و اما النفس المطمئنة فقد تطلق تارة علي ما يقابل العقل بعد قتلها و تعليمها عمل العقل حتي تطمئن و تتخلق به و هذه في الاصل هي النفس الامارة فتكون بالمجاهدة لوامة و هي التي تلوم [ص 113] صاحبها علي المعصية بل قد تلومه علي الطاعة و علي المعصية لما فيها من النور فاذا غلبت عليها سطوات الجبروت لامت علي المعصية خاصة و هي التي قال تعالي و لااقسم بالنفس اللوامة فاذا استولت علي انيتها سبحات الجبروت حتي فنيت فكلوا مما امسكن عليكم فاذا حييت بالقتل كانت اخت العقل و اليه الاشارة بتأويل قوله تعالي فان تابوا و اقاموا الصلوة و اتوا الزكوة فاخوانكم في الدين و نفصل الايات لقوم يعلمون و ان نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا ائمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون الاتقاتلون قوما نكثوا ايمانهم و هموا باخراج الرسول و هو العقل فاذا كانت كذلك كانت اخت العقل و كانت مطمئنة اليه بذكر الله .

و اما النفس الامارة فهي المقابلة للعقل و هي وجه المهية التي ماشمت رايحة الوجود و انما كانت امارة بالسوء لان الوجود ظل الكامل فهو متهيئ للكمال فله نهايات و هي انحاء كمالاته يميل اليها طلبا لكمالاته و المهية ظهره وجدت بالعرض تبعا له فلزمها ما لزمه فهي متهيئة بالطلب ( لطلب خ‌ل ) كمالاتها كالوجود الا ان الوجود كماله وجود و العدم كماله عدم فلها نهايات هي انحاء كمالاتها تميل اليها طلبا لكمالاتها من الشرور و الاعدام من النفس الامارة كما ان الوجود انما ينظر الي كمالاته من الخيرات من العقل فالنفس امارة بالسوء الذي هو مناسب لوجودها لذاتها .

و اما النفس النباتية فقوة اصلها الطبايع الاربع و ايجادها عند مسقط النطفة مقرها الكبد مادتها من لطايف الاغذية فعلها النمو و الزيادة و سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما [ص 114] منه بدءت عود ممازجة لا عود مجاورة عن علي عليه السلم نقله الملا في قرة‌العيون و الشيخ المكي في المنازل و في جوابه عليه السلم لكميل لها خمس قوي ماسكة و جاذبة و هاضمة و دافعة و مربية و لها خاصيتان الزيادة و النقصان و انبعاثها من الكبد انتهي ، و هي قوة جسمانية لا تجرد فيها بل تقبل القطع الحسي فافهم .

و قوله « بعبارة تؤخذ منها التفاسير الستة » يريد بها تفسير الظاهر و ظاهر الظاهر و الباطن و باطن الباطن و التأويل و باطن التأويل و قد مضي الاشارة الي بعض ذلك فشئ مبين كما اريد و شئ غير مقيد ببيان و لايمكن فيه غير ذلك و يأتي من ذلك شئ ان شاء الله تعالي .

قال سلمه الله تعالي : المسئلة الخامسة ـ قول رسول الله صلي الله عليه و آله اللهم زدني فيك تحيرا مع علو مقامه و قول علي عليه السلم لو كشف الغطاء ماازددت يقينا .

اقول يريد ما وجه الجمع بين كلامه صلي الله عليه و آله مع انه اعلي مقاما من علي عليه السلم بما لايخفي و بين كلام علي عليه السلم و الجمع بين ذلك ان رسول الله صلي الله عليه و آله امر الله ان يسأله زيادة العلم و سأل هو ربه ان يزيده فيه تحيرا و المراد من طلب زيادة العلم طلب ما لم‌يعلمه ما يمكن ( مما يكن خ‌ل ) في حق الممكن مما لم‌يكن و مما يطرء من النسخ و من المحو و الاثبات من سر البداء مما لم‌يكن بعد لدوام افتقار الممكن ابدا و لدوام المدد فما افاض عليهم ففي قبضته و ما لم‌يصل اليهم ففي قبضته و تلك الامدادات ظهوراته بكل لكل و لا غاية [ص 115] لذلك الذي يسمي فوارة النور لان ذلك ينبوع اثار العلم المطلق و القدرة الجامعة و الكرم و الايادي الواسعة و هو سبحانه يظهر فيما يشاء لمن يشاء و لا غاية ( غاية ثم خ‌ل ) و لا نهاية لتلك الظهورات لكونها اثار ربوبية الحق التي هي كينونته التي هي علمه بها و لا غاية لعلمه و لا لصفته و لا لاثر تلك الصفة فان في الاطلاع الي ذلك كمال المعرفة و اليه الاشارة بقوله صلي الله عليه و آله بعد هذا اللهم زدني فيك معرفة و لي في مثل هذا المقام كلام في اتيان ( بيان خ‌ل ) هياكل التوحيد و اثر تعلق العلم بالمعلوم اذا استخرجت الكنز منه عرفت ان ما طلبه صلي الله عليه و آله لا غاية له بل هو وراء ما لايتناهي بما لايتناهي و ان الامكان المطلوب ( المطلق خ‌ل ) الذي هو ظل الكينونة التي هي علمه بخلقه هو منشأ الحيرة المطلوبة فابذل جهدك في فهمه لتحظي بمكنون علمه فان العاثر عليه اعز من الكبريت الاحمر و لاتعد عيناك ( عيناك عنه خ‌ل ) فليس وراء عبادان قرية و هو :

