و كل يدعي وصلا بليلي و ليلي لاتقر لهم بذاكا [ص 202]
الا اني سلكت في شق هذه اللجة ما لميسمح به الزمان و لا الدهر و انما ذلك من بحر السرمد و ما فاض به ذلك البحر من المد فان عثرت علي ما اعثرت عليه عرفت ان ليس وراء عبادان قرية .
و لنرجع الي ما كنا فيه فنقول قال عليه السلم في بيان ما يلزم القائلين بالجبر « فاما الجبر الذي يلزم من دان به الخطاء فهو قول من زعم ان الله عز و جل جبر العباد علي المعاصي و عاقبهم عليها » و منهم من قال خلق فيهم المعاصي لا بهم بل منه تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا « و من قال بهذا القول فقد ظلم الله » بتشديد لام ظلم و نصب الاسم الكريم اي نسب الظلم اليه و جعله ظالما لعباده « في حكمه » لانه اذا جبرهم علي معصية او خلق فيهم ( فيهم معصيته لا بهم بل منه ثم عاقبهم علي ذلك فقد ظلمهم من وجهين احدهما انه جبرهم علي غير مصلحة تعود اليهم او خلق فيهم خل ) ما به مفسدتهم لا بهم بل منه و هو لا شك وضع الشئ لا في موضعه و هو الظلم و انما كان ذلك وضع شئ لا في موضعه لان كل شئ بينه و بين موضعه مناسبة لائقة تكون عن ذلك مزية لاتحصل بدون ذلك الوضع و ثانيهما ان معاقبته لهم ظلم من وجهين احدهما انه عاقبهم بما لميكن منهم موجبه و هو ظلم لايخفي و ثانيهما ان المعاقبة بدون الموجب وضع الشئ في غير موضعه و هو الظلم كما قلنا ، و قال عليه السلم « و كذبه و رد عليه قوله » يعني انه بقوله ان الله جبر العباد علي المعاصي الخ ، تكذيب له في قوله و ما انا بظلام للعبيد بأن هذا كلام مخالف للواقع و هو التكذيب و ذلك رد لقوله في كتابه المجيد الذي [ص 203] لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد مثل « و لايظلم ربك احدا » فقالوا بل ظلم ربك كل احد و مثل قوله « ذلك بما قدمت يداك » فقالوا بل بقدرتك و قضائك و قوله تعالي « و ما ربك بظلام للعبيد » فقالوا بل جبرهم و ظلمهم و قال تعالي « ان الله لايظلم الناس شيئا » فقالوا بل ظلمهم كل شئ و قال تعالي « و لكن الناس انفسهم يظلمون » فقالوا بل ظلمهم ربهم ، « مع آي كثير من القران فمن زعم ان الله يجبر علي المعاصي فقد احال بذنبه علي الله » و ذلك يستلزم ان لايعاقب فاذا عاقبه فقد ظلمه و هو البتة معاقب له « فقد ظلّمه » بتشديد اللام « في عقوبته و من ظلمه كذلك فقد كذب كتابه فقد لزمه الكفر باجماع الامة » و انما اسند الكفر الي تكذيب الكتاب دون قوله و هو سواء لوجهين : احدهما ان تكذيب كتابه اشنع عند الناس و في الاوهام لشهرته فلايمكن الشك لاحد في تكفير المكذب بالكتاب ، و ثانيهما ان الكتاب مجمع عليه مقطوع به فاذا كان قطعي الدلالة و هو قطعي المتن لميكن للمنكر ما يلتجئ اليه و يتعلل به بخلاف القول فانه و ان وجد قطعي الدلالة لميكد يوجد قطعي المتن الا اذا كان كتابا فان منكره قد لايكفر لتحصيله الاحتمال المانع فلاجل ذلك اسند الكفر الي تكذيب الكتاب لا الي قوله .
قال عليه السلم : و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لايملك نفسه اي لايقدر علي شئ و لايملك عرضا من الدنيا و يعلم مولاه ذلك منه .
انما قال « عبدا مملوكا لايملك نفسه » اقتباسا من قوله تعالي عبدا مملوكا لايقدر علي شئ و انما قال « لايقدر علي شئ » للتأكيد و يجوز ان يكون [ص 204] لرفع المجاز بأن يلحظ في الملك ملك الاحسان و الجميل و ذلك يكون بين الاحرار و لايلزم منه صحة المثل لجواز الاستقلال و لاجل ملاحظة عدم جواز الاستقلال في هذا المثال قال عليه السلم اي لايقدر علي شئ ثم اكده بقوله « و لايملك عرضا » يعني لو قيل بجواز تملكه بالتمليك و قوله « يعلم ذلك منه » يريد انه اذا علم المولي ذلك صح ترتب المثل عليه و هو الحكم بالظلم لانه اذا لميعلم لميكن فعله المرتب علي عدم العلم ظلما لكونه اعم منه لتطرق المعذورية علي الجاهل لا علي العالم .
ثم قال عليه السلام : فامره علي علم منه ، اي من المولي بانه لايملك نفسه و لايملك ما لايمكن ان يشتري به شيئا ، بالمصير الي السوق لحاجة يأتيه بها و لميملكه ثمن ما يأتيه به من حاجته .
و قوله عليه السلم « و لميملكه » ليس المراد به الحكم بجواز التمليك لتصريحه بعدمه بل البيان شرط التمكن من الفعل المرتب عليه صحة المثل .
ثم قال عليه السلم : و علم المالك ان علي الحاجة رقيبا لايطمع احد في اخذها منه الا بما يرضي به من الثمن .
يعني انه لو امكن اخذها منه مجانا لجاء العذر للمولي في عقاب عبده الذي يقدر علي اخذها مجانا و لميكن المولي ظالما في ذلك في كثير من الصور .
ثم قال عليه السلم : مع ان العبد لايملك نفسه .
و هذا مبالغة في عدم الاستقلال .
ثم قال عليه السلم : و قد وصف مالك العبد نفسه بالعدل و النصفة و اظهار الحكمة و نفي الجور ه .
لانه لو لميصف نفسه و لميعلم ذلك منه كان تظليمه ليس بشناعة تظليم من وصف نفسه كذلك ثم كان منه خلاف ما وصف .
[ص 205] ثم قال عليه السلم : و اوعد عبده عليه ان لميأته بحاجته ان يعاقبه علي علم منه بالرقيب الذي علي حاجته انه سيمنعه و علم ان المملوك لايملك ثمنها و لميملكه ذلك ه .
انما قال عليه السلم هكذا ليتحقق عدم الجهل و لايتجه في ذلك نوع عذر للمالك في شئ من ذلك .
ثم قال عليه السلام : فلما صار العبد الي السوق و جاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولي لها وجد عليها مانعا يمنع منها الا بشراء و ليس يملك العبد ثمنها ه .
