و اما قولكم احسن الله مأٰلكم من ذات العقل تكوّنَ هو و اهل بيته صلوات اللّه عليهم ، فبيانه انّ الاصل في كلّ شيء نور محمد صلي الله عليه و اله و نور علي و اله عليهم السلم من نور محمد صلي اللّه عليه و اله كالضوء من الضوءِ يعني مثل سراج عندك و اشعلتَ منه سراجاً اخر فالسراج الاخر بعد ان اشعلتَهُ منه كان مثله فافهم المَثَل الحقَّ ثم بعد اَن مضي ما شاۤء اللّه من السرمد او من البرزخ الذي بين السرمد و الدّهر خلق سبحانه من نورهم حقيقة هذا العقل و الذي فهمت من بعض الاخبار ان نورهم كان قبل حقيقة هذا العقل دهِراً او ثمانين‌الف سنة و الذي يجول في خاطري انّ السنة في هذا المقام ثمانون‌الف شهر كلّ شهر ثمانون‌الف جمعةٍ اي اسبوع كلّ جمعةٍ ثمانون‌الف يوم كلّ يوم ثمانون‌الف ساعة كل ساعة كالف سنةٍ مما تعدّون و هذا هو الذي فهمته من بعض الاخبار ثم بعد ان مضي ما شاۤء اللّه و هو القدر المذكور خلق اللّه هذا العقل المشار اليه و بعد اَن مضي منذُ خلقت انوارهم عليهم السلم الفُ دهر خلق اللّه سبحانه انوار الانبياۤء علي محمد و اله و عليهم السلم و بعد اَنْ مضي منذُ خُلِقت انوارهم عليهم السلم الفُ‌الفِ دهرٍ خلق اللّه انوار شيعتهم المؤمنين و ذلك من فاضل انوار الانبياۤء و انوار الانبياۤء عليهم السلم من فاضل انوارهم عليهم السلم و ذكر الاحاديث الداۤلة علي [ص 22] ما ذكرنا لايمكن حصرها و لكن اذكر حديثا واحداً يدلّ علي سبقهم عليهم السلم علي كل شيء و هو من كتاب رياض الجنان لفضل‌الله بن محمود الفارسي باسناده الي جابر بن عبداللّه الانصاري قال قلتُ لرسول اللّه صلي الله عليه و اله اوّل شيء خلقَ الله تعالي ما هو فقال نورُ نبيِّك يا جابر خلقه اللّه ثم خلق منه كل خيرٍ ثم اقامه بين يديه في مقام القربِ ما شاۤء الله ثم جعله اقساماً فخلق العرش من قسم و الكرسي من قسم و حملة العرش و خزنة الكرسي من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الحبّ ما شاۤء اللّه ثم جعلَهُ اقساماً فخلق القلم من قسم و اللوح من قسم و الجنّةَ من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاۤء اللّه ثم جعله اجزاۤء فخلق الملاۤئكة من جزء و الشمس من جزء و القمر و الكواكب من جزء و اقام القسم الرابع في مقام الرجاۤء ما شاۤء الله ثم جعله اجزاۤء فخلق العقل من جزء و العلم و الحلم من جزء و العصمة و التوفيق من جزء و اقام القسم الرابع في مقام الحياۤء ما شاۤء اللّه ثم نظر اليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور و قطرَتْ منه مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الف قطرة فخلق اللّه من كلّ قطرة روح نبي و رسول ثم تنفّسَت ارواح الانبياۤء فخلق اللّه من انفاسها ارواح الاولياۤء و الشهداۤء و الصالحين ، انتهي الحديث الشريف و اعلم ان محمدا و اهل بيته صلي الله عليه و عليهم خلقهم الله قبل ما ذكر من العرش و الكرسي و غيرهما بما شاۤء الله و في العرش هذا حقيقة العقل و هو الرتبة الثانية لهم ثم تنزّل نورهم فخلق العقل في الرتبة الثالثة و خلق [ص 23] الله سبحانه محمداً فمكثَ نوره يطوف حول القدرة ثمانين‌الف سنة ثم نزل و طاف حول العظمة ثم خلق اللّه نور عليّ عليه السلم من نوره فكان نور عليّ يطوف حول القدرة و نور محمّد صلي الله عليه و اله يطوف حول العظمة فنور محمد صلي اللّه عليه و اله قبل نور عليّ بثمانين‌الف سنة هكذا في احاديثهم عليهم السلم فبقي يطوف نوره حول القدرة و الظاهر انها الولاية ثمانين‌الف سنة ثم نزل الي العظمة و الظاهر انّها النبوة ثم خلق نور علي عليه السلم بعد ذلك فطاف نور علي بالقدرة اي الولاية بعد محمد صلي الله عليه و اله و نور محمد صلي الله عليه و اله يطوف بالعظمة اي النبوّة بعد ما كان يطوف بالولاية فافهم و الحاصل خلق اللّه نور محمد صلي اللّه عليه و اله و خلق من عين نوره انوار اهل بيته الثلاثة‌عشر معصوماً عليه و عليهم السلم و خلق من جانب انوارهم الايمن بعد تنزل نورهم العقل المشار اليه و خلق من فاضل انوارهم اي شعاعها انوار الانبياۤء وَ خلق من فاضل انوار الانبياۤء عليهم السلم انوار المؤمنين و امّا الملاۤئكة فعلي اقسام امّا الاربعة العالون فخلقوا من جانبهم فالعقل المذكور من الجانب الايمن الاعلي لانه الغصن الاعظم من تلك الشجرة المباركة الكلية و الروح من الجانب الايمن الاسفل و الروح الذي علي ملاۤئكة الحُجبِ من الجانب الايسر الاعلي و هو الحجاب الزبرْجد و الاسفلِ و هُوَ الحجاب الياقوت و امّا الملاۤئكة الكروبيّون فخلقوا من شعاعهم و هؤلاۤء الكروبيّون من شيعتهم من الخلق الاول وراۤء العرش و قد امر اللّه سبحانه واحداً منهم حين سئل [ص 24] موسي عليه السلم ربّه ارني انظر اليك فتجلّي ذلك الواحد للجبل فجعله دكّا و امّا مَن دونهم فمن شعاع الشعاع و من شعاع شعاع الشعاع و هكذا .

