فصل - ذكر الغزالي مثل ما قال ابن‌فورك ، قال الغزالي في بحث افعال الرسول من كتابه المسمي بالمنحول في الاصول و المختار ما ذكره القاضي [ص 31] و هو انه لايجب عقلا عصمتهم اذ لايستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل و لا بنظره و ليس هو مناقضا لمدلول المعجزة فان مدلوله صدق اللهجة فيما يخبر عن الله تعالي لا عمدا و لا سهوا و معني التنفير باطل فانا نجوز ان ينبئ الله تعالي كافرا يؤيده بالمعجزة ، انتهي . اقول قوله اذ لايستبان استحالة وقوعه الخ ، ففيه انه ان اراد به استبانة موافقة للحكمة و منطوق الكتاب فهو باطل و ان اراد به استبانة مطلقا و لو مخالفة للحكمة و لمنطوق الكتاب فكما قال و لكن الدعوي استبانة موافقة للحكمة و الكتاب اما استحالة وقوعه بضرورة العقل فلأن وقوعه انما يجوز من المحتاج او الجاهل او العاجز لان وقوعه خلاف الحسن و الكمال من الغني المطلق و العالم المطلق و القادر المطلق و لايصير الغني العالم القادر الي خلاف الحسن و الكمال بالضرورة لانه نقص بحكم ( يحكم خ ) العقل بضرورته بعدم وقوعه من الغني العالم القادر و اما استحالة وقوعه بنظر العقل فان ما فيه احتمال منافاة الغرض و لو في وقت مّا لايصير اليه الغني العالم القادر لان حصول الغرض من البعثة و اقامة الحجة البالغة بما لايحتمل منافاة الغرض في حال من الاحوال تام كامل حسن علي اكمل وجه لموافقة اللطيف بعباده الغني القادر العليم و لا ريب انه اتم في غرض الفاعل المختار و اكمل و ما سواه مما قد يحتمل المنافاة ناقص قد يفوت الغرض الذي لاجله بعث انبيائه و رسله و من لم‌يكن لاعبا و لا عابثا لايصير الي الناقص مع كونه مرجوحا بلا مرجح الا احتمال القلوب المنكوسة لان احتمال وقوعه و لو علي خلاف الاصلح و لو كان مفوتا للغرض الذي لاجله [ص 32] وقع الفعل لاجل ملاحظة اعتقاد انه يفعل لا للاصلح و ان افعاله غير معللة بالاغراض و انه لايقبح منه شئ و ما اشبه ذلك من الوساوس الباطلة المخالفة للكتاب و السنة و للعقول لانه كثيرا ما يثني علي نفسه بالاتصاف بالصفات الجميلة و بالتنزه عن الاتصاف بالصفات القبيحة كالظلم و العجلة و الصنع بغير فائدة و اللعب و العبث فاذا كان لايفعل الاصلح ( للاصلح خ ) فلم اثني علي نفسه بفعل الاصلح فقال يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر و قال و الله يعدكم مغفرة منه و رحمة و الله رؤف بالعباد و اذا كانت افعاله غير معللة بالاغراض فلم عللها في كتابه في كل موضع و ذم من ظن خلاف ذلك فقال و ماخلقنا السموات و الارض و ما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار و قال و ماخلقنا السموات و الارض و ما بينهما لاعبين و قال افحسبتم انما خلقناكم عبثا و انكم الينا لاترجعون و اذا كان لايقبح منه شئ فلم لم‌يصف نفسه بالظلم و الجهل و العجز و الكذب و هي حسنة بالنسبة اليه فان قلت انها و ان كانت حسنة بالنسبة اليه الا انها ( لا انها خ ) قبيحة بالنسبة الينا قلت اذا كان بملاحظة النسبة الينا ترك وصف نفسه بما يجوز بالنسبة اليه و لايقبح فيجب ان يترك ما يفعل بنا مما يقبح بالنسبة الينا و ان حسن بالنسبة اليه بالطريق الاولي و اما استحالة وقوعه بمنطوق الكتاب فلما تقدم من جوابه تعالي لابراهيم علي محمد و اله و عليه السلام حين سئل الله تعالي ان يجعل ذريته المؤمنين ائمة من قوله تعالي لاينال عهدي الظالمين فلو جاز موافقا للحكمة و الغني و العلم و القدرة لمارد دعاء [ص 33] خليله مع اجابته في ذريته المتقين صلي الله عليهم اجمعين و قوله و ليس مناقضا لمدلول المعجزة فان مدلوله صدق اللهجة فيما يخبر عن الله الخ ، ففيه ( فيه خ ) ان المعجزة انما هي شهادة تصديقه في كل مايقول و يفعل فانه لايقول و لايفعل الا بامر من الله تعالي قال الله تعالي و ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و قال تعالي و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين و لايخصص بالقران و بما يقول قال الله بل هو شامل لجميع اقواله و احواله و اعماله و افعاله صلي الله عليه و آله لقوله تعالي و ما اتيكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و قال تعالي فاتبعوه لعلكم تهتدون و قد تقدم في استدلال الامامية انه لو وقع من النبي صلي الله عليه و آله ذنب لوجب الاخذ به فيكون واجبا حراما و قد استدل المخالفون كلهم بتلك الادلة و اما تخصيصها بما بعد النبوة او في غير الصغائر فشئ لم‌يرجع الي الدليل و انما يرجع الي شهوات النفوس و الي الاغراض و دفاعا عمن يقتدون بهم مع مقارفتهم للمعاصي و لايخفي شئ منها علي طالب الحق و لله در الشاعر ما انسب ما قال بهذا المقام :

