيبق و الكبريت في معدنه بنظر الشمس و طول المدة هذا و قد قالوا كل معدن فهو متكون من اصلين الزيبق و الكبريت لا فرق بين الذهب و غيره و كذلك الاكسير متكون من تلك الاصلين في معدن هيولاه كذلك الذي يتكون منه الانسان بالتناكح عين ما تكون منه ادم عليه السلم طبعا بطبع و اركانا باركان .

قال سلمه الله تعالي : و الفرق بين علم الانسان و عقله و حياته و وجوده و ما وجه اختصاص كل قبضة من العشرة بما عين لها .

اقول علم الانسان هو صور المعلومات القائمة بنور خياله فالعلم هو تلك الصور انتزعتها مرءاة الخيال من هيئات المعلومات و اما عقله فهو مجموع المعاني المجردة عن المادة و المدة و الصورة و ذلك لان تلك المعاني التي هي رأس من رؤوس العقل انطبعت في وجه العقل الذي هو الدماغ و ليس كانطباع الصور ( الصورة خ‌ل ) التي هي العلم فان الصور تخطيط المعلوم و المعاني حقيقة مقصود المعلوم فالعلم نور اخضر منبسط كشكل الباء هكذا و العقل نور ابيض قائم كهيئة الالف هكذا و هيئة الروح و [ص 33] هو الرقائق و النور الاصفر هكذا و الحيوة هي الحيوانية المتحركة بالارادة و مادتها من الملك المسمي باسمعيل بواسطة القمر ابتداء و الجوزهر انتهاء و تقديرها بحركات فلكه الاربع و تسخير محدد الجهات و اما وجوده الزماني الذي به الكون في الاعيان فمن فلك الشمس علي نحو ما مر عن امر جبرئيل عن امر الله و اما وجه اختصاص كل قبضة بما عين لها فلأن الواقع هكذا بأن الفلك التاسع هو القلب لقوله تعالي الرحمن علي العرش استوي و هو العرش اي استوي برحمانيته علي عرشه فاعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه و اليه الاشارة بقوله تعالي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن و هو العرش و هو قلب محمد صلي الله عليه و آله فاذا ثبت هذا كما هو ظاهر لايجوز ان يخلق القلب الانساني من قبضة من غيره و هكذا و لما كان الكرسي هو الصدر خلق منه الصدر و لما كان فلك زحل من نفس العقل خلق منه العقل و هكذا فهذا وجه الاختصاص فافهم لان العالم الانساني الصغير خلق انموذجا من العالم الانساني الكبير .

قال سلمه الله تعالي : و ما كيفية تولد حوا و معني ضلع ادم الايسر .

اقول اعلم ان الله سبحانه لما خلق الوجود كانت عنه المهية لانها ضده و لما خلق وجه الوجود الذي هو العقل كانت عنه النفس الامارة التي هي وجه المهية و الانسان مركب منهما و لكن كلما قرب من الفعل ضعفت المهية فيه و قوي الوجود لقربه من النور و كلما بعد قويت فيه المهية و لما خلق ادم عليه السلم كان لقربه من النور فيه الوجود و [ص 34] العقل اكثر من حواء لبعدها بالنسبة اليه عن النور فكان ( فكان فيه خ‌ل ) ثلثان من العقل و ثلث من النفس قال الله تعالي خلق لكم من انفسكم ازواجا فكان قد خلق حواء من نفس ادم عليه السلم لا من عقله فكان فيها ثلثان من النفس و ثلث من العقل فالخلق من ادم عليه السلم من النوع و المقدار و الوضع لا من الذات و المثال الجامع لذلك شكل المثلث و هو باعتبار وضعه اربعة اقسام ناري و ترابي و هوائي و مائي فمثال الاول فالناري الذي مفتاحه البيت الاوسط من الضلع الاعلي و الترابي مفتاحه البيت الاوسط من الضلع الاسفل و الهوائي مفتاحه البيت الاوسط من الضلع الايمن و المائي مفتاحه البيت الاوسط من الضلع الايسر و عدد كل واحد خمسة و اربعون عدد ادم و الضلع الواحد خمسة‌عشر عدد حواء و الناري هو صورة ادم لظهور المفتاح في الاعلي و المفتاح صورة العقل و حواء خرجت في المائي في الضلع الايسر لظهور المفتاح الذي صورة عقلها في الوسط الايسر لقوة النفس لانها ثلثان و لما كانت صورة المثلث لاتتم الا بالاضلاع الثلاثة فلو اخذ منه ضلع نقص كان ادم حال تمامه هو مجموع المثلث و لما خلقت حواء من ضلعه الايسر اي من الشكل المائي من ضلع مفتاحه كان ظاهر ذلك صورة جسد ادم عليه السلم و هي ناقصة منها الضلع الايسر للدلالة علي انها ( ان خ‌ل ) خلقت من الضلع الايسر اي من نفسه لانه خلق من العقل ثلثان و من النفس ثلث فان قيل ان صورة ادم في المثلث تامة و لو اخذت منه لكان اسمه ثلثين قلنا انها لم‌تؤخذ من ذاته و انما اخذت من ظاهر [ص 35] الضلع فلهذا كان هو في نفسه تاما و في صورة جسده نقص منه الضلع الايسر اشعارا بانها انما اخذت من ظاهره اي من صفته لا من جسده كما يقوله الجاهلون و بيان ذلك كما اشرنا اليه سابقا ان القوي و الارواح بحركات الافلاك استجنت في الارض فلما خلق جسده من ارض النفوس صار جانبه الايسر من الطينة التي سكنتها النفوس و جانبه الايمن من الطينة التي تعلقت بها العقول بدون حلول و لما خلقت حواء من الارض التي استجنت فيها النفوس التي خلق منها جانب ادم الايسر و لم‌تكن تخلق من كل طينة النفوس و انما خلقت من البعض الايسر الذي هو ضلع في المثلث صدق انها خلقت من ضلعه و كان الطينة التي خلقت منها لو لم‌تخلق منها لخلق منها لادم ضلع فلما خلقت لم‌يخلق له شئ فهذه هي الاشارة الي ما سألت عنه فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما حقيقة الحورية و الجنية اللتين تزوجهما اولاد ادم عليه السلم و كيف يلد غير البشر بشرا و لم اختص ادم بالتولد من التراب دون ذريته و في اي بقعة تولد .

