بقي هنا شئ و هو ان الاجماع السكوتي كثير الاشتباه في التحقق و لهذا كثيرا ما يتوهم تحققه و لميتحقق كما توهم تحققه بعض في مسئلة الجمع بين الشريفتين حيث منع من الجمع بينهما و لميجوز ذلك الاصحاب بل سكتوا عند قول المانع و هو دليل علي اجماعهم علي ذلك و هو اجماع سكوتي و مثل ذلك ليس باجماع و لا حجه لانا قد قدمنا انا انما نعرف ذلك بعد الفحص الشديد بأن يكون في كلامهم اشارة الي تقريره من عموم او اطلاق يشمله و يكون مستندا له فيتحقق او يكون ذلك مستندا للانكار فلايتحقق و في هذه المسئلة بعد ان حصروا المحرمات بجميع اسباب التحريم عمموا الاباحة فيما سوي ذلك و استندوا في التعميم الي قوله تعالي و احل لكم ما وراء ذلكم عاملين بذلك لايختلفون فيه غير غافلين عنه و لهذا نقل عن ابن حمزة القول في ذلك بالكراهية اعمالا لرواية التهذيب المروية في العلل عن ابان بن عثمان حيث لميجعلوها صالحة لتخصيص عموم الاية بعد العمل بالعموم جمعا بينهما اذ لا منافاة [ص 67] بين الكراهة و العمل بالعموم و ذلك دليل علي عدم غفلتهم عن ذلك الدليل المدعي انه دليل صالح للتخصيص و انهم غفلوا عنه و يا لله العجب كيف يقال غفل عنه من رواه و نقله من اصله و وضعه في كتابه و استدلالهم بأن اغلب العمومات مخصصة باخبار الاحاد مردود اذ ليس كل خبر مخصصا بل اذا كان صالحا لذلك بأن يكون صحيحا اما لذاته مقبولا عندهم او بالقرائن علي ما قرره الشيخ في العدة و ذلك كله قبل استقرار العمل علي العموم و لايلزم المثل المشهور ما من عام الا و قد خص ، لان هذا ان اريد به العموم كان مخصوصا بمقتضاه و ان اريد الامر الاغلبي فلايضر علي ان العمل بالعام كثير الوقوع في الاحكام و لايضر في بعضها تخصيص العام بل جوز بعض العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص كالعلامة في تهذيب الاصول و نقل ان للمفيد (ره) قولا بتعين التكبير بعد السجود لما روي من انه اذا انتقل من حالة الي اخري فعليه التكبير مع وجود ما يخصصه بغير هذا الموضع و ورد التخيير بين العمل بايهما شئت من باب التسليم ففي مكاتبة محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري الي صاحب الزمان عليه السلام يسئلني بعض الفقهاء عن المصلي اذا قام عن التشهد الاولي الي الركعة الثالثة هل يجب عليه ان يكبر فان بعض اصحابنا قال لايجب عليه تكبير فيجزيه ان يقول بحول الله و قوته اقوم و اقعد الجواب في ذلك حديثان اما احدهما فانه اذا انتقل من حالة الي اخري فعليه التكبير و اما الحديث الاخر فانه روي اذا رفع رأسه [ص 68] من السجدة الثانية و كبر ثم جلس فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير و كذلك التشهد الاول يجري هذا المجري و بايهما اخذت من باب التسليم كان صوابا انتهي ، و الرواية و ان احتملت التقية كما هو الظاهر الا ان اخرها يدل علي جواز التخيير بايهما من باب التسليم و هو دال علي جواز العمل بالعام مع وجود المخصص و نظائر هذا كثير يطول بذكر ما يحضر منه الكلام فليس الاستدلال بمثل ما من عام الا و قد خص بتام لان الواقع من ذلك اغلبي و الرواية التي هي مستند المنع متروكة غير صالحة للتخصيص و هي ايضا ضعيفة السند علي ما في التهذيب و علي ما في العلل ففيها ابان بن عثمان و هو و ان كان ممن نقل الكشي اجماع العصابة علي تصحيح ما يصح عنهم الا انه ناووسي خبيث لايجوز التعويل علي ما تفرد به و كونه ممن اجمعت العصابة لايوجب العمل بروايته لاحتمال ان مقتضي الاجماع المنقول انما هو مجرد الترجيح بل هو الظاهر لا صحة الورود و لا صحة العمل و لا ثقة الراوي و غير ذلك لانا وجدنا من كان قريب العصر بهم كالشيخ يرد كثيرا من رواياتهم المخالفة لما يحكم ( فلايحكم خ ) به و ليس لعدم ثبوت نقل الاجماع ● عنده كما توهمه بعضهم لتصريحه بذلك في مواضع كثيرة من كتبه كالعدة و غيرها بل لمعرفته بأن المراد من ذلك مجرد الترجيح فاذا حصل ( له خ ) ما هو ارجح منه طرحه مع ان جعفر بن محمد عليهما السلام قال ما معناه ان لنا اوعية [ص 69] نملأها علما لتنقلها الي شيعتنا فصفوها تجدوها نقية صافية و اياكم و الاوعية فتنكبوها فانها اوعية سوء انتهي ، فقوله فصفوها يدل ان هذه الاوعية تغير العلم و الاحاديث لخبثها فلاتقبل منها الا ما كان معتضدا بقرائن و ( او خ ) مرجحات و الا فلا فما ظنك بها اذا عارضتها القرائن و خالفتها المرجحات فعلي ما قررناه ينبغي المعرفة التامة للاجماع السكوتي للاشتباه المذكور بل قد يفقد فيما يوجد السكوت فيه و قد يوجد فيما لايظهر السكوت فيه كما اذا كان الموافقون معلومي النسب و دل الدليل علي صحة قولهم فان من سواهم و هم الساكتون فيهم الحجة و سكوته تقرير لذلك القول كما مر و الله اعلم بالصواب و اليه المرجع و المئاب .
