قال سلمه الله : ان قلت نظره اليه كنظر طالب العرفان الي ملاحظة ما في الانفس من الايات كنظره الي اي موجود من الموجودات تحصيلا للايات [ص 33] الافاقية و هذا المعني و ان كان لا اختصاص له بالشيخ لكن هو لكمالات نفسه و تحلية مرءاة نفسه المنعكسة اليها لمحاذاتها شطر الحق الامور الغيبية حقيق بملاحظة ايات الله فيه سيما و قد انفلق حبة وجوده و تمت سنابله الي اي موجود و ان كان في حيز عدم التفصيل و الكون في الاجمال و التداني في الادبار و عدم الاقبال فهو اذا ككوة الشمس لانعكاس الاشعة و تميز الحق من الباطل بملاحظة النور بخلاف من بعد في الرتق و عدم الفتق و هذا معني الحب في الله و موالاة اوليائه و لان المرء مع من احب و محشور معه حتي اذا احب الحجر حشر معه كما في الخبر فمحبة الكامل و فرط محبته يوجب الكون في درجته فمن فاز و تشرف بمحبة الكامل حق عليه بمجرد ذلك اطلاق اسم الواصل .
اقول اذا كان نظر المريد الي شيخه المصطلح عليه عندهم كالنظر الي الافاق و الانفس لتحصيل الايات لميكن ذلك الشيخ له مرشدا علي زعمهم و لا دليلا و لا مستدلا للمريد بل المريد هو المستدل فكما ان العارف بالايات ينظر في الجماد مثلا و يشهد الاية و يسمع نطقها كذلك المريد ينظر الي شيخه كما ينظر الي الجماد و انها اذا عرف الايات فهو الواصل فلا حاجة الي هذا الشيخ و ان كان كاملا ثم ان هذا الشيخ انما تحصل له كمالات النفس و تحلية مرءاتها باستعمال الاداب الشرعية و التخلق باخلاق الروحانيين من الزهد و تخفيف اثقال التبعات و التخلي من الاشغال حتي تكون مدينة حصينة و تنصرف روحه عن المحل الادني و تتعلق بالمحل الاعلي لمداومته علي التقرب بالنوافل حتي احبه الله كما [ص 34] قال تعالي و كان عند ربه مرضيا فاذا كان كذلك كان هو اية الله لا انه حقيق ان يلاحظ الايات فيه و اما اذا انفلقت حبة وجوده بالمحافظة علي مودة سيدة النساء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها و ظهرت سنابله السبع سنبلة العقل و سنبلة العلم و سنبلة الوهم و سنبلة الوجود الثاني و سنبلة الخيال و سنبلة الفكر و سنبلة الحيوة و كانت في كل سنبلة مائة حبة من مودة سيدة النساء صلي الله عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها فقد شابه جواهر اوائل علله و هو من الايات التي تري في الافاق و في الانفس لا ان الايات تري فيه و اما شيخهم المدعي فقد تخلق باخلاق الشياطين و لهذا تريهم يقارفون السيئات و المعاصي الموبقات و مثل هذا تنفلق حبة وجوده بماء الاجاج و تظهر سنابله السبع في النفوس السبع التي هي نفوس الارضين السبع ارض النفوس و ارض العادات و ارض الطبع و ارض الشهوة و ارض الطغيان و ارض الالحاد و ارض الشقاوة فلاتغتر بمثل هذا و ان ظهر لك انه عالم لانه كما قال الشاعر :
لو ان في العلم من غير التقي شرفا لكان اشرف كل الناس ابليسا
فاذا وجد مثل هذا فهو شئ من ساير الاشياء و كل شئ و ان كان في حيز عدم التفصيل و الكون و الاجمال اه فهو يصلح للنظر فيه و لحصول الدليل منه لكن للعارف لا للمريد الذي يحتاج الي المنبه و المذكر و اما قولكم فهو ككوة الشمس اه انما يكون كالكوة اذا كان بابا للوجود فهو حينئذ يكون بابا للمريد منه بدء و اليه يعود و اما هؤلاء الذين يدعون فيهم فهم الذين ضرب مثلهم في القران في قوله تعالي [ص 35] و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة صدق الله و رسوله و اما لزوم الحب في الله الخ فاقول كيف يكون حبهم حبا في الله و هم يحادون الله و رسوله في اعتقاداتهم و اعمالهم و اقوالهم تعالي ربي عما يقولون علوا كبيرا لاتجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الاخر يوادون من حاد الله و رسوله الاية ، و ادلة ما اشرنا اليه في الايات و الروايات و ادلة العقل كثيرة جدا و لكن لضيق وقتي اسلك سبيل الاختصار اعتمادا علي معرفتكم و تكفيكم الاشارة .
قال سلمه الله تعالي : قلت ما قلته وجيه لكنه اختيار للشق الاخير و الكلام بعد في سهولة معرفته او صعوبته لقصور السافل عن ادراك كمال الكامل و لا بأس بالادراك في الجملة للموصل .
اقول اما اختيار الشق الاخير علي فرض المماشاة معهم فلا ريب فيه و اما معرفته فانت تنظر الي قوله عليه السلم اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر فانت تستدل عليه بظاهر اعماله و تقلبات لسانه في اقواله و تعرف من تجب اتباعه بحيث لايجوز لك ان تشهد لك عنده وجودا بملازمة الحق في جميع الاحوال قال الله تعالي لاينال عهدي الظالمين و اما ان السافل لايدرك كمال اه فاعلم انه اذا حصل له كمال ادراك كمال الكامل كان محيطا به و كان اعلا منه فلايكون سافلا بل يكون عاليا و اما ما يكفي في المعرفة فهو ان تراه لايخرج عن الحق ابدا .
قال سلمه الله : ثم علي اعتبار كمال الكامل في لزوم الاقتداء و طي البيداء فهل يكفيه قطع المنازل و طي عقبات الطريق و الاحاطة و الجامعية لتكميل [ص 36] الناقصين و ان لميروه و لميرهم بل و ان لميسمعوا به لان الشمس بشروقها المحيط تزيل الظلمات و تجلي المبهمات و لان دعوة لسان الاستعداد مستجابة امن يجيب المضطر اذا دعاه او لا بد من الصحبة الظاهرة و الحضور ليحصل التقابل بين مرءاة القابل و العكوسات المفاضة من الكامل او بتوسط ممن لايحبه بالرد السائل .