و كل ذلك عن علم من المولي و ( في خل ) جميع ذلك ( ذلك و ان ذلك خل ) هو شرط استطاعة العبد لما امر بحيث لايكون مقصرا بحسب مقدرته .
فانصرف الي موليه خائبا بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه عليه و عاقبه عليه اليس يجب في عدله و حكمته الايعاقبه و هو يعلم ان عبده لايملك عرضا من عرض الدنيا و لميملكه ثمن حاجته فان عاقبه عاقبه ظالما متعديا عليه مبطلا لما وصف من عدله و حكمته و نصفته ه .
فاذا كان المالك ظالما في معاقبة عبده اذا لميفعل ما امره لعجزه عنه بعدم تمكينه ( تمكينه مما خل ) لميمكن الا به فكيف علي زعم هذا القائل بالجبر الذي يعتقد ان جميع افعال العباد من الله هو الفاعل لها و لا مدخل للعباد بوجه ما و يعاقب من يشاء و يثيب من يشاء و لايسئل عما يفعل فهذا ابلغ من لزوم الجور و الظلم تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا .
ثم قال عليه السلم : و من زعم ان الله يرفع عن اهل المعاصي العذاب فقد كذب الله في وعيده حيث يقول بلي من كسب سيئة و احاطت به خطيئته فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون و قوله ان الذين يأكلون اموال [ص 206] اليتامي ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا و قوله ان الذين كفروا باياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ان الله كان عزيزا حكيما مع آي كثير في هذا الفن ه .
هذا الكلام منه عليه السلم يجوز ان يكون المراد منه ان القول بالجبر يلزم منه علي مقتضي قياسهم فرارا من القول بتظليم الله ان الله لايعاقب اهل المعاصي لئلايكون ظالما و يكونون قد كذبوا الله في وعيده كما قال في كتابه و يلزمهم من ذلك الكفر لتكذيبهم كتابه و يجوز ان يكون قد استطرد حكم المرجئة الذين يقولون انه لايضر مع الايمان معصية كما لاتنفع مع الكفر طاعة و لذا سموا بالمرجئة لاعتقادهم ان الله ارجي تعذيبهم عن المعاصي اي اخره عنهم اما لاشتراكهم فيما يلزم القائلين بالجبر اذا لميقل الجبري بالتظليم من الكفر لانكارهم النص من الكتاب كاهل الجبر و اما لان من جهال شيعته من قال بقولهم كما قالوا بالجبر و التفويض كما ذكر من اول هذه الرسالة ثم بين عليه السلم علي الاحتمالات حكمهم و ما يلزمهم .
فقال عليه السلم : من كذب وعيد الله يلزم في تكذيب اية من كتاب الله الكفر و هو ممن قال الله افتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحيوة الدنيا و يوم القيمة يردون الي اشد العذاب و ما الله بغافل عما تعملون ه .
فهذه الاية و امثالها صريح في تعذيب العصاة و تخليدهم في النار فالمنكر لمدلولها كافر لدخوله في قوله و تكفرون ببعض و لاجماع الامة علي كفر من رد حكم الكتاب الصريح .
[ص 207] ثم انه عليه السلم اشار الي المنزلة بين المنزلتين بعد ابطال احدهما و هو الجبر ايضاحا لطريقها و ردا علي من تنكبها فقال عليه السلم : بل نقول ان الله عز و جل يجازي العباد علي اعمالهم و يعاقبهم علي افعالهم بالاستطاعة التي ملكهم اياها ه ،
من خلق الالة و الصحة و هي القوة التي يكون العبد متحركا مستطيعا للفعل و تخلية السرب و امكان الزاد و الراحلة و غير ذلك من السبب المهيج الي الفعل بتركيب ( و تركيب خل ) الشهوة المركبة فيه و ميل كل من ركنيه الي ما يقتضيه و من التأييد و الخذلان عند تمام استعداده لاحد الطرفين و قد مر من هذا كثير فلاحظ و من الامر و النهي و الترغيب و الترهيب اللذين هما مفتاحا التأييد و الخذلان .
ثم قال عليه السلم : بذلك نطق كتابه من جاء بالحسنة فله عشر امثالها و من جاء بالسيئة فلايجزي الا مثلها و هم لايظلمون ه .
ليبين بهذه الاية الشريفة ان العباد فاعلون قد اسند اليهم اعمالهم بقوله تعالي و من جاء و انهم مجازون عليها بقوله تعالي فله عشر امثالها فلايجزي الا مثلها ردا علي الفريقين في الطريقين .
و مثلها استشهاده عليه السلم بقوله : و قال جل ذكره يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء تود لو ان بينها و بينه امدا بعيدا و يحذركم الله نفسه ه .
انما ذكر عليه السلم من هذه الاية الشريفة الي قوله تعالي و يحذركم الله نفسه للتنبيه علي تحقيق الوعيد و ان الامر مبني فيه علي التسديد بخلاف ما اعتقدوا .
ثم بين (ع) ان من يعمل مثقال ذرة خيرا يره و شرا يره فقال (ع) ( (ع) : و قال تعالي خل ) [ص 208] اليوم تجزي كل نفس ما كسبت لا ظلم اليوم ، ثم قال عليه السلم : فهذه الايات محكمات لنفي الجبر و من دان به و مثلها في القران كثير اقتصرنا علي ذلك لئلايطول الكتاب و بالله التوفيق ه .
ثم لما فرغ من ذكر حال الجبرية و ما يلزمهم شرع في ذكر المفوضة و هم اصحاب المنزلة الثانية من المنزلتين فقال عليه السلم : و اما التفويض الذي ابطله الصادق عليه السلم و خطأ من دان به و تقلده فهو قول القائل ان الله جل ذكره فوض للعباد اختيار امره و نهيه و اهملهم ه .
ذكر عليه السلم احد معنيي التفويض و هو تفويض الاختيار في الافعال و الثاني تفويض الافعال و المآل في التأدي الي الاستقلال واحد و معني ذلك انهم يزعمون ان الله فوض اليهم اختيار الطاعات فهم مستقلون في ذلك بعد خلق الالة قادرون عليها من غير تهيئة الاسباب الوجودية من التأييدات و الالطاف و العنايات التي بها قوام تلك القدرة و الاستطاعات و فوض اليهم اختيار المعاصي فهم مستقلون كذلك قادرون عليها من غير تهيئة الاسباب العرضية العدمية من الخذلان و التجليات القهرية التي بها قوام تلك الدواعي و القدر و الاستطاعات و المعني الثاني فرع الاول و مرتب عليه و الكلام علي الاول كلام علي الثاني و دعوي الاستقلال دعوي الاستغناء من الفقير الذي لا شيئية له و لا تحقق الا بالفقر الي الغني المطلق سبحانه و تعالي عما يشركون و الي ذلك الاشارة بقوله « و اهملهم » و قول المفوض الذي حكي عليه السلم عنه باطل لانه اذا اهمله و رفع عنه يده لميكن شيئا و لكنهم لايعلمون .
