[ص 1]

الرسالة الاجماعية

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحسائي اني لما رأيت كثرة الاختلاف بين علمائنا في اكثر طرق الاستدلال و كيفية استنباط الحرام و الحلال و كثرة القيل و القال بين الاخباريين و الاصوليين و كثرة وقوع كل في الاخر حتي انتهي بهم الحال الي اشنع المقال من نسبة بعضهم الي بعض الكفر و الضلال و اصل الاختلاف اختلاف الطبايع و الاطوار و تباين المقاصد و الانظار و اظهر التكليف ما استبطنوا و اضمروا لان الحق لم‌يخلص و لو خلص لم‌يخف علي ذي حجي و لكن اخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فمزجا امتحانا في التكليف و فضلا منه سبحانه بالترغيب و الترهيب في التعريف ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و الاصل في ذلك ما قيل ان الكتاب التدويني طبق الكتاب التكويني فكما ان الكتاب التدويني فيه المحكم و الظاهر و المتشابه و المجمل و الخاص و العام و الناسخ و المنسوخ و حرف مكان حرف و التقديم و التأخير الي غير ذلك كذلك هذه في الكتاب التكويني ففي الناس المحكم و هذا لايستقر فؤاده الا علي المحكم و فيهم الظاهر و هذا يسكن ( لايسكن خ ) قلبه الا علي الظاهر من الكتاب و ان كان يمكنه ادراك المحكم و تحصيله و فيهم المتشابه و هذا لاتسكن نفسه الا بالمتشابه من الحجج و الكلام الا ان لله الحجة البالغة فلايترك احدا الا و يعرفه الحق في نفسه قبل او لم‌يقبل و بالجملة فجري الاختلاف الذاتي علي الاختلاف [ص 3] التكليفي ، و كان مما وقع فيه الاختلاف باعتبار المختلفين و كثر ( كثرة خ ) الاختلاف فيه مسئلة الاجماع حتي ملأ الاسماع و طبق الاصقاع و اكثر منكروه النقض و الابرام حتي دخلت الحيرة علي كثير من القائلين به لكثرة ايرادهم للاجماعات المتعارضة في المواضع المتكاثرة من كلام العلماء ممن يحتج به و اشتغل القائلون به بنقض ما يرد عليهم و تمادي الزمان بالناس فنسوا الاساس و وقع عليهم الالتباس حتي وجدنا من يحتج به لايعرف كثير منهم الاجماع و لا ما اراد العلماء به و لايدفع ما يرد عليه و كلما طال الزمان غطت الشبهات مداخله لان من تأخر لايعرف من التمسك به الا ما قد يستفيده من كلام الخصم و لم‌ينقحوا معالم الاصول و لم‌يظفروا بزبدة المحصول الي زماننا هذا و هو السنة الخامسة‌عشرة بعد المأتين و الالف حتي بلغ باهل زماننا الحال الي انهم في ذلك اذا كولموا ينظرون الي من قال لا الي ما قال و قد سري هذا الداء العضال في كثير من الفريقين و لقد كنت اسمع بعض اهل الاخبار يناقض خصمه لا بما يتعقله بل بما ينقله و كذلك بعض اهل الاصول يجيبونهم بما ليس فيه وصول الي محصول و ربما خاطبت بعض الفريقين فوجدته لايفهم ما يقول و لا ما اقول فاحببت ان اكتب كلاما في الاجماع و في اقسامه و حجيته و وقوعه و امكان العلم به يكون دليلا لاولي الاستبصار و عمود ميزان قسط ليس فيه انكسار و طريق قصد واضح ليس عليه غبار و ضياء نور يغشي برقه بصائر الاغيار يكاد سنا برقه يذهب بالابصار فكتبت هذه الرسالة علي تشتت بال من حل و ارتحال و تقسم فكر لايسع فيه المقال في ذلك المنوال [ص 4] و اودعتها صحيح الاستدلال علي ذلك بالادلة العقلية و النقلية مقتصرا علي البعض خوف الاطالة و الملال و انما كتبتها لما كان الجدال بالمقال لايكاد يقطع العذر لان الخطاب لايثبت معناه عند المخاطب اذا كانت الشبهة قد سبقت اليه لتمكنها و لايدرك اشاراته مثل ما يكون من الكتاب لانه يمكنه المراجعة و التأمل في خلواته فيستقر المعني الذي يستفيده فتذهب الشبهة بخلاف الخطاب لانه قد يذهب قبل ان يدرك معناه و يفني قبل ان يفهم مراده و مؤداه و قد يقبل من الكلام مع غيبة صاحبه ما لايقبل مع حضوره و لااورد في ازالة تلك الشبه في اكثر الموارد ما اورده العلماء لانهم تغمدهم الله برضوانه و ان كانوا عرفوا الاساس الا انهم كانوا في زمان ليس فيه علي ما اصلوا التباس فاوردوا في كتبهم تلك الاصول و لم‌يقرروا ماخذها لعدم الحاجة في ذلك الزمان الي ذلك و لانهم سلكوا في الاستدلال طريق المجادلة بالتي هي احسن لابتناء بيانهم علي الظاهر لاجل التبيين و الوضوح و هي لاتقطع العذر الا اذا كانت مشتملة علي المقدمات الضرورية او المسلمة و هي في هذه المسئلة ليست موجودة في جميع انحائها فلاتكاد تقطع العذر بخلاف طريق الحكمة و الموعظة الحسنة لان طرق الاستدلال ثلاثة قال تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و هو الدليل العقلي الذوقي و الموعظة الحسنة و هو الالزام بما فيه السلامة كما قال تعالي و ان يك كاذبا فعليه كذبه و ان يك صادقا فيصبكم بعض الذي يعدكم و جادلهم بالتي هي احسن و هو معروف و هذه الثلثة الطرق هي المشار اليها في قوله تعالي ايضا و من الناس من [ص 5] يجادل في الله بغير علم و لا هدي و لا كتاب منير فالعلم هي المجادلة بالتي هي احسن اذا كانت بالضروريات و المسلمات و الهدي هي الحكمة و الكتاب المنير هي الموعظة الحسنة و العلماء (ره) قد ذكروا دليل المجادلة للوضوح لانه لايحتاج الي جزم كالموعظة الحسنة و لا الي عقل مستنير كالحكمة فاتي من بعدهم و لم‌يعرف ماخذهم فعارض بعض من عارض غير عارف بالماخذ و اجاب من لايعرف الجواب لان الجواب المستوفي لم‌يذكره الاصحاب كله في كتاب و ان ذكروا بعضه لم‌يكن كافيا لكل اعتراض و هذا المجيب قد لايعرف الحكمة و لهذا قلت لااورد في اكثر الموارد ما اورده العلماء يعني من الاقتصار علي طريق المجادلة الا شيئا من كلامهم جاريا في البيان علي سبيل التتميم او مرادا به محض التفهيم و جعلتها مشتملة علي مقدمة و سبعة فصول و خاتمة فيها تذنيب .