بسم الله الرحمن الرحيم قال العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحسائي في بيان ما يمكن العبارة عنه من صفة تعلق علم الله بالمعلومات من حيث هي معلومات اذ بدون تلك الحيثية لا سبيل للممكن اليه و تلك الصفة صفة رسم لا صفة قدم فان القديم تعالي ( يتعالي خ‌ل ) عن الحدوث بكل اعتبار و العبارات تعبير و تفهيم و ان كان ذلك النظر بعين منه فان ذلك النظر و تلك العين من المعاني و هي فينا من المعاني السفلي و هي من المعاني العليا كالشعاع من المنير و تلك العليا هي التعين الاول و هو اول مظاهر الذات فافهم فاقول اعلم ان الله [ص 116] سبحانه علم المعلومات بعلمه الذي هو ذاته اذ لا شئ غيره بما يمكن في ذواتها و ما يمتنع في رتبة الامكان و هو اذ ذاك عالم اذ لا معلوم و علمه بها هو كينونة الذات علي ما هي عليه مما له لذاته بلا اختلاف و لا تكثر و هو الربوبية اذ لا مربوب فاقتضت ذواتها بما هي مذكورة به في كل رتبة من مراتب الوجوب و الجواز من الازل الي الحدث الي الابد الذي هو ذلك الازل ما يمكن لها و يمتنع في الامكان في كل رتبة بحسبها من صفة الكينونة التي هي ربوبية تلك الاقتضاءات و تلك الصفة هي نور الكينونة و ظلها و تلك الاقتضاءات هي سؤال المعلومات ما لها من تلك الصفة فحكم لها ثانيا حين سألها بسؤالها بما سألته في كل رتبة بما لها فيها و هذا الحكم هو تلك الصفة التي هي ظل الكينونة و هو الربوبية اذ مربوب و بها قام كل مربوب في كل رتبة بحسبها و تلك المعلومات بكل اعتبار لا شئ الا انها لا شئ في الازل بمعني الامتناع الا بما هي شئ في الحدوث بمعني الامكان في الامكان و اما في الامكان فهي شئ بما شاء كما شاء يعني انها شئ بذلك الحكم و هو ظل الكينونة فاعطاها بحكمه و مشيته ما سألته من الوجود و امكن فيها ما اقتضته من الامكان و ان لم‌تقتضه في الوجود فما ( فيما خ‌ل ) لم‌تقتض وجوده في الوجود تقتضي وجوده في الامكان و هاتان الرتبتان اقتضاء ما يمكن لها من تلك الصفة المذكورة لانه اذا شاء اقتضت ما في الوجود في الامكان و ما في الامكان في الوجود لان ذلك هو ما لها من تلك الصفة التي هي المشية التي بها الاقتضاء و ذلك حكم الاختيار الربوبي فلم‌يقتض ( فلم‌تقتض خ‌ل ) الا ما شاء لان مشيته هي [ص 117] الربوبية اذ مربوب و هي صفة الربوبية اذ لا مربوب كما مر و لم‌يشأ الا ما اقتضته من مشيته و تلازمهما في التحقق الظهوري و تقدم المشية علي الاقتضاء ذاتا كمثل تلازم الفعل و الانفعال في التحقق الظهوري كالكسر و الانكسار و تقدم الكسر علي الانكسار ذاتا و ان تساوقا في التحقق الظهوري و تلك الربوبية اذ لا مربوب التي هي الكينونة كما مر هي علمه بمخلوقاته اولا و صفتها التي هي ظل الكينونة و ظل الربوبية اذ لا مربوب علمه بمخلوقاته ثانيا قال تعالي اشارة الي الرتبتين و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء فما شاء من علمه يحيطون بشئ منه كما شاء فافهم و هذا العلم الذي لايحيطون بشئ منه اي الكينونة هو من علمه بذاته الذي هو ذاته كيدك منك كما في رواية حمران بن اعين عن ابي‌جعفر عليه السلم و كما في رواية هشام بن الحكم عن ابي‌عبدالله عليه السلم و له المثل الاعلي في السموات و الارض و هو العزيز الحكيم سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

فتفهم هذا الكلام راشدا موفقا لتعرف مطلوبه الذي يوجب الحيرة التي لا هداية فيها و لا ضلالة و لا معرفة و لا جهالة و هو انغماسه في بحر تلك الصفة التي هي صفة الكينونة الذي لا ساحل له لانه صلي الله عليه و آله كلما تسنم درجة وضع له رفيع الدرجات درجة و لا غاية لذلك .

و اما قوله عليه السلم لو كشف الغطاء ماازددت يقينا مع ان مقامه دون مقام النبي صلي الله عليه و آله للاجماع او ( و خ‌ل ) حديث [ص 118] لولاك لماخلقت الافلاك و قول علي عليه السلم انا عبد محمد صلي الله عليه و آله و قوله عليه السلم رسول الله امامنا حيا و ميتا و انا من محمد كالضوء من الضوء فتوجيهه من وجوه احدها و هو اظهرها ان المراد بكشف الغطاء الموت و الغطاء الجسد غطاء علي الروح و لما كان الانسان اذا زكي نفسه بالعلم و جاهدها بالجهاد ( جاهد الجهاد خ‌ل ) الاكبر حتي يقتلها كما امره الله تعالي قامت قيامته و كشف عنه الغطاء و عرف موصوله و مفصوله و عرف من اين و الي اين و اذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد بحيث يكون وجوده علة للاكوان كان موته الذي هو كشف الغطاء الجسماني لايزيده يقينا لانه قد امات نفسه لقوله هجم بهم العلم علي حقيقة الامر فباشروا روح اليقين و انما يزداد يقينا بما سيكون من لم‌ينكشف له الامر علي ما هو عليه في الواقع فلذا قال عليه السلم لو كشف الغطاء اي الجسم من ( عن خ‌ل ) الروح بالموت ماازددت يقينا لعدم جهله بشئ من الاحوال الموعود بها التي لاتدرك الا بعد الموت و لعدم احتمال وقوع نقيض ما اشرف عليه و قول النبي صلي الله عليه و آله اللهم زدني فيك تحيرا ليس من هذا القبيل فلم‌يتحقق التناقض و لنقتصر علي هذا لظهوره .

قال سلمه الله تعالي : و التلفيق بين قوله عليه السلم عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و بين قوله تعالي لموسي لن‌تراني .

اقول اعلم انه ليس شئ بحقيقة الشيئية لذاته الا الواجب تعالي و ما سواه فهو شئ بالواجب لا بنفسه و لا بسوي الواجب غيره فمن شهد هذا المشهد فقد رأي الله تعالي ابدا رقيبا عليه لان كل ما سوي الله شئ [ص 119] بالله لا غير و من لم‌ير الله تعالي كذلك فقد عمي ( عمي قلبه خ‌ل ) عن الحق و حقق ( حقيق خ‌ل ) من ( لمن خ‌ل ) لم‌يتحقق تأمل قوله عليه السلم يعني الحسين عليه السلم في مناجاته يوم عرفة في الحرف الذي قبل هذه الحروف قال عليه السلم ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الاثار هي التي توصل اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا الدعاء ، و فيه ماذا وجد من فقدك و ما الذي فقد من وجدك ، فبمثل هذا تستبصر امرك .

و اما قوله تعالي ( تعالي لموسي عليه السلم خ‌ل ) لن‌تراني لما سأله القوم السبعون الذين اختارهم الرؤية و اخبرهم انها لاتصح علي الله اذ الاشياء انما تدرك امثالها و انما تشير الالات الي نظايرها و الحوا عليه فاستأذن ربه ان يسأله ما سألوه ليبين لهم استحالة ما طلبوا بسبب ما يترتب علي تلك المسئلة فاخبره تبيينا لهم بما يترتب علي ذلك بعد ان اجابه بلن‌تراني فلا تنافي بين الرؤية في الاول لان المراد تحققه بها ( بها تحققه خ‌ل ) بذاته في كل شئ و عدم تحقق ما سواه في كل حال و اليه الاشارة بقول الصادق عليه السلم في قوله تعالي او لم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد اي موجود في حضرتك و ( و في خ‌ل ) غيبتك و هذه رؤية الشهود و المعرفة و بين تلك الرؤية فانها رؤية الحواس و الادراك و الاحاطة .

قال سلمه الله تعالي : و التلفيق بين التوصل له بالتفكر في مصنوعاته و انما سمي العالم عالما لانه يعلم به الصانع و بين قوله عليه السلم اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و قوله عليه السلم يا من دل علي ذاته بذاته .

