[ص 1]

رسالة في جواب الآخوند الملا حسين الواعظ الكرماني

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العَالمين و صلّي اللّه علي محمد و آله الطّاهرين .

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي انه قد ارسل اليّ المخلص الصافي عن الرّين العاري عن الشّين الاخوند الملا حسين الكرماني المعروف بالواعظ بعض المساۤئل المتصعّبة علي الافهام لان (ظ) في بعضها ما لم‌تذكر في كلام و لم‌تجر علي لسانِ احد من الاعلام فيما وصل اليّ علي حالِ تشتّت من البال لايكاد يحضره المقال فاجبت امره مع كثرة الاشتغال بما يحضرني علي سبيل الاستعجال فاقول :

قال سلّمه الله و ايّده برضاه و اصلح له اخرته و دنياه : بيّنوا لنا هذه الفقرات الشريفة المذكورة في السورة المباركة المسمّاة بهل اتي علي طريقتكم مرّة يقول عز من قاۤئل يشربون بصيغة المعروف و مرة يقول و يُسقون و مرة يقول سبحانه و سقاهم ربّهم .

اقول علي سبيل الاشارة و الاختصار اعتماداً علي فهمه سلّمه اللّه و جودة قابليته : اعلم انّ اهل الجنّة لهم احوال مختلفة لانهم داۤئما يترقّون و ينتقلون من درجة الي اعلي منها بلا نهاية الّا انّهم اوّلَ ما يدخلون يمكثون في ادني مراتب الجنّة كما قيل ثم ينتقلون منه الي اعلي منها و هكذا فاوّل مراتبهم ما يسمّي عند بعض العارفين بالرفرف الاخضر و ذلك عند ما دخلوا الجنّة و اكلوا من كبد الثور ثم من كبد الحوت ثم شربوا من الكوثر و بعد ذلك لهم فيها ما يشاۤؤن الّا انّ مشيئتَهُمْ لما يشتهون تنبعثُ من نفوسهم علي حسب استعدادِها و قابليّتها و هم انّما [ص 3] دخلوا الجنّة بعدَ ما طهِّروا لو كان عليهم ذنوب فتبقي اجسادهم و اجسامهم و طباۤئعهم و نفوسهم و ارواحهم و عقولهم و افئدتهم صافية من الاكدار متهيّئةً لقبول الانوار و الانوار التي بها يترقّون في المراتبِ العاليات تجري فيهم بعد ما تشرق في اكمامها علي قابليّاتهم و انّما تجري فيهم فيما يتنعّمون به من انواع النعيم ممّا تشتهيه انفسهم و تلذّ اعينهم من المأٰكِلِ و المشارب و النّكاح و ما يتفكّهون فيه من مساۤئلة الاصحاب و منادمة الاحباب و مناجاة رب الارباب سبحانه و تعالي و ذكره و استماع كلامه و غير ذلك من انواع النعيم التي يترقّون بها في الدرجات الرفيعات التي لا غاية لها و لا نهاية و ذلك بما استقر فيها من الانوار و كمن فيها من الاسرار لان انواع النّعٖيم جميعهَا اَكْمام تلك الانوار و الاسرار و مراكبها الحاملة لها الي ان توصلها الي قوابلها المشاكلة لها من اهل الجنّة فاذا اكلوا من كبد الثور و كبد الحوت و شربوا من الكوثر دخلوا الجنّة في مقام الرفرف الاخضر و جميع اجسامهم و ارواحهم يعني اجسادهم و اجسامهم و طباۤئعهم و نفوسهم و ارواحهم و قلوبهم و افئدتهم جميعا صافية خالية من الانوار و الاسرار الّا القليل و كلّما تنعّموا بما يشتهون استنارت قوابلهم و قويت علي تناول المقامات العالية التي لم‌ترها عين و لم‌تسمعها اذن و لم‌تخطر علي قلب بشرٍ فهم يشربون بانفسهم و علي ايدي الحور و الولدان و ذلك لقلّة نوريّتهم في اوّل دخولهم الجنّة بالنسبة الي ما يستقبل من احوالهم و ما يتجدد لهم من انواع النعيم فعلي ما قيل يكون [ص 4] هذا حالهم في الرفرف الاخضر الّا انّ اخره اشرف و اكمل من اوّله لانّهم داۤئما يترقّون فقال تعالي في حالهم هذا الذي هو اوّل دخولِهم انّ الابرار يشربون من كأس فاذا انتقلوا منه الي الكثيب الاحمر و ارض الزعفران قويت قوابلهم و استنارت بواطنهم فيتجلّي لهم المُتفَضِّل بالفضل فهُنَاك يُسْقَوْنَ فيها كاساً ، ففي مقام الرفرف الاخضر يشهدون انفسهم انهم يباشرون النعيم فعبّر عن ذلك بنسبته اليهم و في مقامِ الكثيب الاحمر و ارض الزعفران و هو مقام التجلّي لهم بما لم‌يمهّدوا في دار الدّنيا صُوَرَهُ وَ اَسْبَابَهُ فتفضّل عليهم بما شاۤء تعالي من حيث لم‌يشعروا به اي باسبابه في الدنيا بل ما حصل في ظنّهم ذلك قال تعالي و اقبل بعضهم علي بعض يتساۤءَلُونَ قالوا انا كنّا قبل في اهلنا مشفقين فمنّ اللّٰهُ علينا و وقانا عذاب السَّمُوم انا كنا من قبل ندعوه انّه هو البرّ الرَّحيم ، و في هذا المقام حيث لم‌يستأهلوا لشرابهم لعدم اتيانهم بصورته و سببه في الدنيا لم‌يشعروا بسَاقيهم فعبّر عن ذلك بنسبته الي المَجْهُول و لو علموا باتيانهم بالسبب يعني انّ اتيانهم بالسبب هو علمهم بالساقي يعني يكشف لهم عن السَّاقي مَا هو و هو عَملهُمْ و اَمْرُه تعالي وَ قَدرُهُ في عملِهمْ و صُنْعُهُ لذلك لَعبّر عنه بالمَعْلُومِ ثم ينتقِلون منه الي الاعراف و هو مقامُ يَتعارفُوَن بينهم فمايصلُونَ الي هذا المقام الَّا و قد قويت قواهم من شهادَتِهمْ و غَيبِهِمْ فتدرك اجسادهم و اجسامُهمْ ما تدركه النّفوس "٢" و الارواح "٢" وَ العقول "٢" بدونها "-٢" من المعاني و الصور و الاشباح و تُدرك عقولهم و ارواحهم و نفوسهم ما تدركه الاجسام "٣" و الاجساد "٣" بدونها "-٣" من الالوان و [ص 5] الاصوات و المقادير و تدرك في هيئةِ الاجتماع كهيئة الافتراق و بالعكسِ و لهم في اوّل انتقالِهمْ غَيْبَةٌ عَنْ نُفوسِهِمْ حتَّي لايكادوا يشعرون بها و بعد ذلك الي ان يصلوا الي مقام الرِّضوان الذي لايظعَنُ قاطِنُه و لايَرْحَلُ ساكنه فيغٖيبُون عن جميع وجُوداتِهم و مَشَاعِرهم و لايشهدون في كلّ شيء الّا ربّهم فهو سبحانه يطعمهم و يسقٖيهم كما قال تعالي في اهل المقام و سقاهم ربّهم شراباً طهوراً و ليس لهذا المقام غاية و لا نهاية و لايخرجون منه ابداً و ربّهم سبحانه في هذا المقام يسقيهم شراباً مِنْ رِضَاهُ طَهُوراً مِن وَحْدَانيّتِهٖ يعني لايجدون في ذلك الشراب و لا شيءٍ ممّا يترتّب عليه شيئاً من كل ما سواه و لا انفسهم الّا وجهه و آيتَهُ و هذا اعلي ما يمكن للممكن من النعيم من عطاۤء الجواد الكريم .