فالمقدمة في تعريف الاجماع و بيان المراد منه و الفصل الاول في القسم الاول و هو الاجماع الضروري من المسلمين و الفصل الثاني في القسم الثاني منه و هو الاجماع الضروري من الفرقة المحقة و الفصل الثالث في القسم الثالث منه و هو الاجماع المشهوري و الفصل الرابع في القسم الرابع منه و هو الاجماع المركب و الفصل الخامس في القسم الخامس منه و هو الاجماع المنقول و الفصل السادس في القسم السادس منه و هو الاجماع المحصل و الفصل السابع في القسم السابع منه و هو الاجماع السكوتي و الخاتمة في امكان وقوعه و امكان العلم به و حجيته و التذنيب في نقل ما ذكره الشيخ محمد المقابي (ره) من حجج النافي لحجية الاجماع [ص 6] و جوابه له و كلامنا عليهما بما يناسب و يكون فيه تصحيح حجية الاجماع . فاقول و بالله المستعان :

المقدمة في تعريف الاجماع و بيان المراد منه . اعلم ان الاجماع لغة يطلق علي العزم كما قال تعالي فاجمعوا امركم مأخوذ اما من قولهم امرهم مجمع اي مستور و مكتوم او من جمع اخلاف الناقة اي صرها فكأنهم ضموا ارائهم بعضها الي بعض او تستروا في جمع ارائهم عمن ينقضها او من الجمع و هو تأليف المتفرق اي الفوا ارائكم و علي الاتفاق و هو مأخوذ منه ايضا و من قولهم اجمعوا اي صاروا ذوي جمع كما يقال البن الرجل و اتمر اي صار ذا لبن و ذا تمر ، و اصطلاحا اتفاق جماعة احدهم المعصوم (ع) قطعا غير معلوم بعينه علي امر من الامور ، و قولنا غير معلوم بعينه ليخرج حال تعينه لانه اذا علم بعينه كان قوله خبرا و لم‌يكن اجماع اذ لا عبرة بالاتفاق ما لم‌يكن احد المتفقين ( احدهم خ ) و اما قوله منفردا فهو خبر فان شافه به السائل كما لو امره بشئ تعين العمل به عليه ما لم‌ينفه و الا كان حجة عليه بشروط منها ان لايخالف الكتاب المجمع علي تأويله و لا السنة التي لا اختلاف فيها و ان لايعارضه خبر اخر اقوي منه او مساو له عند الترجيح و الايوافق القوم و الايشهد العقل المهذب برده و الايخالفه اجماع او اصل متحقق لايصلح ذلك المعارض للاخراج عنه الي غير ذلك من التراجيح و انما حكمنا بانه اذا كان في جملة قائلين قطعا غير معلوم بشخصه كان ذلك حجة بقوله مع اقوالهم اذا لم‌يتعين لوجود المقتضي للحجية و هو قول المعصوم عليه السلام و انتفاء المانع [ص 7] هو احتمال التقية علي نفسه او علي شيعته و احتمال ارادة احد السبعين المخرج كما رواه المفيد (ره) في الاختصاص و الصفار في البصائر و غيرهما من قوله عليه السلام اني اتكلم بالكلمة و اريد بها احد سبعين وجها لي من كل منها المخرج و قوله عليه السلام انتم افقه الناس ما عرفتم معاريض كلامنا انا لنتكلم بالكلمة لها سبعون وجها ان شئت اخذت هذا و ان شئت اخذت هذا و قوله عليه السلام والله انا لانعد الرجل من شيعتنا فقيها حتي يلحن له و يعرف اللحن و في اخر حتي يكون محدثا و هي و امثالها دالة علي ان المراد من كلامهم (ع) ليس مشرعة لكل خائض و انما تحصيله لاشخاص مخصوصة كما هو معلوم لكثرة الاحتمالات منه فاذا كان هكذا سبيلهم لايكاد يقطع بمرادهم (ع) اذا انفرد قولهم و لهذا اختلفت الروايات عنهم ظاهرا بل وقع منهم ذلك في المسئلة الواحدة في المكان الواحد و احتيج في فهمه الي التراجيح و التوسل اليه بكل وسيلة و لو علم مرادهم من قولهم بدون دليل لاكتفي كل احد بكل رواية حصل اليقين او الظن الذي لم‌يحصل اقوي منه بصحيح ورودها عنهم عليهم السلام اختلفت او اتفقت و الواقع ان مرادهم اذا انفرد قولهم لايعرف الا بما دلوا عليه و اشاروا اليه و تلك الدلالة و الاشارة معلومة عند اهل العلم بخلاف ما اذا كان كلام المعصوم (ع) في جملة كلام غيره فانه يكون بحكم كلام غيره فلايريد غير ما تريد الجماعة التي هو من جماعتهم لعدم المانع الموجب لمخالفة الظاهر كما قلنا و وجود المقتضي و هو قول الحق و حفظه علي اهله لئلايرتفع عنهم و الا [ص 8] لكان مغريا بالباطل و الخطاء و لو اراد غير ما ارادوا لماادخل قوله في جملة اقوالهم لما قلنا و قولنا ( سابقا خ ) انه لو علم قوله بعينه لم‌يكن حجة الا بتلك الشروط رد علي من توهم ذلك من اهل الاصول ممن لم‌يكن فيه قدم راسخ و علي من اعترض من اهل الاخبار علي قول العلماء بأن قال اذا علم انه فيهم كان قوله عليه السلام هو الحجة لا الاجماع و الجواب ما قلنا من انه اذا علم بعينه كان خبرا لايزيد علي قوله الذي هو عندنا و قد اتفقنا علي انه لايتعين العمل به الا بتلك الشروط بخلاف ما اذا كان في جملتهم غير متعين ، لايقال انه اذا كان قوله مطابقا لقول المتفقين كان قوله هو الحجة و ان علم بعينه لانه لايحتمل الاحتمالات المذكورة لموافقة اولئك المتفقين فلا معني لاشتراطكم عدم تشخصه لانا نقول انما يتم ما ذكرتم اذا لم‌يوجد مخالف او وجد مخالف و قد نص صريحا علي بطلان قول ذلك المخالف و لكنه حينئذ امر ضروري لاينكره احد اما اذا وجد مخالف و لم‌يظهر نص علي نفيه فان قوله لايكون حجة قاطعة للاحتمالات الا بشروط التراجيح فان قيل و اذا كان الامر كما قلتم من عدم التعيين فلايخلو اما ان ينص علي نفي الخلاف او لا فان نص فالحجة في نصه و قوله و ان لم‌ينص لم‌يكن حجة فلاتثبت للاجماع حجة قلنا اذا لم‌يظهر نص علي نفي قول المخالف لايكون حجة الا بشروط التراجيح اذا كان قوله ظاهرا متعينا للاحتمالات السابقة اما اذا لم‌يكن ظاهرا متعينا فانه يكون في ضمن اقوال من وافقهم حجة لعدم الاحتمالات و للموافقة المذكورة الموجبة لتوافق الظاهر للباطن و الموجبة لنفي الاحتمالات فتفهم ما ذكرناه و ما نذكره فهذا معني ما نريد من الاجماع حيث يطلق سواء [ص 9] كان طريق اثباته في المسئلة المستدل به عليها اليقين ام الظن و يأتي بيان يحتاج اليه فيما يراد منه زائدا علي ما ذكر فتأمل فيه و الحمد لله وحده .

الفصل الاول - في القسم الاول من الاجماع الضروري من المسلمين .

الفصل الثاني - في القسم الثاني منه و هو اجماع الفرقة المحقة ، و هذان القسمان من الاجماع لا خلاف في حجيتهما عندنا لتحقق دخول قول المعصوم عليه السلام في جملة اقوالهم و كلامنا هذا مع بعض منا فلانحتاج الي تصحيح اجماع الفرقة المحقة و اثبات حجيته اذ ليس كلامنا مع العامة فلهذا لم‌نتكلم عليه .