[ص 120] اعلم ان معرفة الله علي مراتب احدها الاستدلال بالاثار علي المؤثر و لذا قال بعضهم انما يسمي العالم عالما لانه يعلم به الصانع اي يستدل به علي وجود صانعه و هذه معرفة المتكلمين و اهل الظاهر و هذه يفيد وجود الصانع لان الاثر يدل علي المؤثر و اما قوله عليه السلم اعرفوا الله بالله فهي معرفة اولي الافئدة فالجهتان مختلفتان فلا تنافي ( تنافي نعم خ‌ل ) قد يراد بالنظر في المصنوعات التفكر و الاعتبار لينتقل بذلك الي مشاهدة ظهور المؤثر في اثاره فاذا شاهد الظهور نفي حيث و لم و كيف و عاين ظهوره بها لها فيكون ذلك معرفة الله بالله الاتسمع الي قول سيدالشهداء عليه السلم في مناجاته دعاء يوم عرفة قال عليه السلم الهي امرتني بالرجوع الي الاثار فارجعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شئ قدير ، تأمل قوله عليه السلم حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها و قوله مصون السر عن النظر اليها ( اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها و لانعني بالشهود الا صون السر عن النظر اليها خ‌ل ) و عدم الاعتماد عليها و هذا في الحقيقة معني اعرفوا الله بالله ( بالله اذ معني اعرفوا الله بالله خ‌ل ) ان تعرفه ( تعرفه به خ‌ل ) لا بصفة احد من خلقه فلا ند له و لا بعكس شئ من خلقه فلا ضد له و معني قولنا ان تعرفه به ان يتوجه سرك الي شئ ثابت بحقيقة الشيئية كما نعت به نفسه من غير اشارة و لا كيف و لا شئ سواه الدال علي ذاته بذاته ( بذاته علي بذاته خ‌ل ) بحيث لاتشهد في وجودك ( وجودك غيره خ‌ل ) و لا وجود لك غير وجوده الظاهر [ص 121] لك بك و لاتراه بسواه لان تلك عين منه رأيته ( رأيته به خ‌ل ) قال الشاعر :

و مخطوبة الحسن محجوبة فلاتألفن سوي الفها

اذا ما تجلت الي عاشق و اهدت اليه شذا عرفها

تغيب الصفات و تفني الذوات بما ابرز الحسن من وصفها

فان رام عاشقها نظرة و لم‌يستطعها فمن لطفها

اعارته طرفا رءاها به فكان البصير بها طرفها

و معني اخر هو انك اذا وصف لك شخص قصرا و لم‌تره و لم‌تعلم به فقال فيه مثلا خمسة بيوت كبار فانك لاتنكر ذلك و ان قال صغار لم‌تنكر و ان قال لك ذلك القصر هل هكذا هو ( هو هكذا خ‌ل ) او لا فانك تقول لااعلم فلاتجد في ( من خ‌ل ) نفسك نفيا و لا اثباتا و ذلك لانك لاتعلمه و لو قال لك هو قصر مصنوع قلت نعم لانك عرفته بنظائره لا بنفسه و الحق سبحانه لو قيل لك هو احمر قلت لا هو ابيض قلت لا هو طويل قلت لا هو كذا قلت لا حتي تعد جميع ما يسعه وجودك و انت تنفيه و لو قيل هو موجود قلت نعم فهذا ادل دليل علي انك عرفته و الا لم‌تنف عنه ما لايليق به فلو لم‌تعلم بوجوده لماقلت نعم انه موجود و لو عرفته بغيره كما عرفت القصر بغيره من القصور و لم‌تنكر ما قيل لك في القصر و ان كان مخالفا للواقع لانك لاتعرفه و انكرت ما قيل لك في الحق تعالي انه بصفة شئ من الخلق لانك تعرفه و لو عرفته تعالي بغيره لشبهته به و وصفته بصفته فاذا كنت قد عرفته لنفسك ( لنفيك خ‌ل ) ما لايجوز عليه و اثباتك لما يجوز عليه و لم‌تعرفه بغيره كذلك كنت انما عرفته به لا بسواه و الاصل في ذلك [ص 122] ان الشئ انما يعرف بصفته لا بصفة غيره فالوهيته انما تعرف بصفتها و صفتها ما اظهر في هويتك من تلك الصفة و ذلك هو ظهوره لك بك فتعرفه بما اظهر فيك الذي هو حقيقتك و انما ( انا خ‌ل ) اعرفه بما اظهر في هويتي الذي هو حقيقتي من الوجود و هو ظهوره لي بي لا بما اظهر فيك فكل يعرفه بما تعرف له به و ليس ذلك شيئا غير ذلك العارف و لذا قال صلي الله عليه و آله من عرف نفسه فقد عرف ربه فالمعرفة بالاثار معرفة وجود و معرفة الله بالله معرفة شهود .

قال سلمه الله : و ما التوفيق بين قوله تعالي لئن اشركت ليحبطن عملك و ليحملن اثقالهم و اثقالا مع اثقالهم و الايات الدالة علي ان ما عمل اخيرا ينسخ الاول من خير و شر و بين قوله و لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصيها لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت .

اقول يريد بهذه الايات بيان القول بالاحباط و عدمه و اختلاف الايات ظاهرا في مفاد هذا المعني و لنا كلام في تحقيق هذه المسئلة في اجوبة مسائل الشيخ الاواه الشهيد الشيخ عبدالله بن محمد بن احمد بن غدير البحراني تغمده الله برحمته و احل بقاتله وبال نقمته في بيان بطلان القول بالاحباط بما لا مزيد عليه في التحقيق و لايداني في التدقيق فمن اراده وقف عليه في رسالتنا المذكورة و لنذكر بعض الاشارة و هي ان الاحباط لايتحقق في الحسنة المتحققة و اما الحسنات التي لم‌تتحقق يجري فيها الاحباط و علي هذا يحمل الايات الدالة علي ذلك و الروايات كذلك و المراد بالمتحقق ما كان اصله ثابتا بأن قصد به وجه الله علي الوجه [ص 123] المأمور به و غير المتحقق غير الخالص في اصل دواعيه فان المتحقق لايضره ما يمر عليه لان اصله ثابت و غير المتحقق اصله مجتث فاذا جائت به ( جائته خ‌ل ) ريح الهوي طار كالرماد و في الكافي عن معاوية بن عمار عن ابي‌عبدالله عليه السلم قال قيل له و انا حاضر الرجل يكون في صلاته خاليا فيدخله العجب فقال عليه السلم اول صلاته بنيته اذا كان ( اذا كان اول صلاته بنيته خ‌ل ) يريد بها ربه فلايضره ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته و ليخسأ الشيطان و فيه في صحيحة زرارة عن ابي‌جعفر عليه السلم قال اذا ادي الرجل صلوة واحدة تامة قبلت جميع صلوته و ان كن غير تامات الحديث ، و المراد من قوله ( قوله عليه السلم غير تامات ما هو اعم من الاجزاء بدليل قوله عليه السلم خ‌ل ) بعد و ان افسدها لم‌يقبل منه شئ ( شئ منها خ‌ل ) و لم‌تحسب له نافلة و لا فريضة و انما تقبل النافلة بعد قبول الفريضة و اذا لم‌يؤد الرجل الفريضة لم‌تقبل منه النافلة الحديث ، فظهر ان معني الاداء تامة موافقة الشرع و ان كانت غير تامة هو الافساد فبين عليه السلم ان الواحدة التامة لايتطرق اليها احباط لان اصلها ثابت و انما يتطرق الاحباط الي العمل الذي ليس له اصل و ان كان يوهم الجاهل انه عمل صالح و ليس صالح بل هو باطل في صورة صحيح و ليحلفن ان اردنا الا الحسني و الله يشهد انهم لكاذبون فقد تكون من مثل هذه اعمال في صورة الحسنات و هي ميتة اذ لا روح فيها من النية الصادقة فاذا قوبلت بالسيئات عادلتها و اسقطتها بل هي في الحقيقة سيئات قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا فاذا صدر من عبد [ص 124] عمل صالح حقيقي كان اصله متصلا بالنور و الا فليس بصالح و محتد النور لايلحق به محتد الظلمة و لاتحصل الموازنة و بالجملة فالاحباط يتحقق في غير الخالص لانه ليس بعمل صالح .