قال سلمه الله : و في الفقرة الاولي يقول من كاسٍ و في الثانية كاساً و في الثالثة سقاهم ربهم بدون التحديد .

اقول : قد تقدّم انّهم في اوّل دخولهم الجنة و ان كانوا صافٖين من الكدورات اِلَّا انّهم ليس فيهم من الانوار و الاسرار الّا ما كان لاصل عملهم اَوْ لٰازِماً لاصل التّصفية و امّا ثمرات الاعمال المتجدّدة علي تجدّد الٰانات و الاحوال فلم‌تصل اليهم لانّها امور تدريجيّة و ان كانت انواع نعيم الجنّة فعليّة الكون في ارض الكمون الّا انّها تَدْريجيّة الظهور و الوُصول الي اَرْبابِها سواۤء قلنا انّ التأخير من مقتضي قوابل الكاۤئنات ام بتأخيرِ اَرْبابها لمقتضَي الاستقامةِ في التّقدير الصَّواب و وصول الثمرات المتجدّدة [ص 6] الغير المقطوعة علي حسب قوّة قابلها فكلّما قَبِلَتْ كثيراً قويت عَلي اكثر من الاوّلِ لتزايد القوّة بتزايد الواصلِ اليها ففي اوّل الدخول يقول يسقون من كاس فاَتي بصورة التَّبْعيض اشعاراً بضعفهم عن الكلّ دفعة بل بالتدريج وَ لمّا قويَتْ قُوَاهُمْ علي استعمال الكل دفعةً قال كأساً لانّهم يشربونه فلايبقي منه شيء و لا من شهوتهم شيء بعده فهو بقدر ما يشتهون لايزيد و لاينقص و هو قوله تعالي قوارير من فضةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدٖيراً اي انّها مقدّرة بقدر شهواتهم لاتزيد و لاتنقص وَ لمّا كان استعدادُهُمْ قويّاً لكثرة ما استمدّوا في اثناۤء المقامين المذكورَيْن لم‌يحتاجوا في شرابهِمْ الي الٰالة بَلْ في الحقيقة نَفْسُ شَرابهِمْ آلةُ شَرابهِمْ فهو آلةُ نَفْسِهٖ فَلم‌يُثْبت له آلةً لعدم حاجة الشراب و ٱلشَّارب و الساقي اليها فلذا لم‌يذكرها .