الفصل الثالث - في القسم الثالث منه و هو الاجماع المشهوري و هو ان يعلم كون قول المعصوم عليه السلام في جملة القول المشهور و ذلك اذا لم‌يوجد قرينة من اثارهم (ع) صارفة عن المشهور بعبارة او اشارة كما لو تساوي القولان او الروايتان في جميع مراتب التراجيح المعتبرة و لم‌يكن للقول المشهور او الخبر المشهور او النادر مرجح يصار اليه الا ان احدهما مشهور بين الاصحاب و الاخر غير مشهور فان الاخذ بالمشهور متعين لان الامام عليه السلام قد نص علي الاخذ بالمشهور اذا لم‌يكن مرجح لاحدهما و انما قلنا بتعين الاخذ بالمشهور اذا لم‌يكن ذلك التعين الا لنصه عليه السلام علي الاخذ بذلك المشهور و لم‌يكن النص منه عليه السلام علي ذلك الا لدخول قوله عليه السلام في جملة اقوال المشهور و علامة تعين ذلك عدم المرجح و لهذا امر به و سماه اجماعا كما في مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال ينظر ما كان من روايتهما في [ص 10] ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين اصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه و كذلك في مرفوعة زرارة من قوله عليه السلام خذ ما اشتهر بين اصحابك و دع الشاذ النادر فان المجمع عليه لا ريب فيه و المراد به المشهور فسم المشهور مجمعا عليه و انه لا ريب فيه و لايكون كذلك مع تجويز خروج قول المعصوم عليه السلام و انفراده عنهم و لايمكن العلم بذلك بمجرد الشهرة اذ رب مشهور لا اصل له ما لم‌يكن علي النحو الذي ذكرنا ، لايقال ما الفرق بين المشهور الحجة و المشهور الذي لا اصل له و كل منهما مشهور مع انكم قلتم انه لا مرجح للمشهور الحجة الا انه مشهور و هذا معني الشهرة لانا نقول الفرق بينهما ان المشهور الحجة لم‌يعثر المستنبط بعد استفراغ وسعه علي صارف عنه بخلاف الاخر فانه اذا استفرغ وسعه وجب في الحكمة ان يقع علي الصارف عنه و الا لكان حجة كالاول و لايقال لعل المراد بقوله (ع) خذ ما اشتهر بين اصحابك ان هذا المشهور الذي سماه مجمعا عليه انه متفق عليه في الرواية لان الراوي للنادر ايضا راو للمشهور و هذا لا اشكال في كونه اجماعا و هو غير ما تريدون لانا نقول انه يأتي ان شاء الله ان الرواية اذا خالفها عمل الراوي فان كان ذلك لانها لم‌تصح عنده اما لعدم صحة الواسطة او لان عنده ما هو اصح منها او لعدم معرفة الحكم منها فلا عبرة بروايته لها و لايكون ذلك مرجحا و ان كانت عنده صحيحة و لا معارض لها اقوي منها فلا عبرة بروايته لانه فاسق فيلزم علي ما يأتي تفصيله ان شاء الله تعالي صحة ما بنينا عليه كلامنا من ان المراد به المشهور [ص 11] في العمل ● و لايقال ان قولكم اذا لم‌يكن مرجح بخلاف ما في الرواية [ص 12] فانه عليه السلام بعد النص علي المشهور جعل لهما لو كانا مشهورين العرض علي الكتاب و السنة و خلاف الجماعة لانا نقول انما قلنا اذا كان احدهما مشهورا لا اذا كانا مشهورين فانهما اذا كانا مشهورين لا بد من الترجيح بينهما كما لو تعارض اجماعان اذ لاتزيد الشهرة علي الاجماع و انما قلنا بتعين الاخذ بالمشهور اذا لم‌ينصب الامام عليه السلام العالم بدخول قوله في المشهور و خروجه عنه قرينة تدل المكلف بالاستنباط علي خروج قوله عن المشهور فانهم عليهم السلام قد اكملوا الدين لاهل الاستيضاح و التبيين فمهما كانت في المسئلة قولان او اكثر فلا بد ان ينصبوا دليلا في اخبارهم و ارشاداتهم و هدايتهم تصريحا او تلويحا يدل علي ان حكمهم و قولهم المتعين الذي هو دينهم في قول من تفقده من اهل الاستنباط وجده البتة ان لم‌يكن الكل فالبعض فمن استفرغ وسعه من اهل الاستيضاح و الاستنباط في تحصيل ذلك الدليل المعين لدخول قول المعصوم عليه السلام في جملة قول من الاقوال او المعين لخروجه باليقين الذي لايحتمل النقيض عنده في ذلك الوقت لا مطلقا و لا في نفس الامر لجواز ظهور ذلك الدليل المعين لغيره او له في غير ذلك الوقت فمن عثر علي ذلك الدليل صح له دعوي الاجماع بقول مطلق و هذا هو الفرق بين قولنا بحجية الاجماع المشهوري و بين قول من يقول بأن مجرد الشهرة اجماع من حيث ورود الامر بالاخذ بالشهرة لما قلنا و ورود رب مشهور لا اصل له و ان لم‌يعثر علي ذلك الدليل فسبيله في الحكم علي حسب ما يقضي له من [ص 13] الظن فيحكم باقوي ظنونه ان تعددت و ان اتحد لحق بالاول و الا يحصل الظن فهو المتردد الذي يقف مع عدم الحاجة الي العمل هو او مقلده و يحتاط مع الحاجة كذلك و يلزم الظان و المردد ما قلنا لتعين ذلك عليه لا لان الظاهر و الظن من حيث هما يسميان علما بل العلم هو المانع من النقيض و لو مطلقا و لايكون للحاكم حينئذ الا تعين العمل علي الاصح ( لا علي ظاهر ما قررنا في كثير من كتبنا خ ) الذي لاينبغي العدول عنه كما اشارت اليه الاثار و شهد له صحيح الاعتبار الذي ليس عليه غبار ثم اذا صح له دعوي الاجماع لتعيين الدليل علي دخول قوله او خروجه فهيهنا بيان و هو انه ان ( اذا خ ) كان ذلك بين مشهور و نادر و لم‌يجد قرينة و لا دليلا يدل علي دخول قوله في النادر او خروجه عن المشهور بل كان الدليل علي ذلك معدوما كما بيناه كان المشهور هو المجمع عليه لكشفه عن دخول قول المعصوم عليه السلام لانه انما قال خذ بما اشتهر بين اصحابك لدخول قوله في جملة اقوالهم و لعلمه بأن الحجة هو قوله عليه السلام و لانه ان لم‌يدخل في ذلك المشهور الذي جرت عادة القلوب في الجملة علي تقويته و الميل اليه ما لم‌يكن صارف اقوي من ذلك لان الاكثر في الغالب ابعد عن الخطاء من الاقل اذا عري الكل عن الامارة بل ربما وجد في بعض النصوص الاشارة الي ذلك و لم‌يتعين في ذلك المشهور المذكور دخوله وجب عليه نصب الصارف عن المشهور و الا لكان امرا بغير قوله لانه عليه السلام قال خذ بما اشتهر الخ و هو في [ص 14] الواقع خارج عما اشتهر فيكون مغريا بالباطل و وقوع ذلك منه محال لان الله ( لانه خ ) سبحانه اذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و ايضا يكون الدين ناقصا اذ كمال الدين بنصب القرينة الصارفة اذا لم‌يكن داخلا في المشهور و لاسيما بعد امره بالاخذ به اذا عدم الترجيح بدون تقييد و هذا هو الاجماع المشهوري و لايكون منه اجماعان في وقت واحد و مكان واحد نعم قد يتعاقب و يتعاكس مع اختلاف الزمان و المكان و السر فيه ما نبهناك عليه من ان الدليل القاطع الدال علي دخول قوله في المشهور انما هو باعتبار يقين المستوضح للحجة لا باعتبار نفس الامر و السر في هذا السر ان التكاليف في الغالب جارية بالاقتضاءات فقد يقتضي وصف المكلفين في مكان دون اخر او في زمان دون اخر حكما غير ما يقتضيه الوصف في ذلك الزمان و ذلك المكان و اما حكم الله الواحد الذي لايختلف