ثوب الرياء يشف عما تحته فاذا التحفت به فانك عاري

فمدلول المعجزة انما هو الشهادة بالتصديق المطلق و استخلاف الحق تعالي فالتجويز علي الخليفة تجويز علي المستخلف و مضي ( معني خ ) قوله لا عمدا و لا سهوا ان ما سوي الاخبار عن الله تعالي يجوز منه كل شئ من الذنوب و المعاصي عمدا و سهوا و هو حكم علي الله تعالي و علي رسله [ص 34] بما هو من سنخ طينته و شهادة علي الله و رسله بذلك تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و هو سبحانه سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم قوله و معني التنفير باطل مطابق لما هو عليه من الاعتقاد من عدم ( لعدم خ ) تنفير القبائح و من استحسانها في الاصول و الفروع كما هو مذكور في محله و الا فان العقول تقطع بان الاطمينان التام الذي لايكون معه اضطراب بحيث ينحصر فيه قيام حجج الله علي عباده حتي لايكون لمحتج حجة و لا لمعتذر عذر و هو معني الحجة البالغة لايحصل الا مع القول بالعصمة علي ما قرره الامامية خاصة فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر فان قيل ان استعقاب بعض الذنوب للعفو ينفي النفرة او احتمالها او عدم الاطمينان لان من وقع منه الذنب ثم تاب او غفر له كمن لا ذنب له بل روي انه افضل ممن لم‌يذنب قلنا لانسلم ان ذلك ينفي النفرة و ان كان افضل من جهة انكسار المعصية و الندم لان المساواة او الافضلية انما هو من امور الاخرة في الثواب و هو شئ يرجع الي المجازات و ذلك غير ما يعتبر في التبليغ و الاداء و قبول التكاليف لان المعتبر في التبليغ و الاداء و القبول من المبلغ انما هو حصول القطع بالصدق عن الله ( تعالي خ ) و لايجب في كل حال الا ممن حصل القطع بعدم وقوع تقصير منه لان تجويز الكذب انما يثبت في حق من يجوز منه تقصير و ان كان قليلا و نادرا لان الكذب انما هو منه و اما من لم‌يصدر منه تقصير فلم‌يتصور منه الكذب فتطمئن به النفوس بخلاف الاول فلاتنتفي منه النفرة بالكلية بخلاف الثاني .

فصل - قال المخالفون في عصمة الانبياء المجوزون لوقوع المعاصي منهم [ص 35] عليهم السلام مثل قول فضل بن روزبهان في كتابه ان الانبياء مكلفون بترك الذنوب و مثابون به و لو كان الذنب ممتنعا عنهم لماكان الامر كذلك اذ لا تكليف بترك الممتنع و لا ثواب عليه و ايضا فقوله قل انما انا بشر مثلكم يوحي الي يدل علي مماثلتهم لسائر الناس فيما يرجع الي البشرية و الامتياز بالوحي لا غير فلايمتنع صدور الذنب عنهم كما في سائر البشرية ( البشر خ ) و هذا حقيقة مذهب الاشاعرة و من تأمل فيه علم انه الحق الصريح المطابق للعقل و النقل ، انتهي ( كلامه خ ) ، اقول قد تقدم ذكر الاشارة الي جواب هذا التوهم في تعريف العصمة للعدلية في قولهم غير سالب للقدرة علي خلاف مقتضي ذلك اللطف و الا لم‌يكن مكلفا و لم‌يستحق مدحا و لا ثوابا و المراد ان الانبياء كلهم مكلفون كغيرهم من سائر الناس و ليس صدور المعصية شرطا في جواز التكليف بتركها اذ يجوز تكليف العبد بترك المعصية اذا كان متمكنا من فعلها و ان لم‌تقع منه لان التمكن من فعل المعصية شرط في التمكن من الطاعة فان الطاعة ماتتحقق حتي يتمكن من تركها الذي هو المعصية فاذا تمكن من المعصية و تركها باختياره مع القدرة عليها و فعل الطاعة كان مطيعا و لو لم‌يقدر علي المعصية لم‌يكن قادرا علي الطاعة فشرط التكليف التمكن من المعصية و القدرة عليها لا صدورها منه و مرادنا بقولنا ان مقتضي العصمة انه يمتنع منه وقوع المعصية انه لايفعلها و لايميل ( اليها خ ) مع