[ص 209] و لو اهملهم بأن فوض اليهم ما به يفعلون ما شاؤا لميكن ذلك كذلك الا بأن جعلهم محال ارادته و مهابط امره و نهيه فيلزمه الرضي بكل ما فعلوا و اليه الاشارة بقوله عليه السلم : و في هذا كلام دقيق لمن يذهب الي تحريره و دقته الي هذا ذهبت ( ذهب خل ) الائمة المهدية من عترة الرسول صلي الله عليه و آله فانهم قالوا لو فوض اليهم علي جهة الاهمال لكان لازما رضي ما اختاروه و استوجبوا منه الثواب و لميكن عليهم فيما جنوه العقاب اذا كان الاهمال واقعا ه .
و هو كما اشرنا اليه فلهم ان يفعلوا ما شاؤا و عليه ان يرضي فهم في كل حال مطيعون مستوجبون الثواب فكان الحكمة تقتضي الايرسل اليهم رسولا و لاينزل اليهم كتابا .
ثم قال عليه السلم : و تنصرف هذه المقالة علي معنيين اما ان يكون العباد تظاهروا عليه فالزموه قبول اختيارهم بارائهم ضرورة كره ذلك ام احب فقد لزمه الوهن ه ، ان كان لميرض افعالهم كلها بل بعضها منها كما هو الواقع لانه امر و نهي و الا لمينه اذ لو رضيها كلها لمتكن فائدة من امره و نهيه و حيث انه امر و نهي لميفوض اليهم الاختيار باختياره بل تظاهروا عليه و فسروه علي اختياره ما اختاروا .
و اشار عليه السلم الي المعني الثاني بقوله : او يكون جل و عز عجز عن تعبدهم بالامر و النهي كرهوا او احبوا ه ، اما لعدم علمه بما يريد فيه لايزال و بما يصلحهم و اما لعدم قدرته علي انفاذ مشيته فيهم علي ما تقتضيه الحكمة من التكليف و تهيئة اسبابه كما مر متفرقا فالتقطه من اماكنه .
قال عليه السلم : فوض امره و نهيه اليهم و اجراهما علي محبتهم اذ عجز عن تعبدهم بارادته [ص 210] فجعل الاختيار اليهم في الكفر و الايمان ه .
لا شك في لزوم القول بهذين المعنيين لمن قال بذلك و لا شك في عدم اسلام معتقد ذلك .
ثم انه عليه السلم ضرب لاهل التفويض مثلا كما ضرب لاهل الجبر انفا فقال عليه السلم : و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه و يعرف له فضل ولايته و يقف عند امره و نهيه و ادعي مالك العبد انه قادر عزيز حكيم فامر عبده و نهاه و وعده علي اتباع امره عظيم الثواب و اوعده علي معصيته اليم العقاب فخالف العبد ارادة مالكه و لميقف عند امره و نهيه فاي امر امره او اي نهي نهاه عنه لميأته علي ارادة المولي بل كان العبد يتبع ارادة نفسه و اتباع هواه و لايطيق المولي ان يرده الي اتباع امره و نهيه و الوقوف علي ارادته ففوض امره و نهيه اليه و رضي منه بكل ما يفعله علي ارادة العبد لا علي ارادة المالك و بعثه في بعض حوائجه و سمي له الحاجة فخالف علي مولاه و قصد لارادة نفسه و اتبع هواه فلما رجع الي مولاه نظر الي ما اتاه به فاذا هو خلاف ما امره فقال له لم اتيتني بخلاف ما امرتك به قال اتكلت علي تفويضك الامر الي فاتبعت هواي و ارادتي ه .
هذا الكلام ظاهر مطابق لما صرف في مقالتهم من المعنيين و هما اما انهم تظاهروا عليه و الزموه الرضا بكل ما فعلوا و اما انهم اعجز ( انه عجز خل ) من تعبدهم بامره و نهيه كما شاء ففوض اليهم فعليه ان يرضي بكل ما فعلوه .
ثم قال عليه السلم : لان المفوض اليه غير محظور عليه و استحال التفويض ه ،
لانه لايتحقق الا بما ذكر عليه السلم من تظاهرهم عليه او عجزه عن تعبدهم بامره و [ص 211] نهيه و كل ذلك محال في جانب الواجب الحق سبحانه فيكون التفويض محالا .
ثم انه ذكر عليه السلم ما يلزمهم من هذا المعتقد في صورة المثل الذي ضربه لذلك فقال (ع) : اوليس يجب علي هذا السبب اما ان يكون المالك قادرا بامره عبده باتباع امره و نهيه علي ارادته لا علي ارادة العبد و يملكه من الطاعة بقدر ما يأمره به و ينهاه عنه فاذا امره بامر و نهاه عن نهي عرفه الثواب و العقاب و رغبه بصفة ثوابه و عقابه ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملكه من الطاقة لامره و نهيه و ترغيبه و ترهيبه فيكون عدله و انصافه شاملا له و حجته واضحة عليه للاعذار و الانذار فاذا اتبع العبد امر مولاه جازاه و اذا لميزدجر عن نهيه عاقبه ه ، لان القسمة لاتخلو علي هذا المعتقد عن احد هذين اللازمين اما ان يكون المالك قادرا علي نحو ما ذكره عليه السلم و يلزم من ذلك بطلان القول بالتفويض او غير قادر علي ما اراد فيهم فيلزم نفي القدرة و الالوهية .
و الي ذلك اشار بقوله عليه السلم : او يكون عاجزا غير قادر ففوض امره اليه احسن ام اساء اطاع ام عصي عاجزا عن عقوبته و رده الي اتباع امره و في اثبات العجز نفي القدرة و التأله و ابطال الامر و النهي و الثواب و العقاب ه .