ابدا فانه قد يطابقه حكم الله المتعدد المتكثر و قد يخالفه و الامام عليه السلام عنده الحكمان اما الاول الواقعي الذي لايختلف فانه عليه السلام في نفسه لايلزمه العمل به في كل حال ما دامت دولة الضلال الا اذا اتفقت الامة علي خلاف الحكم الذي لايختلف فانه عليه السلام يتعين عليه حينئذ العمل به ان لم‌تقتض الحكمة عمله بخلافه و الا عمل بالحكم المختلف اذا اقتضي الوقت ذلك بشرط ان يكون عامل بالواقعي من الفرقة المحقة لئلايرتفع الحق عن اهله لان تكليفه مشارك لنا في اكثر الاحوال و ذلك يجري منه علي حسب ما يصلح للرعية كما قال الصادق عليه [ص 15] السلام والله انا لاندخلكم الا فيما يصلحكم و اما الثاني المتكثر ● [ص 16] فالعلماء الذين هم ابواب الحجة و وسائط بينه و بين غنمه الذين امر غنمه و رعيته بالاخذ عنهم و الاقتداء بهم كما اشار اليه سبحانه بقوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة فالقري التي بارك الله فيها آل‌محمد (ع) و القري الظاهرة هم العلماء المشار اليهم و قدرنا فيها السير بأن يأخذ مقلدوهم الذين هم غنم الامام عليه السلام عنهم ما يحتاجون اليه من الاحكام و ان اختلفوا لان الاختلاف اوقعه الامام عليه السلام بينهم ابقاء لهم فهم مكلفون ( المكلفون خ ) به و هو كما قلنا قد يطابق الاول و قد يخالفه ( يخالف خ ) فان لم‌يحصل مانع من العمل بالحكم الاول الواقعي الذي لايختلف في وقت او مكان وجب عليه عليه السلام العمل به و وجب عليه هداية الوسائط اليه بوقوع ( لوقوع خ ) الاتفاق او الاجماع و ذلك بحسب الامكان و يجب في الحكمة اصابة بعض العلماء من ابواب الامام (ع) و وسائطه له و لو من عالم يعتبر بعلمه لئلايخرج الحق عن الفرقة المحقة الذين لايزالون علي الحق حتي تقوم الساعة و ان حصل مانع من العمل بذلك الحكم الواقعي بحيث يلزم منه استيصال الفرقة المحقة كان تكليفهم فيما فيه النجاة و كان علي الامام عليه السلام ان يجري في ذلك في الظاهر ان كان ظاهرا مع شيعته بأن يكون في جملة القائلين بذلك الحكم و يلزمه العمل بذلك الحكم الواقعي لنفسه باطنا و كذا اذا كان مستترا حفظا لوجود النوع المتوقف علي وقوع الحق فيه في الجملة و لا بد في شيعته من موافق له في ذلك الحكم الواقعي و يكون بذلك مستترا كامامه او متروك القول بالنسبة الي المشهور لوجوب [ص 17] اتصاف التابع بشئ مما اتصف به المتبوع و لو من واحد من ذلك النوع لتحقق المتبوعية و يكون بظاهر عمله ( علمه خ ) الذي لايمنع من ظهوره مانع مع المشهور من شيعته و عليه نصب الامارات و الاشارات الي ذلك المشهور بحيث يحصل لاهل الاستنباط تحقق دخول قوله الظاهري في جملة اقوال المشهور بحيث يتجه دعوي الاجماع من المشهور لكشفه عن دخول قوله اذ ليس جايزا ان يخلو قول المشهور من قوله و الا لنصب له الصارف عنه و لكن عليه في سلوكه علي الحكم الظاهري ما دام المانع العمل باقرب المجازات الي الحقيقة اي باقرب الاحكام الي الحكم الواقعي الاولي فيكون ما دام المانع ظاهر القول مع اهل القول الظاهر مستتر العمل بالحكم الواقعي الذي لايختلف مع بعض من شيعته مستتر او متروك القول و ربما زال المانع او حصل مانع اخر مغاير لذلك المانع في وقت اخر فيتغير الوضع و الي هذا المعني اشرنا سابقا بقولنا في المشهورين اللذين يمكن في كل منهما دعوي الاجماع انهما لايكونان في وقت واحد في مكان واحد او مكانين يمكن اتصالهما فانا قلنا قد يتعاقب و يتعاكس مع اختلاف الزمان و المكان و لايرد علينا منع التعاكس المذكور في الاجماع المركب لما بيناه و علي الامام عليه السلام ارشاد العلماء من فرقته و شيعته علي الحالتين علي المصلحة التي يعلمها الي سلوك طريقته و اصابة بعض منهم و لو واحدا لقوله علي الفرضين بنصب دليل يدل علي مراده منهم في الاختلاف و الاصابة كما قال ( قاله خ ) جعفر بن محمد عليهما السلام لعبيد بن زرارة علي ما رواه الكشي قال عليه السلام و [ص 18] الذي خالف بينكم هو راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه فان شاء فرق بينها لتسلم او يجمع بينها لتسلم و في الكافي عنه عليه السلام قال ان الارض لاتخلو الا و فيها امام كيما ان زاد المؤمنون ردهم و ان نقصوا ( شيئا خ ) اتمه لهم ه‍ ، فاستمع لما اتحفناك به و كن به ضنينا فانه من اسرار الحق و الكبريت الاحمر و ادلة ما ذكرناه يطول فيها الكلام الا انها مذكورة فلتطلب من مظانها ، فاذا عرفت ما اشرنا اليه ظهر لك انه قد يتحقق الاجماع المشهوري في المتقدمين و ينعكس في المتأخرين بل في مكانين لايتصلان فاذا رأيت ذلك في كتب العلماء فلاتسارع الي تغليط احدهم و لاتنسبه الي الغفلة و السهو و عدم الضبط او الي المجازفة و كأني بناظر في كلامي هذا يهزء به و يضحك منه و انا اقول له كما قال الشاعر :

علي نحت المعاني من مواضعها و ما علي اذا لم‌يفهم البقر

و الومه في ذلك و اقول له كما قال الشاعر :

فهب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياء

هذا اذا كان في قولين مشهور و نادر و ان لم‌يكن كذلك بل كان بين قولين مشهورين و ان لم‌يتساويا و حصل للمستوضح الدليل القاطع علي دخول قول المعصوم عليه السلام في احدهما صح له ان يدعي الاجماع لكشفه عن دخول قول المعصوم عليه السلام و هذا هو الاجماع المحصل كما يأتي و هو حجة للمستوضح قاطعة بتعين ( بتعيين خ ) العمل عليه الا انه لايكون حجة علي من لايعثر علي ذلك الدليل و هذا الاجماع كثير بين الاصحاب حتي ان منهم من يدعي الاجماع في كتاب و يدعي الاجماع علي العكس في [ص 19] كتاب اخر فيطعن عليه من لايعلم ذلك منه جهلا منه بالامر و استعجالا و قولا بما لايعلم و تكذيبا بما لم‌يحط بعلمه و لمايأته تأويله و قد يكون اجماعا العالم المختلفان ليسا محصلين بل قد يكون احدهما محصلا و الاخر منقولا او مشهوريا بناء علي ما حققناه و يأتي ايضا تحقيق ذلك و تمحل بعض الفضلاء لتسديد الاجماعات المختلفة بأن قال ما معناه يحتمل انهم (ره) انما نقلوا الاجماعات المختلفة عمن قبلهم فيما اذا كان الحكم مستنده خبران تساوت ( تساوي خ ) فيهما جميع التراجيح بحيث كان الحكم عندهم الاخذ بايهما شئت من باب التسليم فاذا اخذ قوم بخبر من باب التسليم كان حكمه لازما لهم ما دام التساوي من جميع الوجوه موجودا و هم حاكمون بصحة الاخر مجمعون علي صحة كل منهما و كذلك القوم الاخرون الاخذون بالخبر الاخير مجمعون علي صحة ما اخذ به الاولون فاذا نقل المتأخر عنهما قول احدهما و ادعي الاجماع علي ذلك فهو حق و اذا ادعي الاجماع علي القول الاخر كان حقا لان كل قول مجمع علي صحته و لايخفي ما فيه لان الخبرين المشار اليهما المتساويين من جميع الوجوه في جميع