اما امكان وقوعه في زمن الشارع فالقائل به ممن ينكره كثير زعما منهم ان من يعتبر قولهم يمكن ضبطهم و الاحاطة بهم لقلتهم و اما في مثل هذا الزمان ما قبله مما تأخر عن زمن الشارع فقد اختلف فيه فقيل بعدم امكان وقوعه لانه اذا كان عبارة عن الاتفاق فهو مع كثرتهم و اختلاف طبائعهم التي هي منشأ للاختيارات المختلفة المتكثرة لاختلاف الافهام و المذاقات باختلاف الطباع ( الطبايع خ ) و الاهوية و الاقاليم و المطاعم و قرب الزمان و المكان و بعدهما الي غير ذلك من الاحوال الموجبة للاختلاف كان متعذرا عادة بخلاف ما كان في الصدر الاول لان الطباع ( الطبايع خ ) و ان كانت كذلك هنالك لكن لما تقاربت العوارض الواردة عليها لو اتحدت كقرب المكان و الاقليم و الزمان و اتحدت الاهوية و المطاعم و المشارب و تلاقي اصحاب [ص 70] تلك الطباع ( الطبايع خ ) لقرب مكانهم و تخالطوا في البحث و الكلام تلونت طباعهم ( طبايعهم خ ) بما يكون عنده الاتفاق و ذلك لان الشخص اذا خالط اخر و كثر لقائه له و اجتماعه به و البحث معه حصل له لطخ من طبيعته و مسح من طينته حتي يكتسب من ذائقته و يمشي علي طريقته و ليس سلوكه لطريقته تقليدا له بل موافقة كانت منه عن استقلال و لكنه تخلق بخلقه و انطبع بذوقه لتساقيهما بنتايج افكارهما مشافهة حتي انهما لو اختلفا و تأملت حاليهما رأيت ان السبب جمود كل علي رأيه اذ لو مزجه برأي الاخر و طلب طريق القصد اجتمعا غالبا و لايكون ( لايمكن خ ) في غير المشافهة ما يكون فيها و هولاء يمكن حصول الاتفاق منهم بخلاف من تأخر عن ذلك الزمان و تكثروا و تفرقوا في البلدان و الاقاليم المختلفة و الاهوية و المطاعم و اللغات فان الاتفاق منهم متعذر عادة و قيل بامكان وقوعه و هو الحق لان المفروض ان دواعي من يعتبر قولهم لاتختلف لانهم طالبون للحق و هو واحد لايختلف و اما اختلاف الطباع و الامزجة و الاهوية و الاقاليم فهي و ان كانت مؤثرة لكن تأثيرها ضعيف بالنسبة الي الرد الي مؤسس الشرع لانهم انما ينظرون في كلام الحكيم الذي لايختلف في نفس الامر و ان اختلف ظاهرا فوجه الجمع بينه ( بينهما خ ) و الايتلاف اظهر و الحكيم كما اظهر الاختلاف اسس طريق التأليف كما في قوله تعالي و ماارسلنا من قبلك من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله اياته و الله عزيز حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم و ان الظالمين [ص 71] لفي شقاق بعيد و ليعلم الذين اوتوا العلم انه الحق من ربهم فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم و ان الله لهادي الذين امنوا الي صراط مستقيم يعني من التأويل و قد اتفق المؤمنون اولوا العلم ان قوله تعالي اذا تمني القي الشيطان في امنيته يراد به وجهان لا انه يحتمل احد وجهين فيكون حصول الحق مظنونا بل يراد به اذا تمني بمعني قرأ و امنيته قرائته كما قال حسان :
تمني كتاب الله اول ليلة تمني داود الزبور علي رسل
و بمعني الامنية و هو لغة طلب المتعذر او المتعسر و قد يستعمل هذا بمعني الترجي ايضا و معني الاول انه اذا قرأ احتمل الشيطان لاوليائه في تلك القراءة معني غير مراد و لاتدل عليه المحكمات بل ترده ردا صريحا فيهدي الله الذين امنوا الي ابطال ذلك الاحتمال الذي هو القاء الشيطان و معني الثاني انه تمني ان يأتيه كذا مما يحبه الله فاحضر الشيطان لاوليائه عند تمني النبي صلي الله عليه و آله ما يكرهه الله اغواء لاوليائه فاتي بعد ذلك ما تمناه النبي (ص) مما يحبه الله و هو الهداية التي جمع الله عليها اوليائه و انما قلت انهما مرادان معا لانهما وقعا و صحيح الاعتبار فيه يشهد بصحيح الاخبار فيه و انما استطردت هذا و امثاله مما لسنا بصدده لغاية عندي و فيه تمثيل للدليل فاذا كان الحكيم قاصدا لتأليف المؤتلف كما بيناه و كلامه عند العلماء يؤولون مذاقاتهم و انظارهم علي ما يطابق مراده منه ليعرفوا حكمه كما اشارت اليه مقبولة عمر بن حنظلة بقوله عليه السلام من نظر في [ص 72] حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا لا انهم يؤولون كلامه علي ما يطابق مرادهم حاشاهم ان يقولوا علي الله ما لايعلمون فاذا كان كذلك كان اختلاف طبايعهم و اقاليمهم و اهويتهم لايؤثر مع ضعفه تفريقا للمجتمع و هو الحق مع قوته و احكام طريقته الاتري ان علماء العرب و علماء العجم من الفرس و الروم و الهند و غيرهم اقرب مشابهة بعضهم ببعض في الملابس و الاخلاق و المذاقات و الطبائع في امور دنياهم مع اختلاف دواعيهم فضلا عن امور دينهم و متعلقات علومهم من عوام الناس المشابه بعضهم ببعض فكيف و كلهم طالبون باحثون عن طريق واحد محكم الاساس و القواعد مضبوط الامارات و الشواهد فان قيل ان اجتماع الناس علي مأكول واحد في وقت واحد محال مع انه صالح لهم في كل حال كذلك اجتماعهم علي قول واحد محال مع انه قد يكون صالحا لهم في كل حال و الا لماجاء النسخ في الشرايع و الاحكام قلنا ان الفرق ظاهر فان الناس كانوا مختلفين في الدواعي لاختلاف الشهوات في الاوقات المتعددة بالنسبة الي الاكل و لعروض بعض الاسباب و الموانع لبعض في بعض الاوقات و ايضا لانسلم ان الطعام الواحد صالح لكل الناس في وقت واحد لاختلاف الفصول بالنسبة الي البلدان و اختلاف الابدان و لان الاكل لشئ واحد في وقت واحد لا مصلحة فيه اذ هو شئ ليس منوطا بالخلق علي سبيل الاجتماع و الحاجة له ليست موقتة اذ لو كان كذلك جاز ( لجاز خ ) اجتماع الناس علي شئ واحد في وقت واحد كما لو فرض الصيام في السرطان مثلا او الاسد و اتفق حر شديد و سموم فانه يجوز ان [ص 73] يتفق الناس علي شرب الماء عند الافطار و يجوز الاتفاق علي الوطي اول ليلة من شهر رمضان و لا مانع من امكان ذلك و انما منعناه هنالك عادة لما ذكرنا من اختلاف الدواعي و الاسباب و الموانع في المأكول الواحد و اما اتفاق الجميع علي حكم واحد فليس فيه من موانع مسئلة الاكل شئ اذ مسئلة الاكل حكم طبيعة و اضطرار و ليس الطعام الواحد مرادا من الجميع في اوقات مختلفة متعددة و لا كان مرادا من الجميع في وقت واحد و الا لكان كذلك مثل مسئلة الاجماع فان الحكم الواحد حكم شريعة و اختيار و يجوز ان يكون مرادا من الجميع و صالحا لهم في كل حال و لهذا لايكون النسخ فيه و لايعرف الا بالتعريف الالهي من قبل الشرع فجاز اتفاقهم علي ما هذا حاله مضافا الي ما قلنا سابقا من ان الحكم ليس دائرا مدار الشهوات و انما هو دائر مدار امر الشارع و مراده فليس لاحد ان يجري فيه مع الطبايع المختلفة و الدواعي المتشعبة بخلاف الاكل لاختلاف دواعيه و اتفاق امارات الحكم و مع هذا كله فلا اشكال في انه وقع فانكار وقوع ما وقع قطعا قطعي الفساد بل صرح العامة بأن الشيعة متفقون علي امكان وقوعه و امكان العلم به و حجيته و انما الخلاف في هذه الثلاثة عندهم و اما سبب وقوع الخلاف من بعض الشيعة في هذه الثلاثة فمن الالتفات الي خلاف اهل الخلاف و ذلك لان نصوص اهل الخصوص مشحونة بذكر الاجماع و الاخبار بوقوعه به و الاحتجاج به فمن اقتصر علي الاتباع لهم و جعل نظره تبعا لنظرهم لا بد ان يقول بذلك و انما يتوقف فيها من نظر برأيه في توجيهات اهل الخلاف [ص 74] بناء علي طريقتهم و لا شك ان من بني امر الاجماع و وقوعه علي طريقة اهل الخلاف لايكاد يتحقق عنده امر الاجماع اذ لايحصل عندهم الا بالاتفاق و هذا كما قالوه و اما عندنا فنحن نتحققه بدخول قول المعصوم (ع) و هو حافظ لشريعتهم عن الزيغ و الميل و الباطل بان لايخرج الحق عن اهله و لايدخل فيه ما ليس منه فان زاد المؤمنون ردهم و ان نقصوا اتمه لهم فيقر مصيبهم و يرد مخطئهم و ينصب لهم امارات الصواب و الخطاء حتي لايجهلهم امر دينهم و لاحظ هنا ما سبق تجد فيه لك دليلا مرشدا .