قال سلّمه اللّه : و من ذلك الجهل الاول الثلاثة لَعنهم اللّه و من صفته المنافقون ان المنافقين في الدرك الاسفل و من شعاع الشعاع ابليس و من شعاع ابليس الكافرون فكيف تقابل المؤمنين مع ابليس و تقابل الملاۤئكة مع الكافرين .

اقول : الذي ينبغي اَوَّلاً تحقيق حَقاۤئق المذكورين ثم التّقابل فاقول انَّ الجَهْلَ الاوّل مقابل لِلعَقْلِ الكلّي كما دلّت عليه احاديث العقل و الجهل من الكافي و هو ضدّه و لم‌يكن ضدّ منافٍ لضدّه قبل الجهل الاوّل اذ لم‌يكن قبل العقل الاوّل خلق من الوجودات المقيّدة لان العقل اوّل ما خلق اللّه يعني من الوجود المقيّد فليس قبله خلق الّا الوجود المطلق و امّا الماۤء الاول المسمّي بنور الانوار و هو نور محمّد صلّي اللّه عليه و اله و هو الوُجود يعني المنزل علي الارض الميت وَ الاَرْض الميت الّتٖي هي الارض الجُرز فهِي خارجة عن الوجود المقيّد بقوله تعالي يكاد زيتُها يُضٖيۤء و لو لم‌تمسسه نار فهي ملحقة بالوجود المطلق لتوقّف ظهوره عليها كالانكسار في توقّف ظهور الكسر عليه اَوْ انّها بَرْزخ بين الوجودين الّا ان الاية المذكورة تدل علي كونِها من الوجود الراجح و هو الوجود المطلق لانه سبحانه يقول يكادُ زَيتُها يضٖيۤء و لو لم‌تمسسه نارٌ و لو قلنا انها من الوجود المقيّد لم‌يكن بَعيداً علي ارادة كونها من المخلوق لا من الخلقِ الّا انّ جعلَها من الراجح ارجح لما هو معلوم اَنّ اَوّلَ ما خلَقَ اللّٰهُ العقل يعني من المخلوقات لان الفعل خلقٌ خلقه الله [ص 25] سبحانه بنفسه و اوّل مخلوق بالفعل هو العقل و هذا مخصوص بالوجود المقيد فيكون الضدّ فيما قبل العقل نفسه و هي اخته و انفعاله الموافق للفعل فلاتكون هنالك الماهيّة ظلمةً و كيف تكون ظلمةً بعد انتسابها الي وجودِها و قد وصفها الله تعالي قبل هذا الانتساب بقوله تعالي يكاد زيتُها يضٖيۤء و لو لم‌تمسسه نار فلم‌تكن ماهيةٌ هي ظلمة قبل العقل بل هي نور بوجودها و امّا في رتبة العقل الذي هو اوّل الدّهر فالماهيّة هي الجهل و قد قلنا ان العقل متأخر عن الحقيقة المحمديّة و الجهل خَلقهُ الله بعد العقل فهو ضدّ له فلايكون ضدّاً لما قبله فلايكون احد من المنافقين الكبار و لا من المشركين و الكفّار ضدّا مقابلاً لمحمد و اله الاطهار صلي الله عليه و اله لانّ الضد و المقابلة انّما يكونان في مقامٍ واحدٍ و امّا الجهل الاول فابليس لعنه اللّه و الملاۤئكة عليهم السلم تقابلهم الشياطين لعنهم اللّه و امّا الانبياۤء عليهم السلم فيقابلهم المنافقون الكبار الّذين عناهم الله في كتابه فقال انّ المنافقين في الدرك الاسفل من النار و هي الطبقة السفلي الثالثة من نار جهنم المسمّاة بالفلق و في اسفلها الجب و التوابيت و الحيّة لكلّ واحد منهم تابوت و لكلّ واحدٍ مع اخيه تابوت و هم في جوف الحيّة و ابليس فوق الجميع و تحتهم و المخصوصون ثمرةُ شجرة الجهل طلعُها كأنه رؤس الشياطين اي هو رؤسُ الشياطين شياطين الانس و شياطين الجن و المغضوب