قال سلمه اللّه تعالي : و ايضا في الاولي الكافور و في الثانية الزنجبيل و في الثالثة لفظ شراباً طهوراً فان كان المراد بالكافور لبرودتِهٖ هو اليقين و الزنجبيل لحرارته هو الخوف يُرَي في الظاهر ان العكس انسب .

اقول : المراد بالكافور في الاولي ماۤء في الجنّة اسمه الكافور لبرده و حلاوته و طيب راۤئحته يعني انهم يشربون من كأس مزاج ما فيه من ماۤءٍ او خمر او عسل او لبنٍ من ماۤء تلك العين المسماة بالكافور و لهذا قال تعالي بعده عيناً يشرب بها عباد الله يفجرّونها تفجيراً اوْ انّ المراد انّ الكأسَ المملوءة من ماۤء كان الماۤء بُرودته برودة الكافور و راۤئحته كذلك و انّما قدّم الكافور لاجلِ ما فيه من البرودة لانّهم لمّا كانوا [ص 7] في ارض المحشر في شدّة عظيمة و حرارة شديدة لو جاز الموت في يوم القيمة لمات اَهْلُ الجمع من شدّة الحرارة فلمّا كان الامر كذلك و لحق اهل الجنّة ما لحق غيرهم من الحرارة و العطش غالباً و ان كان حالهم احسن بالنسبة الي غيرهم ناسب لهم في اوّل دخولهم الجنّة الماۤء البارد الذي يمحو تلك الحرارة بالكليّة و لانّ البرودة بعد الحرارة ممّا ينعش الروح يقوّي الحرارة الغريزيّة و تمسك ٱلقوي عن الاختلال وَ التهافت ليكون ذلك سبباً للخلود ابد الٰابدين و هذه العين المسماة بالكافور في المقام الاول من الجنّة و في المقام الثاني عين الزنجبيل و يسمي تلك العين بالسّلسبيل و اهل الجنّة اذا وصلوا الي ذلك المقام اعني مقام الكثيب الاحمر و ارض الزعفران كان مزاج كاس شرابهم زنجبيلا و هي العين السلسبيل لاجل طيب راۤئحته و تقويته للقوي و تحليله و هضمه للطعام لانهم في هذا المقام اكثر اكلا و شرابا لقوة قواهم و نوريّتهم و نورية طعامهم و شرابهم و لطافته و كثرة كَيْمُوسه و الزنجبيل معين علي الهضم ليعظم نعيمهم بكل ما يشتهون و لحرارته فان الحرارة من علة الكون و لاينافي البقاۤء و الثبات لانّ اجسادهم و اجسامهم قد صُفّيت عن جميع الاكدار و الاعراض و الغراۤئب و قد اكلوا قبل هذا كبد الثور لقوّة الثباتِ لان التراب البارد اليابس طبعه الامساك و الثبات و اشدّ التراب في هاتين الصفتين اسفل التخوم من الارض السابعة و هو نقطة مركز العالم و نسبته في هاتين الصفتين الي كبد الثور نسبة الجزء الواحد الي ثلاث مائة‌الف و سبعة و اربعين‌الفا و تسعمائة جزء و بعد ان بلغوا بذلك [ص 8] في رتبة الاستمساك و الثبات مبلغ البقاۤء و الدوام اكلوا كبد الحوت الذي هو معين علي بقاۤء الحيوة فببرودته الشديدة اعان ذلك الاستمساك و الثبات و برطوبته اعان علي الحيوة مع البرودة ثم شربوا من الكاس التي كان مزاجها كافوراً المعين علي ٱلبقاء و الثبات فاذا شربوا من طبع الزنجبيل لم‌يضرّ بحرارته في الاستمساك لشدة الاستمساك مع ما لحِقَهُ من مُقَوّياته التي اشرنا اليها و كان بقوة هضمه معينا للبقاۤء و ناعشاً للقوّة الغريزيّة بحرارته و براۤئحتِهٖ و كانت راۤئحته مع ما فيها من الفواۤئد من التحليل و التّفتيح و الهضم و اصلاح الهواۤء و غير ذلك مستحسنةً في الاطعمة و الاشربة و مشهّيةً لهما و تسمّي تلك العين التي هي الزنجبيل سَلْسَبٖيلا و السلسبيل من اسماۤء الخمر و سُميت تلك العين باسم الخمر لان فيها منافع الخمر من القوّة و تحسين اللّون و التشجيع و التفريح و اذهاب الوحشة و اذهاب الغمّ بالتسلية و الهمّ بتقريب حصول المطلوب في النفس و غير ذلك و لو قدّم الزنجبيل علي الكافور لماحصلت من كلّ منهما فواۤئده لانّ الزنجبيل بطبعه مناقض لكبد الثور و الحوت و اذا توَسّط الكافور المناسب للكبَدينِ كان وقايةً لهما عن المناقض و كاسراً لسَوْرته فلهذا تقدّم بحكم قضية الترتيب الطبيعي فافهم و هذان المذكوران المسميان باسمَي عَقّارَيْنِ من العقاقير التي منفعتهما في الطبّ البدني انّما سمّيا بذلك لمعالجة الابدان للخلود و لا مدخل لليقين في الكافور و ان اُوِّلَ به و امّا الزنجبيل فلا مناسبة بينه و بين الخوف و انّما يناسبه الكافور لان برودة الخوف اشدّ من برودة اليقين .