و اما امكان العلم به فاختلف فيه فقيل انه في عصر الشارع (ع) عند تأسيس الحكم و ابتدائه يمكن الاطلاع عليه لانه محصور في مكان واحد و الاتفاق المعتبر منحصر فيمن حضر و اما بعد ذلك العصر فقد انتشر ذلك الحكم في سائر البلاد و اشتهر بين العباد فيتعذر الاطلاع عليه لان العلم باجماع المجتهدين علي امر لايمكن الا بعد معرفتهم و معرفة ان كلا منهم افتي بذلك الحكم بحسب الاعتقاد عن صميم قلبه و قد اجتمعوا علي ذلك و معرفة هذه الامور متعذرة لانتشار المجتهدين في مشارق الارض و مغاربها و تمتنع معرفتهم فان علماء الشرق لايعرفون علماء الغرب و علماء الغرب لايعرفون علماء الشرق و لجواز خفاء بعض منهم في مطمورة ( الزمان خ ) لا علم لاحد به و لجواز خمول احد منهم بأن يكون نازل الرتبة مجهول النسب و اما معرفة ان حكمه بذلك عن صميم القلب فمتعذر ايضا لجواز كذبه خوفا من ظالم او من مقت ذي منصب بذلك و لجواز رجوعه عن فتواه قبل الاخر ، لايقال انه لو اجتمعت [ص 75] الامة علي قولين و تعاكسا في الفتوي كان اجتماع و حصل اتفاق لقول النافي حال رجوعه بالايجاب و بالعكس لانا اولا نمنع امكان التعاكس لاستلزامه قول اهل الحق بالباطل و اهل الباطل بالحق فيرتفع الحق عن اهله و ثانيا انا نمنع الاجتماع بعد التعاكس كما نمنعه قبله لان شرط حصوله في وقت لا في وقتين قال بذلك جماعة من الجماعة و تبعهم جماعة منا قائلين ان هذا لايمكن الاطلاع عليه الا من جهة النقل و قال بعض و لايمكن من جهة النقل ايضا اذ النقل ان اعتبر الانتهاء الي مبدء الاطلاع لزم التعذر لتعذر الاطلاع ابتداء فكذا بالنقل و ان لميعتبر الاطلاع الابتدائي فيه لميتحقق الاتفاق للاحتمالات السابقة فاحتياج النقل الي الاطلاع الابتدائي مانع لفائدته لان الاطلاع الابتدائي اذا امكن كان النقل لغوا و اذا امتنع كان المتوقف عليه اولي بالمنع فلايمكن العلم به ايضا و قال قوم بامكان العلم به و هو الحق لان الاحتياج الي معرفة جميع من يعتبر قولهم علي النحو الذي ذكره المانعون انما يتمشي علي مذهب اهل الخلاف و اما علي مذهبنا المبني فيه امر الاجماع علي دخول قول الامام عليه السلام في جملة قائلين فحيث ما علم ذلك تحقق الاجماع فلايحتاج فيه الي الاحاطة بجميع اقوال من يعتبر قولهم مع معرفة ما اتفقوا عليه عن صميم قلوبهم و محض معتقداتهم لان مذهبنا دين الله الذي لايطفأ نوره و لايرتفع عن اهله محفوظ عن كل ما يخدشه اذ لايكون جهة من جهات العبارات و لا نحو من انحاء النفوس و لا مذهب من مذاهب العقول الا و قد وضع لنا حفظة الشرع (ع) عليه دليلا يبينه من صحة [ص 76] او فساد و امارة توصل الي ما فيه السداد و حجة واضحة موضحة لسبيل الرشاد و ذلك يحصل بالعبارة او بالاشارة او بالالهام او بالتنبيه او غير ذلك في نص او ظاهر بخصوص او عموم او تقييد او اطلاق او ايماء بعمل او تقرير او مثل و ما اشبه ذلك و لهذا قال عليه السلام ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة فاذا استفرغ من له اهلية الاستيضاح و الاستنباط وسعه في تحصيل معرفة حكم الامام عليه السلام وقع عليه و عرف قوله و حكمه فيه لانه عليه السلام مهما طلب الحكم من النحو الذي امر بطلبه منه وجده فان لمنجده هنالك وجدناه حتي يوجدنا نفسه لانه هو القيم علي هذه الفرقة و هم رعيته و عليه تسديدهم كما اشارت اليه النصوص و براهين هذه المعاني مما يطول به المقام و فيما تقدم مما قررناه ما ينفعك هيهنا فلاحظ ، لايقال لو كان كما تقولون انه حيث ما طلب وجد لماوقع الخطاء من احد من اهل الاستنباط و انتم لاتقولون بذلك بل تجوزون علي كل واحد الخطاء لانا نقول ان الاحكام التي يستقيم بها النظام ليست كلها يقينية حتي يتحقق في كل مسئلة منها الاجماع بل نقول فيها المسائل اليقينية و فيها المسائل الخلافية فاما المسائل الخلافية فعلامتها ان تكون الادلة فيها المتكافئه بالنظر الي المستدلين بل لايكون الرجحان فيها مانعا من النقيض بل يحصل فيها ما يثبت به الظن لشخص و يثبت نقيضه بظن اخر لاخر و منها ما يبلغ به التكافؤ الي ان يكون منه ( فيه خ ) اجماع مركب و هو ايضا من الظن بالنسبة الي كل واحد علي الانفراد و ان كان اليقين فيهما معا او لايكون منه الاجماع المركب [ص 77] و منها ما سبيله التوقف و حكمه الاحتياط الي غير ذلك و هذه و امثالها يكتفي الشارع عليه السلام بوقوع التكليف بها و لايرتفع الحق عن اهله بذلك في ضمنها و اما اليقينية فلا بد من حصول شرط اليقين كما قلنا و لا علامة لاحدهما الا حصوله عن الدليل الظني او اليقيني و الواقع لايخلو منهما و كل منهما حيث ما طلب وجد و لانجوز ( لايجوز خ ) الخطاء فيما يحصل من الاجماع نعم ما يحصل من الاجماع المحصل الخاص يجوز فيه لعدم عموم حجيته و لهذا جاز لمن لميحصله مخالفته للدليل فان قلت ان الاخباريين يمنعون ما ذكرت من امكان العلم به ان لميحط بجميع من يعتبر قوله علي ما ذكر و دعوي العلم بذلك يحتاج الي دليل قلت نعم الدليل حصول القطع لهم ببعض المسائل مع وجود بعض الاخبار المخالفة لها فان قالوا انما قطعنا للنص ( فيها خ ) قلنا و ان كان فيها نص لايحصل منه القطع مع وجود نص علي نقيضه الا اذا عرفتم بالقرائن انما حكمتم به مذهب الامام عليه السلام فاذا حصل لكم ذلك مع وجود القائل بخلافها عن نص للامارات و القرائن التي افادتكم اليقين بمعرفة ان ذلك مذهب الامام (ع) قلنا لكم لانعني بالاجماع الا هذا و لانسلم لكم ان معرفة مذهب الامام (ع) من هذا اللفظ الذي عندكم لوجود المخالف لفظا ايضا و هذا ظاهر لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد علي انا نعارضكم بانكم لاتعملون بمجرد وجود حديث واحد وجد له مناف ام لا او مقيد او مخصص ام لا بل لا بد من الترجيح و انتم تقرون بانكم لاتحيطون بجميع ما ورد عنهم عليهم السلام و لاتجوزون العمل ببعض دون بعض [ص 78] فان كان يجوز عندكم العمل ببعض الاخبار فان كان عاما لاتحتاجون الي الاطلاع علي المخصص وجد او لميوجد و ان كان مطلقا او مجملا مثلا لاتحتاجون الي المقيد او المبين وجدا او لميوجدا فينبغي ان يكتفي احدكم بادني كتاب و لايحتاج الي ترجيح و لا الي نظر و لا تصحيح فيكون من ادرك قيمة كتاب من كتب الاخبار بلغ ( تبلغ خ ) غاية الاعتبار و ان قلتم لا بد من تحصيل الخاص للعام و المقيد للمطلق و المبين للمجمل و المحكم