اقول اما الحوراء التي تزوجها شيث بن ادم عليه السلم التي اسمها نزلة فان الله سبحانه خلقها من عليين من تراب الجنة و انزلها عليه يوم الخميس بعد العصر اما ذكر يوم الخميس فالذي يظهر لي انه ( انها خ‌ل ) اشارة الي ان ذلك الجزء الاول من المركب و الثاني يتم به المركب و هو يوم الخميس لان النسل لايتم بدون ذلك و يوم الجمعة هو اجتماع الاجزاء و تمامها و اما بعد العصر فلأن العصر فيه اشارة الي ان الظهر هو وقت [ص 36] الوجود و العصر ثانيه و هو وقت التزويج و العصر هو التوليد اذا لوحظت البعدية اي بعد التوليد انزلت للتزويج و العصر هو الضم و المراد بعد ان ضم حكم نزلة الي شيث و منزلة الي يافث او كتب في اللوح المحفوظ بأن كل واحدة تضم الي زوجها و انزل علي يافث بن ادم حورية من حور الجنان و اسمها منزلة يوم الجمعة لانها هي الجزء الاخير لتمام النظام خلقت من تراب عليين ارض جنان الحظائر و ذلك لان الدور يوم القيمة و الان كذلك تسعة و عشرون دارا لجنان الخلد ثمان جنة عدن و سبع جنان و سبع حظائر لسبع الجنان و جنة عدن لا حظيرة لها فالسبع الحظائر يسكنها المؤمنون من الجان و المؤمنون من اولاد الزنا و المجانين و الجنان السبع يسكنها المؤمنون الطاهرون من الانس و جنة عدن للانبياء و المرسلين و الاوصياء عليهم السلم فهذه خمس‌عشرة دارا و النيران سبع و لكل نار حظيرة فالنيران السبع مأوي الكفار و المنافقين اهل الخلود و حظائر النيران السبع يطهر فيها عصاة المحبين حتي يطهروا من المعاصي فيخرجون و يدخلون الجنة و يبقي فيها عصاة الجان الذين حكمهم الخلود و لاينافي هذا قوله تعالي و لن‌ينفعكم اليوم اذ ظلمتم انكم في العذاب مشتركون اشارة الي الشيطان المقيض و الي من اغواه لان ذلك في حق الظالمين من ائمة الضلال و شياطينهم منهم فافهم و لو تنزلنا علي الظاهر قلنا انه لا تنافي بين اشتراك العذاب في جهنم و الحظائر فانها نار كما روي ما معناه ان اهون الناس عذابا لرجل في ضحضاح من نار عليه قميص من نار في رجليه نعلان [ص 37] من نار شراكهما من نار يغلي دماغه منهما غلي المرجل لايري ان في النار احدا اشد عذابا منه و ليس في النار احد اهون عذابا منه ه‍ ، و قوله و كيف يلد غير البشر بشرا جوابه ان الحكم في كل شئ للصورة فالجنية انما نزلت بصورة البشر فالصورة البشرية تلد البشرية و لو نزلت بصورة الجنية مثلا و نكح جنية و حملت من الانسان مثلا لم‌يجب ان تلد بشرا بل قد يكون المولود جنية و يحتمل ان يكون حيوانا مركبا كما قد وجد حيوان نصفه الاعلي امرأة جميلة في غاية الجمال و نصفه الاسفل عقرب و امثال ذلك من الحيوانات المركبة المخلوقة من البرازخ فلما نزلت منزلة بصورة البشر وجب ان لاتلد الا بشرا و لما كانت اصلها و طبيعتها من الجان كان ما يكون في الذرية المتولدة منهما اي من ابنتها من يافث و من زوج ابنتها و هو ولد شيث من الحورية من قبح صورة و سوء خلق فمن طبع الجنية و ما كان فيه من حسن صورة و حسن خلق فمن طبع الحورية و قوله سلمه الله لم اختص ادم بالتولد من التراب جوابه اما اختصاص ادم بالتولد من غير اب و لا ام فلانه الاول من هذا النوع و لايجوز ان يتولد من غير نوعه و لا من اب و ام و الا لزم التسلسل و اما انه من التراب فلأنا قلنا ان خلقه من تراب كخلق سائر ولده من تراب و انما كان ولده تولد من النطفة المتولدة من الغذاء المتولد من التراب فكان التراب لما نزل عليه الماء من السماء و اختلط بالتراب و ذاب الجميع فكان سلالة حتي جري في الشجر و النبات فكان منه الثمار و الحبوب و تولدت منه النطفة و بهذه الطريقة خلق ادم [ص 38] بأن اخذ من سلالة الطين و دبر علي هيئة تدبير النطفة كما ذكرنا سابقا في مثاله فمثال المولود بالتوالد مثل تكوين الذهب في معدنه من الكبريت و الزيبق الاصليين و مثال تولد ادم مثل تولد الاكسير فانه ذهب و اعلي من الذهب و تكوين الاكسير كتكوين الذهب في المعدن و كون مما كون منه الذهب كذلك ادم عليه السلم كون من الذي كون منه الولد بالتناكح و قوله و في اي بقعة تولد فاعلم ان ادم عليه السلم تولد في الارض في الجنة و هذه الجنة من جنان الدنيا التي ذكرها الله سبحانه بقوله تعالي لايسمعون فيها لغوا الا سلاما و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا و هي جنة البرزخ التي تأوي اليها ارواح المؤمنين و هي في المغرب و الفرات يأتي منها و تطلع عليها الشمس و تغرب و لكنها غير شمسكم هذه لان من كان فيها لاتري ( لايري خ‌ل ) فيها شمسكم هذه فاذا نزل منها رأي شمسكم و هي البلاد التي اذا نام الانسان رءاها و هي هورقليا بعبارة السريانية و معناه ملك اخر و الذي يظهر لي من تلويح بعض الروايات انها هي المدهامتان و لكن ان لم‌تكن هي فهي معها في عالم واحد و في رواية المفضل بن عمر في حديث الرجعة و ذكر اخر الرجعات قال ما معناه و عند ذلك تظهر الجنتان المدهامتان عند مسجد الكوفة و ما وراء ذلك بما شاء الله ه‍ .

