و اما الحديث الثاني فرواه احمد بن حنبل في مسنده بعدة طرق و في صحيحي مسلم و البخاري من عدة طرق و في غيرهما كذلك ان النبي صلي الله عليه و اله لما خرج الي تبوك استخلف علي المدينة و علي اهله فقال علي عليه السلم و ماكنت اوثر ان تخرج في وجه الا و انا معك فقال اماترضي بأن تكون مني بمنزلة هرون من موسي الا انه لا نبي بعدي و عن جابر بن عبدالله عن النبي صلي الله عليه و اله انه قال اماترضي ان تكون ( قال لعلي انت مني خل ) بمنزلة هرون من موسي الا انه لا نبي بعدي و لو كان لكنته ، عن سعد بن ابيوقاص عن النبي صلي الله عليه و اله انه قال اماترضي ان تكون بمنزلة هرون من موسي غير انه لا نبي بعدي و روي زيد بن علي عن ابيه عن جده عن علي عليه السلم قال قال رسول الله صلي الله عليه و اله و شكوت اليه ما القي من حسد الناس فقال اماترضي ان تكون اخي في الدنيا و الاخرة و صاحب لوائي في الدنيا و الاخرة و ان تكون مني بمنزلة هرون من موسي الا انه لا نبي بعدي الخبر و نحوه عنه ايضا الا ان في اخره و انت اولي الناس بامتي بعدي من تولاك فقد تولاني و من عاداك فقد عاداني و مثله الي ان قال والله انت مني بمنزلة هرون من موسي و لاينطق ( ماينطق خل ) عن الهوي و عن عامر بن سعد اني لمع ابي اذ تبعنا رجل في قلبه علي علي عليه السلم بغض بعض الشئ فقال يا ابااسحق ما حديث [ص 172] يذكره الناس عن علي عليه السلم قال و ما هو قال انت مني كمكان هرون من موسي قال نعم سمعت هذا من رسول الله صلي الله عليه و اله يقول لعلي عليه السلم انت مني كمكان هرون من موسي قال الرجل انت سمعت هذا من رسول الله صلي الله عليه و اله قال نعم و ماتنكر ان يقول رسول الله صلي الله عليه و اله لعلي هذا و افضل و مثل هذا حديث عبدخير الحميري عن علي عليه السلم قال اقبل صخر بن حرب حتي جلس الي رسول الله صلي الله عليه و آله قال الامر بعدك لمن قال لمن هو مني بمنزلة هرون من موسي فانزل الله عم يتساءلون يعني يسألك اهل مكة عن خلافة علي بن ابيطالب عليه السلم عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون فمنهم المصدق و منهم المكذب بولايته كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون و هو رد عليهم سيعرفون خلافته انها حق و يسئلون عنها في قبورهم فلايبقي ميت منهم في شرق و لا غرب و لا بر و لا بحر الا و منكر و نكير يسألانه يقولان للميت من ربك و ما دينك و من نبيك و من امامك و كان علي عليه السلم يقول لاصحابه انا والله النبأ العظيم الذي اختلفت ( اختلف خل ) في جميع الامم والله ما لله نبأ اعظم مني و لا لله اية اعظم مني ، فانظر الي هذا الحديث الذي رواه عبدخير الصحابي و ما اشتمل عليه من النص ، و روي ايضا حديث المنزلة سعد بن مالك و رواه سعد بن ابرهيم بن سعد و روته عايشة بنت سعد و روته اسماء بنت عميس و سعيد بن المسيب و ابوسعيد الخدري و عامر بن سعد عن ابيه سعد و غيرهم ممن لايحتمل تواطؤهم علي الكذب فهو [ص 173] متواتر معني عند اهل الحديث و التواريخ ( التاريخ خل ) و ذكر ابن ابيجمهور الاحسائي محمد بن علي رحمه الله في كتابه المجلي و قال و يوم حديث المنزلة من المقامات المعلومة في سير المحدثين و عند ساير الرواة اجمعين و هو يوم غزاة تبوك و قد ارجف المنافقون به لما استخلفه علي المدينة و فاتهم ما دبروه بجلوسه فيها فقال عليه السلم خلفتني علي النساء و الصبيان فقال النبي صلي الله عليه و آله له عليه السلم الاترضي ان تكون مني بمنزلة هرون من موسي الا انه لا نبي بعدي اثبت له عليه السلم جميع المنازل التي كانت لهرون من موسي (ع) و استثني منه شركته في النبوة و لاجل ان هرون كان شريكا لاخيه فيها و اخوة النسب لميحتج الي استثنائها لفظا لاستثنائها عقلا و لا ريب في ثبوت الولاية لهرون كما هي لموسي (ع) فتكون ثابتة لعلي ( لعلي عليه السلم كما هي رتبة ثابتة للرسول صلي الله عليه و آله و ذلك قطعي فان قيل ان الولاية الثابتة لعلي خل ) عليه السلم ان كانت هي التي كانت لهرون في حيوة اخيه فمعلوم انها ليست لعلي عليه السلم لانه لا ولاية في حيوة النبي صلي الله عليه و آله و ان كانت هي التي له بعد موته فذلك لا معني له لان هرون مات قبل اخيه و لا ولاية له بعد موت اخيه ضرورة قلنا ان الولاية الثابتة له عليه السلم هي الولاية الثابتة لهرون في حيوته و يكون علي عليه السلم وليا للامة في حيوة الرسول صلي الله عليه و آله كما كان هرون كذلك من غير فرق فان مقام الولاية الخاصة غير مقام النبوة و اذا صح اجتماع مقام النبوة مع مثلها فالان ( فلان خل ) [ص 174] يصح اجتماع مقام الولاية معها اولي و لما مات هرون انتفت ولايته لا بالعزل عنها من الله لان من وليه الله لايصح ان يعزله لعدم جواز البداء عليه لانه لايوالي ( لايولي خل ) الا من علم استحقاقه لها باشتماله علي الاعتدال الحقيقي الموجب للعصمة و جميع الاوصاف الكمالية و ثبوته علي الصراط المستقيم فلايصح ان يتغير عن هذه الصفات لاستحالة تغير علمه تعالي و انما انتفت ولاية هرون بالموت و الانتقال عن دار التكليف و علي عليه السلم عاش بعد رسول الله صلي الله عليه و آله قطعا فلا موجب لزوال ولايته و لا مقتضي لانتفائها و لا موجب لعزله عنها انتهي ، و انا اوردت كلامه اعلي الله مقامه لاشتماله علي الجواب عن الاعتراض الوارد علي الحديث في عموم المنزلة و جوابه و ان كان كافيا في ذاك لكنه ليس بذلك مع ان فيه تعليلات عليلة و تحقيقات متهافتة لاتليق من مثله و لكن خوف طول الكلام يمنع عن بيان ذلك و الاتيان بحقيقة البيان .
و قال عليه السلم : و وجدناه يقول صلي الله عليه و آله علي (ع) يقضي ديني و ينجز موعدي و هو خليفتي عليكم من بعدي ، الخ .
و هذا الخبر جعله عليه السلم مؤيدا لتلك المقدمة و به تمامها و هو مما لا اشكال فيه فقد رواه المؤالف و المخالف بطرق عديدة و عبارات مختلفة و هي مع ذلك متفقة المعني بحيث كان من المتواتر و لكثرة رواته و اختلاف عباراته و تقديم بعضها علي بعض و بالزيادة و النقيصة لاتكاد تجد منكرا له بل اما محتجا به او مأولا له مثل الخبر الذي قبله .