للمتشابه و هكذا وجب عليكم ان تحصلوا جميع ما خرج عن اهل العصمة (ع) و الا امتنع عليكم الحكم و انتم تقرون بعدم حصول الجميع لكم فان قلتم يكفينا ما نقدر علي تحصيله و نعرف حكم الامام عليه السلام و لانكلف ما لانقدر عليه فجوزوا هذا المعني لغيركم فكما انكم تعرفون حكم الامام عليه السلام ببعض مع وجود المخالف من الاخبار و تجزمون بكثير من الاحكام في مثل هذه الحال فكذلك غيركم مع انكم تقولون انه لايجوز القول بدون نص من جميع من يعتبر قوله فان امكن لكم تحصيل ادلة الجميع امكن لغيركم معرفة اقوالهم بطريق اولي لان القول كما مر سابقا لا بد ان يظهر او ينقطع فيبطل و اما الدليل فلايجب اظهاره و ان كان ذلك القائل الذي لا دليل له لايعتبر قوله الا اذا ظهر دليله و الا كان عندكم مطرح القول فليس ممن يعتبر قوله فلايضر عندكم وجود خلافه لانكم لاتشترطون علينا ضبط جميع السنة الخلق و انما تشترطون ضبط من يعتبر قوله فجوابكم لنا في استدلالكم بالاخبار مع عدم الاحاطة بكلها و فيها ما لايجب اظهاره هو جوابنا لكم [ص 79] بامكان معرفة مذهب الحجة عليه السلام في جملة اقوال معتبرين و ان لميكن الجميع محاطا بهم مع ان قول من يعتبر قوله ان لميجب اظهاره لانه حق و لايرتفع الحق عن اهله وجب الحكم بفساده بطريق اولي فافهم و لاحظ ما مر فانه مشتمل علي كثير مما يكفي من يفهم .
و احب نقل كلام الشيخ محمد بن الشيخ عبدالنبي المقابي البحراني بلفظه و اختصر منه و اقتصر علي بعض في مكان من كتابه نخبة الاصول في حجية الاجماع و هو من كبار اهل الاخبار الذين يعترضون علي الاصحاب في هذا الباب . قال رحمه الله ان خواص ائمة الدين لايفتون الا بسماع من ائمتهم و هذه هي العلة في اثبات حقيقة اجماعهم و لا ريب ان من تتبع احوالهم علم انهم لايفتون بالرأي و لا بالقياس و الاستحسان و لا بمتشابهات القرءان و لا بروايات الاحاد و انما يعملون بمناطيق الاخبار المنقولة عن الائمة الاطهار متواترة كانت او محفوفة بقرائن القطع او مستفيضة مشهورة فالاولان هما منشأ اجماعاتهم لعدم جواز معارضتهما بشئ من الادلة و الاخير و هو الخبر المشهور ان كان غير معارض او معارضه خبرا شاذا فهو ايضا منشأ لاجماعاتهم و الخبر الشاذ الذي تفرد به الراوي لايعملون به و ان عارضه خبر مشهور مثله كان ذلك منشأ لاختلافاتهم لقوله و ان اخذت بايهما شئت من باب التسليم وسعك الي ان قال و اذا كان هذا شأن الخواص كان قولهم مطابقا لقول ائمتهم (ع) قطعا الي ان قال و مثل هؤلاء الاعلام اذا كان هذا شأنهم يجزم اللبيب المنصف ان قولهم يكون مطابقا لقول ائمتهم (ع) و من هنا امرت الائمة بمتابعتهم [ص 80] و اخذ معالم الدين منهم خصوصا و عموما و صرحوا بانهم حجة علي سائر العباد و الروايات في ذلك اكثر من ان تحصي منها قوله (ع) انظروا الي رجل منكم قد روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فاجعلوه حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما و الراد عليه كالراد علي و الراد علي كالراد علي الله و في مكاتبة الامام ارجعوا الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله عليهم الي ان قال و هذه هي العمدة في حقيقة هذا الاجماع و انكار ذلك من متأخري بعض اصحابنا مكابرة صرفة لاينبغي الالتفات اليها و معلوم ان تتبع الشيخين و الصدوقين و ثقةالاسلام و علمالهدي لاحوال الرواة عن الائمة القادات اشد من تتبع متأخر بينه و بينهم اكثر من الف سنة مع عدم اطلاعه علي شئ من اصولهم و لا فتاويهم الا بسماع ممن لايجدي نفعا فلو رأت اولئك الاعلام اختلافا في البين لماساغ لهم الاحتجاج باجماعاتهم التي ملئوا بها الخافقين مع انها لاتكاد تخرج عن الشهرة فيما بينهم بل هم يقطعون بانها مطابقة لاقوال ائمتهم لشدة حسن ظنهم بهم و جزمهم بانهم لايجمعون علي باطل مع وجود الامام بين اظهرهم و لو جوزوا عليهم القول بالرأي من غير سماع عن الامام لماساغ لهم نقل اجماعاتهم في الاحتجاج بها علي الاحكام الشرعية بل قد يردون بها الاحاديث المروية عن الذرية النبوية عليهم السلام يعلم ذلك من تدبر كتبهم و عرف فتاويهم بل لو جوزنا عليهم العمل بالرأي لزم اطراح الروايات الواردة في الامر بالرجوع اليهم و الاخذ عنهم و لميجز الاخذ عنهم ، الخ .
[ص 81] اقول يريد بهذا الجمع ان الاجماع حق و انه حجة و لكن المراد به اجماع اصحاب الائمة الذين لايقولون الا بالخبر و اخرهم الشيخ و اما من بعده فانهم لايعول علي اجماعهم زعما منه انهم يقولون بغير النص في كثير من الاحكام و هذا غلط فاحش و جهل واضح لان الذين يشير اليهم ليس من تقدمهم خيرا منهم لا في معرفة و لا ورع و لا عفة و لا اشد اطلاعا علي احوال التراجيح و النقادة للسمين من الغث لانهم قد جمعوا الي علومهم علوم من تقدمهم و لاينكر هو هذا الكلام الا انه يدعي هو و امثاله من ان من تقدم احسن اطلاعا علي القرائن و الامارات كما هو المعروف عند كثيرين و ليت شعري بأن اية قرينة تحصل للمتقدم يتوقف عليها معرفة الحق لاتحصل للمتأخر او خير منها هيهات هيهات و اين هو من قوله تعالي ماننسخ من اية او ننسها نأت بخير منها او مثلها المتعلم ان الله علي كل شئ قدير الا ان كان المفروض جواز خروج الحق عن مستقره لان المتأخر من الفرقة المحقة كالسابق في كل ما استقر عليه الدين و يزيد عليه بما يتجدد له بعد ذلك فان كان الاولون عرفوا من الاخبار ما كان متكررا في الاصول لقربهم و ما كان من اصل عرض علي الامام (ع) او قبلته الطائفة مثلا حتي اعتمدوا علي ما لايحصل لمن بعدهم فلا ريب ان من بعدهم ممن ادركهم قد ادركوا منهم ما كان مصفي من الكدورة لان الاولين اخذوا من الرواة ما ليس بمصفي فصفوه بحسب مجهودهم و نصبوا عليه الدلائل و اخذه عنهم من لقيهم بدلائله ففتشوا فيه علي ما كان عليه من التصفية و اقاموا عليه البراهين و اتي من بعدهم و نقر ( نظر خ ) [ص 82] فيما فتش غيره حتي وصل الينا هكذا كل سابق ورث لاحقه فهمه و علمه فكان ذلك عند اللاحق و يزيد علي سابقه بما يتجدد له من مزايا الاحتمالات و لايخفي عليك انه لو دقق من قبلك في مسئلة فوصل اليك ما اسداه لعثرت علي تدقيقه و الحمت له سبل ( سبيل خ ) تحقيقه و قد صرح الشيخ الحر في الوسائل عند قول العلماء بأن سبب عدول المتأخرين عن طريقة القدماء الي الاصطلاح الجديد اندراس الاصول و فناء القرائن .