[ص 9] قال سلمه الله : و هل المراد بالشراب الطهور هو الطهور من الصور التي كانت في العلم و المعني الذي في العقل ام شيء اخر .

اقول : المراد بالطهور هو العصمة من كل نقص و وصمة فامّا في المرتبة الاولي فان اهل الجنّة تنفجر عليهم وَ لهم ينابيع العلوم فهم علماۤء طاهرون من الجهل و الموجب لِطهارتهم من الجهل هو الشراب الطهور الذي في المرتبة الثالثة لانّهم و ان كانوا في الاولي يعلمون و لكنهم تجري عليهم بعض الغفلات و كذا في الثانية و ان كانت اقلّ و لذلك قال بعضهم و لااعلم هل هو من حديث خاص ام مستنبط من الاخبار امّا الخاص فلم‌اقف عليه و اما الاستنباط فحق قال : الناس في هذه الدنيا نيام فاذا ماتوا انتبهوا و الاموات نيام فاذا بُعِثوا انتبهوا و اهل الحشر نيام فاذا دخلوا الجنة انتبهوا يعني اذا وصلوا الي مقام الرفرف الاخضر انتبهوا و هم نيام فاذا وصلوا الكثيبَ الاحمر و ارض الزعفران انتبَهُوا و اهل الكثيب الاحمر و ارض الزعفران نيام فاذا وصلوا الاعراف انتبهوا و اهل الاعراف تعرض لهم السِّنَةَ لا النّوم فاذا وصلوا الرضوان انتبهوا و لايزالون في يقظة ابداً و ان تفاوتت في الشدّة و الضعف و امّا في الثانية فان اهل الجنّة يشرق عليهم الانوار اليقينيّة و تنكشف لهم الخبايا العقليّة مع ما لهم من حكم الاولي من العلوم فهم في هذه الرتبة طاهرون من كدورات الشّكّ و الرّيب و طهارتهم هنا من كدورات الاحتمالات لاجل الشراب الطهور الذي في الثالثة و ما يجري عليهم هنا من الاحتمالات فانما هو بالنسبة الي المرتبة الثالثة و كذلك ما [ص 10] كان في الاولي لان المؤمن في هاتين المرتبتين لا جهل معه و لا ريبَ فيه و لكن بالنسبة الي المرتبة الثالثة يتبيّن له نقص ما تقدّم عليها اذا وصل اليها و قد قال علي عليه السلم في حق اهل الجنّة في وصف طعامهم قال عليه السلم اسفله طعام و اعلاهُ علمٌ ، فلايكون معه في مطلق منازل الجنّة جهلٌ و لا ريبٌ الّا علي نحو ما قال صلي الله عليه و اله اللهم زدني فيك تحيّرا ، فانّه صلّي الله عليه و اله قد بلغ في معرفة اللّه سبحانه ما لايحوم حوله احدٌ من الخلق و وجد من التحيّر في اللّه سبحانه ما لايحتمله سواه ثم طلب الزيادة من التحير في الله تعالي بسبب شدّة التّجلّي في مراتب ما يظهر به من العظمة و العزّة فاذا زاده الله تعالي تحيّرا في عظمته سبحانه لم‌يزده ما وصل اليه و انما يزيده ما لم‌يصل اليه فاذا زاده تحيّرا لم‌يجده قبل هذه الزيادة كان ما قبل الزيادة من التحيّر ليس تحيّراً بالنسبة الي ما بعد الزيادة بل يكون بالنسبة الي الثاني انبعاثا و انبساطاً فكذلك حال المؤمن في المرتبة الاولي و في المرتبة الثانية انما ننسب اليه في الاولي النوم و الجهل و الغفلة بالنسبة الي ما بعدَها و انّ ما ينسب ( ننسب ) اليه الشك و الريب و النوم و الغفلة علي جهة الاحتمال انّما هو بالنسبة الي الثالثة فان قلتَ انت نسبتَ الطهارة في المرتبتين الي الشراب الطهور الذي لايكون الّا في الثالثة فكيف يعقل هذا قلتُ انّ هذه المراتب الثلاث للمؤمن في الجنة كالمراتب الثلاث له في الدنيا و البرزخ و في الاخرة فكما انّه لايميل الي الطاعة في الدّنيا و لايحسن جواب منكر و نكير و لايتأهل للرَّوْح و الريحان [ص 11] في قبره الّا بما فيه من الطينة الطيّبة التي نزل بها من الجنّة الي الدنيا و هي التي خلقها الله سبحانه من اجابته في عالم الذرّ و انّما تجري في الدنيا المعاصي و ما يعرض في القبر من المكاره مع انّها معه لانّها قد تلوّثت ببعض اللطخ الذي اَصابها فباللطخ فعل ما فعل و جري عليه ما جري الي ان يردّ اللطخ الذي اصابه الي صاحبه و يؤمر الي الجنّة فكذلك الشراب الطهور الّذي سقاهم ربهم ايّاه قد سقاهم ايّاه عبيطاً في نوره الذي خلقهم منه و به يتطهّرون في كلّ رتبةٍ من مراتب وجودهم في عقولهم و ارواحهم و في نفوسهم و طباۤئِعهم و في الدنيا و البرزخ و في الاخرة في هذين المقامَيْن و لمّا وصلوا الي المقام الثّالث و هو مقام الاعراف عرفوا حين سقاهم الشراب الطهور اَنّه هو الذي سقاهم ايّاه عند خلقه ايّاهم و المراد بالشّراب الطهور هو الماۤء الطاهر المطهِّر لان الطهور من صيغ المبالغة بمعني المطهِّر بكسر الهاۤء فيكون طاهراً في نفسه و هو في الحقيقة نور اللّه المذكور في كلام اميرالمؤمنين عليه السلم اتّقوا فراسة المؤمن فانه ينظرُ بنور اللّٰهِ ، و هو اوّلُ نازلٍ من سحاب المشيّة و هو النور الذي خلق المؤمن منه و هو بلسان العلماۤء و الحكماۤء الوجود فانه الماۤء الذي خلق الله سبحانه مِنه ما شاۤء ان يخلق فافهم .