عليهم من شيعتهم يقابلون مَن خلقهم الله سبحانه لرحمته من خواۤصّ شيعة محمد و اله صلّي اللّه عليه و اله و ٱلضاۤلّون من شيعتهم يقابلُون [ص 26] مَن لهم الشفاعة من محبي محمد و اله صلّي اللّه عليه و اله و اهل الاعراف من الفريقين مُتَقابلان فالذين من اصحاب اليمين خلطوا عملا صالحاً و اخر سيئا عسي الله ان يتوب عليهم و الذين من اصحاب الشمال مرجون لامر الله امّا يعذّبهم و امّا يتوب عليهم فالجهل الذي هو ابليس اي ظلمته فيه القوي الغير المتناهي قوّته في الظلم و الفسق و الفساد و هذا الاصل الخبيث حقاۤئق اهل التوابيت كلّ بذنبه و من فاضل طينتهم المغضوب عليهم و من دون ذلك الضاۤلّون و العقل الذي هو الجٰانب الايمن من الحقيقة المحمديّة فاضله في الحقيقة نور الانبياۤء علي محمد و اله و عليهم السلم و فَواضل انوار الانبياۤء حقاۤئق خواصّ الشٖيعة و من دونهم المحبّون و هذا ما فهمتُ من المقابلة من آثارهم عليهم السلم .

قال ايده الله تعالي : و هل يجوز لنَا ان نقول ان سجّين هو شعاع الجهل الاول .

اقول : كما يجوز لك ان تقول اِنّ عليّين هو تَنَزُّلُ العقل الاول الكلي و هو محل صور الطاعات و الاعمال الصالحات كلّا انّ كِتاب الابرار لفي علّيّين و ما ادريٰك ما علّيّون كتاب مرقوم يشهده المقربون ، كذلك يجوز ان تقول انّ سجّين هو ترقّي الجهل الاول في مراتب الادبار و هو محلّ صور المعاصي و الاعمال السيّئات كلّا ان كتاب الفجّار لفي سجّين و ما ادريٰك ما سجّين كتاب مرقوم ويل يومئذٍ للمكذّبين ، و الاصل في ذلك انّ اللّه تعالي خلق العقل في اعلي عليّين و خلق الجهل في اسفل سافلين بحكم اقتضاۤء المقابلة و المُضاۤدّة فلما امر العقل بان اَدْبِرْ فادبَر متنزِّلاً حتّي وصل الي التراب العذب و امره بان اقبل فاقبَلَ صاعداً حتي وصل [ص 27] الي قاب قوسَيْن و امر الجهل بان ادبر فادبر صاعداً في نزوله حتي وصل الي التراب المالح و الارض السّبخة و امره بان اقبل فاَدبَر هابطاً في صعوده حتّي وصل الي ظلمة مَبْدَئِهٖ فامتزج طرفَا الادبارَيْن فحصَل اللّطخ في مستضعَفي الفريقين فتَشابَهٰا و تَشاكل الامرُ و الحاصلُ انّ سجِّٖين في سلطنة الجهل و رتبتِه منه كعلّيّين في سلطنَةِ العقل وَ رُتْبَتِهٖ منه و هي الرتبة الثامنة في نزول الجهل الَّذٖي هو صعود حِسّيّ و كذلك العقل علّيّون في الرتبة الثامنة في نزول العقل الذي هو نزول حسي و معنوي و علّيّون لوحٌ من نورٍ اخضر فيه كتب القلم صور اعمال المؤمنين و الانبياۤء و ساۤئر المطيعين و صُوَر نفوسهم فاعطي اللّٰهُ تلك الصور مٰا لَها من الهيئات الغير المتناهية فيما لايزال و سجّين لوح اسود مظلم متلاشي الحقيقة جعله ارضاً لمطارح غضبه و نقماته كتب الجهل فيه صُوَر اعمال العاصين و صور نفوسهم باللّه الّذي الْبَسَ الاشياۤء ملابسَ دَواعيها فاعطٰيها سبحانه بما اكتسبت من هيْئاتِ اَعْمالِهَا ما لَهٰا من الهَيْئات الغير المتناهية فيما لايزال و لايَظْلِمُ رَبُّك اَحداً .