قال (ره) و ذلك ممنوع ان ارادوا حصوله في زمن اصحاب الكتب الاربعة بل ممنوع مطلقا الخ .
و هو دال علي امكان حصول القرائن لكل احد علي الاطلاق فاذا ثبت عنده ان اجماع اولئك حجة كان هذا الثبوت في حق من بعدهم الذين وصل اليهم ما استقر من احكام اولئك و ليس لهم هم الا تحقيق ( تحقق خ ) ما استقر عند الاولين اولي و احق بالثبوت الا ان يقول ان المتأخرين انما يعملون بالرأي و القياس و الاستحسان كما هو مفاد التعريض فلايعتبر ما اعتبروه بخلاف الاولين فليس له جواب عندنا لكنا نقول هو بعدهم و ابعد منهم عن اولئك فان اخطأ الاقرب فالبعيد اولي بالخطاء لبعده و ان اصاب فالقريب اولي ( به خ ) لقربه و استشهاده بهذه الروايات الدالة علي الرجوع الي من روي الحديث فنعم و لكنه (ع) قال روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا ، فجعل علامة نائبه معرفة احكامهم لا مجرد رواية حديثهم فرب حامل فقه ليس بفقيه و عنهم عليهم السلام والله انا لانعد احدا ( الرجل خ ) من شيعتنا فقيها حتي يلحن له و يعرف اللحن و روي محمد بن سعيد الكشي [ص 83] رفعه قال قال الصادق عليه السلام اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من روايتهم ( رواياتهم خ ) عنا فانا لانعد الفقيه منهم فقيها حتي يكون محدثا فقيل له أويكون المؤمن محدثا قال يكون مفهما و المفهم المحدث ه ، المحدث و المفهم اسما مفعول و المراد به ذو اللطيفة الربانية التي يعرف بها الحكم و هي جزء من سبعين جزءا من الولاية و قال المجلسي (ره) في البحار في بيان قول علي عليه السلام في بيان احوال اشباه العلماء يذري الروايات ذرو الريح الهشيم الخ ، قال رحمه الله فان هذا الرجل المتصفح للروايات ليس له بصيرة بها و لا شعور بوجه العمل بها بل هو يمر علي رواية بعد اخري و يمشي عليها من غير فائدة كما ان الريح تذري الهشيم لا شعور لها بفعلها و لايعود اليها من ذلك نفع ه ، و لا ريب ان المشار اليهم من المتأخرين اوسع احاطة و اشد نقادة و ادق فهما و الطف حسا و ليس فيهم من يذري الروايات ذرو الريح الهشيم و لا من ليس محدثا و لا من يلحن له فلايعرف اللحن و لا حامل فقه و ليس بفقيه و انما هم علماء اتقياء ازكياء بذلوا جهدهم في نفي انتحال المبطلين و موضوعات اخوان الشياطين عن الدين و لايذهب عليك ما ورد عن اهل العصمة عليهم السلام في حق بعض من تقدم من الثناء فان من هؤلاء من لو كانوا في عصر الائمة (ع) لورد في شأنهم علي الخصوص ما لميرد في من سبق اليس هم الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلوة و مما رزقهم ربهم ينفقون و قوله (ره) و انكار ذلك من متأخري بعض اصحابنا مكابرة صرفة سوء ظن و ادب [ص 84] فان العلماء المتأخرين لايطعنون فيمن تقدمهم و انما يثنون عليهم كمال الثناء و انما ينكرون عليهم حصر الاقتداء بائمة الهدي عليهم السلام فيمن عني (ع) بحيث يكون من بعد الشيخ لايعتد باجماعهم لانهم لايقتصرون في احكامهم علي الكتاب و السنة بل في كثير من احكامهم يستندون الي الرأي و القياس و الاستحسان و لقد شافهني بعض اشباه الناس بذلك حتي قلت له فاذا هم ضالون فقال نعم و علي مثل ذلك و عند مثل هذا يكون من يجعل جميع علماء الشيعة و ان اختلفوا في الفتوي و في الطرق الي الحجة (ع) كلهم اهل الرد الي الكتاب و السنة لايخرجون عنها طرفة عين و انما يعدلون عن بعضها الي بعض منها ارجح عندهم من ذلك البعض المعدول عنه و ان كان من عموم الي خصوص او بالعكس كما يقع الترجيح بين الخبرين الخاصين مكابرا و هذا من شأن اشباه العلماء و لكنهم معذورون لانهم لايعرفون ما اراد العلماء و المرء عدو ما جهله . و اما قوله في الرضي عن الشيخ و علمالهدي فجار فيمن بعدهما و اما دعواه انهما من اهل الاخبار كما ذكر في نخبته فخالية عن صحيح الاعتبار فان شاء فليرجع الي العدة للشيخ و الذخيرة للمرتضي و لايقصر نظره علي التهذيب و بالجملة ذكر النقوض التي ترد علي كلامه يطول منه الكلام و علي من يفهم السلام .
قال (ره) بعد ان ذكر يونس بن عبدالرحمن و الفضل بن شاذان و معوية بن حكيم و جميل بن دراج و غيرهم قال فاذا حصل العلم بفتوي جماعة منهم حصل العلم بقول الامام (ع) كما قال الشيخ في العدة قد لايتعين لنا قول الامام (ع) في كثير من الاوقات فنحتاج حينئذ الي اعتبار الاجماع [ص 85] فنعلم باجماعهم ان قول المعصوم عليه السلام داخل فيهم و مع تسليم اقتصارهم علي الروايات فمذاهبهم تعلم من رواياتهم قطعا لان الراوي عن الامام مشافهة يعمل بما روي البتة و لايتصور من الراوي ان يدون في اصله ما رواه عن امامه و لايعمل به فيكون الحكم مجمعا عليه رواية و فتوي و هو اقوي من الاول بكثير ه .