قال سلمه الله تعالي : و ما حقيقة الجنة و الشجرة و الحية و ابليس و الملئكة الذين امروا بالسجود له و ما معني استنكارهم و حججهم و لواذهم بالعرش و كيف يدخل ابليس الجنة و يصعد الي السماء و كيف [ص 39] يتحقق له ظهور قبل ظهور ادم عليه السلم و ما معني عبادة ابليس و قد ادبر و استكبر و ما معني بدو العورة و ورق الجنة و التناول و كيف ينهي عن اطيب اشجارها و كيف يكون في الجنة محظور .

اقول ان حقيقة الجنة قد ذكرناها و انها من جنان الدنيا تطلع الشمس عليها و تغرب و هي عند مغرب الشمس و اما الشجرة فهي شجرة علم آل‌محمد صلي الله عليه و آله كما اشار اليه سبحانه انا صببنا الماء صبا اي العلم ثم شققنا الارض شقا اي قلب الامام (ع) فانبتنا فيها حبا اي علما جما و حبا لله و لرسوله صلي الله عليه و آله و اوليائه و محبيهم و معرفة الله و رسوله و آله صلوات الله عليهم و علوما ذوقية و عنبا تتخذون منه سكرا و رزقا حسنا و ذلك معرفة الله بكشف سبحات الجلال من غير اشارة و قضبا من ظواهر الاحكام الشرعية و الاعمال البدنية و زيتونا من علم اليقين و التقوي و المرادات الالهية و السخاء بالنفس في المجاهدة في الله و احتمال الاذي في جنبه و تأليف الفرقة و شعب صدع الدين و نخلا من معرفة هياكل التوحيد و الانطباق عليها و هو معرفة الاوطان و الصدق في معرفة المعاني و البيان و الانس بما استوحش منه الجاهلون و حدائق غلبا كان قد غرستها يد الحكمة في جنان الصاقورة التي ذاق روح القدس منها الباكورة كما قال العسكري عليه السلم و فاكهة من ثمار الحدائق و ابا من ظاهر القصص و الامثال و الاحكام من الحرام و الحلال و هذه هي شجرة الحسد قال الله تعالي ام يحسدون الناس علي ما اتيهم الله من فضله لانها امنية من يتمني و كل من نال منها فهو محسود [ص 40] و هي شجرة الكافور يعني المعرفة الحقة بغير اشارة و لا كيف و هي شجرة الحنطة اي المحبة الحقيقية و هي شجرة التين و الضياء المبين اشارة الي العلم الذاتي الذي كشف الشبهات و الظلمات فهو فجر الازل و علة العلل و اما الحية فانها كانت من احسن حيوانات الجنة و هي اشارة الي الحيوة و كان اصل منبع الحيوة و مظهرها من الابداع هو الركن الايمن الاسفل من العرش و هو النور الاصفر و حامل لوائه اسرافيل و له اجناد كثيرة و مقدمهم في عالم الكون و الفساد اسمعيل و هو صاحب هيمنة القمر و له في تقدير ذلك اربع حركات احديها الخارج المركز و الثانية لتدوير القمر و الثالثة لممثله و الرابعة للجوزهر و هو الحية فاول الحيوة القمر و اخرها الجوزهر و اوسطها التنين الذي خلقه الله في البحر و مسكنه السحاب ليس له عظم و لا مفصل يسير في الهواء بين الارض و السماء فلهذا كانت الحية تدخل الجنة و لهذا توصل بها ابليس ( ابليس الي آدم (ع) خ‌ل ) لقربها منه من جهة الحيوة و بعدها عن مقتضي العقل كابليس فلذلك صلحت واسطة بين ادم و ابليس و الحية هي نفس الحيوة و اما ابليس فهو الجاهل الكلي المطلق لان الله سبحانه لما خلق العقل من النور و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش لانه الركن الايمن الاعلي و هو النور الابيض و هو العقل الاول اسكنه جسد محمد صلي الله عليه و آله فهو العاقل المطلق ثم ان الله تعالي خلق من خلف العقل من الظلمة من الماء الاجاج الجهل و اسكنه جسد ابليس فهو الجاهل المطلق فكان للعقل جنود كلية روح و نفس و طبيعة و كان للجهل [ص 41] جنود كلية ( كلية ما خ‌ل ) تحت الثري و الثري و الطمطام و لما خلق الله ادم و امر جبرئيل فجعل نور ادم الاول بعد ان نزل من الاكوان الستة الكون النوراني و الكون الجوهري و الكون الهوائي و الكون المائي و الكون الناري و الكون المثالي في صلب ادم عليه السلم امر الملئكة فسجدوا لادم فسجد جميع الملئكة منهم جبرئيل و ميكائيل و اسرافيل و عزرائيل تكرمة لذلك النور الا الملئكة العالين الذين اشار تعالي اليهم في عتاب ابليس لما امتنع من السجود قال استكبرت ام كنت من العالين الذين لايسجدون لادم فانهم لايحسن منهم السجود لان السجود لاجلهم فلايسجد الشئ تكرمة لنفسه و هم الروح الذي هو من امر الله تعالي و الروح الذي هو علي ملئكة الحجب و هو اثنان الاعلي منهما خلق من نور عقل علي عليه السلم و الثاني من روحه و بعد الروح الذي هو من امر الله ملك تحته فالاعلي خلق من عقل محمد صلي الله عليه و آله و الثاني من روحه و اما معني استنكار الملئكة لخلق ادم عليه السلم لانهم اكلوا من ورق تلك الشجرة التي اكل ادم عليه السلم من ثمرتها ( ثمرها خ‌ل ) فلهذا وجدوا في انفسهم لما رأوا طاعتهم و عصيان الجن و النسناس فباعدهم من ( عن خ‌ل ) العرش خمسمائة عام فلاذوا بالعرش و اشاروا بالاصابع فنظر الرب اليهم فنزلت الرحمة فوضع لهم البيت المعمور و هو صورة العرش فقال طوفوا به و دعوا العرش فانه لي رضا و كان اولئك بعضا من الملئكة و معني لواذهم بالعرش انهم مدوا اعينهم و ايديهم بالرجاء الي باب الكرم فرحمهم و اما دخول ابليس الجنة فانه انما دخل بواسطة الحية كما اشرنا [ص 42] اليه و صعوده الي السماء الخ ، انما هو بالملئكة فيصعد بالاذن الخاص و بالاذن العام و هو التخلية كما في قصة ايوب للابتلاء و الا فكل شئ اذا ترك و مقتضي طبعه لايتجاوز اصله و ابليس لم‌يخلق من العرش و لا من الجهة العليا و انما خلق من الجهل الاول و هي ( هو خ‌ل ) اسفل السافلين و مما تحت الثري و الثري و الطمطام و جهنم و الريح العقيم و البحر و الحوت و الثور و الصخرة و لكنه بالقاسر و الحامل و المتمم يصل الشئ الي غير موضعه فافهم و اما ظهوره قبل ادم فان اريد ادم الاخر ابونا فلا ريب ان ابليس يتحقق قبله لان مادة ( مادته خ‌ل ) الجهل الاول الذي هو مقابل العقل الاول و ان اريد ادم الاول فهو قبل وجود ابليس و اما عبادة ابليس فهي صورة عبادة لم‌يقصد بها وجه الله و انما قصد بها ان يثيبه الله التمكين في الارض فهي في الحقيقة ادبار و استكبار و معني بدو العورة ان اهل الجنة لباسهم التقوي و هي خير الملابس لكنها لاتجتمع مع المعصية لانها من باطن نعم الجنة و اما تستره بورق الشجر لان الورق ظاهر النعم و صورة الندم فلما بدت عورته بسبب تناوله ما ليس له ندم و اما التناول فهو تمني مقاما من مقامات آل‌محمد صلي الله عليه و آله و ليس انه يريده و يطلبه من الله و يدعي الاهلية لذلك و الا لدخل في قوله تعالي و يوم القيمة تري الذين كذبوا علي الله وجوههم مسودة الاية ، و انما ذلك ذكر و خطور و هو ذلك التناول فالاكل الظاهر هو ذلك الخطور و انما نهي عن اطيب اشجارها لانها و ان كانت اطيب الاشجار و لكنها لاهلها لا لغيرهم الاتري ان الرجل اذا رأي زوجة الغير و [ص 43] ان كانت ( كان خ‌ل ) اجمل اهل زمانها لايجوز له النظر اليها فانه نظر قبيح و اما كون الخطور ( المحظور خ‌ل ) في الجنة لايكون فلأن ما في الجنة يجري علي حكم لزوم الصفة للموصوف و هو حكم اخروي بعد التعديل التام للطباع حتي لايري لذة غيره في خاطره و ان رءاها احسن مما هو فيه و هذه الجنة من جنان الدنيا فلهذا جري فيها التكليف و الامر و النهي .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - ما معني قصة ايوب (ع) و ما هذه السموات التي اخترقها و صعدها ابليس حتي وقف تحت العرش و كيف يسلط علي نبي الله .