ثم قال عليه السلام : فالخبر الذي استنبط منه هذه الاخبار خبر صحيح [ص 175] مجمع عليه لا اختلاف فيه عندهم و هو موافق للكتاب ( للكتاب فلما شهد الكتاب خل ) بتصديق الخبر و هذه الشواهد الاخر لزم الامة الاقرار بها ضرورة اذ كانت هذه الاخبار شواهدها من القران ناطقة و وافقت القران و القران وافقها .
قوله عليه السلم « فالخبر الذي استنبط منه » الخ ، يمكن ان يكون المراد منه ان الخبر الذي هو اصل لهذه الاخبار المسلمة المجمع عليها التي وافقت الفرقان و وافقها و هذه الاخبار فروع منه صحيح مجمع ( مجمع عليه خل ) و الا لمااجمع علي ما تفرع عليه و ذلك الخبر هو المشتمل علي معاني هذه الاخبار الاربعة او هو الاول و هذه الثلاثة فروعه كما يدل عليه ظاهر اللفظ و ان يكون المراد ان الخبر المستنبط من هذه الاخبار المجمع عليها صحيح مجمع عليه و المراد به المعني و قوله « استنبط منه هذه الاخبار » من باب القلب الا ان سياق الكلام يدل علي الثاني من الاول يعني ان المراد به الخبر الاول و ان استنباطها منه كونه اسبق في تأسيس الولاية فتكون بعد تواتره و دلالتها علي معناه مستنبطة منه و ان كان كل واحد من هذه الاخبار متواترا مجمعا عليه لايحتاج في تحققه الي شئ منها و لا الي تصديق الكتاب و انما رتب ذلك نورا علي نور و تعليما للاستدلال بالكتاب و الاخبار و مثل بالامور الضرورية لانها ابعد عن المعارضة و امنع للاحتمال الزاما للمعاندين و افحاما للمكذبين ، و لاجل انه وجده من دون تصديق الكتاب حجة تامة قال « لا اختلاف فيه عندهم » و قال « و هو ايضا موافق للكتاب » يعني انه زيادة علي ما هو عليه من اليقين موافق للكتاب قد شهد بتصديقه كما مر و له شواهد من الاخبار مثله في [ص 176] التواتر و الاجماع عليهما فلو ( فلما خل ) كان ضروريا مجمعا عليه و شهد الكتاب بتصديقه و شهدت له اخبار مجمع عليها لزم الامة الاقرار بها ضرورة .
و قوله عليه السلم « اذ كانت هذه الاخبار شواهدها من القران ناطقة و وافقت القران و القران وافقها » مع انها مستقلة في الدلالة و الحجة يعني به انه اذا كان هذا حالها و شواهدها من القران استقبح ردها لانه رد للقران و هو كفر و اما رد الضروري فقد لايكون كفرا فلاجل ذلك علل لزوم الاقرار بكون شواهدها من القران ثم لما كان النبي صلي الله عليه و آله قد احكم العبارة عما اراد من نصب الولي علما و اماما بحيث لايجد احد ملجأ لصرف الحديث صحيحا تأولوا بعض الالفاظ بعد ان ظهر لهم غير مرة ان ما تأولوا غير مقصود لله و لا لرسوله و نصب صلي الله عليه و آله شواهد لنفي ذلك الاحتمال كما نصب الله في كتابه شواهد لنفي احتمال القاء الشيطان و هو قول الله تعالي فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله اياته الاية ، و ذلك لما نظروا الحديث الاول و اذا هو مستفيض متواتر لا حيلة في انكاره قالوا ان قوله صلي الله عليه و آله و عترتي المراد بعترته (ص) اهله الادنون و عشيرته الاقربون فلا دلالة ( فالدلالة خل ) في ذلك علي المدعي و هو كما تري تغطية للشمس الطالعة بالذرة لانهم ان ارادوا انها تطلق علي ذلك لغة كما زعموا فلايضرنا ذلك لو سلمناه علي ان شارح الشاطبية ذكر في قوله و عترته ثم الصحابة اهل البيت قال العترة ما يبقي في الارض من الشجرة بعد قطعها فتنبت فروعا و عترة الرجل اقاربه فاذا كان العترة ما بقي من الشجرة لميكن [ص 177] العشيرة من العترة و ليست العشيرة من اقارب الرجل الا اذا فسرت ببني ابيه الادنين لا اذا فسرت بقبيلته و ان ارادوا ان النبي صلي الله عليه و آله اراد ذلك فقد الحدوا لان رسول الله صلي الله عليه و آله قد بين ذلك بقوله اهل بيتي و هم قد اقروا ان احد معنيي العترة اهله الادنون فخصص بذلك لذلك ثم انه بين اهل البيت (ع) و خصصهم في حديث الكساء الذي رواه الخاصة و العامة بحيث لايختلف فيه مختلف حيث يقول اللهم ان هؤلاء اهل بيتي حتي ان امسلمة لميدخلها النبي صلي الله عليه و آله فيهم مع انها من عياله و اخبرها انها الي خير فانزل الله فيهم قرانا انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت الاية ، شهادة منه سبحانه لهم بانهم اهل البيت لا سواهم ثم انه صلي الله عليه و آله ابان بالتنصيص علي التخصيص فقال من كنت مولاه فعلي مولاه و من كنت وليه فعلي وليه و انت مني بمنزلة هرون من موسي ، علي يقضي ديني و ينجز موعدي و هو خليفتي عليكم من بعدي ، الي غير ذلك و ليس كل الاهل و الاولاد في الحقيقة كذلك لان الله يقول فمن تبعني فانه مني ، انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح لان حقيقة الابوة و البنوة انما هي من جهة الارواح لا من جهة الاجساد و علي عليه السلم من اهله الادنين و اقربهم و الصق به صلي الله عليه و آله من اولاده فقال انت مني بمنزلة الروح من الجسد و قال انت مني بمنزلة الرأس من الجسد و قال انت نفسي التي بين جنبي و قال صلي الله عليه و آله كنت انا و علي من نور واحد و قال الله تعالي تصديقا لذلك [ص 178] و انفسنا و انفسكم فهو عليه السلم قسيم ( قسيم النبي و خل ) نفسه و شقيق روحه و اخوه لكونهما رضعا من ثدي الفيض الاعلي و صاحبه في كل موطن في معراجه و في منهاجه و في حروبه و في نسكه و ولده الحقيقي ارضعه من اصبعه و سقاه اخلاقه و خلقه باخلاقه و ارضعه من ثدي علومه و رباه في حجره الي غير ذلك آه ثم آه ثم آه كيف يعدل عنه و اني يعدل به تالله ليكونن في حقه غدا تأويل هذه الاية و هي قوله تعالي تالله ان كنا لفي ضلال مبين اذ نسويكم برب العالمين فعلي عليه السلام هو الٰال و هو اول الٰال و اليه آل باقي الٰال صلي الله عليه و عليهم اجمعين .
ثم انه عليه السلم لما بين الدلايل الدالة علي ولايتهم اورد الدلايل الدالة صريحا علي البراءة من اعدائهم لان كلا من الامرين مقرون بالاخر كالصلوة و الزكوة لاتقبل الصلوة الا باداء الزكوة قال عليه السلم « فمن منع درهما من الزكوة فليس بمؤمن و لا مسلم و لا كرامة » .