اقول لايخفي علي من نظر ان عبارة الشيخ في العدة صريحة في ان الاجماع كاشف عن دخول قول المعصوم عليه السلام لا انه مطابق لقوله عليه السلام كما زعمه رحمه الله فيما يأتي من نقل كلامه في ذكر من قال بحجية الاجماع علي ان المطابقة لو فهمها علي خلاف مراده لكان الكشف انسب بمراده لانه (ره) يذهب الي ان حجية اجماع اصحاب الائمة عليهم السلام لكون اجماعهم مطابقا لقول المعصوم عليه السلام و يلزم من هذا ان قوله عليه السلام ليس داخلا في قولهم و يلزمه ان قول اولئك ليس من قوله عليه السلام و انما يكون قولهم مطابقا لقوله عليه السلام و هذا خلاف ما يريد و يلزم مما نفاه و رده من ان الاجماع كاشف عن دخول قول المعصوم عليه السلام ان قولهم نفس قوله عليه السلام و هذا معني الكشف و هو يريده لكنه رده و نسبه الي الاصحاب و تأمل اول كلامه السابق و لو اعتبرنا المطابقة كما ذكر لصح عنده اجماع المتأخرين علي ظنه فيهم بقول الرأي لانه مطابق لقول المعصوم عليه السلام و ان لميأخذوا بقوله عليه السلام فاذا طابق تحقق الاجماع فان قيل انه لمينسب احدا منهم الي القول بالرأي و الاستحسان قلنا ان لميقل بذلك فما الفرق [ص 86] اذا بينهم و بين من قبلهم فان قيل الفرق قربهم الذي يحصل به قرائن لايوجد مع البعد قلنا ليس المراد هذا لانا سمعنا من علماء اهل اخبار الذين عليهم المدار في زماننا ان تقليد الميت اذا كان من اهل الاخبار جايز و ان كان من اهل الاصول لايجوز ( لميجز خ ) تقليده ميتا كما لايجوز تقليده حيا و هذا الشيخ ايضا يقول بذلك و لو كان ذلك من جهة القرب و البعد لمااجازوا تقليدهم بعد موتهم و منعوا من تقليد من تقدمهم بستمائة سنة فصاعدا و ليس الا لما قلنا علي انهم يصرحون بذلك من غير نكير و ايضا قد بينا فيما قبل ان القرب قد لايجدي نفعا و رب بعيد اقرب من قريب و الي مثل هذه المعني اشار عليه السلام في الدعاء ما احسن ما صنعت بي يا رب اذ هديتني للاسلام و بصرتني ما جهله غيري و عرفتني ما انكره غيري و الهمتني ما ذهلوا عنه و فهمتني قبيح ما فعلوا و صنعوا حتي شهدت من الامر ما لميشهدوا و انا غائب فمانفعهم قربهم و لاضرني بعدي و انا من تحويلك اياي عن الهدي وجل و ماتنجو نفسي ان نجت الا بك و لنيهلك من هلك الا عن بينة الخ ، رواه الشيخ في المصباح بعد صلوة الظهر و قوله و مع تسليم اقتصارهم الخ ، فيه اشارة الي ما صرح به من ان المراد من الاجماع و حجية الخبر و حجيته و لهذا نص علي ان الاجماع اذا عارض الخبر وجب العمل علي الخبر و تأمل كلامه السابق و قوله لان الراوي عن الامام مشافهة يعمل بما روي البتة و لايتصور الخ ، غير متجه لانا وجدنا كثيرا من الرواة يروون الخبرين المتعارضين المتناقضين اللذين [ص 87] لايمكن الجمع بينهما الا بالطرح و ان عندي نحوا من خمسةعشر اصلا من اصولهم مشتملة علي التناقض كثيرا و ليس كلما يروي يعمل به و هذا الصدوق (ره) قد صرح في اول كتابه الفقيه بهذا و قال و لماقصد قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصدت الي ايراد ما افتي به و احكم بصحته و اعتقد فيه انه حجة فيما بيني و بين ربي تقدس ذكره ه ، فكلامه (ره) صريح في ان من تقدمه يوردون جميع ما رووه و ان لميفتوا به و يحكموا بصحته و هذا نص علي ذلك ممن يقر له بقوله و يعتقد ان قوله حجة و انه لايقول بالرأي و مع هذا كله فان المتقدمين الذين عناهم كثيرا ما يختلفون في المسائل الاجتهادية الاستنباطية و يبحثون فيها علي طريقة المتأخرين و هذه كتبهم تنطق بذلك و قد نقل الصدوق (ره) في كتاب الميراث من الفقيه عن فضل بن شاذان النيشابوري و هو من اعاظم اصحابنا المتقدمين من اصحاب الرضا و الجواد و الهادي عليهم السلام مذاهبا غريبة و اقوالا نادرة و استدلالات اجتهادية و بحث هو معه فيها و نقل عنه الكليني في كتاب الطلاق كلاما طويلا علي طريقة الاجتهاد و الاستنباط بما يشعر بدقة نظره و لطافة حدسه و حسه بل هو ابعد غورا من كثير من استنباطاتهم ذكر ذلك في باب الفرق بين من طلق علي غير السنة و بين المطلقة اذا خرجت و هي في عدتها او اخرجها زوجها في جواب اجاب به اباعبيد في كلام طويل مشتمل علي ما لا مزيد عليه من النقض و الابرام و الجدل و الاستنباط و فيه ذكر معوية بن حكيم الذي اشار اليه هذا الشيخ في جملة من يعتبر [ص 88] قولهم جواب عمر بن شهاب العبدي من هذا النحو في الاستنباط و حكي الاصحاب عن يونس بن عبدالرحمن و هو ممن اجمعت العصابة علي تصحيح ما يصح عنه اقوالا غريبة جدا مثل وجوب الزكوة في جميع الحبوب مما يدخلها الكيل و الوزن كما في الاستبصار و ان اب الاب اولي من ابن ابن الابن في الميراث كما في س و كلامه في الفرق بين ولد الزنا و ولد السفاح و كلام ابن ابيعمير و هو ممن عرفت في وجوب العدة بالخلوة في الجمع بين الاخبار تحقيقا مثل تأويلات المتأخرين كما في الاستبصار و وقع بينه و بين هشام بن الحكم منازعة في الارض انها كلها للامام عليه السلام و هشام يقول بالخمس حتي هجره و لميكلمه حتي مات و هشام ناظر بعض المخالفين في الحكمين بصفين فقال المخالف كان عمرو بن العاص و ابوموسي الاشعري مريدين للاصلاح بين الطائفتين فقال هشام بل كانا غير مريدين للاصلاح بينهما فقال المخالف من اين قلت هذا قال هشام من قول الله في الحكمين ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما فلما اختلفا و لميكن اتفاق علي امر واحد و لميوفق الله بينهما علمنا انهما لميريدا الاصلاح و نقل السيد بن طاووس في كتاب كشف المحجة لثمرة المهجة عن الشيخ قطبالدين سعيد بن هبةالله الراوندي انه صنف رسالة جمع فيها الاختلافات التي وقعت بين السيد المرتضي و الشيخ المفيد (ره) و انهاها الي خمس و تسعين مسئلة قال الشيخ الاواه الشيخ سليمان بن عبدالله البحراني الماحوزي في حاشية منه علي رسالته المسماة بالعشرة الكاملة عند نقل هذا الكلام قال (ره) وقفت عليه [ص 89] في اصفهان و طالعته من اوله الي اخره و ربما ظهر منه ان المراد بمسائل الاصول مسائل اصول الدين و هو اعجب لاعتبارهم اليقين ايضا و من ثم حمله الاكثر علي اصول الفقه و فيه ان اليقين يعتبر عندهم ايضا فيها فينبغي التأمل في عبارة الكتاب و في ذلك ه ، و بالجملة فالاختلافات التي وقعت بين الاصحاب المتقدمين في الاستنباطات و الاجتهاديات اكثر من ان تحصي فمن تتبع كتبهم او كتب من نقل عنهم وجد ذلك .