قال ايّده اللّه تعالي : و في بعض الاخبار يؤمي ان المنافقين و الشّياطين لعنهم اللّٰه لم‌يبكوا علي الحسين عليه السلم و امّا الكافرون فقد بكوا عليه كما ورد انّ النار و اهل النار بكوا علي الحسين عليه السلم فكيف يكون كذلك الّا اذا قلنا انّ طينة المنافقين و الشياطين من الجهل الاول و طينة الكافرين من سجّين و الحال اَنّ اهل سجّين لم‌يبكوا علي الحسين عليه السلم و السجّين الصخرة و هو فوق النار .

[ص 28] اقول : الّذي يدل عليه العقل و ٱلنّقل انّ جميع ما في الوجود المقيّد من كلّ ذي هيئةٍ و صورة ممّا في السموات و الارضين و سكّان العناصر و البحار بكوا علي الحسين عليه السلم الّا انّ بكاۤءهم علي نوعَيْنِ : احدهما بمقتضي امكان ذي الهيئة و الصورة و بهذا النوع بكي علي الحسين عليه السلم كلّ شيءٍ حتّي المنافقين وَ الشّياطٖين وَ اهْل علّيّين و اهل سجّين و هذا بكاۤء معنوي و هو علي اصنافٍ : منه انّ كلَّ واحدٍ منهم يجد في نفسِهٖ ضعفاً عن شَيءٍ من الاشياۤء و منه انّ كل واحدٍ منهم يجد في نفسه رِقّةً لشَيءٍ من الاشياۤء و منه ان كلّ واحدٍ منهم يجد في نفسه خُضوعاً لشيءٍ من الاشياۤء و منه انّ كل شيء منهم يَجدُ في نفسِهٖ ميلا لشيء من الاشياۤء و منه انّ كل شيء منهم يجد في نفسه حاجةً لشيء من الاشيَاۤءِ و منه انّ كلّ شيء يجد في نفسه خوفاً من شيءٍ من الاشياۤء و منه انّ كلّ شيء منهم يجد في نفسه رجاۤء لشيء من الاشياۤء و منه ان كل شيء منهم يجد في نفسه غمّا لعدم اِدْرَاكِ شيءٍ من الاشياۤء اَوْ لِفَوْتِ شيء من الاشياۤء و منه انّ كلّ شيء منهم يجد هَمّاً عنده لامرٍ مستقبلٍ محبوبٍ يخاف عدم ادراكه او بطؤ ادراكه او محذورٍ يخاف وقوعه و ما اشبه هذه و كلّ هذه و ما اشبهها بُكاءٌ اوْ تباكٍ لجمود عين طبيعته و يجري علي كل من اشرنا اليه من كل ذي هيئةٍ و صورةٍ من الخلق و مرادي بذي الهيئة و الصورة ذو الانيّةِ حال وجدانه اِنِّيّتَهُ و الي هذا المعني اشرتُ بقولي في قصيدتي المقصورة في مرثية ابي‌عبدالله الحسين عليه السلم قلتُ :

ما في الوجودِ معجَمٌ لم‌يكن الّا اعترتْهُ حَيرةٌ في استِوَا [ص 29] 