قال سلمه اللّه : و لمّا كانت هذه السورة مخصوصةً باهل العصمة صلوات الله عليهم و لم‌يكن الغير داخلاً فيهم و لم‌يذكر اسم الحوريّات و لا اسم المؤمنات هل يجوز لنا في التأويل ان نقول انّ المراد بلفظ الْفضَّة في قوله تعالي بٰانية من فضَّةٍ و قَواريرَ من فِضَّةٍ و اساور من فضّةٍ اي [ص 12] خادمتهم رضي اللّٰهُ عنها ام لا .

اقول : اعلم انّ التّأويل في القرءان لايجوز الّا ما اُخِذ عن اهله المخاطبين به محمد و اله الطاهرين صلي الله عليه و عليهم اجمعين لانّ القرءان علي خلاف ما تعرفه الناس فان له ظاهراً و ظاهرَ ظاهرٍ و هكذا و باطنا و باطن باطنٍ كذلك و ليس لاحدٍ ان يقول في القرءان الّا بدليل عنهم عليهم السلم و هو قسمان : احدهما ما وصل اليه من النّص من كتاب او سنّة او ما علم من اللّغة و يقتصر فيما وصل اليه علي ما علم تناوله من معاني الكتاب غير حاصرٍ لمعاني القرءان فيما علم فانه اذا دلّ دليل عنده علي معني من معاني القرءان و قال هذا المعني يدلّ عليه كذا و هو عنده انه دليل ذلك غير متكلّفٍ له لغرضٍ له في ذلك و لا غير عالم بانه دليل ذلك المعني فقد جاز له ذلك بشرط اَلّايحصره فيما علم فيقول ليس للاية معني غير هذا و اَمّا اذا حصر فهو ممّن يفسّر القرءان برأيه و قد روي عن اميرالمؤمنين عليه السلم انه قال قال رسول اللّه صلي الله عليه و اله قال الله جل جلاله مااٰمن بي من فسّر برأيه كلامي و ماعرفني من شبّهني بخلقي و ما علي ديني مَن استعمل القياس في ديني و روي عنه صلي اللّه عليه و اله انّه قال مَن فسّر القرءان برأيه فاصاب الحق فقد اخطأ و عنه صلي الله عليه و اله من فسّر القرءان برأيه فليتبوء مقعده من النار ، و امثال هذه كثير و ثانيهما ان يكون الرجل المأوّل للقرءان ان يعرف نوع الاعتقاد في توحيد الله تعالي و صفاته و ما يصح و يمتنع عليه و نوع ما يصحّ به الاعتقاد في افعاله و في [ص 13] اوامره و نواهيه و في مراداته من عباده و نوع الحكمة و الصنع و التكاليف و نوع حكمة الايجاد و القدر و البداۤء و المنزلة بين المنزلتين و ما اشبه ذلك و يعرف النبوة لمحمد و الامامة لاهل بيته صلي الله عليه و اله و نبوّة الانبياۤء و وصاية الاوصياۤء عليهم السلم و احوال التكاليف و الموت و البرزخ و احوال الاخرة و لو بالاطّلاع علي نوع علم المسئلة فاذا وصل الشخص الي هذه الرتبة بالعلم العياني القطعي الضروري جاز له ذلك ايضا لانه اذا لم‌يعلم نوع علم هذه المسئلة التي اوّل الكتاب عليها بالعلم القطعي العياني لا البرهاني جاز ان يقول بما لايريده الله سبحانه و ان عَلِم علم نوع هذه المسئلة بالعلم البرهاني القطعيّ لانه يجوز ان تكون هذه المسئلة خارجة بمخصّص من مانع او مقتضٍ اقوي بخلاف العلم العياني فانّ صاحبه يشاهد كلّ فردٍ من افراد هذا النوع في محله علي ما هو عليه اوْ انّه لم‌يره فان رءاه رءاه كما هو .