قدرته علي ذلك لا انه ( لانه خ ) يمتنع منه الامتناع العقلي الاتسمع الي قولنا المتقدم ان العصمة تستلزم سلب الداعي الذي هو الميل و الارادة لا سلب [ص 36] القدرة معه فان قلت ان المخالفين لكم انما يدعون جواز صدور الذنب من المعصوم و قولكم هذا يوافقهم قلت نحن لانقول بان المراد بامتناع وقوع الذنب من المعصوم عدم الامكان العقلي اذ ( و خ ) لم‌يقل به احد ممن له ادني معرفة و انما نقول بان المعصوم يمتنع منه وقوع الذنب حال كونه معصوما فلو وقع منه ذنب لم‌نحكم بامتناع صدوره من ذلك المكلف امتناعا عقليا و انما نحكم بانه حينئذ ليس بمعصوم اذ لا عصمة الا من وقوعه فاذا وقع فلا عصمة و تعريفكم يصدق قولنا هذا و يكذب قولكم بجواز صدور الذنب من المعصوم لان تعريفكم الايخلق الله في المعصوم ذنبا و هذا لايجتمع مع صدور الذنب كما ذكرنا سابقا فان صدور الذنب ليس الا ان الله تعالي خلقه في المعصوم كما تزعمونه و كونه مخلوقا في المعصوم ينافي العصمة التي هي عندكم الايخلق في المعصوم ذنبا و قوله اذ لا تكليف بالممتنع ينافي اعتقادكم فانكم تقولون بانه يجوز التكليف بالمحال و بما لايطاق لانكم قلتم ان الله سبحانه علم ان ابالهب لم‌يؤمن فوقوع الايمان منه ممتنع و الا لانقلب علم الله جهلا مع انه كلفه بالايمان فبحكم المعارضة نقول انه لا بأس عندكم بالتكليف بالممتنع مع انا اجبنا عن معني قولنا يمتنع فانكم لم‌تفسروا بمرادنا منه و انتم تعلمون مرادنا منه لانا قلنا في تعريف العصمة غير سالب للقدرة و اما قوله و ايضا فقوله قل انما انا بشر مثلكم يوحي الي يدل علي مماثلتهم لسائر الناس فيما يرجع الي البشرية و الامتياز بالوحي فجوابه انا نقول ان المعصوم اذا جعلتموه مماثلا لسائر الناس فلم قلتم فيما يرجع الي البشرية لان هذا القيد [ص 37] لايلائم قولكم و الامتياز بالوحي و انما يلايمه لو قلتم هو في جميع ذاتياته و احواله مماثل لسائر الناس فعلي هذا الملايم لم لايقع منه الكفر و لو بعد الوحي اذ لا مانع له منه و ان جعلتم الوحي مانعا من الكفر فهو مانع من غيره فلم لم‌تسموه عصمة فيلزم انه لايماثل سائر الناس و علي قوله غير الملايم ان انحصرت المماثلة في البشرية كان ما سواها كافيا في المفارقة و في المنع من الذنوب كلها مع ان مقتضي البشرية جواز وقوع الكفر و المعاصي ما لم‌يحصل مانع منها و ليس الا العصمة و الوحي فان تكفلا بالمنع او احدهما و الا فلا فرق بين المعصوم و بين الاعرابي المتهتك البوال علي عقبيه و ان صح حصر المماثلة في البشرية علي الفرضين فلاينحصر الامتياز في الوحي بل حصول الامتياز بالعصمة ( بل بالعصمة يحصل الامتياز خ ) اولي من حصوله بالوحي لانها شرط الوحي ( لوحي خ ) التبليغ و الاداء و التلقي لا مطلق الوحي فان الامتياز لايحصل به اذ جميع الخلق يأتيهم من الله سبحانه وحي مّا خصوصا علي مذهبه فان العبد علي مذهبه لايقدر علي ان يتكلم او يتحرك او يسكن الا بوحي من الله اليه و لهذا يروون عن شيخهم شيخ صوفيتهم ابن‌عطاءالله في مناجاته قال ام كيف اترجم لك بمقالي و هو منك برز اليك و قوله فلايمتنع صدور الذنب منهم كما في سائر البشر يلزم منه تجويز الكفر و الكبائر عليهم بعد النبوة كما هو مذهب الازارقة من الخوارج الذي نقلناه عنهم سابقا فانهم يجوزون ان يبعث الله تعالي نبيا يعلم انه يكفر بعد نبوته و ذلك لان سائر البشر يجوز صدور الكفر منهم في جميع مدد اعمارهم و قوله هذا حقيقة مذهب [ص 38] الاشاعرة صحيح لا شك فيه و قوله و من تأمل فيه علم انه الحق الصريح المطابق للعقل و النقل اقول ان من تأمل فيه علي ما تقتضيه عقولهم من الجمود علي قاعدتهم و اصلهم عن تصحيح ما ليس بصحيح حفظا لاعتبارهم و تسترا من اغيارهم ( اخيارهم خ ) فكما قال لان عادتهم انهم يبحثون في الاعتقادات علي ما يقتضيه المذهب لا علي ما تقتضيه ( يقتضيه خ ) الحق كما هو الواقع و ان تأمل فيه علي مقتضي الانصاف و ترك الاعتساف علم انه كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماءا و اذا اردت ان تعرف صدق قولي هذا فتأمل فيما كتبت في الدليل و الرد عليهم .