كل انكسارٍ و خضوعٍ به و كلُّ صوتٍ فهو نَوحُ الهَوا

اَماترَي النّخلةَ في قُبَّةٍ ذاتِ انفطارٍ و انفراجٍ فَشا

ما سَعْفةٌ فيها انتهَتْ اُخْبِرَتْ الّا لها حُزْنُ امامي شَوَي

اماترَي الاَثْل و اَهدابَهُ عند الرياحِ ذا حَنٖينٍ عَلَا

اَماسمعتَ النحْلَ ذا رِنّةٍ في طيرانهٖ شديدَ البُكَا

و السيفَ يَفري نحرَهُ باكياً و الرمح ينعَي قاۤئما و انْثِنا

تبكيه جُردٌ جارياتٌ علي جُثمانهٖ و اِنْ تَدُقُّ القَرَا

واللّهِ مارأيتُ شيئاً بدَا في الكون الّا ذَا بُكاءٍ عَلٰا

فتأمّل هذه الابيات تعرف ما اشرنا لكَ اليه و ثانيهما بالبكاۤء المعروف و جريان الدُّموع و يكون ذلك من محبّيه عليه السلم و من مبغضيه في حالة عدم التفاتهم الي جهة بَغْضِه و عداوته فانّهم في حالة التفاتهم الي عداوته و بغضه و ما يرد منهم من الحَنق و الغيظ عليه و علي اتباعه و محبّيه لايبكون عليه لشدّة بُعْدِ قلوبهم ح عن الرحمة و قسوتها عن قبول الخير و هو تأويل قوله تعالي ثم قسَتْ قلوبكم من بعدِ ذلك فهي كالحجارة او اشدّ قسوة و انّ من الحجارة لَما يتفجّر منه الانهار و انّ منها لما يشقّق فيخرج منه الماۤء و انّ منها لَما يهبط من خشيةِ الله و البكاۤء علي الحسين عليه السّلم من خشية اللّه و امّا في حال غفلتهم عن شقاقهم البَعٖيد من رحمة اللهِ اذا ذكروا ما جري عليه و علي اهل بيته و انصاره بَكوا كما جري من كثير منهم مثل خَوْلَي الاصبحي (ظ) لعنه الله هو يسلب زينب عليها السلام و الاطفال و يأخذ النطع سحباً من [ص 30] تحت سيد العابدين صلوات اللّه عليه و هو يبكي و لمّا سألته قال لعنه الّله ابكي لما جري عليكم اهل البيت و هو من المنافقين و الحاصل كلّ شيء يبكي علي الحسين صلوات اللّه عليه تبكيه الرياح بهفيفها و النّار بتَلهُّبِها و الماۤء بجريانه و امواجه و جموده و الشمس و القمر و النجوم بتغيّراتها من حمرة و صفرة و كسوف و خسوف و الجبال بارتفاعها و انْهِدادِها و الجدران بتَفطُّرِها و انهِدامها وَ النباتِ بتغيّره و اصفراره و يُبْسِهٖ و الافاق بتكدّرها و اغبِرارها و حمرتها و صفرتها آه ثم آه ثم آه ماادري ما اقول و تبكيه التّجارة بخسارتِها و كسَادِها و العيون بتكدُّرِها و المعادن بفسادها و الاسعار بغَلَاۤئِها و الاشجار بموتها و بقلّةِ ثمرها و بسقوط ورقها و بيُبْسِ اغصانها و اصفرار وَرِقها اماسمعتَ بكاۤء الاواني حين تنكسر من الچيني و الخزف و من المعادن تبكيه بانكسارِها و بِصوتها حين الكسر اماسمعتَ هديرَ الاطيار في الاوكار و هفيف الاشجار و امواج البحار و بكاۤء الاطفال الصغار اماسمعتَ بكاۤء الاسفار بعدم اَمْنيّة القفار اماسمعتَ الليل يبكيه بظلمته و النهار بالاِسْفار امارأيتَ تفتُّتَ الاحجار و غَوْر الٰابار و قلّة الامطار و غلاۤء الاسْعار و فساد الافكار و اختلاف الانظار و قصر الاعمار آه ثم آه ثم آه اُجْمِل لك الامر بما اَجْملَهُ العزيز الجبّار في كتابه قال في هذا الشّأن مصرّحاً بالبيان لمن كان لقلبه عينان و اِنْ من شيءٍ الّا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم فقال عليه السلم في بيان ان المراد بهذه الاية ما ذكرنا في الزيارة الجامعة الصغيرة المذكورة في اٰخر المصباح للشيخ رحمَهُ الله قال عليه السلم يسبِّح اللهَ باسماۤئه جميع [ص 31] خلقه يعني ان كل شيء يسبّح اللّه بالبكاء علي سيّدالشهداۤء عليه افضل الصّلوة و السّلام و الثّناۤء و بذكر مصابه الجليل و بنشر فضاۤئله و ممادحه في مصاۤئبه و قد قلتُ في هذا المعني في قصيدة رثيتُه عليه السلم بها :