اقول اعلم ان عند الله منازل في الجنة و رضاه لاتنال الا بالبلايا و كان في علمه ان ايوب (ع) ممن ينال اوفر النصيب من تلك المنازل فجري عليه ما سبق له في بدء شانه في علم الغيب كما هو مشهور و اما هذه السموات التي اخترقها فهي هذه السموات المعلومة و لكن الصاعد فيها يصعد في ظاهر غيبها بأن تظهر له سكانها و لولا استبطانه لمارأي الملئكة و وقوفه تحت العرش عند المكان الذي تكتب فيه الاعمال و لهذا لما رأي عمل النبي ايوب عليه السلم حسده و انما سلطه الله علي نبيه عليه السلم ليرفع درجته بصبره علي اذية الشيطان في جنب الله و هذا ظاهر .

قال سلمه الله تعالي : لم خص التكليف بالشرع بالانس و الجن و ما حقيقة الجن .

اقول اعلم ان الله كلف جميع ما خلق من الانس و الجن و الشياطين و الملائكة و سائر الحيوانات من جميع ما خلق الله سبحانه و النباتات و المعادن و الجمادات و خاطب كل جنس بما يفهم و ارسل الي كل نوع نذيرا من نوعه ليبين لهم قال الله تعالي و ما من دابة في الارض و لا [ص 44] طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم مافرطنا في الكتاب من شئ ثم الي ربهم يحشرون و حيث اثبت ان كل نوع امم كبني ادم عمم التكليف و ارسال النذر الي كل امة قال تعالي و ان من امة الا خلا فيها نذير و قال في بيان ان كل نذير من نوع من ارسل اليهم و ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم و لما كان الخطابات الالهية علي حسب لغة المكلفين كان هنا ( هذا خ‌ل ) التكليف الخاص مختصا بالانس و الجن ( الجن و الانس خ‌ل ) لان هذا لغتهم ( لغتهم و تعارفهم خ‌ل ) و تفاهمهم و تفاهم الطيور بالاصوات و الصفير فيكون نذيرهم منهم بلغتهم و كذا ساير المخلوقات الا ان جميع النذر تأخذ الاوامر و النواهي من نذير بني ادم (ع) لانهم العلة في وجود ساير المخلوقات فيجب ان يكون النذير المرسل اليهم علة لسائر النذر و هذا مما لا ريب فيه و اما حقيقة الجن فانهم مخلوقون من مارج من نار اي الخالص من الدخان لكن هذه النار هي التي ذكرها تعالي انها من الشجر الاخضر فالجان خلق من نار الشجر الاخضر و الشجر الاخضر خلق من التراب فالجن من فضلة الفضلة من الانس و لهذا كان الانس افضل و اعلي رتبة و اكمل لان ذلك الشجر الاخضر خلق من فاضل التراب الذي خلق منه الانسان يعني بعد ان صفي التراب سبعين مرة جمع ثفله بعد سبعين نخلة فخلق من تلك النخالة الشجر الاخضر .