و هذا ايضا ظاهر و ليس لقائل ان يقول الحصر العقلي يقتضي جواز غير المفروض كما اقتضي المفروض فهو اعم من ذلك لجواز ان يكون فوض اليهم لا لتظاهرهم و لا لعجزه بل يجوز ان يكون اختصهم ففوض اليهم يفعلون باختيارهم بعد ما خلقهم و خلق لهم ما يحتاجون اليه ففعلوا ما شاؤا باستقلال و لهذا جري الثواب و العقاب و نطق بهذا المعني ظاهر [ص 212] الكتاب لانا نقول ان المفوض اليهم بهذا المعني لايشهدون لهم فعلا بل فعلهم فعل الله لان قلوبهم محال مشيته كما مرت الاشارة اليه قال الله تعالي لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و قال تعالي و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و لو كان هؤلاء مفوضا اليهم لميحصرهم بالامر و النهي فان المأمور المنهي ليس بمفوض اليه و لكنهم كما قال الصادق عليه السلم فيما رواه الصدوق في توحيده عن علي بن سالم عن ابيعبدالله عليه السلم قال سألته عن الرقي اتدفع من القدر شيئا فقال هي من القدر ، و قال عليه السلم ان القدرية مجوس هذه الامة و هم الذين ارادوا ان يصفوا الله عز و جل بعدله فاخرجوه من سلطانه و فيهم نزلت هذه الاية يوم يسحبون في النار علي وجوههم ذوقوا مس سقر انا كل شئ خلقناه بقدر ه ، و لا شك ان قولهم بالتفويض مستلزم لنفي القدرة المطلقة اما لغلبة قدرتهم او لعجز قدرته عما يشاء او لوجود قدرة مستقلة و ذلك يوجب عدم كون قدرته مطلقة لرجوع ذلك الي الحصر و التحديد و كذلك يستلزم نفي التأله لانتفائه في بعض الممكنات و هي متساوية اليه في المالوهية ( الوهيته خل ) علي حد واحد من الفقر اليها و القيام بها و كذلك يستلزم ابطال الامر و النهي لان المفوض اليه لايجوز عليه حينئذ الامر و النهي و الا فليس بمفوض اليه و كذلك الثواب و العقاب .
ثم قال عليه السلم : و مخالفة الكتاب اذ يقول و لايرضي لعباده الكفر و ان تشكروا يرضه لكم ه ،
لانه لو فوض اليهم لزمه الرضا بالكفر فاذا قالوا بذلك خالفوا الكتاب و يلزمهم ما مر .
[ص 213] و قال عليه السلم : و قوله عز و جل اتقوا الله حق تقاته و لاتموتن الا و انتم مسلمون ه .
لانه امرهم بالتقوي و لو فوض اليهم لميأمرهم بشئ فمن قال بذلك خالف الكتاب و حق عليه ما مر .
قال عليه السلم : و قوله تعالي و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون مااريد منهم من رزق و مااريد ان يطعمون ه .
فمن قال بالتفويض كذب بأن علة خلقهم المعرفة و العبادة و يجري عليه ما مر .
قال عليه السلم : و قوله تعالي اعبدوا الله و لاتشركوا به شيئا و قوله تعالي اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و لاتولوا عنه و انتم تسمعون ه .
و الاستدلال بهذه الايتين مثل ما قبلهما .
ثم قال عليه السلم : فمن زعم ان الله فوض امره و نهيه الي عباده فقد اثبت عليه العجز لما عرفت و اوجب عليه قبول كل ما عملوه من خير او شر و ابطل امر الله و نهيه و وعده و وعيده لعلة ما زعم ان الله فوضهما اليه لان المفوض اليه يعمل بمشيته فان شاء الكفر او الايمان كان غير مردود عليه و لا محظور فيه فمن دان بالتفويض علي هذا المعني فقد ابطل جميع ما ذكرناه من وعده و وعيده و امره و نهيه و هو من اهل الاية افتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحيوة الدنيا و يوم القيمة يردون الي اشد العذاب و ما الله بغافل عما تعملون تعالي الله عما يدين به اهل التفويض علوا كبيرا ه .
قوله عليه السلم « لما عرفت » يعني من المعنيين اللذين ذكرهما من لزوم تظاهرهم عليه حتي الزموه ما شاؤا من لزوم عجزه عن تكليفهم الا بأن يفوض اليهم الاختيار و باقي الكلام كسابقه ظاهره ظاهر ، و قوله عليه السلم « و هو من [ص 214] اهل هذه الاية » ظاهر في كفار قد استحقوا عذاب النار كما يدل عليه ظاهر الاية .
ثم اشار الي بيان المنزلة بين المنزلتين ظاهرا بالعبارة الموافقة فقال عليه السلم : لكن نقول ان الله خلق الخلق بقدرته و ملكهم استطاعة تعبدهم بها فامرهم و نهاهم بما اراد فقبل منهم اتباع امره و رضي بذلك لهم و نهاهم عن معصيته و ذم من عصاه و عاقبه عليها و لله الخيرة في الامر و النهي يختار ما يريد و يأمر به و ينهي عما يكره و يعاقب عليه بالاستطاعة التي ملكها عباده و اتباع امره و اجتناب معاصيه لانه ظاهر العدل و النصفة و الحكمة البالغة بالغ الحجة بالاعذار و الانذار .
قوله عليه السلم « خلق الخلق بقدرته » رد عليهم فيما اعتقدوه مما يلزم به العجز و قوله و ملكهم استطاعة تعبدهم بها الخ ابطال للاستقلال المدعي ، و قوله عليه السلم « فامرهم و نهاهم » دفع لدعوي تفويض الامر و النهي اليهم و لله الخيرة في الامر و النهي لا لهم ، و قوله « بالاستطاعة التي ملكها عباده » ابطال لمعتقد اهل الجبر ، و قوله « و اتباع امره و اجتناب معاصيه » نفي لمعتقد اهل التفويض .
ثم بين ان له الخيرة و ربك يخلق ما يشاء و يختار ماكان لهم الخيرة بناء علي ما سبق و لان افعاله اجراها علي طريق الحكمة تعرفا منه اليهم و تعريفا لهم ما جهلوا من صفاته و افعاله فقال (ع) : و اليه الصفوة يصطفي من عباده لتبليغ من يشاء ( من يشاء لتبليغ خل ) رسالته و احتجاجه اصطفي محمدا صلي الله عليه و آله و بعثه برسالته الي خلقه فقال من قال من كفار قومه حسدا و استكبارا لولانزل هذا القران علي رجل من القريتين عظيم يعني بذلك امية بن ابيالصلت [ص 215] و ابامسعود الثقفي و لو فوض اختيار امره الي عباده و رضي منهم كل ما فعلوه لاجاز لقريش اختيار امية بن ابيالصلت و ابيمسعود الثقفي اذ كانا عندهم افضل من محمد صلي الله عليه و آله و كذا ادب الله المؤمنين بقوله و ماكان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم فلميجز لهم الاختيار باهوائهم و لميقبل منهم الا اتباع امره و اجتناب نهيه علي يدي من اصطفيه فمن اطاعه رشد و من عصاه ضل و غوي و لزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعة لاتباع امره و اجتناب نهيه فمن اجل ذلك حرمه ثوابه و انزل به عقابه .