اَمّا ثناۤؤُكَ في بلاۤئِك فهو لايُحصيه كاتِبْ

و ارَي جميعَ الخلق كلّاً بالذي اُوتٖي مُخَاطِبْ

يَبْدُو بنَعْيِك حين يَبدو و هو حالٌ غير كاذِبْ

فلِذاكَ قيلَ لكَ المَحامدُ و المَمادحُ في المصَائِبْ

الي اخر الابيات و الحاصل هذا مجمل الجواب و البيان انّ كلّ شيء يبكي عليه الّا حال التفاتِه الي عَداوته و بغضه فانه في تلك الحال مطرود من رحمة الله التي وسعَت كلّ شيء لانّه حين العداوة لا وجود لاصل عداوته له عليه السلام فلاجل ذلك قلنا هو حينئذٍ في ظلمةٍ موهومةٍ لاتشملُها رحمة اللّه التي وسعت كلّ شيء صلّي اللّه عليك يا اباعبداللّه بعدد ما في علم الله اللهم العن اوّل ظالم ظلم حق محمّد و ال‌محمّد و آخر تابع له علي ذلك اللّهمّ العن العصابة التي جاهدت الحسين و شايعت و تابعت علي قتله اللّهمّ العنهم جميعاً اللهم العن يزيد بن معوية اللّهمّ العن يزيد بن معوية اللّهمّ العن يزيد بن معوية اللّهمُ العن يزيد بن معوية ، تلعنه اربع مرات بعدد اركان العرش و اركان الوجود فالاولي بعدد النور الاحمر و هو الخلق و ما يرتبط به و الثانية بعدد النور الاخضر و هو الممات و ما يرتبط به و الثالثة بعدد النور الاصفر و هو الحيوة و ما يرتبط به و الرابعة بعدد النور الابيض و هو الرزق و ما [ص 32] يرتبط به لعنه الله بعدد ما في علم الله ه‍ ، و قولكم سجّين الصخرة و هو فوق النار جوابه فيما ذكرنا اذ لا فرق بين الاعلي و الاسفل و انما الفرق هو حال الالتفات الي العداوة كما مر فافهم .

قال وفّقه الله لخير الدارين و اصلح له احوال النشأتين : و بيّنوا رضي الله عنكم و عن والديكم ما معني هذا الشعر في قولكم :

اَماتري النّخلةَ في قبّةٍ ذات انفطارٍ و انفراجٍ فَشَا

اقول : مرادي انّ النخلة و الشجرة و غيرهما مقتضي الصنع المحكم و استقامة الايجاد بمقتضي استقامة طبيعة المصنوع ان يكون علي هيئة التساوي و الاستدارة الصحيحة لان الاستدارة الصحيحة اكمل الاشكال لتساوي الخطوط المخرجة من قطبها الي محيطها فكانت النخلة لها سعَفٌ مستديرٌ علي رأسها قُبّةً و كان مقتضي الصنع المحكم و الايجاد المتقن ان يجريا علي حسب قابليّة المصنوع و الامر الواقع في كل مصنوع كذلك و اذا اختلفت طبيعة المصنوع جري الصنع و الايجاد علي حسب اختلافها و النخلة اكمل الاشجار و اقربها من الحيوانات و لهذا تستأنس و تستوحش و تخاف و تعشق و غير ذلك من صفات الحيوانات و لاجل ذلك امر الشارع عليه السلم بوضع جريدتَيْن من النخل مع الميت تؤنِسه و يستأنس بهما و يرتفع بهما عنه عذاب الوحشة ما دامتا خضراوتين لانّ رطوبتهما هي النفس النباتيّة فيأنس بهما و لانها اي النخلة انّما سمّيت نخلة لانها من فاضل نخالة طينة ابينا ادم عليه السلم فلذا قال صلي الله عليه و اله اكرموا عمّاتكم النخل يعني انها اختُ ابينا لانها خلقت من فاضل طينتِهٖ فكانت النخلة اكمل الاشجار و اقربها [ص 33] من الحيوانات في الرتبة فيلزم من ذلك استقامة طبيعتها و يلزم من استقامة طبيعتها اعتدال خلقتِها فيكون السعف المحيط برأسها متساوياً بحيث يحصل من تَساويه ان يكون عليها قبّة صحيحة الاستدارة و قد قال بعض الشعراۤء في وصف النخل و حسن خلقته و حسن طلعه و ثمرته قال :