التراجيح لايكاد يوجدان فضلا عن ان يبلغا في الكثرة الي هذا الحد بحيث يكثر نقل العلماء الاجماع عن اقوال الاخذين بهما من باب التسليم و اعتذر لهم الشهيد في الذكري باحتمال ( باعتبار خ ) تسميتهم المشهور اجماعا او بعدم الظفر حين دعوي الاجماع بالمخالف او بتأويل الخلاف علي وجه يمكن مجامعته لدعوي الاجماع و ان بعد او ارادتهم الاجماع علي روايته بمعني تدوينهم في كتبهم منسوبا الي [ص 20] الائمة عليهم السلام و امثال ذلك و هو اعتذار واه يعين الخصوم علي معارضة الاجماع و ابطاله كما لايخفي علي من تتبع كلامهم فانهم كثيرا ما يتمسكون بمثل هذه العبارات فان الاصحاب اذا احتمل انهم يسمون الشهرة اجماعا كان اعتمادهم في اجماعهم علي مجرد الشهرة لا غير مع ان المعروف من مذهبهم انهم يطعنون علي اهل الخلاف حيث لم‌يشترطوا دخول المعصوم في الاجماع و انما يقولون انه يتحقق باتفاق المجتهدين فهم علي هذا احسن طريقة من الفرقة المحقة لانهم انما يدعون الاجماع مع دعوي الاتفاق لا مع الشهرة و اصحابنا انما يريدون بالاجماع ما يتحقق باتفاق جماعة يعلم دخول قول المعصوم (ع) في قولهم قطعا و يكون غير معلوم بعينه و نسبه و لا بد عندهم ان يكون في جملة المتفقين مجهول النسب يجوز ان يكون هو الامام عليه السلام فلاتكون الشهرة عندهم اجماعا الا علي النحو الذي بيناه هنا و اما قوله او بعدم الظفر حين دعوي الاجماع بالمخالف الخ ، فيأتي في خلال كلامنا جوابه و بيانه من انه قد يكون ذلك كاشفا لدخول قول الحجة عليه السلام في بعض الاحوال فيتحقق الاجماع حينئذ فقول ذلك المتمحل و ان امكن في بعض الافراد ( الاقوال خ ) النادرة لكنه لايحمل عليه ما هو كثير الوقوع بل الاولي كما مر و يأتي ان يحمل ذلك علي كون احد الاجماعين محصلا مثلا و الاخر منقولا و لم‌يثبت عند غير المحصل بكسر الصاد المحصل بفتح الصاد و لعل المنقول ايضا محصل في نفسه كما يأتي او لم‌يثبت المنقول عند غير المحتج به فلا عيب علي مدعي الاجماع بعد تحقق الاحتجاج به مع وجود [ص 21] المخالف و مع قيام الاحتمال المنافي عند غيره بل قد يدعيه علي خلاف المشهور في الموارد كما وقع من ائمة الهدي و اعلام التقي صلوات الله عليهم اجمعين كما هو معروف من كثير من اثارهم من دعوي الاجماع و الاحتجاج به مع وجود الخلاف اذا قام الدليل القاطع علي المدعي و ان كان من احد الادلة الثلثة المشار اليها سابقا و من ذلك ما اشار اليه الهادي عليه السلام في رسالته الي الاهواز و احتجاجه بالاجماع كما يظهر لمن تتبع كلامه هنالك فان قيل انما كان ذلك هنالك لانه قصد به بيان الرد علي العامة الذين يعتمدون ( علي خ ) الاجماع من حيث هو فلايكون الاحتجاج به دليلا علي حجيته قلنا انما اراد تأسيس اصل و قاعدة لشيعته الذين طلبوا منه الدليل فبين لهم و لذا تراه يستدل فيما لا تعلق له مع العامة بوجه كما في رواية الاحتجاج الاتية فتأملها و ذكره لاجماع الامة لاينافي ما قلنا لان المراد منه حجية الاجماع غاية ما في الباب انهم يعتمدون اجماع الامة و نحن نعتمد الاجماع الكاشف عن قول المعصوم عليه السلام و لهذا لو حصل اتفاق كثيرين معلومين ليس فيهم مجهول يجوز ان يكون الامام لايكون ذلك حجة عندنا فقرر الاستدلال بالاجماع المعتبر و هو دليل علي حجية الاجماع المعتبر و بطلان ما خالفه ( يخالفه خ ) و من تدبر كلامه عرف ما قلنا و كذلك كلام الحجة عليه السلام لمحمد بن عبدالله بن جعفر الحميري علي ما رواه ابوطالب الطبرسي في احتجاجه حين كتب اليه يسئله عن دعاء التوجه الي ان قال عليه السلام و السنة المؤكدة التي هي كالاجماع الذي لا خلاف فيه وجهت [ص 22] وجهي للذي فطر السموات و الارض الخ ، و فيها و هدي اميرالمؤمنين عليه السلام و في اخرها و انا من المسلمين اللهم اجعلني من المسلمين و لم‌يوجد في غير هذه الرواية هذه الالفاظ بل ما رواه اصحابنا انما هو و منهاج علي بن ابيطالب و رووا و انا من المسلمين و ليس بعدها كما ذكر هنا مع انه عليه السلام قال التي هي كالاجماع الذي لا خلاف فيه فجعل الاجماع حجة يستدل به كما تري و شبه ما لم‌يكن معروفا بالاجماع لظهور قوله بعينه و نحن نشترط عدم معلومية قوله بعينه لما ذكرنا سابقا فلما كان الشرط الذي اشرنا اليه سابقا حاصلا بالمفهوم و الاشارة و اللازم شبه ذلك بالاجماع لانا قلنا ان ظهور كلامه مظنة للتقية و احتمال احد السبعين الوجه كما ذكرنا فاذا كان قوله في جملة القائلين لم‌يزد المراد منه علي مرادهم من كلامهم فلاحظ فالمشهوري حجة علي ما قررناه و اجماع حقيقة علي ما اصلناه و بينا من ان الاجماع انما نعتد به اذا كشف عن دخول قول المعصوم عليه السلام و الا فليس من مذهبنا و قول كثير من علمائنا ان المشهوري ليس اجماعا حقيقة بل مجازا كما قال الشهيد في الذكري الحق بعضهم المشهور بالمجمع عليه فان ارادوا في الاجماع فممنوع و ان ارادوا في الحجية فقريب و احتج علي الحجية بقوة الظن في جانب الشهرة رواية و فتوي و غيره من اصحابنا مبني علي ملاحظة التسمية و مماشاة مع المخالفين في تلك الدعوي و الا فانا لانتعاطاه و لانطلقه حقيقة الا علي قول من كان المعصوم في جملتهم بلا فرق بين حصول ذلك في جميع المسلمين و في خمسة رجال لانا لانعتد الا علي قوله (ع) الداخل في الجملة الغير المتشخص [ص 23] كما ذكرناه مكررا مرددا ليتذكر من تذكر فهو اجماع و حجة كما جعله عليه السلام كذلك فلاحظ ما تقدم و ما يأتي من الاخبار من اطلاق الاجماع عليه و الاصل في الاستعمال الحقيقة الا ان يكون المراد من الاجماع ما ذهب اليه المخالفون و لا دلالة في الوضع اللغوي علي ارادة من لم‌تعتبر ارادته و الا لماتحقق في اتفاق اهل الحل و العقد لقلتهم في سائر الخلق و اما قول الشهيد (ره) في احتجاجه علي الحجية بقوة الظن في جانب الشهرة فغير متجه لانه ان اراد بحجية الشهرة بدون اعتبار قول المعصوم عليه السلام فيهم ففي حيز المنع اذ رب مشهور لا اصل له علي ان ظاهر كلامه ان الظن الحاصل من الادلة اذا وافق الشهرة قوي و هذا ليس من الحجية في شئ بل ليس كلما وافق الدليل الشهرة قوي و ان حصلت القوة لم‌تستقل في تقوية الضعيف و لا ترجيح احد المتساويين دائما و لا عبرة بالاتفاق في بعض الاحوال مما يراد منه كونه اصلا و ان اراد بالحجية مع اعتبار قول المعصوم عليه السلام فلايفيد الظن شيئا بل لا بد من القطع علي نحو ما مر مكررا و ما يعتبر من الظن في الاجماع المنقول فانما هو في ثبوته في نفسه لا في حجيته و يأتي بيان هذا ان شاء الله تعالي و لاينافي كلامنا هنا ( هذا خ ) قولنا سابقا من ان الاكثر ابعد من الخطاء من الاقل لان قولنا هناك ليس المراد به الاحتجاج علي حجية الاكثر كما هنا ، فاذا عرفت ما ذكرنا فاعلم انه قد بقي شئ ينبغي التنبيه عليه و هو انه قد اختلف العلماء في المراد من قوله عليه السلام في مرفوعة زرارة خذ بما اشتهر بين اصحابك هل المراد به ما اشتهر في الفتوي و العمل او في الرواية او فيهما فمن نظر الي ما ظهر من الروايات و قطع النظر عن [ص 24] المراد منها قال بانه ما اشتهر في الرواية و عليه اجتمع رأي الاخباريين و من قصر النظر الي ان المراد منها العمل قال كما قاله شارح مختصر الاصول و غيره من ان المراد به المشهور فتوي قطعا او احتمالا قال و هو حجة من ذهب من الاصوليين و الفقهاء الي ان الشهرة مرجحة عند تعارض الدليلين و استدل به بعض العلماء علي حجية الاجماع ثم تنظر فيه و ذكر ما حاصله ان الخبر يدل علي ان الاجماع مرجح لاحد الخبرين علي الاخر لا انه حجة برأسه انتهي ، و الذي اعطاني النظر بعد ان اعطيته حقه قاطعا للالتفات الي القولين هو ارادة المعنيين اما ان المراد به ما اشتهر في الرواية فظواهر الاخبار شاهدة به و المراد به ان شهرة الخبر بين الاصحاب و تكرره في الاصول من المرجحات التي يتعين المصير اليها اذا لم‌يعارضه مرجح اقوي منه و لم‌يحصل التعين الا علي النحو الذي ذكرناه سابقا و اما ان المراد به ما اشتهر في الفتوي فلانه لايخلو ذلك المشتهر من ان يكون فتوي او رواية فان كان فتوي و كان غير المشتهر لم‌يحصل له في مستنده ما يقابل ذلك المشهور من صحة الاعتبار مع عدم مقابلة اجماع مشهور او محصل و لو محتمل ( و لم‌يحتمل خ ) احتمالا مساويا بعد تمام التفتيش فان ذلك المشهور من الفتوي حجة اذا لم‌تكن من معلومي النسب و ليس ذلك لحجية ( بحجية خ ) مجرد الشهرة كما ذكره بعضهم فان مجرد الشهرة ليس بحجة بل اذا كانت الامارات و القرائن حاكمة بعدم خروج مذهب الحجة عليه السلام عنها بحكم قطعي محصل من قوله عليه السلام خذ بما اشتهر بين اصحابك فان ذلك صادق عليه انه اشتهر بين الاصحاب و من اهمال الامام (ع) الدليل الصارف عنه عند [ص 25] الحاجة الي العمل الذي امر عليه السلام به مع امره بالاخذ بذلك المشهور و لولا علمه و الحال هذه بدخول قوله في جملة ذلك المشهور لوضع الدليل الصارف و لماامر به و الا لكان مغريا بالباطل و ان كان ذلك المشتهر رواية ● فلايخلو اما ان يكون قد اشتهر العمل بها او بخلافها او لم‌يعلم [ص 26] العمل بمقتضاها و مدلولها و لا تركه و انما اشتهارها تكررها في الاصول فان كان الاول فقد اتحدت الشهرة و اتحد الدليل و قد مر و ان خالفها العمل بأن عمل الرواة بخلافها فلا ريب في ردها لان عمل الراوي بخلاف روايته امارة دالة علي عدم صحتها او عدم صحة العمل بها عنده و المفروض انه لا دليل مرجح الا ذلك الاشتهار فلايعتمد علي اشتهارها عندهم اذا تركوا العمل بها و لايلتفت الي قول من قال من اهل الاخبار من ان تركهم العمل بما رووه مشتهرا ان علم سبب الترك و كان منصوصا قبل ذلك منهم و ان لم‌يعلم او علم و لم‌يكن منصوصا فلايلتفت الي عملهم بل يترك عملهم و تؤخذ روايتهم لانهم ( لانه خ ) ان لم‌يثبت عندهم ما ينافي العمل بها و تركوا العمل بها كانوا فساقا يجب التثبت عند خبرهم فتترك روايتهم و لايرد علينا ما رواه جابر بن يزيد الجعفي قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول ان لنا اوعية نملؤها علما او حكما و ليست لها باهل و مانملأها الا لتنقل الي شيعتنا فانظروا الي ما في الاوعية فخذوها ثم صفوها من الكدورة تأخذونها بيضاء نقية صافية و اياكم و الاوعية فانها وعاء سوء فتنكبوها ه‍ ، لان اولئك اكثرهم ثقات و ان كان ( كانوا خ ) فاسدي المذهب و دلت القرائن علي صحة روايتهم و ان كان ( كانت خ ) علي بعض الوجوه من امثال التخصيص و التقييد و غيرهما بخلاف هؤلاء و لاسيما مع عدم الامارات و القرائن ( علي صحة روايتهم خ ) كما هو المفروض و ان ثبت عندهم المانع من العمل ثبت ما قلنا علي انه لايلزم من عدم اطلاعنا [ص 27] علي المانع عدم وجوده و لايحتاج الي استبانة ذلك بعد قيام الدليل علي المقبول من ذلك و المردود و ان لم‌يعلم عملهم بها و لا عدمه لمحضت ارادة الاشتهار في الرواية و حينئذ فان خالفها عمل غيرهم من اهل عصرهم تركت و رجح العمل بنحو ما مر في مخالفتها لعمل رواتها و كذا من غير اهل عصرهم لان شهرتها مع مخالفتهم لها تدل علي عدم صحتها بما ذكرنا لان المفروض انهم من اهل الاستيضاح و اهل الاستيضاح لايخفي عليهم الدليل و لايضيق عليهم المنهج لما سنبينه ان شاء الله تعالي و ان وافقها عمل بعض و خالفها عمل بعض فسبيلها كغيرها في رجوع حكمها الي التراجح و ان كان مقتضاها حكما مسكوتا عنه نظر فان لم‌يعارضها ما هو اقوي منها من كتاب او سنة او اجماع او دليل عقل ( عقلي خ ) علي نحو ما قرره العلماء شكر الله سعيهم وجب العمل بمقتضاها و الا فالاقوي منها اولي منها و اقوي و جميع ما فصلنا ( فصلناه خ ) دخل في مجمل قولنا قبل ذلك ان المشهور مطلقا اذا عدمت التراجيح وجب الاخذ به لانه امر بالاخذ به و لايأمر به علي سبيل التعيين الا لدخول قوله في ذلك لانه يعلم قوله و ان لم‌يدخل نصب ( لنصب خ ) له صارفا فلاحظ ما مر .

و بقي شئ اخر هو انه قد يقال كيف يكون المشهور حجة و اجماعا و لايكون ذلك الا مع تيقن دخول قول المعصوم و قلتم ان ذلك انما يحصل اذا لم‌يكن مرجح في الظاهر الا الشهرة و قلتم ان مجرد الشهرة لايكون دليلا و لا حجة و اجماعا حتي ينص الامام علي الاخذ بها و لاينص علي الاخذ بكل [ص 28] شهرة لان ذلك معلوم البطلان بل علي شهرة معينة و لانعرفها الا بأن لاينصب علي ضدها دليلا صارفا عنها فاذا وجد المقتضي و هو امره و عدم المانع و هو الصارف عنها وجب الاخذ بها و كانت اجماعا لكشفها عن دخول قوله فكيف تتحقق هذا و نحن نجد في كثير من احوال الشهرة المقتضي و المانع اما المقتضي فلعموم قوله عليه السلام خذ بما اشتهر بين اصحابك و هو صادق علي افرادها كلها و من افرادها ما يوجد فيه المانع و هو انه قد تكون الشهرة التي يتناولها الامر بالاخذ بها لم‌يجد زيد في ضدها المانع عنها و يجده عمرو فان قلتم هذا متحقق في حق زيد قلنا يكون هذا من افراد الاجماع المحصل لا المشهوري و الا لم‌يتحقق ( الاجماع المشهوري خ ) و الجواب انا ( انا انما خ ) نقول بالمشهوري اذا لم‌يمكننا العثور علي المانع و ليس في وسعنا تحصيله لانا لانكلف ما لانقدر عليه و ليس علينا التوقف اذا لم‌نعثر مع استفراغ وسعنا علي المانع لانا مأمورون بالاخذ بالمشهور فانه مجمع عليه لا ريب فيه و اما اذا وصل الينا المانع الا انا لم‌نتحقق كونه مانعا فان ذلك الاجماع الذي ندعيه بالشرط المذكور حينئذ محصل لا مشهوري و قد مر بيانه مكررا فلاحظ و يأتي فارتقب .