و اما التوفيق بين و ليحملن اثقالهم و اثقالا مع اثقالهم و بين لها ما كسبت الاية ، فبان الاثقال التي مع اثقالهم هي في الحقيقة من لطخ طينتهم و اوزار بدع ابتدعوها فحملوا ثمارها و قال صلي الله عليه و آله و من يزرع خيرا يحصد غبطة و من يزرع شرا يحصد ندامة ، و هو معني لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت فلا تنافي .

قال سلمه الله تعالي : و ما التوفيق بين قوله عليه السلم و لكني اتخوف عليكم عذاب البرزخ و بين ما دل علي انهم يحضرون الاموات في قبورهم و حسابهم .

اقول ان تحقيق هذه المسئلة مما يطول به الكلام و لايسعه المقام و لكني في راحة من جهة من القي اليه هذا الجواب و هو السائل لانه تكفيه الاشارة و القليل يكفيه عن تطويل العبارة فاعلم ان الاعمال صفات العامل و لكل موجود وجودان فالاعمال وجودها الدنياوي هو ما تري و وجودها الاخروي ما اخبر به الشارع (ص) من النعيم و نيات العاملين ثلثة و ايام الحصاد ثلثة فالاعمال الذي لا روح لها و انما الباعث عليها من النية انما هو في الدنيا للدنيا و يوم حصاد هذا العمل الدنيا و اليه الاشارة بقوله تعالي اولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب و الاعمال التي منشأ بواعثها الخيال فيوم حصادها البرزخ و الاعمال التي دواعيها من القلوب و الافئدة فيوم حصادها الاخرة و يحصد ( يحصدون خ‌ل ) منها في اليومين الاولين قليلا [ص 125] مما يأكلون فمعاصي هذه الفرقة المحقة في الحقيقة كلها او جلها من القسمين الاولين لان صدور المعاصي منهم عن ( من خ‌ل ) امر عارض و هو لطخ الطين الخبيثة و نفوسهم طيبة طاهرة فاذا تلوث ( تلوثت خ‌ل ) تلك الظواهر طهرت في البرزخ علي حسب المقتضي و الذين يحضرونهم في قبورهم و حسابهم هم الذين يطهرونهم ليردوا عليهم يوم القيمة طاهرين فلا منافاة .

قال سلمه الله تعالي : و ما التوفيق بين الاخبار الدالة علي ان الناس يحشرون كلهم عريانا ( عرايا خ‌ل ) يوم القيمة و بين ما دل علي ان المؤمن يخرج مكسيا من حلل الجنة .

اقول و هذه المسئلة ايضا اغرب من اختها و لكن التلويح لديه تصريح ، اعلم ان الارض تأكل ما عليهم من الاكفان و تنقص منهم الارض اعراضهم و اغراضهم و يحشرون كما انشئوا اذ قال تعالي و لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة كما بدءكم تعودون فتعودون عراة لا ستر يواري عورات معاصيهم و لا كثافة جسد تغطي اعمالهم عن الناظرين و لا حلة تكتم نتن فائح ذنوبهم بل اسرارهم مكشوفة و احوالهم بادية معروفة قال تعالي و يوم نسير الجبال و تري الارض بارزة و حشرناهم فلم‌نغادر منهم احدا و اما المؤمنون فقد اكتسوا بلباس التقوي ذلك خير فستر الله بها عوراتهم و انوارهم اشرقت باعمالهم و خلة اخوانهم المتقين بيضت وجوههم و طيبت روائحهم و هي حلل من الجنة انزلها سبحانه في الدنيا فلبسوها قال تعالي يا بني ادم قد انزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم و ريشا و لباس التقوي ذلك خير ذلك من ايات الله لعلهم [ص 126] يذكرون ، و روي الصدوق (ره) في كتاب مدينة العلم باسناده الي ابي‌عبدالله عليه السلم قال تنوقوا في الاكفان ( الاكفان فانكم خ‌ل ) تبعثون بها ه‍ ، و فيه اجيدوا اكفان موتاكم فانها زينتهم و روي صاحب كتاب سير الائمة باسناده الي الصادق عليه السلم قال ان ابي اوصاني عند الموت فقال يا جعفر كفني في ثوب كذا و كذا فان الموتي يتباهون باكفانهم الحديث ، و اعلم ان هذا الكفن المعروف اذا كان من مال طاهر كما قال موسي بن جعفر عليه السلم كما رواه المفيد في ارشاده الي ان قال عليه السلم و اكفان موتانا من طهر اموالنا و عندي كفني انتهي ، فانه انما تبلي الارض ظاهرة و يخرج مستترا بباطنه فانهم يتباهون باكفانهم و لاتبلي الارض الا ما كان من جنسها فافهم راشدا موفقا .

قال سلمه الله : و ما معني قول جبرئيل (ع) عند موت محمد صلي الله عليه و اله هذا اخر هبوطي الي الدنيا فالان اصعد منها و لاانزل ابدا و بين ما دل علي نزوله الي الارض .

اقول معناه هذا اخر هبوطي الي الدنيا بانزال الوحي لان محمدا صلي الله عليه و آله خاتم النبيين و اما نزوله الي الارض بعد ذلك فهي لغايات اخر كاظهار معجز لاميرالمؤمنين عليه السلم كما نزل في مسجد الكوفة عليه صلوات الله عليه فسأله اين جبرئيل و غير ذلك و كذلك علي ابنائه الطاهرين عليهم السلام او نزوله لاسماع الصوت و انزال وحي الالهام و غير ذلك و اما نزوله الي الارض بالوحي فهو من خواص الانبياء عليهم السلم و قد مات خاتم النبيين صلي الله عليه و آله .

[ص 127] قال سلمه الله تعالي : و ما التوفيق بين قوله تعالي و لاتزر وازرة وزر اخري و بين قوله تعالي و ليحملن اثقالهم و اثقالا مع اثقالهم علي حسب ما نحن فيه و كل ذلك لاجل المعرفة التي تمكن في حقنا بالنسبة الينا و انتزاع المعرفة من نفسي و الترقي الي الموعظة الحسنة ثم الحكمة .

اقول قد ذكر ( ذكر قبل خ‌ل ) بعض الاشارة الي ذلك ان الاعمال صفة العاملين فلاتكون صفة زيد صفة لعمرو فلو وزر وزره لكان صفته صفته علي ان الصفة انما اوجدها الله بموصوفها فلاتكون موجودة بغيره و الا لم‌تكن صفة له فلايحمل شئ من حمل مثقلة و ان دعت الي حملها و هذا حكم معقول و منقول و اما قوله تعالي و ليحملن اثقالهم و اثقالا مع اثقالهم فهذا معني قد تكفل ببيانه اخبار الطينة و ان هذه الاثقال من لطخ طينتهم فلا تنافي بينها و بين الاولي .

و اما قوله سلمه الله « علي حسب ما نحن فيه و كل ذلك لاجل المعرفة التي تمكن في حقنا بالنسبة الينا » الخ ، فقد اشير الي مطلوبه علي حسب ما يقتضيه الحال الا ما لايمكن القول به فقالوا عليهم السلم ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله ه‍ ، فكل ما حان وقته ذكر و قد اشير الي اشياء ( اشياء كتمتها الاشارات كما خ‌ل ) كتمتها العبارات .