قال سلمه الله تعالي : ما معني الشياطين الذين يسترقون السمع و يصعدون الي السماء و ما معني حجبهم بولادة النبي صلي الله عليه و آله و ما معني رميهم بالشهب و ما تلك الشهب و ما معني كون النجوم [ص 45] رجوما و اي نجوم هي .

اقول الشياطين هي مظاهر الجهل الاول كما ان الملئكة مظاهر العقل الاول و قد تولدوا من ابليس و كان اسمه قبل المعصية عزازيل فلما طرد سمي بابليس و الابلاس هو القنوط من رحمة الله و نقل انه كانت له زوجة صلماء كالحية و اسمها طرطبة فنكحها فباضت ثلاثين بيضة عشر في المشرق و عشر في المغرب و عشر في وسط الارض و خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالغيلان و العفاريت و الغطارفة و اسماء مختلفة و منهم الشيصبان و ساجيا و زربا و مسمار و ديهيش و زوبعة و زيغة و صبصار و سمدون و صعصعة و قيراط و رياط ( رياح خ‌ل ) و سلاهب و اصعر و سلهاب و مذهب و عمر و منسويه و الرها و هطهط و بهرام و طايوس و مهبل ( مهيل خ‌ل ) و قابوس و دمار و فروة و فرة و سرياط و قاطرس و دهار و عافر و عسرج و عسطيج و نهوس ( نهرس خ‌ل ) و نهروس و البطهر و مهلب و مهيل و الحارب و الحويرب و عيص و الهرليس ( الهريس خ‌ل ) و الهرسم و بهرز و نعمان و لصيق ( يصق خ‌ل ) و عريس و عوسن و طهار و فرطس و السامر و الهائم و الاقبس و بهيم و الهام و عليس و الاقبض و هامة بن الاقبض و بلدون و هو الموكل بالسوق و دفليس و ابنته ام‌الصبيان و غيرهم ممن لايحضرني ذكره حال التأليف و هم اجناس كثيرة تفرعوا من الثلثين البيضة و منهم المشارك في الحاقه و وصلته و نسبته و نطفته و مهيته و روي في الخصال عن معاوية بن عمار عن ابي‌عبدالله عليه السلم قال الاباء ثلثة ادم ولد مؤمنا و الجان ولد مؤمنا و كافرا و ابليس ولد كافرا و [ص 46] ليس فيهم نتاج انما يبيض و يفرخ و ولده ذكور ليس فيهم اناث انتهي ، اقول المعروف ان ام‌الصبيان انثي و اخري لم‌يحضرني اسمها و يمكن الجمع بأن يقال المذكور في الحديث ان ولد ابليس ليس فيهم اناث و ام‌الصبيان بنت دفليس بن ابليس و الاخري بنت ولد من اولاده ثم نقول ما ( من خ‌ل ) كان من ابليس وحده فانهم اخف اجناس ولده غواية و ضلالة لضعف كيده و ما ( من خ‌ل ) كان منهم بمشاركة الجن فانه اقوي كيدا و اشد ضررا و ما ( من خ‌ل ) كان منهم بمشاركة الانس فانه اقوي من الكل كيدا و اشد ضررا علي الاسلام و لهذا قدمه الله تعالي في كتابه اشعارا بذلك قال تعالي و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس و الجن الاية ، فالشياطين الخالصون من ابليس يخترقون السموات الجسمانية و سموات الجسم ( الحس خ‌ل ) المشترك و لايصلون الي سموات الخيال و الشياطين المشترك ( المشتركون خ‌ل ) من الجن يصلون الي سموات الخيال و ( و الشياطين خ‌ل ) المشتركون من الانس يصلون الي مقابلة العقل الشبيهة بالعقل التي سماها عليه السلم بالنكراء و الشيطنة و اما حجبهم عن السموات بولادة النبي صلي الله عليه و آله لانه صلي الله عليه و اله لما ظهر اشرقت السموات بنوره و الشياطين خلقوا من الظلمة و الظلمة تضمحل عند النور فلايقدرون ان يصلوا الي السموات لاجل ذلك و انما يصلون الي ما تحت كرة النار فيستمعون و اكثرهم يتقول و لاسمع و منهم من سمع شيئا و اضاف اليه من نفسه اشياء فلذا قال الله تعالي و اكثرهم كاذبون و اما رميهم بالشهب فلان الله وكل ملئكة النجوم بهم فاذا خطف الشيطان خطفة لاستراق السمع رمته الملئكة بشهاب فاحترق لانه من نار [ص 47] الشجر و نار الكواكب من الشعلات التي استجنت في زبد الماء من نار الهيبة و العظموت و هي اقوي من النار التي من الشجر و اما تلك الشهب فانها من نار الكواكب اشتعلت لان الاشعة النارية من الكواكب تقع علي الارض فتمر بكرة النار فتؤجج ما يليها منها و كان عند كل كوكب ملك موكل به و هو روحه و ذلك الكوكب جسده فيقع شعاع جسده علي ما يليه من كرة النار ابدا فيشتد حرها بذلك ثم يتجاوز نازلا الي الارض فيصعد ابخرة مائية فلقوة حرارته يلطفها و يجفف كثيرا من رطوبتها حتي تغلظ و تكون لزجة بما فيها من الاجزاء الارضية المصاحبة لها فتكون دهنا فيجتمع محفوظا بما يمده الكوكب من المتصاعد السيال باشعته فاذا خطف الشيطان قبض الملك الموكل بذلك الكوكب قبضة من ذلك الدهن الخاص به فاشعله من كرة النار من ذلك المكان المحاذي لذلك الكوكب المتأجج باشعته فقذفه به فاحترق فكانت تلك الكواكب رجوما للشياطين فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني ظهور ابليس يوم الشوري و السقيفة في صورة البشر و اي ابليس ذاك .