اقول لايكفي الاول الا اذا علم المريد مقاصده و اعماله و اقواله و احواله و لو بواسطة العدل او واسطة عدول فاذا عملت بهديه و اقتديت برأيه كان له تأثير عظيم اذا كان المريد طالبا لرضي الله تعالي وحده و يكون متفهما بحقيقة فهمه علي ما ينبغي و معني ذلك ان الطالبين علي اربعة اقسام : الاول يريد الاستطالة و التشخص فهو مستنكف عن عبادة الله في نفسه و ان كان يظهر انه يتعلم فهو لايريد في نفسه التعلم و علامته انه يعارض المحق لئلايقال انه لايعلم و هذا لايكاد يوفق للخير ابدا ، الثاني ليس هذا حاله و لكن نفسه انست بعلوم و اعتقادات فيصعب عليها مفارقتها حتي انه لو رأي الحق عند غيره لمتقدر نفسه علي مفارقة ما انست به لا من جهة التكبر و الاستنكاف بل من جهة الاعتياد و هذا كثيرا ما يفوته الصواب و الفوايد العجيبة و قل ان ينتفع بالتعليم ، الثالث ليس كهذا و لا كذلك و لكنه يرجع في تفهمه الي اصول و قواعد عنده فلايقبل الا ما وافق ما عنده من الاصول و لعل الخطاء في تلك الاصول كما هو اكثر احوال اكثر العلماء و هذا غلطه كثير ، الرابع ليس كهؤلاء و لكنه بممارسته للعلوم حصل له فهم و قوة ادراك لانه لايكون [ص 37] فهمه كفهم العامي البتة فاذا عرض له الحكم و المسئلة من الكتاب و السنة و من المعقول و من ايات الله و من كلام العلماء تفهمه بمحض فهمه و تدبره بقوة ادراكه و لميلتفت الي نفسه و تعززها و لا الي عادتها و لا الي قاعدته فاذا فهم مراده بمحض فهمه مريدا لرضي الله كان الله معه لانه احسن التفهم و جاهد في الله تعالي لله و مثل هذا لايكاد يخطي و هو قوله تعالي و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و ان الله لمع المحسنين فاذا سلك مع الشيخ الغائب عنه بهذا المسلك بالشروط التي ذكرناها سابقا و هي ان تأخذ عنه ما لايخالف الضرورة من المذهب اذا عرفت دليله في الاصول و اما في الفروع فاذا كان الشيخ من اهل الاستيضاح و الاستنباط و لميخالف قوله الضرورة من المذهب جاز الاخذ عنه و ان لميعرف الدليل فاذا فعلت ذلك استنرت بنوره و فزت بهدايته و هذا حال من اخذ عن ائمة الهدي عليهم السلم و عن علماء شيعتهم و اما اذا اتفقت الصحبة الظاهرة فان ذلك اولي و اقرب مسافة الي الله تعالي و ذلك لان بعض العلماء قال ان سكان الارض الثالثة ارض الطبع شياطين همهم ادخال الشكوك و الاحتمالات و الشبهات علي بني ادم و هم اضر الشياطين عليهم قالوا فاذا كان في البلد عالم من اهل التحقيق قوي في قلبه و نفسه و كان مطاع الامر في ذلك البلد لايدخلها احد من تلك الشياطين لانهم لو دخلوها احترقوا بنوره و ذلك لان البعيد و ان كان مقتديا الا انه لايحصل من ذلك الشيخ ما يحتاج اليه و حاجته تتجدد كل حين و اذا صحبه كان به مستغنيا و اما ذكر العكوس [ص 38] المفاضة اه فهذا شئ قالوه و ليس بمنقح لان العلم قد انبسط علي جميع الخلق بانبساط الوجود و انما يظهر باصلاح القابلية فالعالم معين للاصلاح لا انه مفيض للانوار و مثال ذلك ان الشمس اذا اشرقت علي الارض و علي المرءاة كان انعكاس النور عن المرءاة اعظم من انعكاسه عن الجدار و ليس ذلك لان الشمس اشرقت علي المرءاة اكثر مما اشرقت علي الجدار بل الاشراق واحد و لكن المرءاة قبلت اكثر من الجدار فلو صقلت الجدار حتي كان صقيلا كالمرءاة انعكس عنه النور كما انعكس عن المرءاة بلا تفاوت و لمتكن الشمس زادت في الاشراق عليه حين صقالته فالنور المقبول من الفيض لميحتجب عن احد و لميحجب و انما اختلفت الاشياء باختلاف قابلياتها و هذا معني ما اشرنا اليه سابقا في قول علي عليه السلم و لكن العلم مجبول في قلوبكم تخلقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم و اما الاقتباس من نور الشيخ و الاستضائة منه انما يراد به في الحقيقة التنبيه و التذكير المعبر عنه بالاصلاح للقابلية و الا فلايمكن ان يصل شئ من النور الي شخص لميقبله في الذر نعم قد يكون الشيخ شرطا في قبول شئ من ذلك علي نحو ما قلنا لان الشيخ قد يكون من متممات المشخصات للقابلية الا ان يكون علة كما نعتقده في المعصوم فلا شك ان جميع ما يصل الي شيعته من فاضل شعاعه و لهذا سموا شيعة لاشتقاقهم من الشعاع او من المشايعة اي المتابعة و المال واحد .
قال سلمه الله تعالي : ثم اختلاف كشوف السالكين و المكاشفين و وقوع معتقد في مرءاة اعتقاد مريد و وقوع خلافه في مرءاة معتقد الاخر كمشاهدة [ص 39] بعض شيوخ المتصوفة العامية خليفتهم الاول و الثاني ذا رتبة علي خلاف كشف اهل الحق هل لملاحظتهم بمجرد عقايدهم في معارجهم علي سموات نفوسهم بها فيلزم طالب الحق قبل المجاهدة التعرية اولا عن كل اعتقاد لايتيقنه او لوقوع معتقدات في مرءاة قلب المريد فيحسبها صحيحة لانتقاش مرءاة قلبه بها اما من حيث المقابلة بعد التصفية و التجلية او من جهة تصرف المراد له او عليه اذ هو كالميت بين يديه علي ما اعتبروا من لزوم كون المريد علي ذلك الحال لديه فربما يفاض عليه منه الكفر و الانكار فيزل عن المحجة و ربما يحصل به الايمان و الاقرار و مزيد الحجة و لذا قيل بالفارسية :
اي بسا ابليس آدمرو كه هست پس بهر دستي نبايد داد دست