هذا الكلام ظاهره ظاهر و اما حقيقة القول فقد مر عليك مرارا و هو ان كل معني ينسب الي العبد مما ملكه الله فهو بيد الله تعالي لايخرج عن قبضته فالاستطاعة بشروطها المتقدمة في يده عز و جل و اليه الاشارة بقوله تعالي المتر الي ربك كيف مد الظل و لو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا فان الظل من الشاخص و هو يتفيؤ بالشمس و تحركه بدورانها علي التفرقة فلا وجود له الا بها و ليس منها و لكنها دليله و الظل يتفيؤ بها و يسجد لها سجود اصحاب الشمال حيث دعته فادبر و لميقبل و كيف لاتكون دليلا عليه و هو مقبل اليها بادباره عنها اولميروا الي ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين و الشمائل سجدا لله و هم داخرون ، فافهم الاشارة فان التصريح يفضح السر و يغشي الفكر ما يغشي من الاشباح فيرجع البصر خاسئا و هو حسير ، و لكن تأمل في كل شئ ينسب الي العبد فانك تجده وجودا و كل وجود فهو [ص 216] في يد الموجد سبحانه لايخرج عن قبضته و اليه الاشارة بقول الرضا عليه السلم هو المالك لما ملكهم و القادر لما اقدرهم ، فنفي (ع) بقوله هو المالك التفويض و بقوله (ع) لما ملكهم الجبر فلايستقل العبد بشئ اذ كل شئ فان دخل في الوجود فهو من الله و بذلك الموجود و ان لميدخل بل تبع الموجود فهو بالله و من ذلك الموجود و قد مر مكررا و اليه الاشارة بقوله عليه السلم « و لزمته الحجة بما ملكهم من الاستطاعة » الخ ، فاخبر بانه تعالي ملكهم الاستطاعة لكن علي نحو ما قلنا بدليل استشهاده بقول جده اميرالمؤمنين عليه السلم الٰاتي لعباية حين سأله فقال (ع) سألت عن الاستطاعة تملكها من دون الله او مع الله ، الخ .
ثم قال عليه السلام : و هذا القول بين القولين ليس بجبر و لا تفويض بذلك اخبر اميرالمؤمنين عليه السلم عباية بن ربعي الاسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها نقوم و نقعد و نفعل فقال له اميرالمؤمنين عليه السلم سألت عن الاستطاعة تملكها من دون الله او مع الله فسكت عباية ه .
و انما قال عليه السلم لما قال « بها نقوم و نقعد » لانه توهم انه خلقها فينا فكانت عندنا علي سبيل الاستقلال لا انه توهم انها لميخلقها الله لنا كما توهمه بعض فقال عليه السلم له « تملكها من دون الله او مع الله » و لو كان ذلك ظنه لقال له انت خلقتها او خلقت شيئا ، و عباية بالعين المهملة فالباء الموحدة فالالف فالياء المثناة من تحت من خواص علي عليه السلم .
فقال له اميرالمؤمنين عليه السلم قل يا عباية قال و ما اقول قال عليه السلم ان قلت انك انت تملكها من دون الله قتلتك و ان قلت تملكها مع الله قتلتك قال فما اقول قال لاتقول انك تملكها من [ص 217] دون الله و لكن تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك ه .
تأمل هذا الكلام فانه كما ذكرت لك حرفا بحرف روحي فداؤه و فداء ابنائه الطيبين صلي الله عليه و عليهم اجمعين .
ثم قال اميرالمؤمنين عليه السلم مخاطبا لعباية فان اتاك كان ذلك من عطائه و ان سلبكها كان ذلك من بلائه هو المالك لما ملكك و القادر لما عليه قدرك اماسمعت الناس يسألون عن الحول و القوة حين ( حين يقولون لا حول و لا قوة الا بالله قال عباية و ما تأويلها يا اميرالمؤمنين قال خل ) لا حول عن معاصي الله الا بعصمة الله و لا قوة لنا علي طاعة الله الا بعون الله قال فوثب عباية و قبل يديه و رجليه .
اقول تأمل هذا الحديث الشريف و اشرب من بحر العلم النجاح ( السجاج خل ) ماء فراتا فانك ان شربت منه شربة لمتظمأ ابدا و ان اردت دلوا تغترف به فقد بذلته لك فاذكر ( فاشكر خل ) نعمة الله فان طلبت رشاء ليتوصل به الي اغتراف الماء من هذا البئر المعطلة فقد اعطيتكه و مددت لك فيه ما به تنال كل ما تطلب في هذه المسئلة و في غيرها فتدبر ما حررته تعثر علي خفايا لاتسعها الدفاتر و لاتجمعها المساتر و اترك الزمان و زن الكلام و افهم فان في الزوايا خبايا و لاتعد عيناك عما اوليناك فتخر كما خر من سلك هذا البحر المظلم بغير مصباح فلعمري لقد خر من السماء فقد تخطفه الطير او تهوي به الريح في مكان سحيق .
ثم قال : و روي عن اميرالمؤمنين عليه السلم حين اتاه نجدة يسأله عن معرفة الله قال يا اميرالمؤمنين بماذا عرفت ربك قال بالتميز الذي خولني و العقل الذي دلني ه .
[ص 218] يجوز ان يكون فاعل خولني ضميرا عائدا الي التميز اي خولني التميز معرفة ربي يعني اعطاني و ان يكون عائدا الي الله تعالي و هذا ظاهر .
قال : افمجبول انت عليه قال لو كنت مجبولا ماكنت محمودا علي احسان و لا مذموما علي اسائة و لكان المحسن اولي باللائمة من المسيء ه .
و ذلك لانا قد بينا سابقا ان الطاعة لاتكون من فاعلها طاعة حتي يكون و يتحقق له من نفسه داع الي المعصية و يكون ممكنا من فعلها و تركها امتثالا للامر فتكون بتركه ما يقتضيه هواه لامتثال الامر طائعا و انما نفي كونه مجبولا لانه ينافي الاختيار و ذلك لان جعل الشئ علي مقتضي امر خاص نفي لاقتضائه سوي ذلك الامر بخلاف المخلوق المختار فانه و ان كان مجبولا لكنه مجبول من جهة الوجود علي اقتضاء الخير و الطاعة و من جهة المهية علي اقتضاء الشر و المعصية و المهية عكس الوجود و كل كمال لها عكس ضده العام من كمال الوجود فلزمه ان يكون مجبولا علي الشئ و ضده ( فضده خل ) العام فله ان يفعل الشئ و يترك ضده و له ان يفعل الضد و يترك ذلك الشئ فلايكون مجبولا بل هو مختار لان المجبول يلزم طريقة واحدة فيما جبل عليه فافهم و انما قال نجدة افمجبول انت حين قال عليه السلم « بالتميز الذي خولني » لانه ( لانه يري خل ) القول بأن العباد لا مدخل لهم في الافعال فاستقوي رأيه بقوله عليه السلم بما خولني فسأله افمجبول انت ليقرر ما رءاه فعلم عليه السلم ذلك منه فبين فساد رأيه بما مر .