فصل - اعلم ان القائلين بجواز صدور الذنب عن الانبياء عارضوا ادلة المانعين من وجوه : الاول قوله تعالي لنبيه (ص) عفي الله عنك فانها تدل علي جواز صدور الذنب من النبي صلي الله عليه و آله لان العفو انما يرد بعد تحقق الذنب و الجواب هو ان هذا يستعمل من لطيف المعاتبة و ان كان العتاب علي فعل جائز مثل المراد في هذه الاية و ليس للعفو متعلق الا التلطف في العتاب لانه يقول له لو اذنت لهم في القعود لتبين لك الصادقون من الكاذبين يعني لتعرف من يقعد عن عذر و من يقعد عن غير عذر و هو ارشاد له لاجل استبصاره بهم و ليس ذنبا و انما قصاراه ان يكون ترك الاولي و في تفسير علي بن ابراهيم عن الباقر عليه السلام يقول لتعرف اهل العذر و الذين جلسوا بغير عذر و قال الطبرسي في جامع الجوامع هذا من لطيف ( لطف خ ) المعاتبة بدءه بالعفو قبل العتاب و يجوز العتاب من الله فيما غيره منه اولي لاسيما للانبياء و ليس [ص 39] كما قاله جار الله من انه كناية عن الجناية و حاشي سيد الانبياء و خير بني ادم و حواء من ان تنسب اليه الجناية و عن الرضا كما في عيون الاخبار في جواب مسئلة ( ما سأله خ ) المأمون من عصمة الانبياء هذا مما نزل باياك اعني و اسمعي يا جارة خاطب الله بذلك نبيه (ص) و اراد به امته و كانوا يستعملون هذا اللفظ من غير اعتبار ذنب او تقصير و انما هو من حسن التلطف في الخطاب و اذا قام احتمال ذلك بطل الاستدلال للخصم ( استدلال الخصم خ ) لان هذا الاحتمال نظرا الي تخاطب اهل اللسان مساو لاستدلال الخصم بل ارجح فيبطل استدلاله الثاني قوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر فانها صريحة في صدور الذنب عن سيد الانبياء صلي الله عليه و آله و الجواب انه محمول علي ترك الاولي كما تقدم و قيل ليغفر لك الله ما تقدم من ذنب امتك بشفاعتك و انما حسنت اضافة ذنوب امته اليه للاتصال بينه و بينهم و عن الصادق عليه السلام انه سئل عن هذه الاية فقال ما كان له ذنب و لا هم بذنب و لكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له و روي المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام انه سئل عنها فقال والله ماكان له ذنب و لكن الله سبحانه ضمن له ان يغفر ذنوب شيعته علي ما تقدم من ذنبهم و ما تأخر و في العيون عن الرضا عليه السلام انه سئل عن هذه الاية فقال لم‌يكن احد عند مشركي اهل مكة اعظم ذنبا من رسول الله صلي الله عليه و آله لانهم كانوا يعبدون من دون الله ثلثمائة و ستين صنما فلما جائهم بالدعوة الي كلمة الاخلاص كبر ذلك عليهم و عظم قالوا اجعل الالهة الها [ص 40] واحدا الي قوله الا اختلاق فلما فتح الله تعالي علي نبيه صلي الله عليه و آله مكة قال له يا محمد انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر عند مشركي اهل مكة بدعائك الي توحيد الله فيما تقدم و ما تأخر لان مشركي قريش اسلم بعضهم و خرج بعضهم عن مكة و من بقي منهم لم‌يقدر علي انكار التوحيد عليه صلي الله عليه و آله اذا دعا الناس اليه فصار ذنبه عندهم مغفورا بظهوره عليهم و في رواية ابن‌طاووس عنهم عليهم السلام ان المراد ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر عند اهل مكة و قريش يعني ما تقدم قبل الهجرة و بعدها فانك اذا فتحت مكة بغير قتل لهم و لا استيصال و لا اخذهم بما قدموه من العداوة و القتال غفروا ما كانوا يعتقدونه ذنبا لك عندهم متقدما او متأخرا و ما كان يظهر من ( من عداوته لهم في مقابلة خ ) عداوتهم له فلما رأوه قد تحكم و تمكن و ما استقصي غفروا ما ظنوه من الذنوب و نقل انه صلي الله عليه و آله حين كسر الاصنام قالوا ماكان احد اعظم ذنبا من محمد كسر ثلثمائة و ستين الها فقال تعالي انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك بمنعك من عبادتها و ما تأخر بكسرك اياها تهكما بهم و استهزاء و المراد بالفتح هنا ( هو خ ) فتح مكة و قيل هو فتح الحديبية لقوله صلي الله عليه و آله بل اعظم الفتوح و قيل هو فتح خيبر فعلي الاخير يكون المعني ظاهرا لانه علة لما قبله و علي الاولين يكون التعليل فيما تقدم لمنعه صلي الله عليه و آله من عبادتها و فيما تأخر مما ظنوا انه ان تمكن كسرها فلا منافاة علي الاقوال [ص 41] الثلثة و اوائل الادلة لقطع حجة المخالف و اواخرها تقوية لقلب المؤالف نعم دليل كسره ( كسر خ ) الاصنام صالح للفريقين و الحق لايخفي علي ذي عينين فان احتمال ارادة الاولي كاف لانه احتمال مساو و اذا قام الاحتمال المساوي بطل الاستدلال قال في شرح الطوالع في الجواب عن قوله تعالي عفا الله عنك و قوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر بان نحو