اقول لهذه المسئلة جوابان ظاهري و باطني اما الاول فلان الاختلاف انما نشأ من ملاحظة عقايدهم في معارجهم لانه ابدا يلاحظ طريقه الذي كان يعتقد حتي انه لو انكشف له خلافه تكلف صرف المخالف و صاحب هذه الطريقة تنفتح له وجوه الاحتمالات بحيث لاتضيق عليه طريق صرف المخالف الي وجه يوافق و علة ذلك انقطاعه كما تقدم في حديث الاسرار من اخلص لله العبودية اربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه علي لسانه فان كان مؤمنا كان نورا له و بيانه ان المؤمن قد وفق للحق و انما جهل سر حقيقة طريقه قبل الانقطاع فاذا انقطع ظهر له سر ذلك الحق ثم قال ما معناه و ان كان كافرا كان حجة عليه و معناه انه قد سلك طريق الباطل قبل الانقطاع فاذا انقطع سلك ما يطابق طريقه [ص 40] فيظهر له سر ذلك الباطل فهذا سر الاختلاف لا لوقوع معتقدات في قلب المريد فيحسبها صحيحة لان هذه المعتقدات و ان كانت انما حصلت له بعد التصفية و التخلية فانه يجب ان تكون مطابقة للحق من كل احد لان الله سبحانه فطر الناس علي فطرة الحق و انما وقع التغير من تغيير تلك الفطرة و اذا خلقه الله علي هيئة الحق المسماة بهيكل التوحيد باطنا و بفطرة الاسلام ظاهرا اقتضت من شانها الحق لكنه غير تلك الفطرة كما اشار سبحانه الي ذلك بقوله فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله و النفي بمعني النهي اي لاتبدلوا خلق الله و قال تعالي حكاية عن ابليس لعنه الله و ليغيرن خلق الله فان سلك بها بعد التغيير سلكت به مقتضاها من القول بالنصب او الغلو او بالدهر او بالشرك او الجحود و غير ذلك علي حسب التغيير في الخلق و ان صفاها و جليها كما ذكرتم فظاهره ازالة التغيير فهذا لا شك في اصابته الحق و ان اريد خلاف الظاهر بأن صفاها و جلاها علي ما هي عليه من التغيير فذلك ما قلنا انه يلاحظ مذهبه في عروجه فتشتد عليه الظلمة لانه كان منكرا للحق عن جهل و الان منكر للحق عن علم فلايكون سبب الخطاء مقابلته بمرءاة نفسه بعد التصفية و التخلية و لا من جهة تصرف المراد لانه لا تصرف له الا في القابلية كما قلنا فاذا كان تغيير خلق المريد من المراد احدث الله سبحانه في قلبه مقتضي ذلك التغيير من باب حكم الوضع كما يذكره اهل الاصول و هذا التغيير لايكون قسريا من المرشد و ان كان بسببه بل هو اختياري من المريد فانه [ص 41] يأمره بامور تخالف الحق ان كان المريد قبل ذلك محقا فرضي المريد منه بما يخالف حقه و ان كان المريد مبطلا لميكن مغيرا و انما هو منبه له علي سر معتقده الباطل فلايكون التغيير من جهة تصرف المراد بأن افاض عليه الكفر و الانكار او الايمان و الاقرار لانه حينئذ نبه غافلا لميتغير فطرة الله فيه و ليس ذلك المراد المدعي علة في ايجاد المريد ليقلب حقيقته ان شاء الي ما يشاء فافهم الاشارة و اما الجواب الباطني فلأن الاختلاف كان في الخلق الاول في التكليف الاول في المعاني و الرقائق حين شاء اكوانهم و اراد اعيانهم و في الخلق الثاني في الصور صور السعادة و الشقاوة حين قدر هندستهم و ذلك حين سألهم بما سألوه ان يسألهم به فقال لهم الست بربكم و محمد نبيكم و علي امامكم و وليكم فقالوا بلي فمنهم من قال بلي بقلبه و لسانه معتقدا و منهم من قال بلي بلسانه و قلبه منكر و منهم قال بلي بلسانه و قلبه واقف لميقر و لميجحد فخلقهم علي صورة اجابتهم من الاقرار و الانكار او الوقف و بلغت حجته و تمت كلمته و ما ربك بظلام للعبيد فاختلفوا و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك و لذلك خلقهم اي علي ما هم عليه من الاقرار و الانكار بالاختيار و لهذا جري الايجاد بصورة السؤال و لو جبرهم لقال انا ربكم و محمد نبيكم و علي امامكم علي سبيل الحتم و الحكم و لكنه خيرهم فاختاروا ما في سابق علمه بهم فكانت هداية المهتدين و ضلالة الضالين باختيارهم و قد ذكرت في خطبة لي انشأتها في عيد الاضحي كلاما يناسب ايراده هنا و هو : بل خلق الخلق علي مستقرهم [ص 42] اذ خلقهم بدعوة سرهم فاعطاه ما سألوه من حكمهم و فطرهم اذ شان المختار اختيار شان امرهم و لو كان موجبا لجري فعله بقسرهم فتعالي في ذاته و عزة افعاله و صفاته عن خيرهم و شرهم بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون . فاذا عرفت هذا ظهر لك ان كل شئ من المخلوقات انما يعمل و يعتقد بما هو عليه مما اختاره في الذر الاول و الذر الثاني و هذا معني قولنا ان الشيخ ليس له دخل في الهداية و الضلالة و انما يكون له دخل في القابلية و في الحديث النبوي في رواية جابر انه جاء سراقة بن مالك فقال يا رسول الله بين لنا ديننا كأننا خلقنا الان ففيم العمل اليوم فيما جفت به الاقلام و جرت به المقادير ام فيما يستقبل قال صلي الله عليه و آله بل فيما جفت به الاقلام و جرت به المقادير قال فبم العمل قال صلي الله عليه و آله اعملوا فكل ميسر لما خلق له و كل عامل بعمله ( بعلمه خل ) ه ، ثم اعلم ان ما خلق له هو ما اجاب به باختياره كما مر فاذا خفي عليك فانظر في هذه الدنيا الي من اطاع و من عصي فانه مطيع او يعصي باختياره بعد البيان و ما كان في الذر الاول و الثاني هو عين ما تري هنا بلا تغيير و لا مغايرة فالذي يحصل لاصحاب الكشف انما يكشف لهم ما في حقايقهم و علي كل تقدير فلايلزم طالب الحق التعرية قبل المجاهدة عن كل اعتقاد لايتيقنه لان هذا للزوم يعتبر في تحصيل اعتقاده اولا لا لاجل السلوك بل لاجل فهم الحق ابتداء كما ذكرنا في المراد من قوله تعالي و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا لان التعرية عن المعاندة و عما اعتادته النفس و عن الاعتماد علي القواعد [ص 43] و الاصول في فهم الحق هو ان يتعري عن الاحوال الثلاثة و ينظر بفهمه و ذكائه خاصة و قد تقدم .
قال سلمه الله تعالي : و علي هذا لايجوز التعلق بذيل شيخ من الشيوخ لقصور السافل عن ادراك الكمال او الضلال او الاضلال سيما و قد اعتبروا من شرايط المراد كونه مكملا بعلاوة الكمال اذ ليس كل كامل مستأهلا للايصال بل لايمكن التشبث بذيل شيخ من شيوخ المتصوفة من ارباب الخرق المعروفة لعدم استنادهم الي حجة الوقت بل لاعتقاد بعض كملهم كعلاءالدولة ارتحاله عليه السلم من هذه الدار نعوذ بالله من اعتقاد يوجب الخسارة و البوار او لقصور المجاهدة و عدم الاعتصام بعروة المتابعة الحقة النبوية و الولاية الاثنيعشرية لعبور السالك في معارجه مأوي شياطين الاهواء المستولة و نظر العقل و الشهود بعد غير عادلة و لا مبدلة فاذا لا اعتداد بالكشف الا للنبي المجتنب قطعا عن الجزاف و التخمين و الوصي السالك علي قدمه القاطع بالقطع للطريق و المكحل بصيرته بنور اليقين .