كأنّ النخٖيلَ الباسِقَاتِ و قد بَدتْ لناظِرهَا يوماً قُبَابُ زَبْرجَدِ

و قد قُلِّدتْ في عُنقِها زٖينةً لها قناديلُ ياقوتٍ بامراسِ عَسْجَدِ

فقال قُبابُ زبرجد يعني كأنها قبّة زبرجد اخضر و هذا ينبغي ان تكون كذا لاجل استقامة قابليّتها لٰكنّا الأن نَراها قبّة غير معتدلةِ الاستدارة بل فيها انفطار اي انشقاق و انفراج اي فرجة فهي غير صحيحة الاستدارة و السبب في ذلك الاختلاف الذي جري عليها و اصابها بسببه عدم الاستقامة و عدم الاستدارة الصحيحة حتي كانت القبّة التي علي رأسها من سعفِها منفَطِرة منفرجة هو ما وصل اليها من مصاب سبط الرسول و فرخ عليّ و البتول صلي الله عليهم و الهم الطيبين و قلتُ بعد هذا البيت :

ما سعفة فيها انتهت اخبرت الّا لها حزن امامي شوي

يعني ما فيها سعفة ، انتهت اي تم نموُّها ، اخبرت اي و اخبرت بمصاب الحسين عليه السلم لانها قبل ان ينتهي نموّها لم‌تخبرها الملاۤئكة الموكّلون بنموّها و الّا لانقطع تسبيحهم لله تعالي لانهم يسبّحون الله تعالي بتنمِيَةِ هذه السعفة الي ان يتمّ نموّها فاذا تَمّ نموّها اخبروها بمصاب الحسين عليه السلم فتنشوي و تَيْبَسُ لانّها تبكي علي الحسين عليه السلم بذبولها و يُبْسها و تخرج دموعها عليه عليه السلم بالرطوبات التي تتحلّل [ص 34] منها و لو ان الملاۤئكة الموكّلين بنموّها اخبروها قبل تمام نموِّها بمصاب الحسين عليه السلم يبسَت و لم‌تجر فيها الماۤدّة فاذا يبست قبل التمام انقطع تسبيحهم للّه تعالي لانه تعالي وكّلهم بان يسبّحوه بتنمِيَتها الي ان يتمّ نموّها فاذا تمّ نموها امرهم بالصعود الي مراكزهم من الوجود فكانوا في مراكزهم يسبّحونه الي يوم القيمة فلذا قلتُ ما سعفةٌ فيها اي في النخلة انتهت اي في نموّها اُخْبرت اي اخبرتها الملاۤئكة بعد تمام نموّها بمصاب الحسين عليه السلم و ما جري عليه يوم كربلاۤء نفسي له الفداۤء الّا و حزنُ امامي شَوي لها اي شواها و احرقها حتي يبسَتْ .

قال سلّمه الله : و ما هذه الياۤء في كلامكم الشريف في المرثية و الزاعبي غرَضاً هل هي الياۤء الحاصلة من اشباع الكسرة ام شيء اخر .

اقول : الزاعبي هو الرمح الطويل و الياۤء ياۤء النّسبة منسوب الي زاعبٍ اسم بلدٍ و الغرض بالغين المعجمة هو الهَدف الذي يُرْمَي بالسهام و هو المسمّي بالنَّيشان و انّما خُفِّفت الياۤءُ لضرورة الشعر و هذا ظاهر .

قال سلّمه الله و وفّقه لرضاه : و بيِّنوا اعلي الله درجاتِكم لايّ شَيءٍ كانت الزوجتان المخلوقتان من مكان واحد و هو الضلع اليسري من الزوج كان كلّ واحدٍ منهما للٰاخِرَ كذلك و الحال ان المناسب كان بالعكس من الالفة و المحبّة .

اقول : عبارتكم مشتبهةٌ عليَّ ماعرفتُ مرادكم مِنْها فانْ اردتم انّ الزوجتين المخلوقتين من رجلٍ واحدٍ كيف يكونان لرجلين فالجواب انّهما لم‌يخلقا من واحد بل كل واحدة من زوجها نعم قد تكونان من زيدٍ مثلاً فالتي كانت [ص 35] له خاۤصة لم‌تختلط طينتها بطينة غيره و الَّتي كانَتْ قَدْ اخذَها عَمْروٌ وَ طٖينَتُهَا مِنْ زَيْدٍ فهي قد اصابها لطخٌ من طينةِ عمروٍ فلذلك اخذها فاذا كان يوم القيمة و رجع كل شيء الي اصله رجعَتْ الي زيدٍ و بيان هذا اللطخ انّ طينتها من طينَةِ زيد من نفسه و اصابها لَطخ عارض من عمروٍ و ذلك علاقة ظاهرة فلمّا خرجا الي هذه الدنيا تزوّجها عمرو للعلاقة الظاهرة و معني ذلك انّه تزوّجها لمالها او لجمالها اوْ لاجل كون اهلها اهل عزّة بين الناسِ و رغبةً في القرب اليهم و امثال ذلك مِن انواع اللّطخ فاذا كان يوم القيمة زالت العوارض و رجعت علي اَحْكامِ الذاتيّات فتكون لزيد و من اجل هذا السبب قد تتزوّج المرأة عشرة رجالٍ في الدنيا و يوم القيٰمَةِ انّما هي زوجةُ واحد منهم بل قد تكون من غيرهم اذا كانَتْ عَلاقاتهم عارضةً و ان اردتم معني غير هذا فلم‌يحضرني فلو عرفتُه ان كان غير هذا اجَبْتُه و الله سبحانه اعلم بالصواب .