اقول اما ظهور ابليس فانه يلبس صورة من صور اوليائه قال الله تعالي انا جعلنا الشياطين اولياء للذين لايؤمنون و قال تعالي تالله لقد ارسلنا الي امم من قبلك فزين لهم الشيطان اعمالهم فهو وليهم اليوم و لهذا لايتصور في صورة المعصوم و لا احد من شيعته لا في النوم و لا في اليقظة و المناسبة بينه و بينهم انهم ظهروا ذلك اليوم بالحقيقة الشيطانية [ص 48] فظهر لهم بصورتهم ليتمكن منهم كمال التمكن و يحصل الاتحاد التام و اما ابليس فهو المعلوم لان صورته عندهم فظهر لهم بكله و معني كون صورته عندهم ان ابليس له رؤس بعدد الخلق و كل شخص فله مرءاة عن شماله و ذلك الرأس مكتوب عليه اسم ذلك الشخص في جهة ( جبهة خ‌ل ) ذلك الرأس و علي وجهه غشاوة زرقاء و تكشف تلك الغشاوة عن ذلك الوجه القبيح شيئا فشيئا حتي يبلغ و يتم كشفها فتنطبع في مرءاة ذلك الشخص صورة وجه ذلك الرأس من الشيطان و قد قيض له الشيطان لايزال مع تلك المرءاة فهي النفس الامارة و الشيطان الخاص بها يقويها و يزين لها المعصية فاذا كانت المعصية كلية تدخل تحتها كل المعاصي لايقدر الشيطان الجزئي علي القيام بتشييدها فيقوم الشيطان الكلي الذي ظهر فيه كل الجهل الكلي و هو ابليس و يتصور بصورة من يريد غوايته ليقوي بذلك علي التي عجزت عنها السموات و الارض و الجبال و ابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا يعني كان معه الجهل الكلي و هذه الحالة بعكس الطاعة الكلية و تأسيسها و القيام بها ( بها و العقول خ‌ل ) و العقل الكلي في انطباع صورة وجه من وجوهه و تأييده في عظيم الخطر و الشأن و هذا معني ان روح القدس يكون مع الانبياء و الرسل يسددهم .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - ما معني حقيقة معراج محمد صلي الله عليه و آله بجسمه من غير لزوم خرق و التيام و ما معني رؤيته صلي الله عليه و آله للانبياء في كل سماء شخص معين و ما معني صلاته بالملائكة و ما صلوة الرب و وقوفه صلي الله عليه و اله .