ثم ذكر عليه السلم طريق المعرفة المسئول عنها من باب الاستدلال بالاثار علي وجود الصانع سبحانه لانه مقام نجدة فقال عليه السلم : فعلمت [ص 219] ان الله تعالي قديم باق و ما دونه حادث زايل و ليس القديم الباقي كالحديث الزايل ه .
يعني اني نظرت الي ما وقع عليه شئ من حواسي و بصائري فلماجد الا ما هو مصنوع ظاهر الصنع محتاج الي صانع لاتجوز عليه صفات المصنوعين و الا لاحتاج الي صانع فعلمت بوجود المصنوع الزائل وجود القديم الباقي .
فقال نجدة اصبحت حكيما يا اميرالمؤمنين قال اصبحت مخيرا فان اتيت بالسيئة مكان الحسنة فانا المعاقب عليها .
لعل نجدة هذا هو ابنعامر من بنيحنيفة خارجي و قال نجدة ذلك تنبيها له عليه السلم علي انه مدع و ذلك لسوء ظنه به فاجابه عليه السلم بقوله « اصبحت مخيرا » الخ و هذا الجواب ينفي ما يتوهمه نجدة مما يوجب الجبر و يثبت التخيير الذي لاينافي الحكمة الخلقية و لايخرج به عن العبودية بل هو حقيقة الصدق .
ثم قال عليه السلم : و روي عن اميرالمؤمنين عليه السلم انه قال لرجل سأله بعد انصرافه فقال يا اميرالمؤمنين اخبرنا عن خروجنا الي الشام بقضاء و قدر قال نعم يا شيخ ماعلوتم تلعة و لاهبطتم واديا الا بقضاء و قدر من الله فقال الشيخ احتسب عنائي يا اميرالمؤمنين .
يعني ان كان ما كان منا بقضاء و قدر من الله فلانستحق ثوابا علي ما اصابنا من العناء لانا لسنا بفاعلين .
فقال عليه السلم يا شيخ فان الله قد عظم اجوركم في مسيركم و انتم سائرون و في مقامكم و انتم مقيمون و في انصرافكم و انتم منصرفون و لميكونوا في شئ من اموركم مكرهين و لا اليه مضطرين لعلك ظننت انه قضاء حتم و قدر لازم ، حتي لايكون لك اختيار في شئ و لا مدخل لك [ص 220] في فعلك لو كان الامر كذلك لميستوجب المطيع ثوابا و لا العاصي عقابا بل يستحق العاصي ثوابا لانه انما عصي بغير اختياره و لولا الجبر لميعص فهو مطيع و يستحق المطيع عقابا لانه اطاع مجبورا و لولا الجبر لميطع فهو عاص و هو قوله عليه السلم : لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب و لسقط الوعد و الوعيد و لماالزمت الاسماء اهلها علي الحقايق ، يعني اذا لميكن للعبد مدخل في الفعل بطل الثواب و العقاب لعدم امكان تعلقهما بشئ اذ الثواب للمطيع فاذا لميستحقه لعدم الموجب سقط و كذا العقاب فاذا كان كذلك كان الوعد و الوعيد لغوا فيسقطان و لماسمي المطيع مطيعا و العاصي عاصيا و المؤمن مؤمنا و الكافر كافرا فلاتجري الاسماء علي الحقايق فلاتكون الاسماء اسماء لان الاسماء انما الزمت اهلها علي الحقايق لانهم تحققوا باحداث تلك المصادر بفتح همزة احداث جمع حدث و تلك الاحداث هي مبادي تلك الاسماء و مصادرها حقيقة .
قال عليه السلم : ذلك مقالة عبدة الاوثان و اولياء الشيطان ان الله امر تخييرا و نهي تحذيرا .
يعني انه تعالي امر عباده امرا غير ملجأ للفعل و ذلك اللطف و العون منه لعباده الصالحين و ليس المراد بالامر الامر بالمعروف عند العامة و الا لميجب واجب بعينه لانه سبحانه خيره فيه او جبره عليه و نهي التحذير هو الخذلان و التخلية من يده اعوذ بالله من سخط الله لايقال ان التخلية و الخذلان يلزم منهما استقلال العبد في المعاصي لانا نقول ان المعاصي كما مر عدمية لانها من المهية و ليس لها حظ في الوجود و انما دخلت في الوجود بالتبعية كالظل في [ص 221] تحققه بالشيئية في الوجود بتبعية النور من الشمس فالظل يستمد من منع الاضائة و النور يستمد من الاضائة فاستمداد الظل من خذلان الشمس و استمداد النور من فيض الشمس و مددها و عونها فالطاعة بعون الله و المعصية بخذلان الله تعالي فافهم .
ثم قال عليه السلم : و لميطع مكرها و لميعص مغلوبا و لميخلق السموات ( السماء خل ) و الارض و ما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ه .
قوله « ان الله لميطع مكرها » يطع مبني للمجهول و مكرها اسم فاعل حال من الضمير في يطع نايب فاعله يعود الي الله يعني ان الله لميطعه احد من خلقه مجبورا علي الطاعة لان الطاعة كما مر لايتحقق الا مع الاختيار و تمكنه من المعصية فلميطع سبحانه مكرها لوجهين احدهما ان الطاعة لاتتحقق مع الاكراه عليها و ثانيهما ان كل ممكن من عين او معني مجرد او غير مجرد فانما يعبد الله بحسب قابليته منه و يجري عليه احكامه و قدره و قضاءه بحسب تلك القابلية فاذا جاء الخطاب سواء كان الخطاب الاول الذي هو الفيض و الماء المنزل علي ارض القابليات الارض الجرز الميتة و هو التكليف الاول او الخطاب الثاني هو التكليف الثاني فاذا جاء الخطاب و وقع علي الارض الميتة فالبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه و الذي خبث لايخرج الا نكدا فمن قبل عبد الله بذلك و هو حينئذ قابل مختار كما تقدم سابقا و من لميقبل عبد الله بذلك و هو حينئذ قابل مختار فالاول سلك طريق الفضل و الرحمة فيتصف بمقتضاهما و الثاني سلك طريق العدل و النقمة ( النعمة خل ) فيتصف بصفتهما ( بمقتضاهما خل ) و هذا القسمان هما نقيضان ( القبضتان خل ) فتمايز الفريقان و في الدعاء [ص 222] لايخالف شئ منها محبتك ، يعني المخلوقات كلها ، و قوله تعالي و لله يسجد ما في السموات و الارض طوعا و كرها فان المراد بالكره الزامها ما قبلت من حكمه و طلبت من قسمه فافهم و قد مضي ما يبين هذا في عدة مواضع فراجعه لتفهم انه انما حكم عليها بما قبلت من حكمه فظهر ان الله لميطع مكرها .