و اما حجية الاجماع فقد اختلف فيها من الفريقين فقيل بعدم حجيته اما من منع من اهل السنة كالنظام و الخوارج فلا كلام لنا معهم و لا فائدة فيه و اما من منع من الشيعة فقال بعضهم لا حجة الا في الكتاب و السنة و اما الاجماع فشئ وضعته العامة للمعارضة للكتاب و السنة في الحقيقة و ان استدلوا علي اثباته و حجيته بهما و قال اخرون لا فائدة في الاجماع لانه ان لميعتبر فيه دخول قول المعصوم عليه السلام كان اجماع اهل الخلاف و ان اعتبرناه فان علم قوله بخصوصه كان هو الحجة لا الاجماع و ان لميعلم قوله لميجز القول للايات النافية للقول بغير علم و للنصوص و احتمال دخول قوله في جملة اقوال المجمعين معارض باصل العدم و قال اخرون ان الاجماع ان كان واردا في مادة خالية من النصوص او في مادة تخالفها النصوص فلا حجة فيه اما في الاول فلقوله اسكتوا عما سكت الله و قال تعالي و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون و اما في الثاني فلأن العامل به راد لحكم الله تعالي لانه رد السنة بغير حجة تقابلها و ان كان واردا في مادة توافقها النصوص فالعمل علي النصوص لا علي الاجماع [ص 90] و ان كان في مادة تخالفه فيها النصوص فهذا هو الاجماع الذي يتجوز فيه بعدم وجود المخالف اذا كانت النصوص من الطرفين مشهورة و يسمي الاجماع المشهوري و هذا هو الذي يجوز مخالفته لانه عبارة عن اتفاقهم علي عدم رد الحكم المستفاد من النصين المتضادين و ان اختلفوا في قبوله الي غير ذلك من الاقوال المتهافتة المخرجة .
و اما من قال بحجيته فمنهم من قال ● حجيته عند اصحابنا لكشفه عن دخول قول المعصوم عليه السلام و ينبغي الاكتفاء باتفاق جماعة يعلم انهم لايفتون الا بقول المعصوم لان العبرة بقول المعصوم عليه السلام ليس الا هذا و ان لميكن اجماعا حقيقيا لكنه في حكم الاجماع فالاجماع الواجب الاتباع عبارة عن اتفاق جماعة من خواص الائمة علي حكم افتوا به و بصحة روايته و حجيته لكونه مطابقا لقول المعصوم لا لكشفه عن دخول قوله في جملة اقوال المجمعين ثم قال ففي قولنا الاجماع حجة لكشفه عن دخول قول المعصوم عليه السلام مجازات ثلثة ارادة المشهور من لفظ الاجماع و ارادة الدليل الظني من لفظ حجة و ارادة مطابقته لقول المعصوم (ع) من لفظ كشفه عن دخول قول المعصوم عليه السلام في المجمعين و الغرض من اثبات الشهرة بين المتقدمين الاستدلال بها في مادة خالية من النصوص الي ان قال فالحكم اذا لميرد به نص في الكتب الاربعة و قد نقل عليه الاجماع احد ثقاتنا المتقدمين كالشيخ و السيد يجب العمل به لان ذلك الاجماع لا بد له من مستند من الحديث يقطع به اللبيب الذي لايشك في عفة ارباب النصوص نعم مع [ص 91] وجود النص يعمل به و ان خالفه الاجماع لا لسقوط الاجماع بالمرة بل للتصريح بذكر الامام في الرواية فلايعارضها مع صحتها الاجماع الذي لميصرح فيه بذكر الامام عليه السلام كما هو شان اهل التفريع الي ان قال و قد يقال ان معارضة كثير من اجماعاتهم للنصوص الصحيحة لايدل علي ضعف الاعتماد عليها بل ذلك مما يقوي الاعتماد عليها لانه اذا علم عدم غفلتهم عن تلك النصوص الصحيحة الصريحة في خلاف ما اجمعوا عليه بل علم استفاضتها عندهم يحصل من هذا الاجماع المخالف العلم بوصول دليل اليهم يقطع العذر البتة فيحصل من هذا و مما تقدم التوقف في العمل .
هكذا ذكره الشيخ الممجد الشيخ محمد بن عبدالنبي المقابي البحراني في كتاب له سماه نخبة مختصرة من كتابه الاصول الفقهية زعما منه انه قد اختار فيها الجمع بين الاصوليين و الاخباريين و هو صلح بدون رضي الخصمين .
و قال الاكثر بحجيته لكشفه عن حقيقة مذهب الحجة (ع) فانا انما اعتمدناه اذا تحققنا ان الحجة قائل بقول المتفقين في ذلك الحكم فاذا كان قوله في جملة اقوالهم من دون ان يتعين و يتميز بعينه لميحتمل قوله شيئا من الاحتمالات الصارفة عن تعين الحجة كما مر فتعين حينئذ الحجية لوجود المقتضي و عدم المانع بخلاف ما لو تميز قوله بعينه فانه يحتمل الاحتمالات الصارفة عن الحجة بحيث لايكاد يخلص لذلك الا بالقرائن و الامارات كما مر و يأتي فاذا كان كذلك وجبت الحجة و الا امتنعت الحجة و سقط التكليف و بيانه انه اذا علم قول الحجة حيث لايحتمل غير ما يظهر منه فان لمتقم به الحجة و الحال هذه [ص 92] لمتقم به حيث يحتمل الاحتمالات الكثيرة غير ما يفهم منه في حالة تمييز كلامه (ع) عن غيره لما ذكروه و سقط التكليف بسقوط الحجة فلما ثبت قيام الحجة بقوله القابل للاحتمالات كان قيامها بقوله الغير القابل اولي و احق و هذا القول هو الحقيق بالتحقيق و الاقرب الي سواء الطريق .
و قد ذكر الشيخ المذكور الشيخ محمد المقابي البحراني في كتابه النخبة قال (ره) الثالث في بيان تأكد حجية الاجماع و لا ريب ان اعتناء سيدنا علمالهدي و شيخنا شيخ الطائفة و اساتيدهما بهذه الاجماعات التي دونوها في كتبهم و اكثروا منها في تصانيفهم هذا الاعتناء العظيم يدل علي اعتناء مشايخهم الاولين بها و شدة اعتمادهم عليها تبعا لامر ائمتهم (ع) بذلك في احاديث عديدة منها قوله (ع) في مرفوعة زرارة خذ ما اشتهر بين اصحابك و دع الشاذ النادر فان المجمع عليه لا ريب فيه ، و ذكر ما في مقبولة عمر بن حنظلة و خبر الاحتجاج و البصائر و الاحتجاج ايضا الي ان قال و الاحاديث الدالة علي حجية الاجماع كثيرة و لو لميكن حجة في الواقع لوقع النهي منهم عليهم السلام عن الاخذ به كما نهوا عن الاخذ بالرأي و القول بالقياس و امثالهما مما هو معلوم فلا وجه لقول المعاصر انه مخترع بين متأخري اصحابنا كيف و احاديثهم (ع) تنادي بحجيته و الامر بالاخذ به بل هم عليهم السلام جعلوه كالمعيار عند تعارض الاخبار و نسبة البدع ( البدعة خ ) و الاختراع الي اولئك المشايخ الابدال مما لايليق بامثاله عند تعصبه في جداله و كيف يجوز لهم ان يخترعوا من تلقاء انفسهم هذه البدعة الردية التي ردوا بها اكثر الاحاديث العلوية [ص 93] في اكثر المسائل الشرعية و انما هذه الاجماعات المنقولة عن ارباب الروايات كانت معمولا بها عندهم في ازمان حضور ائمتهم ثم تلقيت منهم بالقبول عند مشايخ الغيبة الصغري فاجمعوا علي ما اجمعوا عليه الي ان قال و الاطلاع علي مطابقة قولهم لقوله عليه السلام يعرف بالقرائن المعلومة بالتتبع ، انتهي .
اقول اراد بالمعاصر الشيخ يوسف بن الشيخ احمد البحراني و اقول ايضا ان اجري الحكم في المتأخرين كما اثبته في المتقدمين ثبتت عليه حجية اجماعاتهم لانهم استدلوا بها كما استدل المتقدمون باجماعاتهم و الا فقد اثبت نسبة البدعة و الاختراع الي هؤلاء الاعلام فيقال له ما قال لمعاصره .