فقال عليه السلم : ثم وردت حقايق الاخبار عن الرسول صلي الله عليه و آله عن الصادقين عليهما السلم نقلها قوم ثقات معروفون فصار الاقتداء بهذه الاخبار فرضا واجبا علي كل مؤمن و مؤمنة لايتعداه الا اهل العناد و ذلك ان اقاويل الرسول (ص) متصلة بقول الله ( بقوله خل ) تعالي و ذلك مثل قوله في محكم كتابه ان الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الاخرة و اعد لهم عذابا مهينا وجدنا نظير هذه الاية قول رسول الله صلي الله عليه و آله من آذي عليا فقد آذاني و من آذاني فقد آذي الله و من آذي الله فقد يوشك ان ينتقم منه و كذلك قوله صلي الله عليه و [ص 179] آله من احب عليا فقد احبني و من احبني فقد احب الله تعالي و مثل قوله في بنيوليعة لابعثن اليهم رجلا كنفسي يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله قم يا علي فسر اليهم و قوله (ص) يوم خيبر لابعثن اليهم غدا رجلا كنفسي يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله كرارا غير فرار لايرجع حتي يفتح الله عليه فقضي رسول الله صلي الله عليه و آله بالفتح قبل التوجه فاستشرق ( التوجيه فاستشرف خل ) لكلامه اصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله فلما كان من الغد دعا عليا فبعثه اليهم فاصطفيه بهذه المنقبة و سماه كرارا غير فرار و سماه محبا لله و رسوله و اخبر ان الله و رسوله يحبانه .
اقول كلامه هذا ظاهر و ان كان قد اومي فيه اشياء منها انه قد اسس سابقا في اثبات الولاية اصولا ضرورية فاسس في البرائة من اعدائهم اصولا مثل تلك مما رووه و تواتر و شهد القران بتصديقها فنبه بقوله « و ذلك ان اقاويل الرسول صلي الله عليه و آله متصلة بقول الله تعالي و ذلك مثل قوله تعالي ان الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الاخرة » الاية ، ثم قال عليه السلم « و وجدنا نظير هذه الاية قول رسول الله صلي الله عليه و آله من آذي عليا فقد آذاني و من آذاني فقد اٰذي الله الحديث ، كذلك قوله صلي الله عليه و آله فاطمة بضعة مني من اٰذاها فقد آذاني » فبين عليه السلم ما رتب رسول الله صلي الله عليه و آله مع قوله تعالي قياسا من الشكل الاول مقدماته مسلمة ضرورة ليظهر الحال علي ذلك المنوال فافهم . و بنو وليعة قال في القاموس بنو وليعة [ص 180] كسفينة حي من كندة و كندة بالكسر لقب عمرو بن عفير ابي حي من اليمن .
و قوله عليه السلم « فقضي رسول الله بالفتح قبل التوجيه » يريد به ان قضاء رسول الله صلي الله عليه و آله بالفتح في قوله (ص) يفتح الله عليه لو لميكن عن امر من الله بذلك لماقضي لان الله هو الذي ( الذي يقضي و خل ) لايقضي عليه ، و كذا اخباره صلي الله عليه و آله بانه يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله و ليس ذلك الا لاتباعه رسول الله صلي الله عليه و آله في كل حال قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فاذا احبه كان سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به الحديث ، و هذا من فروع الاصل الاول و من فروع الاصل الثاني مما طوي في استشهاده في الاية ان الذين يؤذون الله و رسوله و في الحديث قوله صلي الله عليه و آله من آذي عليا فقد آذاني يوم التبليغ ببرائة قول جبرئيل عن الله تعالي لايؤدي عنك الا انت او رجل منك و من لميكن منه لميتبعه فمن تبعني فانه مني .
و لما كان مراده عليه السلم من تقديم هذا الكلام الذي ليس مسئولا بيان بناء ذلك الفرع كما بيناه انفا علي هذا الاصل و لما قدمناه فلاحظ هناك و تم ما اصل علي اكمل وجه قال عليه السلم : و انما قدمنا هذا الشرح و البيان دليلا علي ما اوردنا و قوة لما نحن مبينوه من امر الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين و بالله العون و القوة و عليه نتوكل في جميع امورنا .
اقول لعمري قد ( لقد خل ) اشار الي المنزلة بين المنزلتين بما لا مزيد عليه و لكنه بالاشارة و هو قوله « و بالله العون و القوة » فنفي التفويض و قوله [ص 181] « عليه نتوكل » منزلة بين المنزلتين حيث قال « عليه » فادخل الجار الذي هو متعلق نتوكل علي ضمير الواجب سبحانه و اسند نتوكل الي نفسه الذي هو الخلق بمعني صدوره عنه ( منه خل ) متعلقا عليه سبحانه و قوله « في جميع امورنا » نفي للجبر فافهم .
و لما فرغ من التأسيس شرع في المطلوب فقال عليه السلم : فانا نبدء من ذلك بقول الصادق عليه السلم لا جبر و لا تفويض و لكن منزلة بين المنزلتين و هي صحة الخلقة و تخلية السرب و المهلة في الوقت و الزاد و الراحلة و السبب المهيج للفاعل علي فعله فهذه خمسة اشياء جمع الصادق عليه السلم مواقع الفعل فاذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنه مطروحا بحسبه فاخبر الصادق عليه السلم باصل ما يجب علي الناس من طلب معرفته و نطق به هذا الكتاب بتصديقه فشهد بذلك محكمات ايات رسوله (ص) لان الرسول صلي الله عليه و آله لايعدو شئ من قوله صلي الله عليه و آله و اقاويلهم عليهم السلم حدود القران فاذا وردت حقايق الاخبار و التمست شواهدها من التنزيل فوجد لها موافقا و عليها دليلا كان الاقتداء بها فرضا لايتعداه الا اهل العناد كما ذكرنا في اول الكتاب و لما التمسنا ما قاله الصادق عليه السلم من المنزلة بين المنزلتين و انكاره الجبر و التفويض وجدنا الكتاب قد شهد له و صدق مقالته في هذا .