هذا محمول علي ترك الاولي جمعا بين الدليلين لايقال لو كان ترك الاولي موجبا للعفو و الغفران لكان جميع العبادات الصادرة من النبي صلي الله عليه و آله في محل العفو و المغفرة لانه لا عبادة الا و فوقها عبادة لانا نقول لا محذور في ان يكون جميع العبادات في محل العفو و المغفرة فالعفو و المغفرة انما يكون اذا لزم من ترك الاولي فوات مصلحة او حصول مضرة ، اقول حمل امثال هذه علي ترك الاولي كاحوالهم عليهم السلام في حال الاكل و الشرب و النكاح و الجهاد و غيرها فانهم يفعلونها لله سبحانه وحده لكنهم في هذه الحال ليس كحالهم في الشهود بين يدي المعبود و حال نحن فيها هو و هو نحن و هو هو و نحن نحن فان الحالة الاولي بالنسبة الي الثانية معصية كما قال عليه السلام حسنات الابرار سيئات المقربين فبدليل المؤالف و المخالف بطلت دعوي المخالف تجويز صدور المعاصي من الانبياء و ان كانت صغيرة لان الصغيرة ليست من ترك الاولي ، الثالث واقعة ادم عليه السلام فان قوله تعالي و عصي ادم ربه فغوي يدل صريحا علي انه صدر منه المعصية مع انه نبي بالاتفاق و اجاب عنه البيضاوي في كتابه طوالع الانوار بان واقعة [ص 42] ادم (ع) قبل نبوته اذ لم‌يكن لادم حينئذ امة و لايوجد نبي الا اذا كان له امة و لقوله تعالي ثم اجتباه ربه فتاب عليه و هدي اقول و ربما توهم بان ما في العيون عن الرضا عليه السلام في جوابه للمأمون عن قصة ادم عليه السلام يؤيد قول البيضاوي و هو قول الرضا عليه السلام في الجواب فان الله عز و جل خلق ادم (ع) حجة في ارضه و خليفة في بلاده لم‌يخلقه للجنة و كانت المعصية من ادم عليه السلام في الجنة لا في الارض ليتم مقادير الله عز و جل فلما اهبط الي الارض و جعل حجة و خليفة عصم بقول الله عز و جل ان الله اصطفي ادم و نوحا و ال ابراهيم و ال عمران علي العالمين ه‍ . و ليس كما توهمه المتوهم بل جواب البيضاوي جار علي معتقده من ان الانبياء يجوز منهم صدور المعصية قبل النبوة و انما يعصمون من الكفر و الكبائر بعد النبوة و اما كلام الرضا صلوات الله عليه فمعناه ظاهرا اسكات الخصم و اما في الواقع فقد ورد عنهم عليهم السلام ان الحجة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق و حين وقعت المعصية من ادم كان هو نبيا ( ادم هو نبي خ ) علي حواء و قد ورد عنهم عليهم السلام ما معناه انه لم‌يوجد اثنان الا و احدهما حجة علي الاخر و لكن العصمة فائدتها حصول الاطمينان في التلقي و في الاداء و التبليغ و في واقعة ادم عليه السلام و ان كان هو حينئذ نبيا الا ان المعصية وقعت منها اولا و هو انما عصي باطاعتها و معالجتها له و متابعته لها فلم‌يكن ذلك منافيا للعصمة بالنسبة اليها في قبول ما اداه و بلغه فلما اهبط الي الارض و حصلت الكثرة او ان لها ان تحصل عصم لفائدة القبول فقوله عليه السلام [ص 43] ليتم مقادير الله يعني انه لو بقي في الجنة مع ذريته لم‌يحصل هذا النظام التام العجيب اذ لم‌يتميز الخبيث من الطيب الا في الدنيا و ( و في خ ) الارض و لما جرت عادة لطف الله بعباده انه لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و المعصوم من حيث انه ( هو خ ) معصوم لايقع منه تغيير فاذا اراد الله امضاء مقاديره بما فيه صلاح عباده و تمام نظام بلاده وكله الي نفسه طرفة عين فيقع منه التغيير فيغير الله ما به من نعمة علي حسب مصلحته ففي ما نحن فيه رفع عنه اللطف و غيب عنه الملك المسدد فعصي و في الواقع لايقال انه عصي من حيث هو معصوم كما هو حال ما نحن بصدده بل انما عصي حين صرف عنه وجه العصمة ليتم مقادير الله عز و جل فليس كلامه و مراده عليه السلام موافقا لمراد البيضاوي و كلامه فافهم و قال شارح الطوالع و منهم من اعتذر عن قصة ادم عليه السلام بان قوله تعالي و عصي ادم ربه فغوي اراد به و عصي اولاد ادم كما في قوله تعالي و اسئل القرية و الذي يؤكد هو ( هذا خ ) قوله تعالي في قصة ادم و حواء فلما اتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما اتيهما و بالاتفاق لم‌يشرك ادم (ع) و لا حواء و انما اشرك اولادهما و منهم من قال كان ذلك بعد الرسالة فزعم انه كان علي سبيل النسيان لقوله تعالي و لقد عهدنا الي ادم فنسي و اعترض عليه بان ابليس ذكر ادم وقت الوسوسة امر النهي فقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة و مع هذا التذكير يمنع النسيان و قد اجيب عنه بانه يجوز ان يكون وقت التذكير غير وقت النسيان و الا فلا وجه لقوله تعالي فنسي و ايضا عاتبه علي ذلك في قوله ( لقوله خ ) [ص 44] تعالي الم‌انهكما عن تلكما الشجرة و ادم و حواء اعترفا بالزلة و قالا ربنا ظلمنا انفسنا فقبل الله توبتهما