قال سلمه الله تعالي : السادسة - ان تصف لنا وضع دايرة العقل و ما يقابلها من الاسماء و الحروف بان يكون قوس اقبل و قوس ادبر و ما يقابلهما من الاسماء مثل ما وصفت لك و كذلك الحروف و كذلك دايرة الجهل ليمكن وضعها علي النحو الذي اشرت لك فيه .

[ص 128] اقول اما معني دائرة العقل و مقابلها بدايرة الجهل فقد تقدم ذكر ذلك و لم‌يبق الا صورة ذلك النقشية باعتبار ترتيب انواعها علي سبيل التمثيل ، و اعلم ان وراء دائرة العقل التي حدثت من ادبر فادبر و اقبل فاقبل و حدثت بحركتي هذه الدائرة دايرة الجهل فبادبار العقل اقبل الجهل و باقباله ادبر الجهل و ستقف علي مثال كل منهما فتريهما متعاكسين في الحقايق الكونية و الاسماء و الحروف ، و وراء هذه دايرة الامر و الابداع و لها اسماء في الاصطلاح منها التعين الاول و القلم ( العلم خ‌ل ) المطلق و الوجود المطلق و الوحدة الحقيقية و فلك الولاية المطلقة و التجلي الاول و الرابطة بين الظهور و البطون و المحبة الحقيقية و الحقيقة المحمدية و قابلية الاولي و مقام او ادني و برزخ البرازخ و البرزخية الكبري و احدية الجمع و وراء هذه الدايرة رتبة الذات و الوجوب و لها اسماء باعتبار الاصطلاح منها اللاتعين و ازل الازال و غيب الغيوب و الوجود البحت و مجهول النعت و عين الكافور و ذات ساذج و منقطع الاشارات و المنقطع الوجداني و غيب الهوية و عين المطلق و ذات بلا اعتبار و مرتبة الهوية ، و اما دايرة العقل ظاهرا فهي مشتملة علي قوس ظاهر العلم و باطنا مشتملة علي قوس ظاهر الوجود هذه صورتها و هذه دايرة الجهل و كفة السيئات من الميزان الحق و هي بعكس دايرة العقل في الوضع و في الاقتضاء و الاسماء و الصفات و فيها عكس كل ما في تلك الدايرة دايرة العقل بحيث لو سقط شئ من دايرة العقل لم‌يسقط الا علي ضده العام من دايرة الجهل و انما لم‌نذكر اسماء [ص 129] الاقبال و المقابلة بصورة الاقبال و الصعود و النسبة اليه ظاهرا لوجهين احدهما ان تلك الاسماء هي معارج الاقبال و دايرة الجهل لا صعود فيها و لا اقبال لها بالذات فلم‌نذكر الاسماء المقابلة لما فيها من الاعيان و ثانيهما ان تلك الاسماء ليست بحسني فلايجوز نسبتها اليه و صورتها هذه ( و هذه صورتها خ‌ل ) و اعلم انه قد بدا لنا ان نذكر اسمائها السوأي فانها اصحاب الشمال قال تعالي للذين لايؤمنون بالاخرة مثل السوء و تدبر الوضعين يظهر لك المكتوم من البين و ينحل عنك شرك الاين و ما لم‌يذكر في هذه الدايرة فلاجل ما قلناه سابقا فتدبر و السلم علي محمد و آله الطاهرين .

قال سلمه الله تعالي : ما حد الزهد المبغي منا و الذي ينبغي لنا و الذي ينبغي استعماله .

اقول ان الزهد له مراتب باعتبار مراتب الزاهدين : زهد المقربين قال صلي الله عليه و آله لايكون الرجل من المتقين حتي يدع ما لا بأس به خوفا مما فيه بأس و سئل الصادق عليه السلم عن الزاهد ( الزاهدين خ‌ل ) في الدنيا قال الذي يترك حلالها مخافة حسابه و يترك حرامها مخافة عقابه ، و زهد اصحاب اليمين ما رواه السكوني عن ابي‌عبدالله عليه السلم قال قلت ( قلت له خ‌ل ) ما الزهد في الدنيا قال ويحك حرامها فتنكبه يعني ان الزهد ترك ما حرم الله و هو زهد اصحاب اليمين . و اعلم ان الزهد زهد عن الفاني و رغبة في الباقي فطالب الدنيا للاخرة و لما يريد الله زاهد و صدقه ان يتوكل علي الله و لايعتمد علي ما سواه قال الصادق عليه السلم ليس الزهد [ص 130] في الدنيا باضاعة المال و لا تحريم الحلال بل الزهد في الدنيا الاتكون بما في يديك اوثق منك مما ( بما خ‌ل ) عند الله عز و جل و كأنه عليه السلم يريد بقوله و لا تحريم الحلال اشارة الي قوله تعالي قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده و الطيبات من الرزق يعني ان الزهد ليس ترك ( بترك خ‌ل ) ما احل الله بل ما تثقه ( بالثقة خ‌ل ) بما عند الله و عدم الركون الي دار الغرور و شكر النعم و شهودها من المتفضل بها قال ابوالطفيل عامر بن واثلة سمعت اميرالمؤمنين عليه السلم يقول الزهد في الدنيا قصر الامل و شكر كل نعمة و الورع عن كل ما حرم الله عز و جل ه‍ ، و شكر النعمة ( النعم خ‌ل ) باللسان و الجنان و الاركان و سئل علي بن الحسين عليه السلم عن الزهد فقال عشرة اجزاء فاعلي درجة الزهد ادني درجة الورع و اعلي درجة الورع ادني درجة اليقين و اعلي درجة اليقين ادني درجة الرضا الا و ان الزهد في اية من كتاب الله تعالي لكيلاتأسوا علي ما فاتكم و لاتفرحوا بما اتيكم و في النهج عنه عليه السلم الزهد كله بين كلمتين من القران قال سبحانه و تعالي لكيلاتأسوا علي ما فاتكم و لاتفرحوا بما اتيكم و من لم‌يأس علي الماضي و لم‌يفرح بالاتي فقد اخذ الزهد بطرفيه ه‍ .