ثم قال (ره) ما هو في صورة الاجماع في ثلث صور الاولي ان يري فتوي الصدوقين و الشيخين و الكليني و السيد و اضرابهم في حكم و لمنر به نصا لما بينا من طريقهم فاتفاقهم لايكون الا عن نص قاطع ، الثانية ان يرد الحديث و يتكرر في الاصول و لا معارض له فيجب العمل به لانه مجمع علي قبوله ، الثالثة ان يرد حديثان و يعمل باحدهما القدماء دون الثاني فيجب العمل به لان عملهم كاشف عن كون الثاني ورد مورد التقية .
اقول هل اخبر الامام عليه السلام بأن هذا الخبر بخصوصه ورد مورد التقية فان كان عندهم نص خاص في بيان ما ورد مورد التقية فكما قالوا و ان كان عرفوه بقرينة عمل الفرقة مثلا و انه ( انهم خ ) انما يعملون به للحاجة فما الفرق بين الحالين نعم لا فرق بينهما لذي العينين .
قال فتبين من هذا ان اجماعات اصحاب الائمة و اجماعات مشايخ الغيبة [ص 94] الصغري يقطع بكونها مطابقة لنص ائمتهم و ان الاجماعات التي ينقلها السيد و الشيخ انما هي اجماعاتهم و اما اجماعات مشايخ الغيبة الكبري فلاتفيد القطع بوصول نص اليهم لانهم رضي الله عنهم قد يعملون بدلالة ظنية و يعتقدون ما ليس بدليل دليلا و قد يغفلون عن المعارض و عن المرجح و عن وجه الجمع فاجماعهم لايوجب القطع بموافقة النص مثل اجماع خواص الائمة الذين حازوا شرف المشاهدة و علموا عرف ائمتهم بالمشافهة او اصحاب الغيبة الصغري الذين شاهدوا من شاهد الامام عليه السلام و جعله وكيلا ترد عليه التوقيعات فهم ايضا يعرفون عرف ائمتهم و هم ابعد من الخطاء من المتأخرين بكثير .
اقول و قوله و اما اجماعات مشايخ الغيبة الكبري الخ ، كقوله السابق في التهافت و فيما يلزمه لان قوله فلايفيد القطع بوصول نص اليهم غفلة عما فعلوا لانهم لاينقلون الاجماع الا عن المتقدمين او عن السيد و الشيخ الناقلين عن المتقدمين فلميكن له علي اجماعاتهم طعن الا بعدم توثيق مشايخ الغيبة الكبري و ان شاء فليقل هذا ان كان اجماعاتهم منقولة و اما اذا ( ان خ ) كانت غير منقولة فلا شك انهم لايدعون الاجماع في مقابلة اجماع ( اتفاق خ ) المتقدمين بل اما ان يكون في وفاقهم الا انهم لميصرحوا بالاجماع و هؤلاء لما دلت لهم القرائن علي دخول قول الامام (ع) في ضمن ما وصل اليهم من المعروف من مذهب المتقدمين صرحوا بالاجماع و ادعوه او فيما اختلفوا فيه معهم و هو يعلم انهم لايختلفون الا لاختلاف الاخبار و لكل نص فاذا ظهر للمتأخرين بالقرائن التي وصلت اليهم كانقراض احدي الطائفتين [ص 95] او عدولها الي قول الاخر او هجران قولها حتي ترك من بعدهم ذلك القول او نظروا في الدليلين حتي ظهر لهم القطع بصحة احدهما بحيث علموا ان قول الامام الذي هو مذهبه هو هذا لا ذلك ادعوا الاجماع ، لايقال ان الطائفتين من المتقدمين انما استند كل منهما الي نص صحيح عنده بحيث لايشك في انه الحق فمن اين ظهر لمن تأخر عنهم يقين انه مذهب الامام (ع) و الذين شاهدوه لميظهروا لهم لانا نقول ان من العلوم ان حكم الله واحد و ان احدي الطائفتين مخطئة و الائمة اطباء النفوس بما اراهم الله تعالي فلعل ذلك الوقت الذي وقع فيه الخلاف كان المصلحة فيه ذلك و لايحسن الاجتماع لاحد الاسباب التي اشرنا اليها سابقا لانه (ع) هو الذي خالف بينهم ليسلموا ثم يجمع بينهم اذا زال العذر و في وقت للمتأخرين لما علم زوال العذر سبب لهم الاجتماع كما هو الواقع لانه و ان كان غائبا عن اعينهم فان نوره في قلوبهم و قد وردت النصوص عنهم عليهم السلام انهم ينتفعون بغيبته كما ينتفع الناس بالشمس اذا غيبها السحاب ه ، بمعني ان الشمس اذا كانت موجودة الا انها مغيبة تحت السحاب ينتفع الناس بضيائها و يسعون في امور معاشهم كذلك وجوده عليه السلام و ان كان مستترا فان نور وجوده و بركة دعائه و تسديده في قلوب اوليائه في كل حين يهجم بهم علي الصواب لئلايرتفع الحق عن اهله فاذا حكم (ره) علي ان المتقدمين لايقولون الا بالنص لزمه علي ما قررناه ان المتأخرين يكون اجماعهم مستندا الي النص لان المتأخرين كما ذكرنا لايجمعون في مقابلة اتفاق المتقدمين بل [ص 96] اما في وفاقهم او عند اختلافهم و من تذكر تنبيهي هذا و نظر في كتبهم و مذاهبهم ظهر له ما قلت و انما قلت من تذكر تنبيهي لان من الناظرين من تقع في نفسه الشبهة فينظر ملاحظا لها فيختلط عليه الطريق و يفوته بظلمتها نور التحقيق و يلزمه ايضا ان ادلتهم في ذلك لاتكون ظنية بل هي قطعية و لايلزمنا ما حكمنا به من حجية الاجماع المنقول بخبر الواحد فانه ظني لما ذكرنا سابقا من ان الظن انما هو في ثبوت نفس الاجماع لا في حجيته و لانه اذا لميكن ارجح منه تعين المصير اليه فاثمر اليقين لانا قدمنا انه لايثبت نفس الاجماع الا بما يثبت به حجية خبر الواحد و اذا حصل في نقل الاجماع ما تثبت به حجية خبر الواحد لا مناص عن قبوله نعم من لميعتبر حجية خبر الواحد لميثبت عنده الاجماع المنقول بخبر الاحاد و ايضا الظن المعتبر جعله الشارع (ع) في احكام الفقه امارة لحكمه و مناطا لتكليفه اذا لميحصل اليقين كما في باب السهو و الدعوي المظنونة و اللوث و الشهادات و غير ذلك و لهذا كثيرا ما يقولون الفقهاء رضوان الله عليهم المرء متعبد بظنه و لقد اخبرني من اثق به و بخبره عن بعض العلماء المطلعين علي الاخبار انه متن حديث عن النبي صلي الله عليه و آله و انه رواه ابن ابيجمهور الاحسائي في غوالياللئالي الا اني تتبعت كثيرا منه فلماقف عليه و بالجملة فالعمل بالظن اذا لميحصل اليقين مما لاينبغي ان يتوقف فيه و قوله و علموا عرف ائمتهم (ص) مثل ما قبله فان المتأخرين عرفوا كذلك بتعريف من تقدمهم و بما وصل اليهم منهم من [ص 97] البيان فقد حازوا علم من قبلهم و زيادة كما قلنا سابقا ، قوله او اصحاب الغيبة الصغري الذين شاهدوا من شاهد الامام (ع) كذلك لانه ان كان لقاء من لقي كافيا فلا فرق بينهم و الا فلا الا ان يقال ان اصحاب الغيبة الكبري ليسوا ممن يعتبر قولهم لعدم معرفتهم و عدم ثقتهم فينقطع الكلام .