الفصل الرابع - من اقسام الاجماع الاجماع المركب و هو ان يستقر مذهب اهل العصر علي قولين بأن كان موضوع المسئلة كليا فالحكم فيه بالايجاب الكلي او السلب الكلي او في بعض افراد الموضوع بالايجاب و البعض الاخر بالسلب فحكم بعض اهل العصر مثلا بالايجاب الكلي و بعضهم اما [ص 29] بالسلب الكلي او بالسلب في بعض و الايجاب في البعض الاخر فاذا استقر المذهب علي احتمالين من الثلثة المذكورة لم‌يجز القول بالاحتمال الثالث لانا نجزم حينئذ ان المعصوم عليه السلام في احد القولين الاولين فيكون الثاني باطلا قطعا فبطلان القول بالثالث ثابت بالطريق الاولي و هذا عندنا متفق عليه الا انه بعد العلم بانحصار مذهب اهل العصر من الفرقة المحقة في قولين و بيان طريق العلم بذلك يأتي في بيان امكان وقوعه فترقب ان شاء الله تعالي ، ثم ان كان اهل احد القولين معلومي النسب و لم‌يكن المعصوم (ع) احدهم وجب المصير الي اهل القول الاخر و يكون حينئذ اتفاق هؤلاء و هم من فيهم مجهول النسب الذي يجوز ان يكون هو المعصوم عليه السلام اجماعا واحدا بسيطا لا مركبا و ان لم‌يكن كل احد من الطائفتين معلوم النسب بل ( كان خ ) في كل منهما مجهول النسب يجوز ان يكون هو الامام (ع) فان كان مع احدهما دلالة علي قوله (ع) تفيد القطع و اليقين وجب المصير اليه و يكون كالاول ان لم‌يكن تحصل تلك الدلالة للاخرين فان حصلت كان كل قول منهما اجماعا محصلا بالنسبة اليه و لكن حجية كل منهما لاتكون عامة الا في عصرين علي جهة التعاقب كما اشرنا اليه سابقا فلاحظ و اما في عصر واحد فتكون حجية خاصة بالمحصل بكسر الصاد اللهم الا ان يكونا في مكانين متباعدين يعسر اطلاع كل منهما علي قول الاخر فان كلا منهما تكون حجيته عامة في الجملة لمحصل الدلالة القطعية و فاقدها بل يكون كل منهما اجماعا بسيطا بالنسبة الي مكانه و [ص 30] ان لم‌يكن مع احدهما دليل قاطع يوجب العلم كان فرض المستدل طلب الدليل فان حصل دليل ( له دليل قاطع خ ) يرجح احد القولين تعين عليه العمل بظنه غير مدع للاجماع و ما حكي عن الشيخ (ره) عن التخيير بالعمل بايهما شاء اعمالا لاخبار التخيير في الخبرين المتعارضين مع عدم الترجيح مطلقا هنا لاتحاد الحكم ليس بجيد علي اطلاقه بل انما يكون ذلك علي اصله اذا دل الدليل علي انحصار الحق فيهما و تعذر الترجيح من جميع الوجوه و اضطر الي العمل لتعين تكليفه باحدهما حاضرا ( ظاهرا خ ) و هذا عند من لم‌يقل بالتوقف مطلقا او مع عدم الحاجة و الضرورة الي العمل او في العبادات علي انا لانسلم وقوع تعذر الترجيح مطلقا اذ لو لم‌يجعل الله لنا سبيلا الي الترجيح في حال لوضع عنا التكليف حينئذ و التخيير هنا يستلزم كون نسبتي شيئين الي شئ واحد نسبة واحدة جهة و مسافة و وقتا و رتبة و قد برهن علي امتناعه لاستلزامه الترجيح من غير مرجح و ما ثبت فيه التخيير من الاحكام فقد ثبت فيه الترجيح و التخيير توسعة و تخفيفا ( تخفيف خ ) و ليس هذا منه لعدم الترجيح و الا امتنع التخيير و يأتي ان شاء الله تعالي تمام البيان فلا خيرة في التخيير و اما قول بعض الاصحاب باطراح القولين و التماس دليل من غيرهما فالظاهر ان المراد منه التماس دليل اخر يرجح احد القولين لانه اذا اقتصر علي دليل احدهما اداه ذلك الي القول به و هو قد فرض تعادلهما و الا لكان احدهما ارجح دليلا و ان لم‌يكن قطعيا تعين العمل بالراجح فعلي هذا يكون تضعيف [ص 31] الشيخ لقول هذا القائل بانه يلزم منه اطراح قول الامام (ع) ضعيفا و اما اعتراض المحقق علي الشيخ بما اعترض به علي ذلك القائل فليس بمتجه لان قوله و بمثل هذا يبطل ما ذكره يعني الشيخ لان الامامية اذا اختلفت علي قولين فكل طائفة توجب العمل بقولها و تمنع من العمل بالقول الاخر فلو تخيرنا لابحنا ما حظره المعصوم غير تام اذ لايلزم من التخيير ذلك لعدم تعين قول المعصوم عليه السلام فتخير احدهما تخير لقول المعصوم عليه السلام لا تركه كما قيل في استحباب التياسر لاهل الشرق في القبلة علي ان الشيخ له دليل في بادي الرأي علي ما يدعيه كما مر و لا دليل للمحقق و قول صاحب المعالم (ره) بأن كلام المحقق جيد ليس بجيد و ان كنا نمنع قول الشيخ لوجوب حصول الترجيح في كل حال و الا لاتجه قوله مع التعادل من جميع الوجوه و الضرورة الي الحكم و العمل و ذلك كله اذا تعين اتباع احدهما بأن دل الدليل القطعي علي انحصار الحق في احدهما فلو لم‌يكن مع احدهما دليل قاطع لم‌يتعين علي مستوضح الحجة اتباع احدهما بل لو اداه الدليل الي قول ثالث تعين العمل عليه بظنه حينئذ لانه لم‌يكن حينئذ اجماع مركب و الا يحصل القطع باحد القولين او في القولين و لايبعد حمل قول القائلين باطراح القولين و التماس دليل من غيرهما علي ذلك اذ ( ان خ ) يبعد ممن له ادني مسكة من العلم ان يتحقق له دليل قاطع علي دخول قول المعصوم (ع) في الفريقين يعني في احدهما لا علي التعيين لعدم [ص 32] الدليل القطعي المعين ثم يأمر باطراحهما و التماس دليل من غيرهما الا علي نحو ما ذكرنا سابقا او علي نحو ما ذكرنا لاحقا من عدم تحقق انحصار الحق فيهما فتدبر و من الادلة علي جواز القول بغير القولين اذا لم‌يقم الدليل القاطع علي احدهما او فيهما احتمال كثير من الاصحاب في هذا المقام في كثير من الاحكام لغير القولين فانك تري احدهما يقول و لو قيل بكذا ( هكذا خ ) لكان حسنا و امثال هذه العبارة التي تدل بصريحها علي عدم سبق قائل به ثم يقطع به و يكون قولا له بل و لغيره كما نقله ابن‌ادريس في السرائر عن السيد المرتضي في قوله بالفرق بين ورود الماء علي النجاسة فلاينفعل و ورود النجاسة علي الماء فينفعل قال السيد في المسائل الناصريات قال لااعرف نصا لاصحابنا و لا قولا صريحا و الشافعي يفرق بين ورود الماء علي النجاسة و ورودها عليه فيعتبر القلتين في ورود النجاسة علي الماء و لايعتبر في ورود الماء علي النجاسة و خالفه سائر الفقهاء في هذه المسئلة و يقوي في نفسي عاجلا الي ان يقع التأمل لذلك صحة ما ذهب اليه الشافعي و الوجه فيه انا لو حكمنا بنجاسة الماء القليل الوارد علي النجاسة لادي ذلك الي ان الثوب لايطهر من النجاسة الا بايراد كر من الماء عليه و ذلك يشق فدل علي ان الماء اذا ورد علي