قال اصلح الله احواله : و بيّنوا رحمكم اللّه ان امثال هذه المساۤئل تفضّل من الله عزّ و جل ام لاجل العسر و الحرج ام هو ظاهر في الواقع مثل النجاسة الممزوجة بالرماد المطروحة في الطريق المسحوقة و صار كله غباراً و مثل بول الاطفال في تراب الحجرة الواقعة فيه الغبار التي وقعت في الهواۤء المكيِّفة بذلك و صارت مكتنسةً و كانت كناسةً طاهرة .

اقول : اعلم انّ اللّه سبحانه خلق الاشياۤء طاهرةً و ما حكم به عليها فهو مطابق للواقع و الواقع عند اللّه سبحانه هو ما دَلّ عليه من الواقعي الوجودي او الواقعيّ التشريعي اَماسمعتَ الله سبحانه يقول في شأن مَن [ص 36] يقذف المحصنة قال تعالي فاذ لم‌يأتوا بالشهداۤء فاولۤئك عند الله هم الكاذبون فقوله عند اللّه هم الكاذبون اي في الواقعي التشريعي و ان كان صادقاً في الواقعي الوجودي اذا خالف الواقعي ٱلتّشريعي فتكون الطهارة علي الظّاهر لاجل عدم ارادة العسر بالمكلّفين و امّا في نفس الامر فاعلم انّ اللّه سبحانه اذا حكم عليك بحكمٍ مثلاً كما في هذه المسئلة فحكم اللّهِ ان طابق امتثالُ امرِه الواقع فلا كلام و ان خالفَ الواقع و انت قد امتثلتَ امرَهُ فالّذي افهم و ان كان لايقول به الناس او لايعرفونه انّ اللّٰهَ تعالي اذا حكم عليك و امرَك باستعمال هذا الشيء علي ظاهر الطهارة و لم‌يعلّمك بشيء خلافَ ما امرك به كما لو استمرّ الاشتباه انه يأمرُ ملاۤئكةً موكّلين بذلك ينقلون عمّا امركَ به الاجزاۤء النجسة حتّي لَاتُباشِرَ بامره الّا ما هو طاهرٌ عنده لانه عليم بكل شيء و قادر علي كل شيء و لايخفي عليه شيء فاذا كان انّما يأمرك باستعمال الطّاهر علي ما تفهم انت بحسب ما امركَ به فاذا فهمتَ من امرِهٖ شيئاً طاهراً و قد امرك باستعماله و هو لايأمر الّا باستعمالِ الطّاهر فاستعملته امتثالاً لامره و كان في الواقع فيه نجاسة فانه يعلمها فيأمر ملاۤئكة ينقلون ما في ذلك من النجاسة لانّه يعلمها و لايكون عنده ذلك طاهراً حتي تنقل الملاۤئكة النجاسة او يغيّرها و يحيلها بقدرته الي الطهارة كما يحيل نجاسة العذرة الي الطهارة باحالتها تراباً لانه تعالي يقول فاولٰۤئك عند الله هم الكاذبون و كيف يكونون كاذبين و هم صادقون في الواقع فاذا كان عالماً بهم كانوا عنده صادقين و كيف يكونون عنده كاذبين و صادقين فيحصل التناقض عنده [ص 37] و هو علي كل شيء قدير و عدم المنع من التناقض باعتبارِ حيثيتَيْن لا مُوْجِبَ له فان رفع التناقض اصلا اولي من رفعه بالحيثيتين ، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و كتب احمد بن زين‌الدين في العاشر من ذي‌القعدة سنة تسعٍ و عشرين و مائتين و الف من الهجرة حامداً مصليا مستغفرا تاۤئبا .