فاقول و بالله المستعان ان قيل كيف استدل بكلام الصادق عليه السلم علي اثبات المنزلة بين المنزلتين و نفي الجبر و التفويض و ما قدم من المقدمة التي جعلها اساسا لهذا بدليل قوله عليه السلم « و انما قدمنا هذا [ص 182] الشرح و البيان دليلا علي ما اوردنا و قوة لما نحن مبينوه » الخ ، و ليس فيها ذكر دليل يدل الا علي وجوب الاقتداء بعلي عليه السلم دون الائمة عليهم السلم قلنا اذا ثبت امامة علي عليه السلم و عصمته و وجوب طاعته ثبت لولده عليهم السلم الي القائم عليه السلم ما ثبت له (ع) لانه قد نص علي ذلك عن الله و اوجب لهم عن الله و عن رسوله صلي الله عليه و آله ما وجب له فلا فرق في وجوب الاقتداء بهم و عصمتهم و في جميع ما يحتاج اليه الخلق من امور دينهم و دنياهم بينه و بينهم علي انه قد ذكر النص عما ( فيما خل ) مضي دالا عليهم مثل قوله صلي الله عليه و آله و عترتي اهل بيتي و لقد روي الخصم في النص عليهم عليهم السلم ما لاتكاد يحصر فمن ذلك ما رواه الشيخ الفقيه ابوالحسن محمد بن احمد بن علي بن الحسين بن شاذان عنهم بسنده عن ابيسليمان الراعي لرسول الله صلي الله عليه و آله قال سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول ليلة اسري به الي السماء قال لي الجليل جل جلاله امن الرسول بما انزل اليه من ربه قلت و المؤمنون قال صدقت يا محمد من خلفت في امتك قلت خيرها قال علي بن ابيطالب قلت نعم يا رب قال يا محمد اني اطلعت الي الارض اطلاعة فاخترتك منها فشققت لك اسما من اسمائي فلااذكر في موضع الا ذكرتك معي فانا المحمود و انت محمد ثم اطلعت الثانية منها فاخترت منها عليا و شققت له اسما من اسمائي فانا الاعلي و هو علي يا محمد اني خلقتك و خلقت عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الائمة من ولده من سنخ نور من نوري و عرضت ولايتكم علي [ص 183] اهل السموات و اهل الارضين فمن قبلها كان عندي من المؤمنين و من جحدها كان عندي من الكافرين يا محمد لو ان عبدا من عبيدي عبدني حتي ينقطع و يصير كالشن البالي ثم اتاني جاحدا لولايتكم ماغفرت له حتي يقر بولايتكم يا محمد ( محمد اتريد خل ) تحب ( او اتحب خل ) ان تريهم قلت نعم يا رب فقال ( فقال لي خل ) التفت عن يمين العرش فالتفت فاذا انا بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد و موسي بن جعفر و علي بن موسي و محمد بن علي و علي بن محمد و الحسن بن علي و محمد المهدي صلوات الله عليهم في ضحضاح من نور قيام يصلون و هو في وسطهم يعني المهدي يضيء كأنه كوكب دري فقال يا محمد هؤلاء الحجج و هذا الثائر الثاقب من عترتك و عزتي و جلالي لهو الحجة الواجبة لاوليائي و المنتقم من اعدائي بهم يمسك الله السموات ان تقع علي الارض الا باذنه ه ، و روي بسنده عن ابنعباس قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي انا مدينة الحكمة و انت يا علي بابها و لنتؤتي المدينة الا من قبل الباب و كذب من زعم انه يحبني و يبغضك لانك مني و انا منك لحمك من لحمي و دمك من دمي و روحك من روحي و سريرتك من سريرتي و علانيتك من علانيتي و انت امام امتي و خليفتي عليها من بعدي سعد من اطاعك و شقي من عصاك و ربح من تولاك و خسر من عاداك و فاز من لزمك و خسر من فارقك مثلك و مثل الائمة من ولدك مثل سفينة نوح من ركبها نجي و من تخلف عنها غرق و مثلكم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع [ص 184] نجم اخر الي يوم القيمة و روي بسنده عن ابنعباس ايضا قال سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول معاشر الناس اعلموا ان لله بابا من دخله امن من النار و من الفزع الاكبر فقام اليه ابوسعيد الخدري فقال يا رسول الله اهدنا الي هذا الباب حتي نعرفه قال هو علي بن ابيطالب سيد الوصيين و اميرالمؤمنين و اخو رسول رب العالمين و خليفة الله علي الناس اجمعين معاشر الناس من احب ان يتمسك بالعروة التي لا انفصام لها فليتمسك بولاية علي بن ابيطالب عليه السلم فان ولايته ولايتي و طاعته طاعتي معاشر الناس من احب ان يعرف الحجة بعدي فليعرف علي بن ابيطالب معاشر الناس من سره ان يقتدي بي فعليه ان يتولي بولاية علي بن ابيطالب عليه السلم بعدي و الائمة من ذريتي فانهم خزائن علمي فقام اليه جابر بن عبدالله الانصاري فقال يا رسول الله و ما عدة الائمة فقال (ص) يا جابر سألتني رحمك الله عن الاسلام باجمعه عدتهم عدة الشهور و هو عند الله اثنيعشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات و الارض و عدتهم عدة العيون التي انفجرت لموسي بن عمران حين ضرب بعصاه فانفجرت منه اثنتاعشرة عينا و عدتهم عدة نقباء بنياسرائيل قال الله تعالي و لقد اخذنا ميثاق بنياسرائيل و بعثنا منهم اثنيعشر نقيبا فالائمة يا جابر اثنيعشر اماما اولهم علي بن ابيطالب و اخرهم القائم عليهم السلم و روي ايضا عن سلمان المحمدي قال دخلت علي النبي صلي الله عليه و آله و اذا الحسين بن علي عليهما السلم علي فخذه و هو يقبل عينيه و [ص 185] يلثم فاه و هو يقول انت لسيد بن سيد ابو السادات و انت امام ابن امام ابو الائمة انت حجة ابن حجة ابو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم ه ، الي غير ذلك مما ورد في حقهم عليهم السلم بطريق الخصم و حيث كان هذا الامر مع شهرته لا اشكال فيه اقتصر عليه السلم علي اثباته من طريق الضرورة في حق الخصم في علي عليه السلم لدخول ذلك فيه عند الكل و لما فرغ من تمهيد ما ينبغي تمهيده للايضاح و الافصاح شرع ( شرع في المقصود خل ) من بيان المنزلة بين المنزلتين و استدل بكلام الصادق عليه السلم لجمعه لكل شروط المنزلة و لانه ابعد عن التوهم الحاصل من الخصم و ممن توهم صدقهم بأن يكون كلامه ليس من عنده ليكون اوقع في نفوسهم و ليعلموا ان هذا شئ كان عليه السلف المحقون و اقتفاهم الخلف علي ذلك و فسر عليه السلم المنزلة بهذه الخمسة الاشياء التي يلزم من حصولها و تحققها المنزلة بين المنزلتين و هي « صحة الخلقة » لئلايعزم المكلف علي الفعل فلايتمكن منه اذا اعوزته الالة اما بعدمها او بفسادها او بعدم صلوحها لضد ذلك الفعل لانه اذا لمتصلح الالة للضد لمتكن صالحة للفعل اذ وجود الضد لذي الضد من تمام قابلية ضده للوجود كما اشرنا اليه سابقا و فسرناه في رسالتنا الموضوعة في المسئلة ، و الثاني « تخلية السرب » و هو بفتح السين و بكسرها الطريق و المراد بتخلية الطريق الايكون له صاد عما يشتهيه من الفعل فيكون غير مختار ، و الثالث « المهلة في الوقت » بأن يكون وقت الفعل الذي يميل اليه يسع كل ما يحتاج اليه الفاعل في الفعل من الحركات و السكنات و [ص 186] الاسباب الي غير ذلك مما يتوقف الفعل عليه ، و الرابع « الزاد و الراحلة » اما الزاد فللقوت المستلزم عدمه لهدم البدن و تحلل القوي و الالات فالزاد ضروري له فهو شرط في البقاء للفعل مدة الفعل و ما يتوقف