اقول لا اشكال في عدم جواز التعلق بذيل شيخ من الشيوخ المعروفة الا المتقين الذين سلكوا في تلك المعارج بظاهر طريق اهل العصمة عليهم السلم لا بباطن طريقهم من دون ظاهره بل كلما يظهر لك من باطنه انه مخالف لظاهره فان الباطن عندك المخالف للظاهر باطل مضمحل لايجوز التعويل عليه كما قال الصادق عليه السلم ان قوما امنوا بالظاهر و كفروا بالباطن فلميك ينفعهم ايمانهم ذلك شيئا و لا ايمان ظاهر الا بباطن و لا [ص 44] باطن الا بظاهر ه ، فاذا رأيت الشيخ لايخالف في جميع تحقيقاته و اسراره ظاهر الشرع فاعلم ان ذلك ممن يجوز التمسك بذيله لان التمسك به عين التمسك بائمته عليهم السلم و لاتقول ان كل واحد يدعي ذلك لان القول كله كذب الا ما صدقه الفعل و العمل كما قال الشاعر :
و كل يدعي وصلا بليلي و ليلي لاتقر لهم بذاكا
اذا انبجست دموع في خدود تبين من بكا ممن تباكا
و اما مشايخ الصوفية اصحاب الخرق الذين يدعون صحتها برواياتهم الباطلة عن سلمان عن علي عليه السلم عن النبي صلي الله عليه و آله عن جبرئيل عليه السلم و عن الله تعالي فكلهم هم و دعويهم فعلوا زخرف القول غرورا فذرهم و ما يفترون و اما دعوي بعضهم عدم وجود الحجة عجل الله فرجه و سهل مخرجه فهذا مذهب العامة لكن ابنحجر ذكر في الصواعق المحرقة له ان فيه ثلثة اقوال فقيل هو محمد بن حسن العسكري عليهما السلم و قيل هو عيسي بن مريم عليهما السلم و قيل هو مهدي العباسي و رجح هذا القول و علي كل تقدير فقد انزل في المنكرين لقيامه عليه السلم و حشر بعض الناس معه ممن محض الايمان محضا و محض الكفر محضا قرانا و ورد في تفسيره بهذا المعني النص عن اهل العصمة عليهم السلم و هو قوله تعالي و اقسموا بالله جهد ايمانهم لايبعث الله من يموت بلي وعدا عليه حقا و لكن اكثر الناس لايعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه و ليعلم الذين كفروا انهم كانوا كاذبين انما قولنا لشئ اذا اردناه ان نقول [ص 45] له كن فيكون و الوعد الحق في الباطن هو القائم عليه السلم و الذي يختلفون فيه هو القائم فهؤلاء المنكرون له عليه السلم قد سماهم الله كافرين لانهم كفروا بوجود حجة الله عليه السلم و لا شك ان هؤلاء و امثالهم هم شياطين الانس و هم طلع شجرة الزقوم و هم رءوس الشياطين و ان من مال اليهم و قال بقولهم انه يحشر معهم في اسفل درك من الجحيم بل في الفلق التي هي اخر درك من جهنم التي هي اسفل النيران نعوذ بالله من الضلالة و الردي و اما انه لا اعتداد بالكشف الا للنبي و اهل بيته عليهم السلم فنقول من كان يكاشف عن النبي و اهل بيته بمعني لايقول الا بقولهم و لاينكشف له الا بكشفهم فمثل هذا يعتد بكشفهم لان كشفه انما هو بما اصلوه في اثارهم و علامته انه لايجاهد بمجاهدة اعدائهم من الرياضات و الاذكار المخترعة بل بمجاهدة ائمته عليهم السلم من الصلوة و الطهارة و التقوي و كثرة ذكر الموت و قرائة القران بالتدبر و مداومة السواك المعنوي و هو التوبة و الانابة و الوضوء و هو الطهارة الحقيقية من الصدق مع الله بحسب جهده و كثرة النظر في العالم الملكوت من السموات و الارض كما قال سبحانه اولمينظروا في ملكوت السموات و الارض و ما خلق الله من شئ و ان عسي ان يكون قد اقترب اجلهم و قال صلي الله عليه و آله في تفسير قوله تعالي و الذاكرين الله كثيرا و الذاكرات ما معناه ليس هو سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر و ان كان ذكرا و لكن ان تذكر الله عند الطاعة فتفعلها و عند المعصية فتتركها ، فهذه و امثالها [ص 46] مجاهدة اهل الحق لا اذكار الصوفية من الشهقة و الرقص و التصدية و الغناء و الاذكار الموضوعة و التفكه بالمردان و الغيبة في الالحان الموسيقية بدعوي ان النفس خلقت من حركات الافلاك و هذه الالحان وضعها فيثاغورس علي حركات الافلاك فاذا سمعتها النفس تذكرت عالمها و غابت عن هذا العالم و ادركت المعارف الالهية لاتصالها بمبدئها و لميسمعوا قول الله و من الناس من يشري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله و الحاصل لا اعتداد بكشف احد من الناس الا من كشف عن بعض اسرارهم عليهم السلم بهدايتهم و اتباعهم كما اشرنا اليه و اما النبي و اهل بيته صلي الله عليهم اجمعين فاولئك ينظرون بالله و الكلام هنا يضيق به المجال و في الحديث ان الله اعطي وليه عمودا من نور يري فيه اعمال الخلايق كما يري احدكم الشخص في المرءاة ه ، و يكفيك قول الله تعالي و كل شئ احصيناه في امام مبين لعن الله السالف و التالف و الملحدين في اسماء الله .
قال ايده الله تعالي : ثم هل يكفي شوق السالك الي الوصول لان العمدة علي جذبات العنايات بعد استعداد الفيض و القبول فعلي الله بمقتضي الرحمة العامة و العنايات التامة تتميم الامر و تهيئة ما عليه من الشرايط و ان كان شيخا مرضيا او جذبا معنويا او لا بد من الشيخ المصفي مرءاة قلبه القريب منه ليري فيها وجهه او الوجه المطلوب علي الحقيقة و لايتيسر في مبادي الحال الا بواسطة الحجب الرقيقة ثم يطوي كلما قوي بصر البصيرة علي تفاوت مراتب الطي و الوصول الي [ص 47] الحضرة او الحظيرة و هذا ما جري به القلم في اسرع اوان بغير كلام مرتبط لغرائب الالفاظ و شوارد المعاني و مقاصد الخطاب لاستعجال الحال للكتاب و ارجو من شيم الكريم العفو و الاغماض عن الهفوات في السؤال و فعل القول و قاطع الكلام لسهولة الايصال .
اقول انتهي كلامه في هذه المسئلة ادام الله اكرامه اعلم ان شوق السالك قسمان شوق بشهوة نفسه و هذا لايفيد شيئا و لايترتب عليه تتميم امر بل ظواهر بعض الايات و الروايات تدل علي ان صاحب ذلك مذموم و هو كثير مثل قوله تعالي ليس بامانيكم و لا اماني اهل الكتاب من يعمل سوء يجز به و كقوله تعالي قل مايعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم و شوق بحقيقته و هو ما كان عن ميل فؤاده المعبر عنه بنور الله في قوله عليه السلم اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و هو وجوده الذي خلق منه و هو كونه المذكور به اول مرة و ليس له ذكر قبل ذلك لا في علم و لا وجود و عن ميل مهيته مع مشخصاتها الستة بميل وجوده فانه اذا اقتضي حالا بكله وجب في الحكمة ان يفاض عليه ما اقتضاه و مقتضي الرحمة العامة اعطاء ما اقتضاه من اثار الفضل او العدل علي نحو ما سبق ففي هذا الصنع سعد من سعد بفضل الله و شقي من شقي بعدل الله و معني قولنا انه يميل بكله انه يعمل بجوارحه و لسانه و خياله و قلبه و فؤاده علي نحو ما اشرنا اليه سابقا و اما حصول بعض الجذبات لبعض مع عدم العمل ظاهرا كما قد يدعي فالله سبحانه قادر و لكن اجري عادته ان يفعل الاشياء باسبابها لان فعله واحد فلو فعل بمقتضي فعله لا غير [ص 48] لميوجد الا شخص واحد و لاتحصل كثرة و لا اختلاف لان الكثرة و الاختلاف انما يكون ذلك بسبب اختلاف المشخصات الستة و توابعها و لوازمها و هو سبحانه سبب من لا سبب له و سبب كل ذي سبب و مسبب الاسباب من غير سبب و لو شاء الله لجمعهم علي الهدي فلاتكونن من الجاهلين و لكنه سبحانه احسن كل شئ خلقه فاحب بأن يميز الخبيث من الطيب و لايكون ذلك الا بأن يكلفهم علي الاختيار في