ثم اسمع قوله تعالي ( قول الله خ‌ل ) انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال الاية ، و اعلم ان الامانة اقتحام العقبة كما قال تعالي فلااقتحم العقبة و العقبة علي ثلثة احوال عقبة الولاية و عقبة التكليف و عقبة التوحيد ، فالاولي يعني التوالي بالائمة عليهم السلم فك رقبة بهم و بمعرفتهم تفك الرقاب من النار يتيما ذا مقربة يعني به رسول الله صلي الله عليه و آله و قرباه [ص 131] او مسكينا ذا متربة هو اميرالمؤمنين عليه السلم ترب ( يترب خ‌ل ) بالعلم اي مستغن به كثر علمه كأنه بقدر التراب و المراد بالتراب ما في اللوح المحفوظ مما كتب القلم ( القلم و اليه الاشارة خ‌ل ) بقوله تعالي افلايرون انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها يعني بموت العلماء فالمراد باقتحام العقبة موالاة يتيم ذا مقربة او مسكين ذا متربة يعني محمدا صلي الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلم ، و الثانية عقبة التكليف و هي علي ثلاث عقبات الاولي عقبة الطاعة قولا و فعلا بموافقة الكتاب و السنة بالاخلاص و هي رتبة العوام و الثانية عقبة حفظ الجوارح عن ( من خ‌ل ) المحارم و استعمالها في الطاعة بموافقة الكتاب و السنة بالاخلاص و هي للخواص و الثالثة عقبة حفظ الباطن من الوساوس الشيطانية و الهواجس النفسانية بموافقة الكتاب و السنة بالاخلاص و هي للخصيصين ، و قدمت هاتين العقبتين لكونهما شرطين للثالثة و هي عقبة التوحيد ان تمحو الكثرة فانها موهومة و انت ( انت فيها و خ‌ل ) تتوجه الي وحدة بحت و هي وجهه الذي حيثما تتوجه و اليه توجهك في حضرتك و غيبتك و مما ينبغي ان تخرق سفينة نفسك بمنقار الناقور و تطهرها من صفات الفجور لتخرج من الظلمات الي النور علي يد خضر العقل و كليم المناجاة و تقتل غلام شهوتك و تبني جدار طاعة الله لتستخرج كنز معرفته قال بعض العارفين من خرق سفينة عجبه و قتل غلام تكبره و بني جدار زهده كشف له عن سر معرفته بربه و قال النفس بلقيس و الدنيا عرشها و القلب سليمان و الاخرة ملكه و العقل الهدهد فسلط يا اخي هدهد العقل [ص 132] بمرسوم النقل علي بلقيس النفس و هددها بجنود الحق و لاتقبل منها هدية الخداع و ارسل عليها عفريت الخوف و نكر لها عرش شهوتها و امرها بالدخول الي صرح التسليم فاذا قامت عليها الحجة و شهدته صرحا ممردا بعد ما كان لجة فعند ذلك ترجع الي ربها راضية مرضية و تسعد بالسعادة الابدية ( الابدية مثل خ‌ل ) النفس كمثل المرأة كلما تجدد لها ثوب ظهرت به للناس ليري عليها او تدعوهم به الي نفسها انتهي ، ثم اعلم ان الطهارة علي ثلثة اقسام طهارة الشريعة بالماء و التراب و طهارة الطريقة بالتوبة عن السيئات و طهارة الحقيقة بعدم رؤية الحسنات ، و المعرفة علي ثلثة اقسام معرفة العبيد ذات و صفات و روح و معرفة العبادة نية و افعال و اقوال و معرفة المعبود اسماء و افعال و صفات ، و العلم علي ثلاثة اضرب علم شريعة و هو يؤخذ من المنقول بنظر العين او سماع الاذن و طريقته الكسب بالدرس و السماع و ثمرته الاخبار عن الله و علم طريقة يدرك بالقلب بواسطة الالهام و طريقه العمل بالاول مع الاخلاص و المجاهدة و ثمرته المعرفة و علم حقيقة و هو بالسر بفيض الحق من غير واسطة الا نفس ذلك الفيض و طريقه العمل بالاولين و ثمرته القرب و الانس و المشاهدة فالاول شجرة ثابتة و الثاني ثمرة دانية و الثالث خاصية الهية باقية فمن ارادها فعليه بتحصيل الثمرة الكاملة و ليجتهد في احسانها و من اراد هذه فعليه بغرس الشجرة و اصلاح ارضها و تنقيتها و سقيها و كثرة تعاهدها عن الشوك و عن كل مفسد كالرياح و السبخ و كثرة السقي و قلة المضرين و تب عن ذلك [ص 133] كله توبة نصوحا ، و التوبة علي ثلثة اقسام توبة بالاقوال و هي توبة العوام و توبة بالافعال و هي توبة الخواص و توبة بالاحوال و هي توبة خواص الخواص فالاولي عن السيئات و الثانية عن الحسنات و الثالثة عما سوي الله ، و اعلم ان العلماء قد ذكروا كثيرا من علوم الاخلاق و تهذيب النفس و كيفية سلوك الطريق المستقيم العادل الي الله تعالي في كتبهم و اخبار اهل العصمة عليهم السلم مشحونة بذلك فمن اراده وقف عليه .

قال سلمه الله تعالي : السابعة - شرح قول الامام الهادي عليه السلم في رسالته لاصحابه في الامر بين الامرين و المنزلة بين المنزلتين و هذه صورته : من علي بن محمد سلام علي من اتبع الهدي و رحمة الله و بركاته فانه ورد علي كتابكم و فهمت ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم و خوضكم في القدر و مقالة من يقول منكم بالجبر و من يقول بالتفويض و تفرقكم في ذلك و تقاطعكم و ما ظهر من العداوة بينكم ثم سألتمونا ( سألتموني خ‌ل ) عنه و بيانه لكم و فهمت ذلك كله .

اقول هذه الرسالة الشريفة نقلها الشيخ المفيد (ره) من كتاب تحف آل الرسول صلي الله عليه و عليهم و قد اشتملت من بيان المنزلة بين المنزلتين في افعال العباد و الرد علي اهل الجبر و التفويض علي ما لايوجد مثله من البراهين القاطعة الالزامية من طريق المجادلة بالتي هي احسن و قد تضمنت ادلة الموعظة الحسنة و ادلة الحكمة علي اكمل وجه .