عليه و اما الراحلة فشرط في قطع المسافة التي يتوقف عليها الفعل ، و الخامس « السبب المهيج للفاعل علي الفعل » و حقيقته ميل تحرك الشهوة التي تركبت في الانسان يعني ميل وجوده الي بعض كمالاته او ميل ماهيته الي بعض كمالاتها ، فالشرط الاول في الغيب تمام الاقتضاء لما ( لما له خل ) في الامكان في كل رتبة بحسبها ، و الشرط الثاني الايحجبه من حجب الجلال حجاب بسبب تخليته من المدد و المراد بالمدد هنا ما به يقدر علي ما يراد منه كما قال عليه السلم جعل فيهم ما ان ( اذا خل ) سئلوا اجابوا ه ، و الشرط الثالث ما يسع ما يراد منه عند ارادته من الزمان و الدهر و السرمد ، و الشرط الرابع ما يتقوم به حيوة صدره من العلم و قلبه من اليقين و فؤاده من المعرفة فزاد الصدر العلم و راحلته مثاله و حسه المشترك و زاد قلبه اليقين و راحلته نفسه و خياله و زاد الفؤاد المعرفة و راحلته عقله و قلبه ، و الشرط الخامس شوق الاقتضاء لما له مما اقتضاه ، ثم لما كانت هذه الشروط موجودة بالحق لانها سبيل الله الي ايجاد افعالهم بهم ليجزي قوما بما كانوا يكسبون سيجزيهم وصفهم و سبيل الله الحق حق لميصح ان يخلق الا للحق و الطاعة و لما كانت الطاعة لاتكون من فاعلها طاعة الا اذا فعلها و ترك ضدها مع القدرة عليه و لا قدرة الا بهذه الشروط الخمسة فوجب في الحكمة ان تكون هذه [ص 187] الشروط الخمسة صالحة للمعصية ليتمكن منها و ان لمتكن مخلوقة لها بالذات فهي مخلوقة لها بالعرض لكون صلوحها للمعصية من تمام صلوحها للطاعة من حيث هي طاعة و الاصل في ذلك ان الوجود نور الله فهو من حيث كونه حقا بالله لا شيئية له و هو من حيث نفسه مهية لانها انفعال لايتحقق الفعل بدونه فالوجود شئ بالله و المهية شئ بالوجود فهي لمتشم رايحة الوجود و انما كانت بتبعية الوجود نعم الوجود لايتحقق بدونها لانه مصنوع و لايمكن ان يتقوم شئ فرد من المخلوقات الا مع اقترانه بضده و هو قوله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون و قال الرضا عليه السلم و لميجعل شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي اراد من الدلالة علي نفسه و اثبات وجوده و الله تعالي فرد واحد لا ثاني معه يقيمه و لايعضده و لايمسكه و الخلق يمسك بعضه بعضا باذن الله و مشيته الحديث ، فالمهية ظل الوجود و ما لها ظل لما له و لذلك قلنا ان الشروط للوجود بالذات و للمهية بالعرض ليصح ما للوجود بالذات و هو قوله عليه السلم يمسك الاشياء باظلتها فكانت هذه الخمسة شروطا للفعل من طاعة او معصية و لذلك قال عليه السلم « فهذه خمسة اشياء جمع بها الصادق عليه السلم مواقع الفعل فاذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنها مطروحا بحسبه » ه و لو كان الامر كما قالته الاشاعرة لماسقط عنه ما يراد منه و ان لمتحصل هذه الشروط فيلزم تكليف ما لايطاق او كما قالته المعتزلة لميتوقف الفعل علي شئ منها فيلزم الشقاق فشهد الكتاب بذلك [ص 188] و نفي ما ظنه الجبريون حيث قال تعالي لايكلف الله نفسا الا وسعها ، و ماتشاؤن الا ان يشاء الله رب العالمين .
و قوله عليه السلم « فاخبر الصادق عليه السلم باصل ما يجب علي الناس من طلب معرفته » يريد ( يريد به خل ) انه عليه السلم دلهم علي معرفة ربهم حيث اسس لهم تلك المعرفة بأن شروط الفعل هذه الخمسة لينتفي الجبر بتوقف الفعل عليها و ليبطل التفويض لحاجتهم اليها و عدم استقلالهم لان من وصف الله و عبده بالجبر و التفويض لميعرفه و انما وصف و عبد شيطانا ظالما و اناثا عاجزا .
و قوله عليه السلم « و نطق القران بتصديقه فشهد بذلك محكمات ايات رسوله (ص) لان الرسول صلي الله عليه و آله لايعدو شئ من قوله صلي الله عليه و آله و اقاويلهم عليهم السلم حدود القران » يعني به مثل قوله تعالي و علي الله قصد السبيل و منها جائر و قوله تعالي و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي ، و ماتشاؤن الا ان يشاء الله حيث جعل الحال بين بين و هي اسناد الفعل اليهم لا مطلقا بل يكون موقوفا علي فعله و مشيته فقوله و علي الله قصد السبيل بين فيه ان قصد السبيل اي الحق و الخبر عليه فهو منه و اليه يعود بالكمال و ان كان بالعبد القاصد المهتدي و ان السبيل الجائرة من نفسها لا من الله و لا اليه و ان كان لاتكون الا بالله و قال تعالي و مارميت فنفي عنه حقيقة ما اسنده اليه بقوله اذ رميت و لكن الله رمي فيكون ( فيكون الرمي خل ) من الله بالعبد لانه نفاه عنه اولا و اخرا و اسنده اليه ظاهرا ، و قوله تعالي و ماتشاؤن نفي عنهم حقيقة ما اسنده اليهم و اخبر عنهم بقوله تشاؤن [ص 189] المتوقف علي مشيته يعني اذا شاء الله شاؤا و لو استقلوا لشاؤا ما شاؤا و ان لميشأ الله و لو لميكن لهم اعتبار في الفعل اصلا كما يقوله الاشعري لماصح ان يقال اذا شاء الله ان يشاء العبد شاء العبد لانه اذا صح اسناد الفعل اليه كان فاعلا و لانه لولا ذلك لمااختص زيد بفعله دون عمرو لان ذلك الفعل علي قولهم مخلوق لله فليس احدهما اولي به من الاخر و لماصح ان يقول تعالي سيجزيهم وصفهم اذ لا وصف لهم ، نعم اذا قلنا انه مخلوق لله بالفاعل صح وصف الفاعل بذلك الفعل الذي كان به سواء كان منه بالله كالمعصية او كان من الله بالعبد كالطاعة فمشية العبد للطاعة بالذات من مشية الله لها بالذات و مشية العبد للمعصية بالذات من مشية الله لها بالعرض لكونها غير مشاءة لذاتها بل للطاعة لانها من تمام قابلية الطاعة للوجود فافهم و قد مر مكررا فراجع و هذا هو المنزلة بين المنزلتين التي هي اوسع مما بين السماء و الارض ، و ذلك ان الاشعري قال ان الافعال من الله ليس للعباد فيها اعتبار و انما اجري عادته سبحانه انه يخلق عند اسباب ظاهرا و ليست باسباب حقيقة و لا مدخل لها في الفعل و قال المعتزلي ان العبد مستقل بفعله علي وفق ارادته و طبق اختياره فالاول جبر بلا شك و الثاني تفويض بلا ريب و بينهما ما قلنا و هو ان الطاعة من الله و اليه تعود و اليه ( تعود اليه خل ) يصعد الكلم الطيب و العبد لانها صفته فلاتظهر الا به لان وجودها متوقف علي وجود العبد و هو ظاهر و المعصية من العبد و اليه تعود يا ايها الانسان انك كادح الي ربك كدحا فملاقيه لانها صفته لكنها لاتكون الا بالله [ص 190] و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و هذه هي المنزلة بين المنزلتين فاذا قال عليه السلم لا جبر و لا تفويض و لكن منزلة بين المنزلتين شهد الكتاب بقوله (ع) كما بينا سابقا ، و قوله صلي الله عليه و آله « و هي الصحة » الخ تبيين لشروط صحة تحقق المنزلة علي حسب احوال الفاعل و باقي كلامه عليه صلوات الله و سلامه ظاهر مبين .
قال عليه السلم : و خبر عنه ايضا موافق لهذا ان الصادق عليه السلم سئل هل جبر الله تعالي العباد علي المعاصي فقال الصادق عليه السلم هو اعدل من ذلك فقيل له فهل فوض اليهم فقال هو اعز و اقهر لهم من ذلك .