الشرع الايجادي فخلقهم كذلك و ان يوجدهم علي الاختيار في الايجاد الشرعي فكلفهم كذلك فاذا سأل العبد ربه بلسان حاله الصادق و هو سؤاله بالسنة جميع اوطاره في جميع اطواره و بالسنة جميع افعاله و اعماله في جميع ادواره و اكواره وجبت له الاجابة في الحكمة علي طبق ما سبق و هو قوله صلي الله عليه و آله في حديث جابر المتقدم اعملوا فكل ميسر لما خلق له و كل عامل بعمله و اذا اردت ان تعرف كيف ذلك فانظر في هذا العالم تجد المرزوق يرزق بطلبه و لا كل من طلب وجد و يحرم من لميطلب و لا كل من لميطلب يحرم هذا في الدنيا و احوالها و اما في احوال الاخرة فانه البتة ينال اجر سعيه عند الله لا علي ما يريد قال تعالي من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا و من اراد الاخرة و سعي لها سعيها و هو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكورا فقال في مريد الدنيا عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد لا كل ما يشاء و لا لكل من اراد و قال في مريد الاخرة و سعي لها سعيها و هو مؤمن فشرط في [ص 49] تحصيله السعي و الايمان و لكن ليس علي ما يحب بشهوة نفسه بل علي ما بذل من الثمن من سره و علانيته فاعتبر احوال الدنيا و اهلها يظهر لك احوال الاخرة و اهلها قال تعالي انظر كيف فضلنا بعضهم علي بعض و للاخرة اكبر درجات و اكبر تفضيلا و اعتبر احوال هذا العالم عالم الشهادة يظهر لك احوال عالم الغيب قال جعفر بن محمد عليهما السلم العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية قال تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق او لميكف بربك انه علي كل شئ شهيد يعني موجود في غيبتك و في حضرتك ه ، فكما امر بالسعي في الشهادة لتحصيل الرزق كذلك امر بالسعي في الغيب لتحصيل ذلك الرزق ثم اعلم ان السبب و الشرط هو العمل بجميع ما امر الله به و هو المذكور في هذه الشريعة الغراء كما امر الله به من الاخلاص و التزام حدوده تعالي و اما الشيخ المرضي و الجذب المعنوي فالمقصود الحق ان الشيخ المرضي معين لاصلاح القابلية كما مر بتذكيره و تنبيهه و دعائه و عمله و تسديده و كل هذه و امثالها من متممات القابلية و اما جذب العناية فهو مقبول فاذا لميحصل له قابل لايتحقق بغير متعلق و في الحديث عن علي بن الحسين عليهما السلم ان القدر و العمل كالروح و الجسد فكما ان الجسد لا حراك له بدون الروح و الروح لاتحس بدون الجسد كذلك القدر و العمل فلو لميكن القدر بموافقة العمل لميعرف الخالق من المخلوق و كان القدر شيئا لايحس و لو لميكن [ص 50] العمل بموافقة القدر لميتم و لميمض و لله العون فيه لعباده الصالحين ه ، نقلته بالمعني علي اختلاف في بعض الالفاظ و اما ان الشيخ المصفي مرءاة قلبه فانه يري المريد فيه وجهه فهذا قد يكون في بعض الشيوخ من هو صحيح المذهب صحيح العمل صادق اللسان صادق السر و لكن كما قلت لك انه اذا لميكن العلة و الواسطة في الشرع الوجودي و الوجود الشرعي كالامام عليه السلم لميكن مفيضا و انما هو مكمل للقابلية كما ذكرنا مرارا و اما الامام عليه السلم فكونه مفيضا لكونه باب الله الي جميع الخلق فلايصل شئ من الله الي احد من خلقه الا من فاضل احسانهم و هذا معني ما في دعاء رجب للحجة عليه السلم في قوله اعضاد و اشهاد و مناة و اذواد و حفظة و رواد و اما قولكم او الوجه المطلوب اه فاعلم ان الوجه المطلوب ظاهر في كل شئ بل هو اظهر من كل شئ كما قال سيدالشهداء عليه السلم في مناجاة يوم عرفة قال ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الاثار هي التي توصل اليك فلايختص بذلك الشيخ لانه لايسع مظهر الذات بتمامه الا محمد و آله صلي الله عليهم اجمعين قال تعالي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن نعم لايكون شئ اقرب الي المريد و لا اوسع من نفسه بالنسبة اليه فانه اذا القي عنها جميع النسب و جردها عن كل شئ سواها حتي ما تقومت به فانها يكون ذلك الوجه له خاصة قال عليه السلم من عرف نفسه فقد عرف ربه و اما الوصول [ص 51] الي حضرة الجلال و الجمال او الي حظيرة القدس فطريقه الاقرب التجافي عن دار الغرور و الترقي الي عالم النور و لقد كررت العبارات للذكري فان الذكري تنفع المؤمنين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و كتب احمد بن زينالدين حامدا مستغفرا .
قال سلمه الله : ثم ارجو من جنابكم الكشف الصريح لا الايماء و التلويح عن بعض ما اورده مما استصعب علي ذهني بل علي الاذهان و لا معول الا علي ذلك الجناب و اعجوبة الزمان .
اقول اعلم ان الاشياء جرت في جعل الله سبحانه علي اكمل الوجوه و من ذلك انه لايظهر الله تعالي شيئا من كتم الامكان الي الوجود في الاكوان و الاعيان الا و هو يدل علي شئ و يدل عليه شئ و مبتلي و مبتلي به و علة لشئ و معلول لشئ و علم بشئ و معلوم لشئ و عرض لشئ و جوهر لشئ و متمم بشئ و كتاب لشئ و مكتوب في شئ و منسوب اليه شئ و منسوب الي شئ و متولد من شئ و متولد منه شئ و مفتقر الي شئ و مفتقر اليه شئ و الحاصل ان كل شئ انما يظهر مشروحا مبين العلل فما ظهر في ذاته ظهر بيانه و ما خفي في ذاته بطن برهانه فما بطن برهانه لايزيده البيان الا غموضا و لايسهل ادراكه الا بالاشارة و التلويح بل قد يوجد ما لايدرك بالاشارة كالمثل الاعلي لكل شئ فانه بالنسبة اليه ليس كمثله شئ فاذا وجدت شيئا استصعب علي ذهنك فليس سبب ذلك خمود ذهنك بل لاسباب منها قد يكون العبارة عنه [ص 52] غير مأنوسة عندك و منها قد يكون ما سمعت به ناقص العبارة عما يراد من المعني و منها ما استعمل التلويح فيما حقه التصريح و بالعكس و منها ما لايدركه العقل و انما يدرك بالفؤاد و منها ما يكون من دليل الحكمة و انت تريده من دليل الموعظة الحسنة او دليل المجادلة بالتي هي احسن و منها ما هو قبل ذكرك الاول و كل احد لايدرك ما وراء مبدئه و منها ما لا كيف له و تطلبه بالكيف و منها ما لا صورة له و تطلبه بالصورة و منها ما يتوقف بيانه علي مقدمات كثيرة و امثال ذلك فالتصريح لااتمكن منه في كل مسئلة اذ في بعض المسايل ما نهي عن بيانه او لمثل الاسباب المتقدمة او خوف التطويل او دقة المأخذ او عسره و لقد سأل الاشعث اميرالمؤمنين عليه السلم فقال له كم في رأسي من شعرة فقال عليه السلم لولا ان برهانه يعسر لاجبتك اه و سئل اميرالمؤمنين عليه السلم عن مسئلة فاجاب و سئل عن اخري فاجاب و سئل عن اخري فقال عليه السلم ليس كل العلم يقدر العالم ان يفسره لان من العلم ما يحتمل و منه ما لايحتمل و من الناس من يحتمل و من الناس من لايحتمل و قال الصادق عليه السلم ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله .
سؤال - ما معني ما ذكره ابوالعباس البوني في شمس المعارف في تقريب مسافة السلوك و سرعة الوصول الي المقصود و تجريد النفس دفعة واحدة بلا كلفة و مشقة قال : و لهم في ذلك مأخذ قريبة و نزعات عجيبة منها علم اسرار الحروف و الاستعانة بها علي تجريد نفوسهم و [ص 53] بينهم تفاوت و تفاضل في حقيقة السلوك في النحو الذي يستعمله كل واحد منهم و الذي اومي الكلام و الاشارة اليها رمزوا ذلك و اخفوه .