و قوله « و لميعص مغلوبا » يعني ماتقع المعصية الا ما توافق الارادة التي ذكرنا سابقا انها بالعرض لان وجود المعصية من تمام قابلية الطاعة للوجود فتشاء المعصية لتتحقق الطاعة فلايعصي مغلوبا انما يعصي بمشيته و ارادته و قدره و قضائه و اذنه و كتابه و تأجيله كما دلت عليه الاخبار عن الائمة الاطهار .
و قوله « و لميخلق السموات ( السماء خل ) و الارض و ما بينهما باطلا » يعني كما زعمه الاشعري الذي ينفي الاصلح و الغرض من فعله لانه تعالي يقول افحسبتم انما خلقناكم عبثا ، و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و الحمد لله رب العالمين .
فقام الشيخ فقبل رأس اميرالمؤمنين عليه السلم و انشأ يقول :
انت الامام الذي نرجو بطاعته يوم النجاة من الرحمن غفرانا
اوضحت من ديننا ما كان ملتبسا جزاك ربك عنا فيه رضوانا
فليس معذرة في فعل فاحشة عندي لراكبها ظلما و عدوانا
فدل قول اميرالمؤمنين عليه السلم علي موافقة الكتاب و نفي الجبر و التفويض اللذين يلزمان من دان بهما و تقلدهما الباطل و الكفر و التكذيب نعوذ بالله من الكفر و الضلالة .
و هذا الكلام ظاهر .
فقال عليه السلم : و مثل الاختيار بالطاعة مثل رجل ملك عبيدا كثيرة و احب [ص 223] ان يختبر عبدا علي علم منه بما يؤل اليه فملكه من ماله ما احب و اوقفه علي امور يعرفها العبد فامره ان يصرف ذلك المال فيه و نهاه عن اشياء لميحبها و تقدم اليه ان يجتنبها و لاينفق من ماله فيها و المال ينصرف في اي الوجهين ففرق المال احدهما في اتباع امر المولي و رضاه و الاخر في اتباع نهيه و سخطه و اسكنه دار اختيار مع علمه انه غير دائم السكني و ان له دارا غيرها و هو مخرجه اليها فيها ثواب و عقاب دائمان فاذا انفد العبد المال الذي ملكه مولاه في الوجه الذي امره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي اعلمه انه مخرجه اليها و ان انفق المال في الوجه الذي نهاه عن انفاقه فيه جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود و قد حد المولي في ذلك حدا معروفا و هذا المسكن الذي اسكنه في الدار الاولي فاذا بلغ الحد استبدل المولي ذلك المال و الجأ ( ابي خل ) العبد علي انه لمينزل مالكا للمال و العبد في الاوقات كلها الا انه وجد الايسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الاولي التي لايستقيم سكناه فيها الا به وفي له لان من صفات مولي ( المولي خل ) العبد العدل و الوفاء و النصفة و الحكمة ليس يجب ان كان ذلك صرف ذلك المال في الوجه المأمور به ان يفي له بما وعده من الثواب و تفضل عليه بأن استعمله في دار فانية و اثابه علي طاعته فيها نعيما دائما في دار باقية دائمة و ان صرف العبد المال الذي ملكه اياه ايام سكناه تلك الدار في الوجه المنهي عنه و خالف امر موليه تجب عليه العقوبة الدائمة التي حذره اياها غير ظالم له لما تقدم اليه و اعلمه و صرفه و اوجب له الوفاء [ص 224] بوعده و وعيده بذلك يوصف القادر القاهر اما المولي فهو الله عز و جل و اما العبد فهو ابن ادم المخلوق و المال قدرة الله الواسعة و محبته اظهار الحكمة و القدرة و الدار الفانية هي الدنيا و بعض المال الذي ملكه مولاه هو الاستطاعة التي يملكها ابن ادم و الامور التي امر الله بصرف المال اليها هو الاستطاعة لاتباع الانبياء و الاقرار بما ادوه عن الله عز و جل و اجتناب الاشياء التي نهي عنها طرق ابليس و اما وعده فالنعيم الدائم و هي الجنة الماوي و اما الدار الفانية فهي الدنيا و اما الدار الاخري فهي الباقية و هي الاخرة .
اقول كلامه عليه السلم هذا لايحتاج الي بيان .
ثم انه عليه السلم شرع في بيان قول جده الصادق عليه السلم الذي ذكره سابقا و اتي لذلك بتوطئة ( بتوطئته خل ) فقال عليه السلم : و القول بين الجبر و الاختيار و الامتحان و البلوي بالاستطاعة التي يملكها العبد فانا نبدء من ذلك بقول الصادق عليه السلم لا جبر و لا تفويض بل ( و لكن خل ) منزلة بين المنزلتين و شرط في الاشياء الخمسة التي ذكرها و جمعت جوامع الفضل ه .
و المراد بالخمسة الاشياء التي سبق ذكرها صحة الخلقة و تخلية السرب و المهلة و الزاد و الراحلة و السبب المهيج للفاعل فانها قد جمعت لابن ادم جوامع الفضل و التكريم قال تعالي لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم .
ثم قال عليه السلم : و انا افسرها لك بشواهد من القران و البيان ان شاء الله تفسير الصحة اما قول الصادق عليه السلم فان معني كمال الخلق الانساني كمال الحواس و ثبات العقل و التمييز و اطلاق اللسان بالنطق و ذلك قول الله تعالي و لقد كرمنا بني ادم و حملناهم في [ص 225] البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا فقد اخبر جل و عز عن تفضيله بني ادم علي ساير خلقه من البهايم و السباع و دواب البحر و كل ذي حركة تدركه حواس بني ادم بتمييز العقل و النقل ( النطق خل ) و بقوله لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم و قوله يا ايها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسويك فعدلك في اي صورة ما شاء ركبك في ايات كثيرة ه ،
اي ذكر الله تفضيل ادم علي ساير خلقه في ايات كثيرة .
ثم قال عليه السلم : فاول نعمة الله علي الانسان صحة عقله و تفضيله علي كثير من خلقه لكمال العقل و تمييز البيان فمن اجل النطق ملك الله ابن ادم غيره من الخلق حتي صار آمرا باختياره ،
و ذلك لكمال جامعيته كان مختارا و كان مملكا قال تعالي خلق لكم ما في الارض و قال تعالي فجعلناه سميعا بصيرا .
ثم قال عليه السلم : و غيره مسخر له ( له كما خل ) قال الله تعالي كذلك سخرناها لكم لتكبروا الله علي ما هديكم و قال هو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا و تستخرجوا منه حلية تلبسونها و قال و الانعام خلقها لكم فيها دفء و منافع و منها تأكلون و لكم فيها جمال حين تريحون و حين تسرحون و تحمل اثقالكم الي بلد لمتكونوا بالغيه الا بشق الانفس فمن اجل ذلك ، اي من اجل العقل و التميز الذي ركب فيه ، دعا الله الانسان الي اتباع امره و الي طاعته بتفضيله اياه باستواء الخلق و كمال النطق و المعرفة .