اقول استشهد عليه السلم باخر من قول جده الصادق عليه السلم مما شهد به الكتاب و صدقه و وافقه و فيه مع ذلك ابطال للمنزلتين فقال عليه السلم نفيا للجبر « هو اعدل من ذلك » لان الذي يفعل الظلم في عبده و يعاقبه عليه و ليس للعبد فيما اجري عليه مدخل بوجه يكون جائرا ظالما و يلزمه ايضا ان يكون محتاجا لانه ضعيف و انما يحتاج الي الظلم الضعيف فبين بطلان منزلة الجبر بدليل عقلي قد شهد له القران و صدقه قال تعالي و ماظلمناهم و لكن كانوا هم الظالمين ، و ما ربك بظلام للعبيد ، و اذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آبائنا و الله امرنا بها قل ان الله لايأمر بالفحشاء الاية ، الي غير ذلك بحيث لاينكره الا اهل العناد الذين لايقبلون الحق حتي يفتح الله عليهم بابا ذا عذاب شديد ، و قال عليه السلم نفيا للتفويض « هو اعز و اقهر لهم من ذلك » لان من اهمل عبيده في ملكه يفعلون فيه ما شاؤا حتي انهم يفعلون ما لايحب [ص 191] ليس بعزيز منتقم و لا بقادر قاهر لهم فبين عليه السلم بطلان التفويض بدليل عقلي قد شهد له الكتاب و صدقه و وافقه ، لانك اذا تدبرت القران عرفت ان الخلق ليس لهم حركة و لا سكون الا و الله له حافظ و عليه رقيب و له مقدر و هو كثير مثل او لميكف بربك انه علي كل شئ شهيد ، و الله من ورائهم محيط ، و لاتقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله ، و لولا اذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله ، سواء منهم من اسر القول و من جهر به و من هو مستخف بالليل و سارب بالنهار ، له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله ، قل الله خالق كل شئ و هو الواحد القهار ، و هو القاهر فوق عباده ، لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون ، ام حسب الذين يعملون السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون ، و لكن ظننتم ان الله لايعلم كثيرا مما تعملون ، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا الايات ، و ماكنا عن الخلق غافلين الي غير ذلك من الايات مما ينافي التفويض و لاتتوهم ان هذه الايات لا دلالة فيها او في اكثرها علي المطلوب بل فيها كلها تمام الدلالة و حقيقتها و لايمنعني من بيان ذلك الا خوف التطويل و قال الرضا عليه السلم ان الله لميطع باكراه و لميعص بغلبة و لميهمل العباد في ملكه الحديث ، فاذا انتفي المنزلتان بهذا الحديث الحق الذي شهد له الكتاب وجب علي الامة قبوله و لزمهم من ذلك القول بالمنزلة بينهما اذ لا رابعة .
قال عليه السلام : و روي عنه انه قال (ع) ( الناس خل ) في القدر علي ثلثة اوجه رجل يزعم ان الامر مفوض اليه فقد وهن الله في سلطانه فهو هالك .
[ص 192] لانه اذا ادعي ما ليس عنده وكل الي ما ادعاه و ليس له من الامر شئ و ما تملك من قطمير ان تدعوهم لايسمعوا دعائكم و لو سمعوا مااستجابوا لكم فاذا وكل الي ما توهمه و اشتد به ظماء الامكان حسب ذلك السراب ماء حتي اذا جاءه لميجده شيئا و وجد الله عنده فوفيه حسابه و اي هالك افقد حيوة منه .
و رجل يزعم ان الله عز و جل اجبر العباد علي المعاصي و كلفهم ما لايطيقون فقد ظلم الله في حكمه فهو هالك .
لانه سبحانه ( لان الله تعالي خل ) قال في الحديث القدسي انا عند ظن عبدي بي ان خيرا فخير و ان شرا فشر ، فاذا زعم ذلك ظلّم الله في حكمه بتشديد اللام جعله ظالما فاذا فعل ذلك كان عند ظنه ذلك بان يعامله في الجزاء معاملة من لميتجاوز عن صغيرة و لا كبيرة و كلفه من عدله ما لايطيق لظنه بربه ذلك لانه زعم انه اجبرهم فقد كلفهم ما لايطيقون ( لايطيقونه خل ) حيث يعاقبهم علي ما لا قدرة لهم علي الامتناع ( الامتناع عنه خل ) فهو هالك و اي هالك اشد ممن حجب ( حجب الله خل ) عنه خيره اللهم عاملنا بعفوك و لاتعاملنا بعدلك يا كريم .
و رجل يزعم ان الله كلف العباد ما يطيقون و لميكلفهم ما لايطيقون فاذا احسن حمد الله و اذا اساء استغفر الله فهذا مسلم تابع .
و قوله (ع) « يزعم » هنا ليس المراد به معني الاولين لانهما بمعني الكذب و الباطل و الاخير بمعني الحق و اليقين و في القاموس الزعم مثلثة القول الحق و الباطل و الكذب ضد انتهي ، فيقول هذا يزعم اي يتحقق و يتيقن و في القاموس ايضا و اكثر ما يقال فيما يشك فيه انتهي ، فيكون هذا الاخير علي المعني الاول ظاهرا و علي الثاني لايجري الا في الاولين صاحب الجبر و صاحب [ص 193] التفويض لانهما شاكان فيما اعتقداه لمخالفته لفطرتهم و وجدانهم فان كل من له ادني تميز يجد من نفسه انه غير مجبور لظهور اختياره في جميع افعاله و غير مفوض اليه لان ارادته و افعاله لاتتم له كلما اراد بل قد يريد و لايكون ما يريد و قد يريد ثم تنقض ارادته فلايقول بخلاف وجدانه و فطرته الا و هو شاك و انما جاءه الشك بعد تركه اليقين و انما حصل له الشك الذي هو تساوي الطرفين من جهة طينته و فطرته ، و يمكن ان نقول ان الشك يجري علي بعض افراد القائلين بالحق مجازا و هم الذين قالوا ذلك لا عن علم ذوقي و دليل كشفي لان من لميكن كذلك لايعرف من المنزلة بين المنزلتين الا العبارة و هي و ان كانت تكفيه في السلامة ما لميركب الشطط في التأويلات و العبارات فان التصرف فيهما لغير المعاين يخرجه عن الاستقامة الا ان معرفة ذلك بهذه المنزلة لفظا ليست معرفة حقيقة بل هي مجاز الحقيقة و هي مظنة الشك فلو عبر عنه بذلك لذلك لميكن بعيدا هذا و الظاهر انه لايجري في المحق ، و انما اوردت هذا الاحتمال تحذيرا من حال صاحب هذا الحال و حثا علي معارج المعالي و الكمال فقوله كلفهم ما يطيقون ( يطيقونه خل ) اه يعني من الفعل و الارادة و لو جاز تكليف ما لايطاق لجاز كل ما يشمله ذلك و يتناوله فيثيب العاصي و ابليس و يعاقب من اطاع امره علي طاعته و غير ذلك من الامور الشنيعة .
و قوله « فاذا احسن حمد الله » يشير به الي انه عرف المنزلة بين المنزلتين و ان كان علي سبيل الاجمال فاذا احسن عرف انها نعمة امتن بها عليه و وفقه لها فحمد الله [ص 194] علي تلك النعمة التي لولا فضله لماوفق لها و لا استحقها « و اذا اساء استغفر الله » لانها بائقة ( تائبا خل ) منه نهاه الله عنها و فعلها باختياره جرأة علي نهيه و عدم ثقة بنصحه فانه تعالي انما نهيهم لمصلحتهم قال تعالي يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر نهيهم عما فيه هلاكهم فتركوا نصيحته و اتبعوا دعوة عدوهم الشيطان قال تعالي أفتتخذونه و ذريته اولياء من دوني و هم لكم عدو بئس للظالمين بدلا فاذا استشعر ذلك استغفر الله و تاب ، و من كان كذلك فهو « مسلم » فوض الامر الي الله و نزهه عما لايليق بجلاله و عمل بكتابه .
قال عليه السلم : فاخبر ان من يعتقد الجبر و التفويض و دان بهما فهو علي خلاف الحق .