اقول اعلم ان اول ما خلق الله الابداع و هو خلق ساكن لايدرك بالسكون و المراد بالابداع هو المشية و الارادة و هو محدث خلقه الله بنفسه و كونه ساكنا اي انه ذات بالنسبة الي جميع المخلوقات قايم بنفسه يعني هو بالنسبة الي من دونه ذات و هم اثاره و اعراضه و ليس المراد منه المعني المصدري لان فعل الله تعالي ذات تذوتت به الذوات و كلها اعراضه و اثاره و ان كان قايما بالله قيام صدور اقامه الله بنفسه لا في شئ غيره و كونه لايدرك بالسكون لان السكون انما حدث من مفعوله فهو مخلوق به و المراد بهذا السكون ضد الحركة فهو ادم الاول و الامكان الراجح و الكاف المستديرة علي نفسها ثم خلق الحروف و جعلها فعلا منه يقول للشئ كن فيكون و الالف اللينة صورة لا حركة فيها و هي ادم الثاني و طولها الفالف قامة و الحروف الثمانية و العشرون بل الاثنان و الثلثون اولاده اولهم الالف المتحركة و هي حركة لا صورة لها و انما صورتها صورة الالف اللينة البستها اياها و هي حركة الالف اللينة و طول الالف المتحركة الفالف ذراع و المدة صوت لا صورة لها و لا حركة و هذه الحروف هي الابداع الثاني فهو ( فهي خ ) ظاهر الابداع الاول فليس في العالم باسره شئ الا و هو موجود فيها ففيها الفعل و الانفعال و الحركة و السكون و التناكح و التناسل و التواخي و التباغض و التعارف و التناكر و التساوي و الاختلاف و البسيط و المركب و المحدود و المهمل و [ص 54] الناري و الهوائي و المائي و الترابي و النوراني و الظلماني و العقلي و الروحي و النفسي و الطبيعي و المادي و الصوري و الحاصل ان الحروف عالم برأسه و كون مستقل بنفسه و الحروف قايمة بالالف اللينة و لها علي سايرها القيومية و اهل الجفر يقولون الاختراع اختراعان و الابداع ابداعان فالاختراع الاول هو فعله تعالي و الابداع الاول هو وجود الموجودات و الاختراع الثاني من الاختراع الاول الالف المتحركة او اعم عندهم لان بعضهم لايفرق و ممن لايفرق من اللغويين الجوهري حيث جعل الالف قسمين لينة و متحركة و ثاني مخترع من الاختراع الثاني الباء و هي تضعيف عدد الالف لان الالف له من العدد الواحد و هو اس العدد و اصله فبوجوده وجدت الاعداد و بعدمه عدمت فالباء الثاني الالف اذ لايتفرد الالف بل لا بد له من نظير و من كل شئ خلقنا زوجين فالالف للنار و الباء للهواء و هما العنصران الخفيفان و اشار تعالي بالاثنين الي مرتبة الثانية و هي الباء مع ضم الالف ثم الجيم اول ابداع من الابداع الاول الا انه ابدع منهما اي من الالف و الباء في الصورة و العدد و اما الصورة فمن اجتماع الحرفين بأن مال الالف علي الباء فان الالف قايمة هكذا ا و الباء ( منبسطة خل ) مبسوطة هكذا ب فخرج من ميل الالف علي الباء الجيم هكذا ج لانه لما مال علي الباء حدثت الزاوية الحادة و هي الجيم و اما العدد فمن الواحد و الاثنين صارت الثلثة و لها عنصر الماء ثم الدال و هي ثاني ابداع من الابداع الاول بأن انضم الالف الي الجيم و قيل من الاختراع الثاني و هو الباء من ضرب اثنين في نفسه [ص 55] فصار له من العدد اربعة و هي عنصر التراب و اشير بالاربعة في النورانية الي مرتبة الدال و هي المادة ثم الهاء و هي خامس حروف الابجد و لها من العدد خمسة و ليس ثم رتبة خامسة فرجعوا بها تحت الالف و لمتوضع تحت الباء و الجيم و الدال لان اخر المراتب الابداع الثاني و عدده اربعة و الهاء خمسة فاخذت الاربعة من الدال و استمدت بالواحد لتكمل فوضعت تحته لاستمدادها التمام منه دون غيره فكانت في الحرارة تحته فهي اجل الاشكال المستديرة و هي الحركة الدورية و اتم الدواير و من خواصها في العدد انها تحفظ نفسها في الرقوم التسعة و كذلك الواو وضعت تحت الباء لاستمدادها في تمامها منها فهي في الطبيعة الهوائية تحتها و كذلك الزاء تحت الجيم لما ذكرنا و الحاء تحت الدال كذلك و افعل في باقي الحروف لاجل هذه المناسبة الاستمدادية و اما اذا وقعت في مراتب الاعداد الاحاد و العشرات و المآت و الالوف ناسبت ترتيب البروج و لما كان اليبس ضدا للقوة اختص بالاول و هو الالف ما كان حارا و بالباء ما كان باردا فالاول كالحمل و الثاني كالثور و لما كانت الثالثة جامعا وترا كان احق بما استمد به الاول فكان حارا رطبا كالجوزا و كان الرابع مستحقا لما استمد به ما كان اصلا كما مر فكان باردا رطبا كالسرطان و باقي الحروف كما مر ذلك الترتيب بهذه الطبايع ثم اعلم ان الحروف كما قالوا علي اربعة اقسام فكرية و لفظية و رقمية و عددية فالفكرية و العددية خافيان فيهما بمنزلة الروح فالفكرية بمنزلة الذات و العددية بمنزلة القوي و اللفظية و الرقمية [ص 56] كالجسد فاللفظية بمنزلة النفس النباتية و المادة و الرقمية بمنزلة الصورة و هذا مما تنتفع به في مطلبك و اما عندنا فالمستفاد من كلام ائمتنا عليهم السلم ان الاختراع و الابداع معناهما واحد و في الحديث عن الرضا عليه السلم المشية و الارادة و الابداع معناها واحد و اسماؤها ثلثة و هذا فيما اخبر به عمران الصابي و في رواية يونس بن عبدالرحمن عن الرضا عليه السلم افتعلم ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول قال اتعلم ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاء الحديث ، ففرق هنا بينهما لان احدهما يطلق علي الاخر فاذا اجتمعا افترقا و اذا افترقا اجتمعا و في بعض الروايات ان الاختراع لا من شئ و الابداع لا لشئ ثم اعلم ان الحروف لها في الاطلاق في كل مقام معني يعرف بسياق الكلام فالحروف العاليات الصور العلمية و الاركان الاربعة التي بني عليها الاسلام سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر و الاربعة التي قام بها الوجود التوحيد و النبوة و الامامة و الشيعة و الاربعة التي دار عليها الوجود الخلق و الرزق و الحيوة و الممات و الحروف الكونية الحقية الثمانية و العشرون الحرف العقل و النفس و الطبيعة و المادة و المثال و جسم الكل و العرش و الكرسي و فلك البروج و فلك المنازل و فلك زحل و فلك المشتري و فلك المريخ و فلك الشمس و فلك الزهرة و فلك عطارد و فلك القمر و كرة النار و كرة الهواء و كرة الماء و كرة التراب و المعدن و النبات و الحيوان و الملك و الجن و الانس و قطب العالم و هو المعصوم عليه السلم و اربابها الثمانية [ص 57] و العشرون الاسم البديع الباعث الباطن الاخر الظاهر الحكيم المحيط الشكور غني الدهر المقتدر الرب العليم القاهر النور المعبود المحصي المبين القابض الحي المحيي المميت العزيز الرازق المذل القوي اللطيف الجامع رفيع الدرجات كل حرف من هذه الارباب مرب لحرف من تلك الحروف الكونية و هي علي الترتيب المذكور فالبديع مرب للعقل الاول و الباعث مرب للنفس الكلية و هكذا و اما الحروف الكونية الغير الحقة و اربابها فلا حاجة لذكرها هنا و انما ذكرت هذا الكلام و ان لميكن مسئولا عنه للحاجة اليه مما يأتي .