فقال الله تعالي فتاب عليه و هدي و كل ذلك ينافي النسيان و منهم من سلم ان ادم كان متذكرا للنهي لكنه اقدم علي التناول بالتأويل و هو من وجوه احدها زعم النظام ان ادم فهم من قوله تعالي و لاتقربا هذه الشجرة الشخص و كان المراد النوع و كلمة هذه كما تكون اشارة الي الشخص فقد تكون اشارة الي النوع كقوله ( لقوله خ ) صلي الله عليه و آله هذا وضوء لايقبل الله الصلوة الا به و زعم اخرون ان النهي و ان كان ظاهرا في التحريم لكنه ليس نصا فيه و صرفه عن الظاهر لدليل عنده و بالجملة اذا تعارضت الدلائل فلا خلاص الا بالتأويل او التوقف ( التوقيف خ ) انتهي ، اقول قول من قدر في الكلام مضافا كما في قوله تعالي و اسئل القرية اي و اسئل اهل القرية و ان كان احتمالا يصحح ( لايصحح خ ) اللفظ لكنه مخالف لما في الواقع فان اولاد ادم لم‌يقع منهم الاكل من الشجرة شجرة الخلد بعد ان نهاهم الله عنها و لم‌يكن ذلك الا من ادم و حواء بخلاف ما تأيد به من الاية الثانية فان جعل الشركاء لله وقع من الاولاد و ذلك صحيح نعم لو فسرت الاية الاولي بما ذكره اهل التأويل و علماء الصناعة الفلسفية من ان المراد بالشجرة ( من الشجرة خ ) حب الدنيا و رياستها و زينتها و علم الاكسير امكن التأويل بحذف مضاف فان اهل التأويل يجرون ( يجزون خ ) الاكل من الشجرة المشار اليها في الاية الشريفة الي ما ذكرنا من خصوص علم الصناعة او مطلق حب الدنيا و هذا التأويل علي فرض قبوله لايدفع القول في ادم و حواء الا علي حصر معني الاية في التأويل و هو باطل فان المعني الظاهري [ص 45] مراد قطعا و واقع و انما الكلام ( المراد خ ) في المعني التأويلي ( التأويل خ ) بانه هل هو مراد ام لا و اما من زعم انه بعد الرسالة و كان من ( عصي خ ) ادم و حواء علي سبيل النسيان فغير مسلم له اما اولا فلما تقدم من الادلة الشاملة لما قبل الرسالة و بعدها بعدم جواز صدور الذنب عن المعصوم عمدا و سهوا فالحمل علي ذلك غير صحيح و لو تنزلنا ( نزلنا خ ) لكان ما قبل البعثة اولي مما بعدها و ان كان نسيانا لما مر في قول الرضا عليه السلام لانه قبل البعثة لايحدث منه عظيم منافاة لمقتضي العصمة علي ما يعرف عامة الناس و اما علي مقتضي الادلة و حكمها فلايجوز قبلها و لا بعدها و مع هذا فقد وردت الاخبار عن ائمة ( الائمة خ ) الاطهار عليهم السلام ان نسي في الاية بمعني ترك و هو ينافي قول من فر عن قبح نسبة المعصية الي النسيان فان النسيان ايضا من المعصوم ايضا قبيح لمنافاته لفائدة العصمة فان قلت نعم و لكنه اقل قبحا من النسيان بمعني الترك فلايصار الي الاقبح قلت لا حاجة تدعو الي المصير الي شئ منهما و لم‌اذكره للمصير اليه و انما ذكرته معارضة لمن التجا اليه حتي سهل عليه نسبة المعصية اليه بعد الرسالة و لولا حمله علي النسيان لماقال به بعد الرسالة فان قلت لم قلت انه لا حاجة تدعو الي المصير الي شئ منهما و انت تروي ان النسيان بمعني الترك و هو يدل علي مصيرك اليه قلت لم‌اصر اليه في هذا المعني و انما اصير اليه فيما روي بمعني انه لما كلف مع النبيين اولي العزم في الذر الاول بما يختص به النبيون السابقون امنوا به عن بصيرة و ادم امن به عن غير بصيرة و لا فهم له و لم‌يجحد و لو [ص 46] جحد لكفر فسمي النبيون المؤمنون به عن معرفة باولي العزم و لم‌تكن تلك الرتبة لادم فقال الله تعالي و لقد عهدنا الي ادم من قبل فنسي اي فترك يعني لم‌يفهم و لم‌يجحد و لم‌نجد له عزما و ثباتا ( و صبرا خ ) كما كان لاولي العزم عليهم السلام فان قلت لعل ما ذكرت مخصوص بتلك الواقعة قلت ان الظاهر انه ليس بخاص بها بل هو المراد بقرينة ما دل علي تذكره كما يأتي في اجوبة القوم و ان تكلمنا هناك علي ما يناسب المقام و لهذا قال الشارح و اعترض عليه بان ابليس ذكر ادم وقت الوسوسة امر النهي فقال مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة و مع هذا التذكير يمتنع النسيان و قد اجيب عنه بانه يجوز ان يكون وقت التذكير غير وقت النسيان ، اقول هذا الاحتمال قائم بل هو الظاهر لان قول ابليس انما يذكر ادم النهي حال الوسوسة و التزيين و هو غير وقت النسيان لان وقت النسيان هو وقت الاكل لكن قول المجيب و الا فلا وجه لقوله تعالي فنسي ، فيه انه و ان سلمنا ان وقت التذكير و الوسوسة غير وقت النسيان الذي هو وقت الاكل لكن لانسلم الا وجه لقوله تعالي فنسي بل له وجه و هو ان نسي بمعني ترك كما هو مذكور في كتب اللغة و منه النسيئة بمعني التأخير فان قلت ان الظاهر منه النسيان المذكور الذي هو محو الصورة من الحافظة لانه اشهر الفردين قلت ان باقي الاية و هو قوله و لم‌نجد له عزما يشعر بانه فعل ما فعل ذاكرا