قوله عليه السلام « فاخبر » يعني ان الصادق عليه السلام « ان من يعتقد الجبر » و هو من زعم ان الله اجبر العباد علي المعاصي و كلفهم ما لايطيقون كما مر « و ان من يعتقد التفويض » و هو من زعم ان الامر مفوض اليه انهم هالكون لانهم ( لانهم علي خل ) خلاف الحق .
ثم قال عليه السلم : فقد شرحت الجبر الذي من دان به يلزمه الخطاء و ان الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما .
اي بين معتقد القائل بالجبر و بين معتقد القائل بالتفويض لان القول بالجبر تظليم لله العدل الغني المطلق و القول بالتفويض فيه لزوم المشاركة لله في سلطانه و تصرف في ملكه لا كما اراد و ذلك كما تري و القول بالمنزلة كما ذكرنا فيه تعظيم لله عن ظلم العبيد كما اخبر لان افعالهم صادرة عنهم فخيرها لهم و شرها عليهم و فيه تعظيم شأنه و كمال قدرته و سلطانه كما امر لانهم [ص 195] لا حول لهم عن المعاصي و لا قوة لهم علي الطاعة الا بالله .
ثم قال عليه السلم : و اضرب لكل باب من هذه الابواب مثلا يقرب المعني للطالب و يسهل به البحث عن شرحه يشهد به محكمات ايات الكتاب و يتحقق تصديقه عند ذوي الالباب و بالله التوفيق و العصمة فاما الجبر الذي يلزم من دان به الخطاء فهو قول من زعم ان الله عز و جل جبر العباد علي المعاصي و عاقبهم عليها و من قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه و كذبه و رد عليه قوله و لايظلم ربك احدا و قوله ذلك بما قدمت يداك و ان الله ليس بظلام للعبيد و قوله ان الله لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون مع آي كثيرة في ذلك هذا فمن زعم ان الله يجبر علي المعاصي فقد احال بذنبه علي الله و قد ظلمه في عقوبته و من ظلم الله فقد كذب كتابه و من كذب كتابه فقد لزمه الكفر باجماع الامة .
شرع عليه السلم في بيان ما في القول بالجبر و التفويض من المفاسد و الخروج عن الملة عقلا و نقلا بعد ان بين الدليل علي بطلانهما و صحة القول بالمنزلة بينهما بالدليل القطعي كما مر فبين (ع) خطاء القول بالجبر اولا لما فيه من مخالفة الوجدان حيث ان الاختيار في الفاعلين من كل متحرك بالارادة من جميع الحيوانات ظاهرا لايحتاج الي تأمل عند كل احد بل عند العارفين ان الجبر غير متحقق في الخلق لا في التشريعي و لا في التكويني فانكاره لايكون عن شبهة بل عناد لايخفي فلذا ذكره اولا اهتماما بابطاله بخلاف التفويض فان الاوهام سبقت علي دعوي الانية في حالة الطفولية الي ان شب علي ذلك و شاب علي انه [ص 196] في زعمه مستقل و ان اعتقد ان له ربا و ان عليه رقيبا و لكن لميعرفه و لميصفه بصفته بل اعتقد الفصل بينه و بين خالقه و ان خالقه بائن منه بينونة عزلة فحصره و اشار اليه و ليس خالقه محصورا و لا مشارا اليه فهوده و نصره ابواه المادة و الصورة فهو ميت لميبعث من قبر طبيعته فهو في الظلمات ليس بخارج منها اي ظلمات الانية و ما يترتب عليها فلمينكشف له الحال في هذه الحال كانكشافها للجبري و لهذا اكثر الطايفة المحقة اشتبه عليهم مذهب المعتزلة في هذه المسئلة بالحق حتي انهم اولوا التفويض علي غير حقيقته استحسانا منهم لمذهبهم فقالوا ليس هذا قدرا و انما هو المنزلة الوسطي المثلي حتي انهم اذا قالوا العدلية عنوا بهم الامامية و المعتزلة زعما منهم انهم اتفقوا علي القول بالعدل هنا و ليس كذلك بل غلطوا و قال اكثر المتكلمين بالتفويض و هو لايعلم حتي انه يقول لا جبر و لا تفويض هو المذهب الحق و يريد منه ان معناه ان الله خلق الالة و الصحة و هي التي يكون العبد بها متحركا مستطيعا للفعل و امر العبد و نهاه و عرفه النجدين و اعطاه من كل ما يتوقف عليه الفعل علي فهمهم ثم خلاه و ما عنده فهو يتحرك بما عنده علي سبيل الاستقلال .
و قد ذكر الشيخ محمد بن ابيجمهور الاحسائي في شرحه علي زاد المسافرين للعلامة بعد ان ذكر مذهب الاشاعرة قال : و ذهبت المعتزلة و الامامية و الزيدية المسمون في هذا البحث بالعدلية الي ان افعال الواقعة من المكلفين بحسب مقصودهم و دواعيهم منسوبة اليهم و هم الفاعلون لها و لا تأثير لله فيها [ص 197] انتهي ، و لايخفي علي العارف البصير انهم و ان لميقولوا بالاستقلال و لكن معني كلامهم ذلك فلايلحظون الا اياه ، انظر الي ما قال هذا الشيخ و هو شيخهم و رئيسهم ليس لاحد منهم فوقه من المرتبة الا العارفون اصحاب الشهود ، و قال في المجلي في هذه المسئلة : و الافعال الصادرة عند دواعيهم هو موجدها بالاختيار لا علي سبيل الاستقلال بل باعتبار خلق الالات فجعل خلق الالات نفيا للاستقلال يعني انه ليس في ذلك الا خلق الالة ، و قال بعد ذلك : و ليس فعل الالة مستلزما لفعل ما يقع بها من غير قائلها ( فاعلها خل ) ضرورة ان حداد السيف غير قاتل ، الخ و هو ظاهر كما قلنا ، ثم قال في الكتاب المشار اليه المسمي بالمجلي و هو احسن ما صنف في المعارف الخمس و له فيه تعمقات قال في هذا الموضع : و قال بعض المعتزلة معناه ليس بمنفي القدرة و الاختيار ليكون غير فاعل البتة الذي هو معني جبره و لا مفوض اليه بحيث يكون مستقلا بادخال افعاله في الوجود من دون العناية الالهية و التدبير الكلي بل ( بل لما خل ) اعطاه الله شرايط يتمكن بها من الفعل فقد جعل زمام الاختيار بيده فصح ان يكون فاعلا بالحقيقة و لكن غير مستقل ( مستقل به خل ) بالكلية بل بواسطة خلق الالات و هو قريب الي الصواب انتهي ، و لايخفي ان هذا و امثاله صريح في الاستقلال و ان قال صاحبه انه غير مستقل فان ذلك لايجديه بعد تصريحه و لهذا تنبه (ره) لبعض ما قلنا فقال بعد قوله و هذا قريب الي الصواب قال : لكنه اما ان يصدق عليه باعطاء هذه الشرايط انه فاعل حقيقة او لا فمن الاول يلزم التفويض و من الثاني يلزم الجبر فلا واسطة ، ثم قال (ره) بعد ذلك : و لبعض [ص 198] الفضلاء وجه رابع و هو ان يلاحظ في هذا الفعل صحة النسبتين علي الحقيقة لان وقوع الفعل من المباشر القريب انما هو باعتبار فيض الشرايط و التوفيقات و رفع الموانع الا انه لما كان هو العلة القريبة صح اسناد التأثير اليه حقيقة و ان ( لو خل ) اسند