قال سلمه الله نقلا عن البوني : و ها انا اصف لك علي وجه الاشارة و التلويح دون الايضاح و التصريح و ذلك ان السالك يعتمد علي قوي عزه و قوي محبته ايهما شاء مالت اليه نفسه و ذلك ان النفس الانساني عندهم قوتين قوة قهر و عز و قوة محبة و شوق و اصل هاتين القوتين هو ان الجواهر العلية المفارقة عن المواد التي هي مباد للموجودات و اصل المكونات يعني الدراري السبع مع افلاكها لكل منها حالتان حالة بالنسبة الي ما فوقه و حالة بالنسبة الي ما تحته فاما التي بالنسبة الي ما فوقه هو الشوق و المحبة و العشق لاجل ما يشرق علي السافل من العالي و لكون العالي اصلا للسافل و مبدء له فهو ابدا مقابل له مقبل به عليه مشتاق اليه مستكمل به واصل اليه به و اما بالنسبة الي ما تحته فهو القهر و الغلبة و الاستيلاء لان ما تحته محتاج اليه مستمد منه فصار لاجل ذلك معاني هاتين الحالتين في جميع الموجودات علوها و سفلها و [ص 58] انتظم العالم كله عن قوتين مزدوجتين فلايوجد شئ من الاشياء الا و له مقابل يقابله كالخير و الشر و الحق و الباطل و النور و الظلمة و الذكر و الانثي و الليل و النهار و جميع الاشياء اذا اعتبرتها وجدتها مزدوجة كلها و جزؤها معقولها و محسوسها و ان خفي عليك بالنظر جزء و ما في الاشياء الموجودة في العالم فانما ذلك لقصورك و هو معني قوله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين اثنين .
اقول ان ما ذكروه من سرعة الوصول و الانتقال من عالم الشهادة الي عالم الغيب و طي فلك المنازل في اسرع وقت بانواع من الاعمال و الرياضات مما اشتمل عليه علم السيميا بتسخير الملائكة الثلثة شمعون و زيتون و سيمون و اعوانهم في اظهار الصور و الخيالات و الامثال المنزلة من السماء الثانية مما اودع في سر فلك عطارد من القوة الفكرية و مما اشتمل عليه علم الليمياء من العجايب المودعة في خواص العقاقير من الرفع و الوضع و الضر و النفع و الجذب و الدفع و الصور و الخيالات و ايهام الكرامات من الدخول في النار و عدم التأثير بها و غير ذلك و مما اشتمل عليه علم الريمياء من عجايب المعالجات و سرعة الحركات و اظهار ما يشابه المعجزات مما اودع في بنية الانسان من احوال الامكان و مما اشتمل عليه الهيمياء كما اشار اليه البوني في كلامه المذكور من اسرار الحروف في حقايقها الفكرية و قواها العددية و صفاتها اللفظية و اشكالها الرقمية لا شك في ان لها تأثيرات عجيبة فيما يراد منها لكنها لاتوصل في الغالب الي شئ من محبة الله و لهذا كان السحر محرما بل هو مقرون [ص 59] بالشرك و اعظم من الكفر كما روي عن النبي صلي الله عليه و آله و وجه السؤال عنها انما هو لتحصيل ما يرضي الله من المعارف و العلوم و قد ذكرنا سابقا بأن الكشف بغير طاعة الله انما يكشف عن حقيقة ما انطوي عليه من الاجابة في الذر و اعمالهم التي يطلبون بها مطالبهم محرمة شرعا كالاعمال بالعلوم الاربعة المكتومة التي هي علوم السيمياء و الليمياء و الريمياء و الهيمياء و الرياضات و الهيئات المحرمة كجلسات الجوكية و هي عندهم اربعة و ثمانون جلسة لاربعة و ثمانين رجلا لجميع ما يريدون من الاخبارات بالمغيبات و الاطلاع علي ما في الضماير و ما يستقبل من الحوادث قالوا و العمدة فيها التي لا بد منها خمس جلسات بعد ان يجوع نفسه جوعا مفرطا فيشتغل حينئذ في مواضع الخلوات بحيث لايراه احد ففي بدء الامر بالمجاهدة تنهد القوة و يضعف البدن قالوا فلاتبالي من ذلك بشئ لان اول زمان المجاهدة كالصيف و الشتاء و في اخرها كالخريف و الربيع و تجعل لذلك اوقاتا مفروضة علي نفسك في كل يوم و ليلة الجلسة الاولي لتقوية الكليتين و تنقية الظاهر و الباطن و هضم الطعام و جذب البرودة الساكنة في الاعصاب و المفاصل و هي لمن يجلس مربعا ثم يطوي رجله اليمني مع الساق علي فخذه الايسر و رجله اليسري علي فخذه الايمن و يجتهد بالرفق و المداومة حتي يقدر علي ذلك و يصير عادة له من غير كلفة و هي المشكلة في البداية و اذا قدر علي ذلك قدر علي الجميع بالقدر و التدريج ثم يقوم ظهره و يضع يديه منتصبا عضده متكأ علي ركبتيه و ينظر الي السرة دائما [ص 60] و لايتحرك و لايلتفت حتي يظن كأنه شجرة نابتة علي الارض و يذكر و يقول هذه الكلمة دايما بالقلب لا باللسان الك و معناها الله عز و جل و هي مذكورة في كل جلسة فاذا وصل الي هذا المقام يحصل له ثلث خصال قلة الطعام و قلة الكلام و قلة النوم ، الجلسة الثانية ان يجلس كما ذكرنا اولا و يجعل يده اليمني علي قفاه الي الكتف الايسر و كذلك اليسري علي الايمن و يقوم ظهره و يدير رأسه في الجهات الاربع من غير ان يتحول وجهه ذاكرا بقلبه الكلمة المتقدمة فاذا اراد ان يسكن وضع يديه علي ركبتيه و يقوم عضديه متكأ عليهما و لايغفل عن ذكر القلب ابدا عسي ان يحصل الله له غيبه فان كان ذاكرا حاضرا شاهد من عالم الغيب اشياء تفرحه و تشوقه الي زيادة العمل فان وصل الي هذا المقام حصل له اشياء انقطع عرق الجذام و البرص و الناسور و الباسور و الدق فهذه العلل التي لا دواء لها عند الحكماء و الاطباء فبان عوارض الاسقام اولا ان تنقطع عنه فمن عمل هذا العمل من به شئ من هذه العلل و يدوم بذلك تزول عنه و هو مشهور مجرب ، الجلسة الثالثة و هو ان يجلس كما ذكرنا في الاول و يدخل يديه بين الساق و الفخذ الي المرفق ثم يطلع بدنه بقوة اليدين حتي يبقي معلقا و لاينسي الذكر الذي تقدم فاذا حصل له هذا المقام قلت عنه مادة الماء و التراب و كثرت فيه مادة النار و الهواء و هذا المقام المتوسط بين الملك و الانسان ، الجلسة الرابعة و هي ان يجلس كما ذكرنا في الثالثة و يضع يديه علي قفاه شابكا لاصابعه و لايترك الذكر المتقدم فاذا حصل له هذا [ص 61] المقام زال عنه الخوف و الجزع من الجن و الانس حتي لو انطبقت السموات علي الارض لميخف و هذه مرتبة عظيمة ، الجلسة الخامسة و هي ان يجلس علي رجليه و يضع يديه اولا في الارض منصوبتين و يضع المفصل الذي بين ابهام الرجل و اصابع رجله اليمني علي المرفق اليمني و رجله اليسري كذلك علي مرفقه اليسري فيبقي معلقا علي قوة اليدين و لايترك الذكر المتقدم ذكره خاصة في هذه الحالة فاذا حصل له هذا المقام رسخ فيه و بالغ بحيث لايبات الليل في هذه الحالة يحصل له الطيران و يصير من جملة الارواح ، فانظر بعقلك الي هذه الاعمال هل تجد فيها شيئا يوافق الشرع بوجه ما و هل يوصل الي خير و هذا من الريميا و هو من علوم السحر المحرم الذي هو مقرون بالشرك و قد روي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي في مكارمالاخلاق عن الصادق عليه السلم قال ان رسول الله صلي الله عليه و آله سأله امرأة ان لي زوج و به غلظة و اني صنعت شيئا لاعطفه علي فقال صلي الله عليه و اله اف لك كدرت البحار و كدرت العين و لعنتك الملائكة الاخيار و ملائكة السماء و الارض فصامت نهارها و قامت ليلها و حلقت رأسها و لبست المسوح فبلغ ذلك النبي صلي الله عليه و آله فقال ان ذلك لايقبل منها فقيل يا رسول الله صلي الله عليه و آله لم لايقبل منها و يقبل من الكفار فقال لان الشرك اعظم من الكفر و السحر و الشرك مقرونان فاذا ثبت ان المدعي ان هذه الامور توصل الي المراتب العلية فهو باطل لان تلك المراتب لاتنال الا من عند الله سبحانه و ما عند الله [ص 62] سبحانه لاينال بمعصية و لا شك في ان هذه الامور التي تدعونها تلك الجماعة من هذه الامور كباير موبقة هذا هو الاشارة الي جهة الانتفاع بها و ما تؤدي اليه استعمالها و اما الاشارة الي بيان ما ذكره البوني من كلامه فاعلم انهم ذكروا هاتين القوتين علي اصولهم و هي لاتنطبق علي اصولنا في كل ما ذكروا و انا اشير الي شئ من ذلك لان ذكر ذلك علي جهة الاستقصاء يوجب التطويل الممل و ليس لي وقت و لا قلب مجتمع فاقول ان كل شئ فله جهتان جهة من فاعله و هو وجوده و جهة بابه من ربه و هي جهة فقره الي فاعله و جهة استغناءه به و جهة من نفسه و هي مهيته من وجوده و هي جهة استغنائه بوجوده و هي جهة فقره و عدميته فمن جهة وجوده من ربه تحدث عنه جميع الخيرات من المعتقدات الحقة و الاعمال الصالحة و الاقوال الصادقة و من جهة ماهيته من وجوده تحدث عنه جميع الشرور من المعتقدات الباطلة و الاعمال السيئة و الاقوال الكاذبة اما المعتقدات في الطرفين القارة فذاتية لكل من الجهتين علي تفصيل و اما الاعمال و الاقوال فمن ميلهما و مقتضاهما ثم ان الانسان عبارة عن هذا النور و الظلمة اي الوجود و المهية و لكنهما حادثان و الحادث الموجود كما هو محتاج في اصل كونه عند صدوره الي المدد كذلك هو محتاج في بقائه الي المدد و ذلك المدد لايكون الا من نوع المستمد فمدد الوجود من النور كالمعتقدات الحقة و الاعمال الصالحة و الاقوال الصادقة و مدد المهية من الظلمة كالمعتقدات الباطلة و الاعمال السيئة و الاقوال الكاذبة و كلا [ص 63] المددين جار علي الشرع الوجودي و الوجود الشرعي فمن زكي نفسه بالعلم و العمل كان متمكنا من دفع ما كره و من جذب ما احب بما يظهر عليه من افعال جواهر علله عند قطع النظر الي شئ منه حتي يكون فعل الله محدثا لتلك المطالب بظهور مثاله في ذلك العبد و يأتي تتمة الكلام و اما ما ذكروه من ان القوة قهرية من جهة فاعلية الانسان و دورانه علي نفسه لتظهر عليه اثار القهر علي ما يأتي فليس بصحيح و ان كان ما ذكروه في الجذب يمكن تصحيحه ثم نرجع الي بيان كلام البوني فقوله ان للانسان قوتين صحيح و قوله و اصل هاتين القوتين هو ان الجواهر العلية المفارقة عن المواد الي قوله مستمد منه فيريد بالجواهر الكواكب السبعة السيارة و هي اسباب للمواليد الثلثة الا ان المفيض من هذه السبعة فلك الشمس يفيض علي زحل من نفس العقل و علي القمر من صفته و يفيض علي المشتري من نفس النفس الكلية و علي عطارد من صفتها و يفيض علي المريخ من نفس الطبيعة الكلية و علي الزهرة من صفتها و بالجملة فالشمس صاحب الوجود الثاني الجسدي بافاضة الاشعة و القوي منها و من الكواكب الستة علي القابليات من العالم السفلي فتكون من ذلك المواليد الثلثة المعادن و النباتات و الحيوانات هذا عندهم و اما عندنا فالملائكة المدبرات امرا تحرك الافلاك و كواكبها بامر الله كما امرها فالملائكة المسخرة موكلون بالفلك الاعلي الذي فيه التسخير و الملائكة المقدرة موكلون بالافلاك السبعة فبالاعلي التسخير و بالسبعة التقدير فالله يفعل الاشياء بالاسباب من الملائكة و [ص 64] الكواكب و مقتضياتها و اقوات الارض و كون تلك الكواكب و افلاكها عللا انما هو لكونها مظاهر افعال الله سبحانه و قوله المفارقة للمواد المراد بالمواد العنصرية لا مطلق المواد فان لها مادة و صورة من هيولي الكل و شكل الكل و قوله للجواهر العلية حالتان فمعلوم ان كلا منهما مشتاق الي مدد العالين من اركان العرش و هي النور الابيض و الاصفر و الاخضر و الاحمر محتاج الي ذلك مما ليس له قوام الا به و ما تحتها من العالم السفلي محتاج الي هذه الجواهر كذلك تلك الجواهر مستولية علي هذه المفعولات السفلية لانها مظاهر افعاله تعالي قد القي الله سبحانه في بواطن هذه الجواهر و ظواهرها و افعالها و نهايات اشعتها امثلة افعاله فالله يفعل بها ما يشاء و لا اشكال في هاتين القوتين انما الاشكال في القوة القهرية للفاعل فانه لايفعل بها مع دورانه علي نفسه و انما يفعل بها حال غيبته عن نفسه و فنائه في سببه ليظهر فيه اثر سببه فالحادث لايفعل بنفسه شيئا و يأتي الكلام و قوله فصار لاجل ذلك اه ليس علي اطلاقه بل نقول لما كان كل محدث فله جهتان جهة من ربه و جهة من نفسه فالجهتان متضادتان وجب ان لايكون شئ بسيط و وجب ان يكون له ند و ضد فالانداد تعددت من تعدد الاحوال الستة التي هي المشخصات و الاضداد من اختلاف الجهتين فحصول الجهتين ليس مما قالوا انه ناظر الي علته و ناظر اليه معلوله بل الجهتان اللتان هما منشأ للضدين جهة ربه و جهة نفسه و من جهة ربه كل ما كان ثابتا من ذاته و صفاته و افعاله و من جهة نفسه كل ما كان [ص 65] مجتثا من ذاته و صفاته و افعاله و لاجل ذلك قال العلماء كل ممكن فهو زوج تركيبي اي لايكون شئ بسيطا مطلقا من الخلق و قال الرضا عليه السلم ان الله لميخلق شيئا فردا قايما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه و قال تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون و معني ذلك ان كل شئ مخلوق فذاته مركبة لا انه له حالة من جهة مفعوليته و حالة من جهة فاعليته و اين هذا من ذاك فعلي ما ذكر ينبغي ان يكون كل شئ له حالتان حالة من جهة قابليته و حالة من فاعليته لا ان كل شئ له ضد فافهم .