قوله (ع) « باستواء الخلق » يعني به انه اول المظاهر الربوبية و هو مواقع النجوم الالهية قلبه عرش الرحمن و صدره الكتاب المسطور اجتمعت فيه شئون [ص 226] الربوبية فلذلك قال الله تعالي خلقتك لاجلي و خلقت الاشياء لاجلك باطنك انا و ظاهرك للفناء ه ، فظهر كما تري باستواء الخلق و كمال النطق الذي هو منبع النزاهة و الحكمة الالهية و هما له خاصيتان و فيه فكر و ذكر و علم و حلم ( عمل خل ) و نباهة و بالمعرفة و هي نور الله الذي ظهر به لمن شاء ان يعرفه فعرفه به .
ثم قال عليه السلم : بعد ان ملكهم استطاعة ما كان تعبدهم به بقوله فاتقوا الله ما استطعتم و اسمعوا و اطيعوا و قوله لايكلف الله نفسا الا وسعها و قوله لايكلف الله نفسا الا ما اتيها في ايات كثيرة .
يعني ذكر تمليكه استطاعة ما تعبدهم به .
ثم قال عليه السلم : فاذا سلب العبد حاسة من حواسه رفع العمل عنه بحاسته كقوله تعالي ليس علي الاعمي حرج و لا علي الاعرج حرج الاية ، تقدر الرفع عن كل من كان بهذه الصفة الجهاد و جميع الاعمال التي لايقوم بها و كذلك اوجب علي ذي اليسار الحج و الزكوة لما ملكه استطاعة ذلك و لميوجب علي الفقير الزكوة و الحج بقوله و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و قوله في الظهار و الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة الي قوله فمن لميستطع فاطعام ستين مسكينا كل ذلك دليل علي ان الله لميكلف عباده الا ما ملكهم استطاعته بقوة العمل به و نهيهم عن مثل ذلك فهذه صحة الخلقة .
اقول ان بيانه عليه السلم ظاهر لايحتاج الي البيان .
و بعد ان فرغ عليه السلم من شرح صحة الخلقة شرع في بيان تخلية السرب فقال عليه السلم : و اما تخلية السرب فهو الذي ليس عليه رقيب يحظر عليه و يمنعه ( يمنعه العمل بما امره الله به و ذلك [ص 227] قوله فمن استضعف و حظر عليه خل ) العمل فلميجد حيلة و لميهتد سبيلا من الرجال و النساء و الولدان لايستطيعون حيلة و لايهتدون سبيلا فاخبر ان المستضعف لمتخل سربه و ليس عليه من القول شئ اذا كان مطمئن القلب بالايمان .
يعني ان المستضعف من جهة منع السرب لايكلف ما يتوقف فعله علي تخلية السرب اذا كان مطمئن القلب بالايمان اي اذا عقل انه واجب عليه مكلف به و اما اذا لميكن كامل العقل بحيث لميفهم التكليف فان السقوط عنه من جهة عدم التمييز و العقل لا من جهة عدم تخلية السرب .
و لما فرغ (ع) من الشرط الثاني شرع في ( في بيان خل ) الشرط الثالث فقال عليه السلم : و اما المهلة في الوقت فهو العمر الذي يتمتع به الانسان من حده تجب عليه المعرفة الي اجل الوقت و ذلك من وقت تمييزه ( تميزه خل ) و بلوغ الحلم الي ان يأتيه اجله .
قد تقدم بيان المهلة في الوقت و هو في كل بحسبه ان كان العمل معرفة فوقته السرمد و ان كان معقولا كاليقين فوقته الدهر و كالعلم و ان كان محسوسا فوقته الزمان و المهلة في العمل بقدر العمل و ما يتوقف عليه من الشروط فانها معتبرة في شروط ( شمول خل ) المهلة لها فان كان علما فاعتبار المهلة في الوقت هو حصول انتقاش تلك الصور في لوح الخيال و ما تعدد ( تقدر خل ) بذلك من الاشباح لاتعلم العلم بهذه الالفاظ و ما هو من المحسوسات فان المهلة فيه بالزمان فان كان معقولا فالمهلة في الدهر هو قيام المعني في تعقل العاقل و ما تقوم ( تقدر خل ) به ذلك من الاذرع و اما في مقام المعرفة و يعني بالمعرفة معرفة الخواص التي هي كشف سبحات الجلال من غير اشارة [ص 228] فالمهلة في ذلك صحو المعلوم و محو الموهوم و ما تفرد هنالك من المقامات فمقادر الصور اشبار في الدهر و تقومات المعاني اذرع في الدهر ايضا الا ان الاذرع ميامنه و الاشبار مياسره و مقامات صحو المعلوم قامات في السرمد و لكل مبدء و لكل منتهي و ماتدري نفس بأي ارض تموت .
ثم قال عليه السلم : فمن مات علي طلب الحق و لميدرك كماله فهو علي خير و ذلك قوله تعالي و من يخرج من بيته مهاجرا الي الله و رسوله الاية ، و ان كان لميعمل بكمال شرايعه لعلة ما لميمهله في الوقت الي استتمام امره و قد حظر علي البالغ ما لميحظر علي الطفل اذا لميبلغ الحلم في قوله تعالي و قل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن و يحفظن الاية ، فلميجعل عليهن حرجا في ابداء الزينة للطفل كذلك لاتجري عليه الاحكام .
قوله عليه السلم « فمن مات » الخ ، يعني به ان انحاء الحق كثيرة و مراتب الكمالات متفاوتة متعددة لاتكاد شخص يتحقق بها دفعة لقول سيد البشر محمد صلي الله عليه و آله عن امر الله تعالي و قل رب زدني علما و قولهم عليهم السلم لو لمنزد لنفد ما عندنا ، لان الممكن محتاج الي المؤثر في كل حال فهو ابدا جديد متجدد نعم قد يطلب شيئا من الحق فمن ادركه فذلك و الا فان مات علي طلبه و لميدرك كماله فهو علي خير و استدل بالاية الشريفة ، ثم قال عليه السلم « و ان لميعمل بكمال شرايعه لعلة ما لميمهله من الوقت الي استتمام امره » لانه من جهة نقص في عقله او شئ من الشروط الخمسة المتقدمة غير الامهال من الوقت فاذا لميمهله و لميقصر في شئ يكون مانعا منه من [ص 229] قبله الا ضيق الوقت فهو معذور و قد وقع اجره علي الله ، ثم بين (ع) انه لايكلف الا دون الوسع و من يحتمل التكليف فقال عليه السلم « و قد حظر علي البالغ ما لميحظر علي الطفل اذا لميبلغ الحلم » الخ ، و هذا ظاهر .