للنهي و الا لم‌يحسن ان يقال في حقه و لم‌نجد له عزما و ايضا حين عاتبهما اعترفا بالتقصير و الزلة و لو كان فعلهما عن نسيان و عدم عمد لكان الاعتذار به اولي و اقرب للمسامحة [ص 47] فان قلت انما اعترفا طلبا للصفح من الكريم و المعتذر بالنسيان غير طالب للصفح قلت ان الاعتذار بالنسيان طلب للصفح مع عدم عظيم تقصير و هو ابلغ من الاول و اقرب للرحمة و اما قول من سلم ان ادم كان متذكرا للنهي لكنه اقدم علي التناول بالتأويل الي اخر احتجاجه فهو مروي و هو احتجاج قوي و معني ما روي علي جهة الاختصار و الاقتصار انه لما امتنع ابليس من السجود لادم و طرد من الجنة كان لايقدر علي الصعود اليها بنفسه و انما كان يدخل في فم الحية و يصعد ( تصعد خ ) به الي الجنة فكان يوسوس لادم بالاكل من الشجرة و هو في فم الحية و يتوهم ادم ان الحية هي التي تكلمه فلم‌يقبل منها و مضي الي حواء و ذكر لها ذلك فلم‌تقبل منه فقال لها ابليس ان الله نهاكما عن الاكل من الشجرة التي اشار اليها و في الجنة امثالها كثير فكلي من غير المشار اليها و نوع الشجرة واحد كلها شجرة الخلد فابت فقال ان الله تعالي نهاكما عن الاكل و بعد ذلك النهي رخص لكما قالت لو صدرت عن الله تعالي رخصة لوصلت الي نبيه ادم فقال لها هذه الشجرة و اشار الي غير ما اشار الله تعالي اليها عليها ( علي خ ) حرس من الملائكة يحرسونها فامضي اليها فان منعتك الملائكة الحارسون فاعلمي ان النهي باق و ان لم‌تمنعك فاعلمي ان النهي ارتفع فمضت الي الشجرة فهمت الملائكة الحارسون بمنعها فاوحي الله اليهم ان امسكوا فاني ( فاني انما خ ) جعلتكم حرسا من غير العقلاء و اما العقلاء فقد وكلتهم الي عقولهم فاتت الي الشجرة فلم‌تمنعها الملائكة فاكلت منها فمضت الي ادم فاخبرته بالقصة و ان النهي ارتفع و انها اكلت [ص 48] فمضي ادم و اكل ( فاكل خ ) و لم‌يأكلا من نفس الشجرة التي نزل الوحي بالاشارة اليها بخصوصها فتوجيه النظام موافق في المعني لما يفهم من هذه الرواية التي نقلتها بالمعني مقتصرا علي ما فيه الاستشهاد و هو توجيه متجه و يرجع الي ترك الاولي و هو ليس بذنب في الحقيقة نعم يسمي معصية و ذنبا و سيئة اذا صدر من اصحاب المراتب العالية في القرب من الله عز و جل كالنبيين و لهذا ورد حسنات الابرار سيئات المقربين و ذلك انه قد روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام انه قال لنا مع الله حالات نحن فيها هو و هو نحن و هو هو و نحن نحن و هذا ( هذا هو خ ) معني ما ذكره الحجة عليه و علي ابائه السلام في دعاء شهر رجب قال فجعلتهم معادن لكلماتك و اركانا لتوحيدك و اياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك الدعاء . و هذه اعلي مراتب القرب و هم عليهم السلام في هذه الحال بالنسبة الي فعل الله و مشيته مثل الحديدة المحماة في النار فانه لا فرق بينها في الاحراق و بين النار لانها محل فعل النار و هم عليهم السلام في هذه الحال محال مشية الله و هم عباد الله و خلقه و لهم حالات دون هذه و هي حالة عبادتهم و اكلهم و شربهم و نكاحهم و ما اشبه هذا و هي و ان كانت حسنات يثابون عليها و قد امرهم بها الا انها بالنسبة الي الحالة الاولي معاصي و غفلات عن الحضرة الالهية فهم يستغفرون منها و ان لم‌تكن ذنوبا حقيقية ( حقيقة خ ) و مثال ذلك الرجل المقرب عند السلطان فانه اذا كان بين يديه لايحسن منه ان يأكل و يشرب [ص 49] و ينكح و ان كان برضاه بخلاف ما اذا مضي عن مجلسه فانه يفعل ما يشاء مما لايسخط السلطان و لا عيب فيه و لكن حالة ( حاله خ ) الاولي افضل و اجل من الحالة ( الحال خ ) الثانية فاذا فهمت هذا ظهر لك ان ما ينسب الي الانبياء من قبيل ترك الاولي و انهم يعدونه ذنوبا و الله سبحانه يعاتبهم علي فعل ذلك لقرب محلهم من حضرة مناجاته و من زعم ان النهي و ان كان ظاهرا في التحريم لكنه ليس نصا فيه الي اخر كلامه يريد بالتأويل الحمل علي ترك الاولي و هو استدلال صحيح من دليل المجادلة بالتي هي احسن في الظاهر و قوله او التوقف ( التوقيف خ ) تردد منه بين مقتضي الادلة و هو الحمل علي ترك الاولي و بين مقتضي الاعتقاد من اثبات المعصية الحقيقية اما قبل النبوة او بعدها او نسيانا لان اصل هذا ميل الي المعتقد لا بصريح الدليل و هو الذي اشار اليه سبحانه بقوله و اما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله الاية ، يعني ان الذين لايطلبون ( يطلبون خ ) محض الحق و انما يطلبون تصحيح غرضهم و اعتبار طريقتهم و ان خالف مقتضي الادلة فيتكلف ما يغالط به الخصم و ان كان يعلم انه ليس بدليل و منه تردد هذا الزاعم بعد ما قاده الدليل الي صحيح التأويل فافهم .