[ص 49] اقول ان حقيقة المعراج هو العروج علي ظاهره و لا جهل فيه و انما الجهل في معرفة جسد النبي صلي الله عليه و آله و في معرفة الافاعيل الالهية و في معرفة الخرق و الالتيام فنقول اعلم ان الله سبحانه خلق قلوب المؤمنين من فاضل طينة جسم محمد صلي الله عليه و اله و اهل بيته عليهم السلم و الفاضل اذا اطلق في الاخبار و في عبارات العارفين بالاسرار يراد به الشعاع و هو واحد من سبعين مثلا جسم النبي صلي الله عليه و آله قرص الشمس و قلوب شيعتهم خلقوا من الشعاع الواقع علي الارض من قرص الشمس فاذا عرفت هذا عرفت انه يصعد بجسمه و لايكون خرق و لا التيام ( التيام بقي شئ خ‌ل ) و هو انا نقول الجسم هو كذلك و لكنه لبس الصورة البشرية التي تحس و هي متجسدة و حكمها حكم سائر الاجسام الجمادية و الصعود بها يلزم منه الخرق و الالتيام و نجيب بأن الصورة البشرية عند ارادة صعوده يجوز فيها احتمالان في الواقع هما سواء و في الظاهر الاول ابعد من ( عن خ‌ل ) العقول و الاخير ( الاخر خ‌ل ) اقرب فالاول ان الصاعد كلما صعد القي منه عند كل رتبة ما منها فيها مثلا اذا اراد تجاوز كرة الهواء القي ما فيه من الهواء فيها و اذا اراد تجاوز كرة النار القي ما فيه منها فيها و اذا رجع اخذ ما له من كرة النار فاذا وصل الهواء اخذ ما له من الهواء لايقال علي هذا ان هذا قول بعروج الروح خاصة لانه اذا القي ما فيه عند كل رتبة لم‌يصل منه الا الروح لانا نقول انا لو قلنا بذلك فالمراد بها اعراض ذلك لان ذوات ذلك لو القيها بطلت بنيته بالكلية فيجب ان يكون ذلك موتا لان القائلين بعروج الروح [ص 50] يقولون ان بنيته باقية لاتتفكك ( لاتنفك خ‌ل ) و انما مرادنا ان الجسم بالنسبة الي عالم الفساد يتلطف اذا صعد الي عالم الكون و الا فهو علي ما هو عليه من التجسد و التخطيط و الثاني ان الصورة البشرية التي هي المقدار و التخطيط تابعة للجسم في لطافته و كثافته فان الملك الاعظم مثل جبرئيل اذا خرج في صورة البشر كصورة دحية بن خليفة الكلبي يخرج بقدر دحية مع انه يملأ ما بين السماء و الارض و لو شاء حينئذ دخل في ثقب الابرة و اصغر لان الاجسام اللطيفة النورانية تكون بحكم الارواح لا تزاحم فيها و لا تضايق و لهذا يبلغ المعصوم عليه السلم من مشرق الدنيا الي مغربها في اقل من طرفة عين و لايستغربه السامع و هذا هو ذاك بعينه فافهم و اما معرفة الافاعيل الالهية فلأنه انما توهم من توهم من جهة ان العالم علي وضع واحد لو اختل اختل النظام فاذا خرق حصل حال مروره فرجة بانحباس الاجزاء المختلفة فاذا وقفت وقف جميع الفلك علي انه لا فرجة فيه و لايمكن تخلل اجزائه و لاتلززها فاين تذهب اجزاء الفرجة المفروضة و مع هذا كله فيلزم فساد النظام و الالتيام و انما يكون بانبساط الاجزاء الي الفرجة و لايكون ذلك الا مع التخلل و الترقق و لايمكن فيه ذلك و امثال ذلك و هذا جار علي حسب افاعيل العباد و اما افاعيل الهية ( الافاعيل الالهية خ‌ل ) علي تقدير تسليم امتناع الخرق و الالتيام فنقول علي ظاهر العبارة ان المعراج معجز للنبي صلي الله عليه و آله و المعجز يجري فيه ما لايجري في العادة و فيما تعرفه الناس فيجوز ان تكون ( يكون خ‌ل ) الاجزاء التي كانت بقدر جسمه الشريف حال مروره فنيت في [ص 51] بقاء جسمه كما فنيت الحبال و العصي في جسم عصي موسي عليه السلم و كان جسمه الشريف قائما مقامها في امداد العالم السفلي من احكام الحيوة في سماء الدنيا و الفكر في الثانية و الخيال في الثالثة و الوجود في الرابعة و الوهم في الخامسة و العلم في السادسة و العقل في السابعة و الصور في الثامنة و التسخير في التقدير في التاسعة بحيث لاتفقد قوة منها لان جسده هو علة هذه في هذه الاسباب فهو اقوي منها قطعا و كلما تعدي شيئا رجع ما فني منه بحيث لايحصل خرق و لا التيام و يكون سيره في ذلك كله موازيا للخطوط الخارجة من مركز العالم الي المحيط بها في كل فلك فيدور معها علي التوالي و علي خلاف التوالي و لو قلنا انه يسير علي خط مستقيم جاز و كان ما اعترضه من الاجزاء التي تكون ( يكون خ‌ل ) اصطفافها بالنسبة الي خط سيره المستقيم مؤربا يكون مستهلكا في بقائه و عائدا بعد تجاوزه كما مر علي حد واحد و لما كان جسده الشريف علة لوجود جميع الاجساد و جسمه علة لجميع الاجسام كان محيطا بجميعها فلايكون منها جزء الا و هو محيط به فكان صلي الله عليه و آله في عروجه محيطا بجميع الاجسام و الارواح و النفوس و العقول لان عقله علة العقول و روحه علة الارواح و نفسه علة النفوس احاطة المنير باشعته فمر في عروجه بكل شئ و رأي كل شئ فرأي الانبياء عليهم السلم كلا في رتبته لان من غلب عليه الفكر مثلا رءاه في السماء الثانية و من غلب العلم رءاه في السماء السادسة و من غلب العقل رءاه في السماء السابعة و هكذا و معني صلاته بالملئكة صلوة الظهر [ص 52] و هو انما عرج بالليل لان عروجه علي سمت بدء الوجود و كان بدؤ الوجود و الشمس قائمة علي قمة الرأس في التاسع‌عشر من برج الحمل و السرطان طالع الدنيا فاول ما تحرك الفلك وجب فرض الظهر فهو اول فريضة فرضت و هو اول صلوة صليها صلي الله عليه و آله فان قلت كيف تكون هذه اول صلوة صليها و هو انما عرج الي السماء بعد النبوة بسنتين قلت هذا في الزمان و التي صليها ليلة المعراج في الدهر و ذلك قبل خلق الاجسام بالفي عام و ليلة المعراج عرج صلي الله عليه و آله في الزمان بجسده و في الدهر بجسمه و في السرمد بروحه بعروج واحد و صلي بالملئكة في الدهر و سبغ الوضوء من صاد و هو بحر تحت العرش و عروجه انما كان في الليل بجسده و اما جسمه الشريف فهو في النهار قبل الزوال بقليل قدر الفي عام و اعلم ان هذا الجواب ما يمكن بيانه لكل احد و من يجوز البيان له لايكفي فيه الخفاء بل لا بد من المشافهة لان الفرق بين الزمان و الدهر مما انسد بابه عن فحول العلماء و ان عبروا عنه بعبارة حسنة مأثورة عن الوحي و لكن اكثرهم لايعلمون و معني صلوة الرب ان الاسم المربي له الذي هو روح القدس العقل الاول و هو اسم الله البديع لقيه في اعلي مراتبه و هو مقام او ادني اعني فلك الولاية المطلقة و هو يصلي لله و معني اخر يصل ما امر الله به ان يوصل يصل الولاية بالنبوة و معني اخر يصل الولاية بالالوهية فهو من الصلة او من الوصل او هما معا و معني صلوته يقول سبوح قدوس انا رب الملئكة و الروح سبقت رحمتي غضبي و كان محمد [ص 53] صلي الله عليه و آله واقفا لانقطاع سيره و اتصاله بذلك الرب فكان بينهما حجاب النفس المطمئنة حجاب من زبرجد و ان اريد بالرب هنا الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و هو المشية جاز لان الاسم البديع هو كينونة هذه الكلمة و هو الماء الاول و هذه الكلمة هي السحاب المتراكم الثقال و ان اريد به المعبود الحق ( بالحق خ‌ل ) سبحانه و تعالي فمعني يصلي يفيض الرحمة التي هي صفة الرحمن و هي التي وسعت كل شئ و التي هي صفة الرحيم و هي الرحمة المكتوبة للمؤمنين و لهذا قال في الحديث ما معناه من لامتك يا محمد من بعدك قال الله اعلم قال الله تعالي علي بن ابيطالب (ع) الحديث .