مثال ذلك فيما نحن فيه في كون المراد من فضّة في الاية الشريفة هل هو المعدن ام فضّة امة فاطمة عليها السلم فعلي الوجه الاول و هو ان المأوّل اذا كان عنده دليل عنهم عليهم السلم او من الكتاب او من اللغة و سلّمنا وجوده هنا فان قلتَ ان المراد به المعدن فهو حق لوجود الادلّة بذلك و ان قلت ان المراد به امة فاطمة عليها السلم فان كان عندك دليل خاص في ذلك جاز في اصل المسئلة و لكن قلنا بشرط عدم الحصر فاذا قلت ان المراد به امة فاطمة عليها السلم حصرتَ مراد اللّه فيها و هو خطأ فان الله سبحانه [ص 14] اراد المعدن الخاص و لو قلتَ علي فرض دليل خاۤص علي ما اوّلْتَ هذا من مراد اللّهِ تعالي صحّ التأويل لان ظاهر القرءان حجّة لمن لايحصر الفهم فيه فقد روي العياشي باسناده عن جابر قال سألتُ اباجعفر عليه السلم عن شيء من تفسير القرءان فاجابني ثم سألته ثانيةً فاجابني بجواب اخر فقلتُ جعلت فداك كنتَ اجبتَ في هذه المسئلة بجوابٍ غير هذا قبل اليوم فقال لي يا جابر ان للقرءان بطناً و للبطن بطنٌ و ظهراً و للظهر ظهر يا جابر و ليس شيء ابعد من عقول الرجال من تفسير القرءان ان الاية ليكون اوّلها في شَيءٍ و اخرها في شيء و هو كلام متّصل ينصرف علي وجوه ، و غير ذلك مما هو صريح في عدم جواز حصر القرءان في شيء واحد حتّي ان المفهوم من اخبارهم عليهم السلم ان الامام عليه السلم قد يحصر الاية في معني واحدٍ و ليس بمحصور فيه و لكن مَن حصر له الامام عليه السلم وجب عليه القول بالحصر لانه انما حصر له لان المقام اقتضي من الساۤئل او من السامع او ممن علم الامام عليه السلم وصول ذلك اليه بمعني انّ مَن حصر الامام عليه السلم لاجله في شيء مخصوص يزعم بانه غير مرادٍ فبيّن عليه السلم انّ المراد هذا لا غيره يعني بالنسبة اليك من جهة الحكم او الاعتقاد او غير ذلك مثال هذا ما روي في تفسير قوله تعالي ثم لتُسْئلُنَّ يومئذٍ عن النعيم روي فيها انهم يسئلون عن خمس عن شبع البطون و بارد الشراب و لذّة النوم و ظِلال المساكن و اعتدال الخَلق و في المجمع عنهما عليهما السلم هو الامن و الصحة و في العيون عن اميرالمؤمنين عليه السلم الرطب و الماء [ص 15] البارد و في امالي الطبرسي عنه صلي الله عليه و اله كذلك و في الفقيه عنه صلي الله عليه و اله كل نعيم مسئول عنه صاحبه الّا ما كان في غزو او حج و في (كذا) عن الصادق عليه السلم من ذكر اسم الله علي الطعام لم‌يسئل عن نعيم ذلك الطعام و روي في العيون عن الرضا عليه السلم قال ليس في الدنيا نعيم حقيقي فقال له بعض الفقهاۤء ممن حضره فيقول الله تعالي ثم لتسئلنّ يومئذ عن النعيم اَما هذا النعيم في الدنيا و هو الماۤء البارد فقال له الرضا عليه السلم و عَلَّا صوته كذا فسّرتموه انتم و جعلتموه علي ضروبٍ فقالت طاۤئفةٌ هو الماۤء البارد و قال غيرهم هو الطعام الطيّب و قال آخرون هو طيِّب النوم و لقد حدّثني ابي عن ابي‌عبدالله عليه السلم ان اقوالكم هذه ذكرت عنده في قول الله عزّ و جل ثم لتسئلنّ يومئذ عن النعيم فغضِب و قال انّ اللّه عز و جل لايسئل عباده عما تفضّل عليهم به و لايمنّ بذلك عليهم و الامتنان بالانعامِ مُستقبَحٌ من المخلوقين فكيف يضاف الي الخالق عز و جل ما لايرضي المخلوقون و لٰكن النعيم حبّنا اهل البيت و موالاتنا يسئل اللّه عنه بعد التوحيد و النبوّة لان العبدَ اذا وفي بذلك ادّاه الي نعيم الجنّة الذي لايزول و في الكافي عن الصادق عليه السلم في هذه الاية قال ان اللّه عز و جل اكرم و اجلّ ان يطعمكم طعاماً فسوّغكموه ثم يسئلكم عنه و لكن يسألكم عما انعم عليكم بمحمد و ال‌محمد صلي اللّه عليه و اله ه‍ ، فانظر كيف حصر الصادق عليه السلم النعيم في الاية فيهم و في موالاتهم مع ورود غير ذلك عنهم و عنه عليهم السلم كما سمعتَ بعضه و ذلك لما قلنا فان هؤلاۤء ينكرون تناول النعيم لهم و في [ص 16] الواقع هم المرادون بالاية في الحقيقة و غيرهم مما سمعتَ مراد بها ايضا بالتبعيّة و الفرعيّة فحصر لاجل تأصّلهم في النعيم و فرعيّة ما سواهم في مقابلة دعوي الاعداۤء عدم كونهم عليهم السلم مرادين من الاية و كون ما سواهم مما سمعتَ متأصّلا في الاية و لانّ ما يدّعونه من السؤال عن النعيم ليس بصحيح كما قاله عليه السلم و امّا الصحيح المسئول عنه هو شكر هذه النعم و من اين اكتسبت و لم فُعِلَتْ و في ايّ شيء صُرِفتْ لا انه تعالي يسئلهم عن نفس هذه الاشياۤء و كونها طيّبة كما توهمه الاعداۤء فاذا حصر الامام عليه السلم الاية في معني واحد فهو من هذا النوع فشرط مَن يؤّل اذا وجد له دليلا علي خصوص معني ما يأوّله عليه الّايحصر الٰاية في ذلك