الي العلة المقتضية لتلك الشرايط و الاسباب التي لولاها و لولا التوفيقات و الامدادات الالهية معها لماحصل شئ في الوجود صح ايضا حقيقة لان علة العلة علة بالحقيقة فلا جبر حينئذ لجواز الاسناد الي المباشر القريب بطريق الحقيقة و لا تفويض لجواز الاسناد الي العلة الذاتية و هذا بالصواب انسب مما تقدمه الا ان الواسطة بين الامرين لمتتعين في هذا التقرير اذ ليس فيه الا جواز الاسناد الي الطرفين فكان ذلك شركة في الفعل بين فاعلين ( الفاعلين خل ) بل الحق في اثبات هذه الواسطة ما سنح لهذا الفقير و هو انه قد تقرر في باب توحيد الافعال انه لا فاعل في الوجود الا الله لان المتعمق في هذا المقام لاينظر الا الحق و افعاله فالكل له و به و منه و اليه بل و ينتهي الي التوحيد الوجودي فلاتري في الوجود الا هو كل شئ هالك الا وجهه فلا فاعل و لا مفعول و لا اثر و لا مؤثر و في هذا المقام تنتفي نسبة شئ الي غيره له الخلق كله و اليه ترجع الامور ثم اذا نزل المحقق عن درجة التوحيدين و لاحظ الكثرات الوجودية الظهورية بمناسباتها و اطوارها المتعددة المقتضية لحسن النظام و الترتيب الواقع علي احسن الوجوه و ابدعها وجب ان يلاحظ الاسباب و المسببات و اسناد اثارها اليها و يتنزل معه الي مقام الشريعة و اثبات [ص 199] التكليف و الاحتياج الي الشارع الظاهر بصورة النوع المرشد و العلم ( المعلم خل ) بوضع السياسات و الاداب الشرعية و العقلية لاصلاح النوع و انتظام اجتماعه الضروري في بقائه و تكميل الاشخاص باخراجهم من القوة الي الفعل و كل ذلك بدون استناد افعالهم اليهم و انهم المباشرون لها المعاقبون عليها المثابون علي ايجادها محال و حينئذ لا جبر بالنسبة الي المقام الثاني و لا تفويض بالنسبة الي المقام الاول بل امر بين امرين ( الامرين خل ) بمعني ان الطالب للحق لايشتغل بمقام واحد و يجعل الاخر وراء ظهره حتي يكون في احد طرفي الافراط و التفريط بل يجب ان يجمع بين المقامين و يلاحظ الحالين و يعرف المرتبتين ، الخ .
اقول ما ذكره (ره) من اختياره لايؤدي علي الظاهر الا مؤدي القول الذي قبله و ان كان كلاما مزخرفا فانه بعيد عن الصواب كالاقوال التي قبله و بيان ما فيها من الخطاء فيما اقوله لك فافهمه ، و اما قول بعض المعتزلة الذي ذكره فهو تفويض لا شك فيه عند من نشق نسيم العرفان ، و اما القول الذي بعده فانه يشبه الحق و ليس بحق لان قوله و ان استند الي العلة المقتضية الخ ، ان اراد ان غاية اقتضائها للاسباب لا غير كان تفويضا كالاول و ان اراد بالاقتضاء ان تكون العلة الثانية و المعلول فيه علي السواء في القرب و البعد فهو جبر و ان اراد ان اقتضاء العلة الاولي للمعلول انما هو باقتضائها للعلة الثانية المقتضية للمعلول من اقتضاء الاولي بالذات في الخير و باقتضائها بالعرض في الشر بأن تكون الاولي فاعلة بالثانية معلولها علي الاعتبارين لانه صفتها اي الثانية فهذا هو الحق [ص 200] القويم و الصراط المستقيم كما اشرنا اليه سابقا مرارا و يأتي الي ( الا خل ) ان الظاهر من كلامه الاحتمال الاول فلذا ( فلهذا خل ) حكمنا اليه بالخطاء و لاتغتر بقوله لان علة العلة علة فان لسانه ملحون ، و اما ما اختاره شيخنا فانه لا جبر و لا تفويض و لا منزلة بين المنزلتين بل هو رأي رابع هو جبر و تفويض لان ملاحظة التوحيدين اللذين اراد جبر لا مرية فيه و ملاحظة ظاهر التكليف تفويض لا شبهة فيه و ملاحظة المحصل من المقامين معا نفي و اثبات معا لا عبارة عنه و لا جواب له اللهم الا ان يريد ان هذه الافعال صفات الفاعلين الذين هم في ملاحظة التوحيدين ليس ( ليسوا خل ) بشئ و هناك كلام لشئ في شئ و هم في ملاحظة وجوداتهم المقيدة و ازمنتهم المحددة اشياء بالله و افعالهم اشياء بهم و الله الخالق قل الله خالق كل شئ و هو الواحد القهار و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال الا انهم في ازمنة وجودهم و امكنة حدودهم ايقاظ مختارون فجعلناه سميعا بصيرا لكنه لميرد فتدبر كلامه ، لايقال ان هذا مثل قوله لانا نقول ان قوله جعله اعتبارين في الاول لاشئ و في الثاني شئ و قولنا في الاول و في الثاني انهم شئ بالله و الله شاء لهم افعالهم بما شاؤها من مشية الله في الطاعة و بمشيته في المعصية لا منها فافهم و اشرب صافيا ، و قوله (ره) لبعض الفضلاء وجه رابع كان بعد ذكره لقولين الاول قال : و قد اختلف في تعيين هذه الواسطة فنقل عن بعض المتأخرين ان معناه ليس بمجبور علي جميع افعاله بحيث لايبقي له اختيار في شئ منها و لا مفوض في جميعها بحيث تكون [ص 201] له القدرة و الاختيار علي كل شئ منها بل بعضها يقع باختياره و يكون فعله بالحقيقة و بعضها واقع عليه بغير اختياره و يكون محلا قابلا لها و لاتكون فعله علي الحقيقة و ان صح نسبتها اليه علي سبيل المجاز من حيث كونه محلا لها و هذا ضعيف فان ذلك نفي الواسطة ( للواسطة خل ) و تقسيم لافعاله علي قسمين و ظاهر الحديث اثبات واسطة يكذب عليها كل من الطرفين ، و قال بعض الاشاعرة انه ليس بمجبور من كل وجه حتي لايصح نسبة الفعل اليه البتة و لاتكون مكتسبا بسببه ( بسبب خل ) و الا لبطل التكليف و خلا عن الفايدة و لا مفوضا تثبت له قدرة مؤثرة و اختيار يكون به علة في فعله و الا لزم الشرك و نفي التوحيد بل امر بين ذلك و هو كونه كاسبا مكلفا قادرا مريدا و هذا ايضا ضعيف لان ذلك الكسب ان كان ( كان له خل ) به دخل في التأثير بوجه ما هو فاعل مفوض في الفعل الذي له التأثير فيه اي شئ كان و ان لميكن له به دخل في التأثير بوجه البتة فلا كسب فيتحقق الجبر المنفي في الحديث فلا معني في هذه الواسطة و لا تحقق لثبوتها ، انتهي كلامه ناقلا عنهم و ذكر بعد هذين القولين قول بعض المعتزلة المتقدم و ما بعده و لايمكن الكلام علي بطلان هذه الاقوال الا بالاشارة و قد ذكرت و لقد خرجت عن الاقتصار و الاختصار و ذكرت هذه الاقوال في غير الموضع الذي ينبغي استطرادا عند ذكر اهل التفويض و لئلاتخلو هذه المسائل عن ذكر بعض اختلافهم في هذه المسئلة التي تحير فيها الخلق و ضلت الادلاء ،