قال سلمه الله تعالي : و الجمع بين تعليل كون الصلوة ( الصلوات خ‌ل ) خمس فرائض باشارة موسي و بغير ذلك فكيف يكون موسي عليه السلم حينئذ شفيعا لامة محمد صلي الله عليه و آله .

اقول اعلم انا قد اشرنا في كثير من اجوبتنا في هذه الاجوبة و في غيره بأن قوله تعالي عبارة عن فعله كن ان الكاف اشارة الي الكون و ان النون اشارة الي العين و الكون هو الخلق الاول و العين هو الخلق الثاني و هو صبغة الله و غمسه لعبده المؤمن في رحمته و هو خلقه كهيكل التوحيد و هو المشار اليه بالنون و عددها خمسون و لما كانت الصلوة هي حقيقة تلك الصبغة وجب ان يكون عددها خمسين ( خمسون خ‌ل ) و كان الله سبحانه اجري عادته بحكمته و عدله انه لايوحي الي نبي من انبيائه الا و يكلفه مع امته بمعني هذه الاية لله ما في السموات و ما في الارض و ان [ص 54] تبدوا ما في انفسكم او تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء الاية ، فيعتذر منها ذلك النبي (ص) هو و امته فيشدد عليهم التكليف و لما عرج النبي صلي الله عليه و آله عرض الله عليه التكليف بهذه الاية فقبل و رضي و علم الله من امته الرضاء و القبول فانزل امن الرسول بما انزل اليه من ربه و المؤمنون كل امن بالله الي اخر السورة خفف عليه و علي امته التكليف كما ذكر سبحانه ربنا لاتؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا ربنا و لاتحمل علينا اصرا كما حملته علي الذين من قبلنا يعني الذين لم‌يقبلوا منك اصر التكليف الذي في الاية المتقدمة و لما امره بالخمسين الصلوة لموافقتها لسر الصبغة لم‌يحب رسول الله صلي الله عليه و آله ان يرد رحمة الله لان الصلوة رحمة الله و ان كان فيها مشقة علي امته موافاة لرضاه و رضا امته بتكليف تلك الاية الشاقة فالهم الله نبيه موسي عليه السلم ان يلتمس نبينا محمدا صلي الله عليه و آله ان يسأل التخفيف لامته فلما سأله ذلك احب رسول الله صلي الله عليه و آله ان لايرد شفاعة اخيه موسي عليه السلم في التخفيف عن امته فاذا سأل الله تعالي التخفيف لاجل شفاعة موسي عليه السلم لم‌يكن ذلك منافيا للموافاة المذكورة و انما الهم الله موسي (ع) ذلك ليعرف رسول الله صلي الله عليه و آله اثر التخفيف الناشي عن الرضا باصر التكليف و لانه سبحانه علم ان نبيه صلي الله عليه و آله لايسأله ذلك من نفسه و لا امته يسألونه لان ذلك هو مقتضي الرضا الصادق و انما خص بذلك الالهام موسي عليه السلم دون سائر الانبياء (ع) لان [ص 55] امته اشد الامم امتناعا من قبول التكليف بتلك الاية و جري عليهم اشق التكليف فكلفوا بقرض لحومهم من اصابة البول و توبتهم القتل و امثال ذلك و مع ذلك فقد قال لربه في مناجاته علي الطور في حقه و في حق وصيه و حق امته حتي اجابه الله سبحانه بتفضيل محمد صلي الله عليه و آله ( آله عليه خ‌ل ) و بتفضيل وصيه عليه السلم علي وصيه و بتفضيل امته علي امته فسأل ربه ان يجعله منهم فاجابه سبحانه و ان يريه اياهم فقال تعالي ان زمانهم متأخر عن زمانك و لكن ان احببت ان اسمعك كلامهم اسمعتك فقال نعم يا رب فقال نادهم فاجابه من في الاصلاب و الارحام بالتلبية فقال سبحانه و ماكنت بجانب الطور اذ نادينا يعني امتك و نوهناه باسمهم فلما كان ذلك احب سبحانه ان يعرفه سر ذلك التفضيل و ان يشركه في تلك الفضيلة بسبب توسطه و بسبب رضاه بأن يكون منهم فلذلك خص بأن يشفع في امة محمد صلي الله عليه و آله عنده ليشفع لهم عند الله و هنا اسرار كثيرة و لكن المراد بيان المسئلة و روي انه لما ردت الي الخمس قال له موسي عليه السلم ارجع الي ربك فاسأله التخفيف فقال قد استحييت من ربي و لكن اصبر عليها فلصبره جعل ثواب الخمسين في الخمس و لاجل ذلك الرضا و الصبر كانت حسنتهم بعشر فمن هنا كانت الخمس بخمسين و انما جعلت الخمسين خمسا بنقل العشرات الي الاحاد اشعارا بأن ثواب الخمسين في الخمس و انما نقلت بصورتها لذلك و لو نقلت الي الاربع او الست او العشر لدل علي تغيير التكليف بالنسخ لا بالتخفيف فجعل كل فعل و ركن [ص 56] من الخمس قائما مقام ركعة من الخمسين مثلا تكبيرة الاحرام و القراءة و الركوع و السجود و القراءة في الثانية و القنوت و الركوع و السجود و التشهد و التسليم فهذه عشرة بعشر ركعات فكل ركعتين بعشر فكانت الخمس قبل ان يزيد فيها النبي صلي الله عليه و آله تساوي ثواب الخمسين و تقوم مقامها في كل رتبة ثم زاد رسول الله صلي الله عليه و آله من قوله تعالي هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب في الظهر ركعتين و في العصر ركعتين و في المغرب ركعة لاتسقط في السفر فهي اثنتان و فرض الصبح تكتبها ملائكة الليل ركعتين و ملائكة النهار ركعتين فهي اربع ركعات فتكون الصلوات الخمس بحكم عشرين ركعة تعدل مائة ركعة الخمسين التي جري بها التكليف و ضعفها قال الله تعالي و لسوف يعطيك ربك فترضي .