و ينبغي ان نقدم قبل الشروع في الكلام عليها كلمات في الاشارة الي [ص 134] بيان رتبة هذه المسئلة و انها لاينبغي ان يخوض فيها الا الاقلون الذين هم اعز من الكبريت الاحمر و اقل من الغراب الاعصم و الي بيان اقل ما يكفي من الاعتقاد فيها لغير الاقلين و الي بيان حقيقة مبدء المنزلة المشار اليها و الي بيان مصدرها و محلها و متعلقها و غير ذلك الا ان الكلام في ذلك كله علي سبيل الاشارة و الاختصار و الاقتصار لان بسط الكلام فيها حتي تنجلي لكل ناظر تملأ الاسفار و يفني الاعمار و يشغل الليل و النهار فاقول اعلم ان هذه المسئلة احد من السيف تشق الاقدام و ادق من الشعر تزل الاقدام عند السير ( المسير خ‌ل ) عليها لان فيها عقبات كؤد لايقطعها بسهولة الا محمد و اهل بيته سلام الله عليهم حتي انهم نهوا عن الكلام فيه و حذروا كل التحذير روي الصدوق بسنده ان رجلا سأل اميرالمؤمنين عليه السلم عن القدر فقال (ع) بحر عميق فلاتلجه ثم سأله ثانية فقال عليه السلم طريق مظلم فلاتسلكه ثم سأله ثالثة فقال عليه السلم ستر ( سر خ‌ل ) الله فلاتتكلفه ( فلاتهتكه خ‌ل ) و عن اميرالمؤمنين عليه السلم انه قال في القدر ان القدر سر من سر الله و ستر من ستر الله و حرز من حرز الله مرفوع من حجاب الله موضوع عن خلق الله مختوم بخاتم الله سابق في علم الله وضع الله العباد عن علمه و رفعه فوق شهاداتهم و مبلغ عقولهم لانهم لاينالونه بحقيقة الربانية و لا بعظمة النورانية و لا بعزة الوحدانية لانه بحر زاخر مواج خالص لله عز و جل عمقه ما بين السماء و الارض عرضه ما بين المشرق و المغرب اسود كالليل الدامس كثير الحيات و الحيتان يعلو مرة و يسفل اخري في قعره شمس تضيء لاينبغي ان يطلع عليها الا الواحد الفرد [ص 135] فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في ملكه و نازعه في سلطانه و كشف عن ستره و سره و باء بغضب من الله و مأويه جهنم و بئس المصير ه‍ و انما حذر عليه السلم عنه لان العقل لايدرك الاستواء فيه لان ذلك فوق العقل و لاتعلم الطريقة المثلي فيه الا بطور وراء العقل و هو الفؤاد المعبر عنه بالتوسم في قوله تعالي ان في ذلك لايات للمتوسمين و بالوجود و بنور الله في قوله عليه السلم اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله تعالي فلايوجد ( نعم قد يوجد خ‌ل ) من يكون عنده ذلك النور و لايعلم المنزلة و لقد وقفت علي كثير من كلام العلماء الفحول من اهل العرفان و اصحاب الانوار الشعشعانية كشيخنا الشيخ محمد بن ابي‌جمهور الاحسائي في المجلي و شيخنا الملا في الوافي و قرة‌العيون و ساير كتبه و غيرهما من العلماء الذين يشقون بمتشابه علومهم الشعر و يستخرجون بغوامض افكارهم من لجج بحار المعاني و الاسرار الدرر فاذا وصلوا الي هذه المنزلة خبطوا خبط عشواء و تاهوا في حندسها تيه عمياء و لايزدادون بالتعمق فيها الا بعدا و لايهتدون اليها رشدا لان تلك الانوار التي نظروا بها قد مزجوها بظلمة من علوم مبنية علي قواعد غير مشيدة بنور الله و انما هي من كلام بعض الحكماء ممن سقط اليه من الحق شئ خفي عليه مفصوله و موصوله فهيأ له مبادي و اسبابا رتبها بفكره و من اقوال بعض العلماء ممن نال شيئا ناقصا فتممه من صدره و سطره و لم‌يعلموا ان الفكر و العقل و ما حواه الصدر من العلم قاصرة عن ذلك اذ لايدركه الا ما كان منه و لايعود اليه الا ما برز عنه [ص 136] و لهذا قال الصادق عليه السلم كما رواه المفيد ( الصدوق خ‌ل ) (ره) في توحيده عنه عليه السلم لا جبر و لا قدر و لكن منزلة بينهما فيها الحق اوسع ما بين السماء و الارض التي فيها الحق لايعلمها الا العالم او من علمها اياه العالم ه‍ ، و الي ذلك الاشارة بما رواه في البصائر عن الصادق عليه السلم ان حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكي وعر لايحتمله ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن قيل فمن يحتمله قال عليه السلم من شئنا و في رواية نحن نحتمله ه‍ ، فابان عليه السلم ان هذه المنزلة بين المنزلتين لايعلمها احد الا بتعليم العالم و هو الامام عليه السلم فلايسلكها الا الاقلون و هم المعلمون الذين نظروا بنور الله و كل من سواهم فيكفيه ان يعرف ان الله سبحانه لم‌يجبر العباد علي الافعال و لم‌يفوض اليهم الامور ( الامر خ‌ل ) بل كلف تخييرا و نهي تحذيرا فاذا اعتقد علي سبيل الاجمال انه تعالي لم‌يهمل العباد في افعالهم و لم‌يجبرهم عليها كما قال الرضا عليه السلم ان الله لم‌يطع باكراه و لم‌يعص بغلبة هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه كان مؤديا لما يراد منه و لايكلف الخوض في هذه اللجج الغامرة و لا معرفة المنزلة بين المنزلتين بالكنه لتعذر ذلك علي كثير من الناس اما الاقلون المشار اليهم فعليهم ذلك لانهم مرابطون علي الثغر الذي تهجم منه جنود الشياطين علي رعيتهم من المسلمين فانهم اذا قبلوا منهم الرعية حرقت انوارهم جنود الشياطين فعليهم ذلك لتوقف الدفاع عنهم عليه و لايجوز لهم تركهم لانهم انعامهم كما قال [ص 137] الصادق عليه السلم في تفسير قوله تعالي متاعا لكم و لانعامكم و قال الباقر عليه السلم الناس كلهم بهائم الا قليل من المؤمنين و المؤمن قليل و المؤمن قليل و اما مصدرها فاعلم ان اول فائض من الابداع الوجود و هو الموجود من حيث ربه لا من حيث نفسه و المهية وجدت تبعا للوجود و هي الحيثية الثانية اما الوجود فهو الماء الذي به حيوة كل شئ و هو اثر الرحمة قال تعالي و هو الذي يرسل الرياح بشري بين يدي رحمته حتي اذا اقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فانزلنا به الماء فاخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون و البلد الطيب يخرج نباته باذن ربه و الذي خبث لايخرج الا نكدا فالرحمة هي النقطة التي هي السر المقنع بالسر و الرياح النفس الرحماني و الالف الاولي و بعده السحاب المزجي و هو مذكور في هذه الاية في قوله تعالي يزجي سحابا ثم يؤلف بينه و هي الحروف قبل التأليف و السحاب الثقال المشية و الابداع و عالم كن و الكاف المستديرة علي نفسها و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و هذه الاربعة هي مراتب الابداع و المشية و عالم الامر و الماء المنزل هو الوجود و البلد الميت ارض الجرز و القابليات و الماهيات و الزيت المضيء و الدواة الاولي و البلد الطيب المهية الطيبة يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار و الذي خبث من الماهيات لشدة انيته لايقبل الوجود الا نكدا اي الا ما جري عليه من الكون لا ما يقربه من اختياره و لاتتوهم ان الماهيات لها وجود قبل الوجود لا في العلم و لا في الاعتبار و لا في الخارج و الا لاستغنت عن [ص 138] الوجود لانها انما كانت شيئا بالوجود و شيئيته و هذا حكمها في كل مقام لها من الوجوب و الجواز لايقال انها انما اوجدها كما علمها و الا لزم الجبر لانا نقول لو كان كذلك لزم ثبوت شيئيتها قبل الوجود فيلزم قدمها لانها غير موجدة فتعدد القدماء و يلزم انها اعطته علمه بها كما قاله بعض المتمشرقين فيكون محتاجا اليها في علمه بها و انما اوجدها كما علمها علي