المعني لانه ما من آية الّا و لها ظاهر و باطن و قد روي الحسن بن سليمن الحلي (ره) في كتابه المختصر لبصاۤئر سعد الاشعري عن الصادق عليه السلم انه قال انّ قوما آمنوا بالظاهر و كفروا بالباطن فلم‌يك ينفعهم ايمانهم ذلك شيئا و لا ايمان ظاهر الّا بباطن و لا باطن الّا بظاهرٍ ه‍ ، فكيف يجوز الحصر و علي الوجه الثاني و هو انّ المأوّل يكون عالما بعلم نوع المسئلة علم عيان لا علم برهان فانا نقول مثلا هذا العالم عرف بان جميع العوالم كشيء واحد يشبه بعضها بعضا و انّ كل ما في هذا العالم فانه نازل من العالم العلوي من قليل و كثير و دقيق و جليل و ذات و صفة و حال و طبع و ان كل ما هناك فهنا دليله كما قال تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انّه الحق و كذا قوله (ع) الدنيا مزرعة الاخرة و [ص 17] قول الرضا عليه السلم قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايعلم الّا بما هٰهنا ، و غير ذلك مع انه تعالي اخبر في كتابه الحق و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدر معلوم و دلّ دليل الحكمة المستند الي القرءان الصريح و النقل الصحيح علي انّ فضّة امة فاطمة عليها السلم و انّها تخدمهم و تسقيهم و امثال ذلك شيء كان في خزاۤئن اللّهِ نزل منها ظٰاهره و صورته الي هذه الدنيا فاذا عادوا الي الاخرة و مرّوا علي تلك الخزاۤئن التي نزل منها هذا الشيء بصورته في حال صعودهم في عَوْدِهم و رجوعهم الي معبودهم وجدوه بحقيقته و جري لهم بكنه طريقته حتي يجدَ قوله تعالي الخاص ينطق له باللسان العام كلّما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اُتوا به متشابها و كذلك قوله كما بدأكم تعودون انه كما تعودون بدأكم و يقول الصادق عليه السلم ما كل ما يعلم يقال و لا كلّ ما يقال حان وقته و لا كلّ ما حان وقته حضر اهله ه‍ ، فاذا وجد العالم بنوع علم المسئلة بالعلم العياني لا البرهاني علم هذا و مثله و كتمه و اذا وَجد اهله ادّي الامانة التي امره الله تعالي باداۤئها الي اهلها فافهم و لايجوز تأويل القرءان الّا بالدليل القطعي و من قال بغير ذلك فقد ضلّ سواۤء السبيل فانّ القرءان امره عظيم و خطره جسيم ، روي محمد بن ابراهيم بن جعفر النعماني في تفسيره باسناده عن اسمعيل بن جابر قال سمعتُ اباعبدالله جعفر ابن محمد الصادق عليهما السلم يقول انّ اللّه تبارك و تعالي بعثَ محمّدا صلي الله عليه و اله [ص 18] فختم به الانبياۤء (ع) فلا نبيّ بعده و انزلَ عليه كتابا فختم به الكتب فلا كتاب بعده احلّ فيه حَلالاً و حرّم حراماً فحلالُه حلال الي يوم القيٰمة و حرامُه حرام الي يوم القيمة فيه شرعُكم و خبرُ مَن قبلكم و بعدكم و جعله النبيُّ صلي الله عليه و اله علَماً باقيا في اوصياۤئه فتركهم الناس و هم الشُّهداۤء علي كل زمانٍ و عدلوا عنهم ثم قتلوهم و اتّبعوا غيرهم و اخلصوا لهم الطاعة حتي عاندوا من اظهر ولاية ولاة الامر و طلب علومهم قال الله تعالي فنسوا حظا مما ذكّروا به و لاتزال تطّلع علي خاۤئنةٍ منهم و ذلك انهم ضربوا بعضَ القرءان ببعض و احتجّوا بالمنسوخ و هم يظنّون انه الناسخ و احتجّوا بالمتشابه و هم يرون انه المحكم و احتجّوا بالخاۤصّ و هم يقدّرون انه العاۤمّ و احتجّوا باوّل الاية و تركوا السّبب في تأويلها و لم‌ينظروا الي ما يفتح الكلام و الي ما يختمه و لم‌يعرفوا مَوارِدَهُ و مصادرَهُ اذ لم‌يأخذوهُ عن اهله فضلّوا و اضلّوا و اعلموا رحمكم اللّه انّه مَن لم‌يعرف من كتاب الله عز و جل الناسخ من المنسوخ و الخاۤص من العاۤم و المحكم من المتشابه و الرخص من العزاۤئم و المكي و المَدني و اسباب التنزيل و المبهم من القرءانِ في الفاظه المنقطعة و المؤلّفة و ما فيه من علم القضاۤء و القدر و التقدّم و التّأخر و المبيّن و العميق و الظاهر و الباطن و الابتداۤء من الانتهاۤء و السؤال و الجواب و القطع و الوصل و المستثني منه و الجار فيه و ٱلصّفة لما قبل مما يدلّ علي ما بعد و المؤكد منه و المفصّل و عزاۤئمه و رخصه و مواضع فراۤئضه و احكامه و معني حلاله و حرامه الذي هلك فيه [ص 19] الملحدون و الموصول من الالفاظ و المحمول علي ما قبله و علي ما بعده فليس بعالمٍ في القرءان و لا هو من اَهْله و متي ادَّعي معرفة هذه الاقسام مدّعٍ بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفترٍ علي الله الكذبَ و رسوله و مأويٰه جهنم و بئس المصير انتهي ، فتأمّل رحمك اللّه ما في هذا الحديث لتعرف انّ القول فيه عظيم لان هذه الامور التي ذكرها اكثرها ماتُعرف الا بمعرفة مدلولها او بتعريف من المُريد من المخاطبين به ما اراد .