النجاسة لاتعتبر فيه القلة و الكثرة كما يعتبر فيما يرد النجاسة عليه انتهي ، ثم حكم به و كان قولا له مع انه اقر بانه لم‌يعرف لاصحابنا في ذلك نصا و لا قولا صريحا [ص 33] بل هو مذهب الشافعي لما اداه الدليل اليه و امثال ذلك هذا مع ان المعروف ان مذهب الفرقة ( المحقة خ ) اشتراط الكرية عند الملاقاة من غير استفصال و عدم الاشتراط في الازالة كذلك و قد قال شيخنا الشهيد الثاني (ره) في شرح الشرايع في كتاب الوصايا عند قول المحقق قدس سره و لو اوصي له بابنه فقبل الوصية انعتق عليه اجماعا ما معناه الاجماع انما يكون حجة مع تحقق دخول قول المعصوم عليه السلام في جملة اقوال المجمعين و دخول قوله عليه السلام في جملة اقوالهم في هذه المسئلة و نحوها من المسائل النظرية غير معلوم ثم نقل قول المحقق (ره) في اول المعتبر مستشهدا به و مستحسنا له ثم قال و بهذا يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في المسائل التي ادعوا عليها الاجماع اذا قام له الدليل علي خلافهم و قد اتفق ذلك لهم كثيرا الا ان زلة المتقدم مسامحة بين الناس انتهي كلامه ، و امثال ذلك كثير في كلامه و كلام غيره و ان كان اكثر اقوالهم مضطربة حيث لم‌يعثروا علي العلة التي لاجلها جازت المخالفة او امتنعت و انما يقول المستدل المستوضح بخلاف قول غيره اذا فقد الدليل القاطع علي تعين الرجوع الي احد القولين و قام له الدليل علي ما استحسنه و لهذا قد تكون من بعضهم غفلة عن هذا المأخذ فيتسرع ( فيسرع خ ) الي الرد علي ذلك القائل بأن ما ذهب اليه لا قائل به ( بل خ ) يريد بذلك ان هذا القائل قد تفرد بالقول و خالف ما عليه الفرقة المحقة و ليس كذلك الا اذا انفرد ( تفرد خ ) بعد ظهور الدليل القطعي علي ان الحق في [ص 34] احد القولين و انه غير خارج عنهما اما اذا لم‌يحصل ذلك بل حصل له دليل علي خلافهما فانه اذا عمل بالدليل لم‌يكن متفردا بالقول حينئذ بل انما قال بمقتضي ما يقولون و لكن اكثر الناس لايعلمون فان قلت كلام الشهيد (ره) صريح في جواز مخالفة الاصحاب مطلقا لمن قام الدليل عليها ( عليه خ ) لقوله و بهذا يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في المسائل التي ادعوا عليها الاجماع الخ و هذا يلزم منه مخالفة الاجماع المركب و البسيط قلنا انما قال ذلك في المواضع التي يدل الدليل فيها علي عدم تحقق الاجماع المدعي و يدل علي خلاف حكمه و اما اذا دل الدليل علي خلاف حكمه و لم‌يدل علي عدم تحققه فانه لايقول به و لا احد من الاصحاب و لهذا قال في المسالك في شرح قول المحقق (ره) ما معناه ان المرأة المطلقة اذا تزوجها الاجنبي ثم طلقها و تزوجها الاول ان ذلك يهدم الطلاق السابق قال بعد تقرير دليل عدم الهدم و تقويته و لايخفي عليك قوة دليل هذا الجانب لضعف مقابله الا ان عمل الاصحاب عليه فلا سبيل الي الخروج عنه انتهي ، فمنع من مخالفة الاصحاب حيث لم‌يقم دليل صارف عنه و مانع منه كما قررناه و ان وجد دليل علي خلاف حكمهم لانه حينئذ ناقص لاينهض به حجة الا مع صارف فتدبر ثم اني اقول و ليس ذلك في كل واحد من الاصحاب في جميع ما اختلفوا فيه فان الجواد قد يكبو و الصارم قد ينبو و لكن هذه طريقتهم لايخطي المقتصد منهم المستيقظ سمتها و علي الله قصد السبيل و منها جائر ثم اذا استقر [ص 35] القولان و تحقق الاجماع المركب فهل يجوز اتفاقهما علي احد القولين بعد اختلافهما الحق انه يجوز ذلك لان المصيب احدهما و الاخر مخطئ في نفس الامر فاذا اتفقا ظهر خطاء القول المتروك قطعا و لايجوز اتفاقهم علي الخطاء و منع الشيخ علي قوله بالتخيير ممنوع اما اولا فلان قوله بالتخيير انما هو علي تقدير عدم الترجيح و الا لماجاز التخيير بين الراجح و المرجوح قولا واحدا و اتفاقهم علي قول انما هو لمرجح و الا لماجاز لاحدي الفريقين ترك قولهم و القول بقول الفرقة الثانية من غير مرجح فلايلزم من القول بالتخيير عدم جواز الاتفاق لاختلافهما فلم‌يتفقا في مادة و اما ثانيا فلان التخيير انما هو بين قولين احدهما في نفس الامر خطاء و انما قيل بالتخيير لعدم تعين القول الصواب بعينه لكن لما لم‌يحصل الدليل المعين لما فيه الحق و تعذر الترجيح قيل بالتخيير و الاتفاق معين للقول الحق و لبطلان القول المعدول عنه و ان كان الاتفاق انما يكون بعد حصول الموجب فيجوز الاتفاق علي القول بالتخيير لان التخيير مشروط بعدم حصول الاتفاق و قول المحقق هنا في الجواب عن قول الشيخ علي ما ذكره الشيخ حسن في المعالم ان قلنا بالتخيير لم‌يصح اتفاقهم بعد الخلاف لان ذلك يدل علي ان القول الاخر باطل و قد قلنا انهم مخيرون بقوله و لقائل ان يقول لم لايجوز ان يكون التخيير مشروطا بعدم الاتفاق فيما بعد ليس بشئ لما قلنا اولا من ان التخيير انما هو بين قولين احدهما في نفس الامر خطاء و انما جاز التخيير حيث لم‌يحصل المرجح و ليس من شروط جوازه اصابة [ص 36] الصواب فقول المحقق بكونه مشروطا بعدم الاتفاق فيما بعد يلزم منه ان شرط التخيير اصابة الحق لان قوله فيما بعد يدل علي ان التخيير في وقت شرطه ان لايقع الاتفاق في وقت اخر بعد ذلك الوقت لانهم اذا اتفقوا كان القول المعدول عنه باطلا فقد يكون هو المختار سابقا فيكون من التخيير اصابة الباطل فاذن شرط التخيير ان لايكون الاتفاق بعده و لايخفي ما في كلامه اعلي الله مقامه اذ شرط التخيير عدم حصول الاتفاق حين التخيير لا بعده و لا شرط له غير ذلك الا عدم الترجيح و ذلك بعد وجود الدليل القاطع المعين للحق في احدهما لا علي التعيين و قول صاحب المعالم ان كلام المحقق هذا كالسابق في غاية الحسن و الوضوح متهافت كما تري و من الاجماع المركب ما اذا لم‌تفصل الامة بين مسئلتين سواء نصت علي المنع ام لا اذا كان بين المسئلتين علاقة توجب التساوي و الاتحاد بل و لو لم‌توجد العلاقة اذا استقر العمل بالمسئلتين عندنا لان الامام في احدي الطائفتين و التفصيل حينئذ خرق للاجماع المركب و هو باطل نعم لو لم‌تنص و لم‌توجد تلك العلاقة و لم‌يستقر العمل بأن لم‌يمض وقت و ان قل علي العمل بهما من دون التفصيل امكن التفصيل اذا قام عليه الدليل و لم‌يقم علي تعين احدي المسئلتين او علي حصر الحق فيهما كما مر فراجع ما مضي هنا .