ما هي عليه مما يمكن لها لذاتها و مايمكن لها لذاتها الا ما اقتضته من مشيته لها و ماشاءها الا كما اقتضته من مشيته اذ لا شيئية لها الا بمشيته و انما اشتق الشئ من المشية كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم في خطبة يوم الغدير قال اذ كان الشئ من مشيته فلا ثبوت لها و لا شيئية قبل الوجود و لم‌يشأ الا ما علم اذ لايمكن في المشية الا ما علم فلا شيئية لغيره الا بمشيته نعم المهية هي شيئية الوجود من حيث نفسه لانه لا شيئية له من حيث موجده فافهم و لي كلام ذكرته في خطبة انشأتها في عيد الاضحي فيه بيان حقيقة هذه المنزلة فتدبره تظفر بمرادك و هو قولي في الثناء عليه تعالي انشأ ما انشأ لا من شئ فيكون معه و ابدء ما اراد لا بشئ ( لشئ خ‌ل ) و الا لماابتدعه بل خلق الخلق علي مستقرهم اذ خلقهم بدعوة سرهم فاعطاهم ما سئلوه من حكمهم و فطرهم اذ شأن المختار اختيار شأن امرهم و لو كان موجبا لجري فعله بقسرهم فتعالي في غني ذاته و عزة افعاله و صفاته عن خيرهم و شرهم بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون انتهي ، و قد تقدم مرارا الاشارة الي ذلك خصوصا عند الكلام علي قوله صلي الله عليه و آله [ص 139] اللهم زدني فيك تحيرا و لما كانت المهية لا وجود لها الا بتبعية الوجود كانت مشية الله للوجود و لجميع كمالاته اولا و بالذات و مشيته سبحانه للمهية و لجميع كمالاتها ثانيا و بالعرض فتكون مشية العبد للحسنة بالذات لانها من كمالات الوجود من مشية الله لها بالذات لانه تعالي شاء الوجود و كمالاته بالذات و مشية العبد للسيئة بالذات لانها من كمالات المهية من مشية الله لها بالعرض لانه تعالي شاء المهية و جميع كمالاتها بالعرض و المهية ضد العام للوجود و كل شئ من كمالاتها ضد عام لعكسه من كمالات الوجود و اما محلها فاعلم انه لما فاض الوجود من كتم الجود انعكست عنه المهية لانها ظلمة ( ظله خ‌ل ) و انفعاله عند فعل القادر و يعبر عن الوجود بالنار و عن المهية بالزيت و عنه بالكلام و عنها بالمعني و عنه بالماء و عنها بالارض الميتة و مجموعهما الانسان و لما كان الممكن لا غناء له عن المدد في حال و الا لم‌يكن حال انقطاعه عن المدد شيئا و اليه الاشارة بقوله تعالي و ماكنا عن الخلق غافلين و كان مدده من ثمرات اقواله و افعاله و احواله لان الله سبحانه يوجد صفة الشئ بذلك الشئ و الا لم‌يكن صفة ( صفته خ‌ل ) بل هي شئ اخر و اليه الاشارة بقول علي عليه السلم و القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و لما كان الانسان مركبا من شيئين متضادين كل منهما طالب لكماله و غذائه و لايكون الا من جنسه و كان لكل منهما ميل و شهوة الي ما طلب و كسب لذلك السبب تركبت فيه الشهوة المركبة الا ان تركبها علي سبيل التعاقب و البدل لانها في الحقيقة شهوتان متضادتان ( متضادان خ‌ل ) و للوجود [ص 140] وجه خاص به و باب يستعمله في مطالبه و هو العقل و للمهية وجه خاص بها و باب تستعمله في مطالبها و هو النفس الامارة بالسوء يجمع منشأهما القلب فالعقل عن يمينه و النفس عن شماله و له اذنان و علي كل حال منهما داع من الرحمن فعلي اليمين داعي العقل و هو ملك مؤيد يلقي اليه المعونة من الله علي فعل ما طلب الوجود و ندبه اليه من كمالاته الثابتة و ذلك الملك صورة الرأس القائم الخاص بذلك الشخص من العقل الاول المنطبعة في المرءاة اليمني التي هي العقل من قلب ذلك الشخص و علي الشمال داعي النفس و هو شيطان مقيض يلقي اليه الخذلان بالله لا منه في تزيين فعل ما طلبت المهية و ندبها اليه من كمالاتها المجتثة التي لا قرار لها و ذلك الشيطان صورة الرأس المنكوس الخاص بذلك الشخص من الجهل الاول المنطبعة في المرءاة الشمال التي هي النفس الامارة ( الامارة من خ‌ل ) قلب ذلك الشخص و امد سبحانه الملك بجنود من مقتضيات الفضل و الرحمة و اللطف و الايقان و امد سبحانه الشيطان بجنود من مقتضيات العدل و الغضب و القهر و الخذلان فالانسان بين آمر و ناه من نفسه و جعل سبحانه للعبد الالة و الصحة و هي ( هي التي خ‌ل ) يكون العبد بها متحركا مستطيعا للفعل مددا و اعانة علي الطاعة لكنه عز و جل جعلهما صالحة للمعصية ( للمعصية لان ذلك الصلوح من تمام قابلية كون الطاعة طاعة اذ لو لم‌يصلحا للمعصية خ‌ل ) لم‌يقدر العبد عليها و اذا لم‌يقدر عليها كان مضطرا الي الطاعة فلايكون مطيعا اذ الطاعة لاتتحقق حتي يقدر علي المعصية و تركها و يفعل الطاعة [ص 141] مختارا و الوجود و المهية متشابهان متضادتان كالشاخص و ظله و كذلك شهوتاهما و ارادتاهما و باباهما و مطلوباهما ليتحقق الاختيار و الصلوح في الالة و الصحة قال تعالي فجعلناه سميعا بصيرا و الي تركب الداعي و الشهوة في الانسان المستلزمان للاختيار اشار الصادق عليه السلم فيما كتب علي يدي عبدالملك بن اعين حين كتب عبدالرحيم القصير علي يدي عبدالملك بن اعين كما رواه الصدوق (ره) في توحيده فكتب عليه السلام سألت عن المعرفة ما هي فاعلم رحمك الله تعالي ان المعرفة من صنع الله عز و جل في القلب مخلوق و الجحود صنع الله في القلب مخلوق و ليس للعباد فيهما صنع و لهم فيهما الاختيار من الاكتساب فبشهوتهم الايمان اختاروا المعرفة فكانوا بذلك مؤمنين عارفين و بشهوتهم الكفر اختاروا الجحود فكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلالا و ذلك بتوفيق الله لهم و خذلان من خذله الله فبالاختيار و الاكتساب عاقبهم الله و اثابهم ثم قال عليه السلم بعد ذلك و سألت رحمك الله عن الاستطاعة للفعل فان الله عز و جل خلق العبد و جعل له الالة و الصحة و هو القوة التي يكون العبد بها متحركا مستطيعا للفعل و لا متحرك الا و هو يريد الفعل و هي صفة مضافة الي الشهوة التي هي خلق الله عز و جل مركبة في الانسان فاذا تحركت الشهوة في الانسان اشتهي ( اشتهي الشئ خ‌ل ) و اراده فمن ثم قيل للانسان مريد فاذا اراد الفعل و فعل كان مع الاستطاعة و الحركة مستطيعا متحركا فمن ثم قيل للعبد مستطيع متحرك فاذا كان الانسان ساكنا غير مريد للفعل و كان معه الالة [ص 142] و هي القوة و الصحة اللتان بهما تكون حركات الانسان و فعله كان سكونه لعلة سكون الشهوة فقيل ساكن و وصف بالسكون فاذا اشتهي الانسان و تحركت شهوته التي ركبت فيه اشتهي الفعل و تحركت بالقوة المركبة فيه و استعمل الالة التي يفعل بها الفعل فيكون الفعل منه عند ما تحرك و اكتسبه فقيل فاعل و متحرك و مكتسب و مستطيع اولاتري ان جميع ذلك صفات يوصف بها الانسان الحديث ، فافهم ما القي اليك و ما تضمنه هذا الحديث الشريف فان في ذلك تمام بيان الحقيقة بالحق و ان اردت زيادة البيان فعليك في رسالتنا التي وضعناها في هذا الشأن لشيخنا الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد ابي‌دندن الاحسائي و برسالتنا التي كتبناها للشيخ عبدالله بن الشيخ مبارك القطيفي الجارودي فانهما قد تكفلتا بطلبة الطالبين و رغبة الراغبين في الحق و اليقين و قد تركت اشياء ينبغي ان اذكرها هنا اكتفاء بايراد هذا الحديث لانه تكفل بها فتدبره و انما اكتفيت به لاني لو بينت ذلك طال فيه الكلام و الحمد لله وحده .