قال سلمه اللّه : و هل يجوز لنا ان نقول ان النبي صلي اللّه عليه و اله في مرتبة قوسي النزول و الصعود تكوّن من العقل الاول ام لا و هل يجوز لنا ان نقول انّ من ذات العقل الاول تكوّنَ هو و اهل بيته صلوات اللّه عليهم و من صفته و شعاعه الانبياۤء و المرسلون عليهم السلم و من شعاع الشعاع المؤمنون و من ذلك الشعاع الملاۤئكة .

اقول : اعلم ان محمّدا صلي الله عليه و اله خلقه اللّه قبل كل شيء من ساۤئر المخلوقات لان الحقيقة المحمديّة هي محلّ المشيّة و متعلّقها الذي لايتحقق المشِيَّة الّا بها فهي كالانكسار الّذي لايتحقّق ظهور الكسر الّا به و ذلك هو الوجود و هو الماۤء الّذي به حيوة كلّ شيء و هو الماۤء المنزَل من السحاب الثقال المساق الي البلدِ الميتِ يعني ارض القابليات و ارض الجرز فلما ساق الله سبحانه تلك السحاب الثقال الّتي هي مشيّته يعني وجّهَها نحو الارض الميتة اي القابليات و هي جنانُ الصاقورة التي غرسوها عليهم السلم بايدي الجود كان اوّل من اكل من ثمرة تلك الشجرة [ص 20] اي شجرة الخلد العقل الكلّي المسمّي عند قوم بالعقل الاول و هم اصحاب القول بالعقول العشرة و عند قومٍ باوّل الملاۤئكة العالين الذين لم‌يسجدوا لٰادمَ لانّهم افضل منه و عند قوم بالركن الاعلي الايمن عن يمين العرش و في رواية هو العقل و هو ملك له رؤسٌ بعدد الخلاۤئق مَن ولد و من لم‌يولد الي يوم القيمة و في اخري هو الروح اي الروح من امر اللّه و هو الذي يكون مع الانبياۤء و الرسل يسدّدهم و هو عقل محمد و اله صلي اللّه عليه و اله و لم‌ينزل قبل محمد صلي الله عليه و اله و انّما ينزل علي الانبياۤء المتقدمين عليهم السلم بوجهٍ من وجوهِه فلمّا ظهر صلي اللّه عليه و اله في هذه النشأة نزل له و لم‌يصعد منذ نزل و هو الأن مع القاۤئم عليه السلم و هو اي هذا العقل الاعظم و الملك المكرم الذي قال الله تعالي له ادبر فادبر يعني اصنع ما شاۤء تعالي من خلقه ثم قال له اقبل فاقبل فقال لهُ و عزّتي و جلالي ماخلقتُ خلقاً هو احبَّ اليّ منك بك اثيبُ و بكَ اُعَاقب و لااكملتُكَ الّا فيمن اُحِبُّ هو من الحقيقة المحمدية كالوجه من الذّات و كالجنب من الكلّ فمحمّد و اهل بيته صلّي الله عليه و اله هم تلك الحقيقة المحمدية و هذا العقل الاعظم هو عقلهم و هو وجه تلك الحقيقة و هو منها كالوزير من السلطان انّما يفعل في الرعية بامر السلطان في خدمته و هو الذي اشار اليه ابومحمد العسكري عليه السلم في تاريخه يقول و الكليم اُلْبِسَ حلّةَ الاصطفاۤء لما عَهِدْنا منه الوفاۤء و رُوح القدس في جنان الصاقورة ذاق مِنْ حَداۤئقِنَا البَاكورة ، يعني انه اوّل من ذاق من حَداۤئِقَنا اوّل ثمرة [ص 21] الوجود فلايقال ان محمّدا صلّي الله عليه و اله تكَوّنَ من العقل الاول بل يقال الحق الواقع انّ العقل الاوّل تكوّن من حقيقة محمد و ال‌محمد يعني من نورهم صلي الله عليه و اله .