فصل - و من الوجوه التي عارض بها القائلون بجواز صدور الذنب عن الانبياء عليهم السلام ادلة المانعين قول ابراهيم عليه السلام هذا ربي فانه كفر و قد صدر عن ابراهيم و هو نبي بالاتفاق ، اجاب بان قول ابراهيم هذا ربي علي سبيل الفرض فان من اراد ابطال قول يفرضه اولا ثم [ص 50] يبطله ، اقول ان هذا الجواب صحيح و ان كان مجملا مختصرا و بيانه انه كان في زمانه (ع) طائفة يعبدون الزهرة و طائفة يعبدون القمر و طائفة يعبدون الشمس فاتي الي العابدين للزهرة فلما طلعت الزهرة قال لهم هذا ربي علي جهة الانكار اظهره في صورة الاقرار ليميلوا اليه و يقبلوا بيانه و ( لانهم خ ) لايتهمونه فلما مالوا اليه و فرحوا به و احبوه و افلت الزهرة قال لهم مااحب هذا فقالوا لم قال ( لهم خ ) لانه افل و انتقل من مكان الي مكان و الرب لايجوز ان يغيب و لاينتقل لانه اذا غاب و انتقل فارق مربوبه و اذا فارقه اضمحل مربوبه و لو كان هذا الكوكب ربا لكان حين افل ذهبت مربوباته فلما بين لهم بطلان اعتقادهم انتقل الي العابدين للقمر و فعل معهم مثل ما فعل بالاولين ثم انتقل الي عبدة الشمس و فعل معهم مثل ما فعل بعبدة الكوكب و القمر و هذا مراد المجيب و الظاهر ان هذا الاحتمال الذي اقامه ارجح من ظاهر اللفظ بدلالة الايات التي بعد تلك القصة و هي قوله تعالي و تلك حجتنا اتيناها ابراهيم علي قومه فانه دال علي ان ابراهيم فعل ذلك ليبين لهم كيفية الاستدلال علي معرفة المعبود عز و جل و اذا كان ارجح او مساويا بطل استدلال الخصم مع معارضة الادلة الصحيحة الصريحة له و من الوجوه التي عارض بها الخصم قول ابراهيم عليه السلام بل فعله كبيرهم هذا و هو كذب و الكذب ذنب و قد صدر من النبي ذنب ه‍ . اجاب عنه بوجهين احدهما ان ابراهيم قال هذا القول علي سبيل الاستهزاء بالكفار كما لو قلت لصاحبك و هو امي و يعتقد انه قادر علي الكتابة انت كتبت هذا علي سبيل الاستهزاء [ص 51] و ثانيهما ان اسناد الفعل الي الكبير اسناد الفعل الي السبب لان تعظيم الكفار للصنم حمل ابراهيم علي ان يجعلهم جذاذا ، اقول و فيه وجه ثالث و هو تقديم الجزاء علي الشرط و المعني ان كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا فقدم الجزاء علي الشرط ايهاما لهم و تنبيها لهم الا انهم اذا كانوا لاينطقون بل هم جماد فانهم لاينفعونهم شيئا و لايضرونهم فلم يعبدون ما لاينفعهم شيئا و لايضرهم فلما نبههم و تنبهوا قالوا لانفسهم انكم ( انتم ظ ) الظالمون ( الراجعون خ ) ثم رجعوا عن التنبيه الي اتباع طريقة ابائهم و الي العصبية ( المعصية خ ) و لو لم‌ينسب ذلك الفعل الي الكبير لماتنبهوا علي خطائهم في عبادتهم لاصنامهم و ان كانوا لاينتفعون بذلك و لكن اقامة للحجة عليهم و لاجل هذه الفائدة قيل ان هذا الوجه اظهر من الاولين و علي اي حال فان هذه الاحتمالات لا اقل ان تكون مساوية فتبطل بها معارضة الخصم و من الوجوه نظر ابراهيم عليه السلام في النجوم ليعلم حاله من تأثير النجوم لقوله تعالي فنظر نظرة في النجوم فقال اني سقيم و النظر في النجوم من هذا الوجه حرام و قوله (ع) اني سقيم كذب لانه لم‌يكن سقيما و الكذب ذنب ، اجاب ان نظر ابراهيم في النجوم ليس ليعرف حاله من تأثير النجوم بل نظره في النجوم كان للاستدلال و التعرف من صنعه تعالي و النظر في النجوم من هذا الوجه طاعة لقوله تعالي و يتفكرون في خلق السموات و الارض و بان قوله تعالي اني سقيم يجوز ان يكون عن سقم حال به او عن سقم متوقع في الاستقبال ه‍ ، اقول ان النظر في علم النجوم لتعرف حاله ليس بحرام مطلقا و انما [ص 52] الحرام اذا نظر باعتقاد انها مؤثرة و ليس في الاية ما يدل علي ذلك فحمل المعارض نظره علي الاعتقاد غير مراد و دون اثباته خرط القتاد و انما الواقع في المسئلة ان الاسباب جعلها الله سبحانه اسبابا و معني جعله ( جعل خ ) اسبابا انه عز و جل يفعل بها المسببات كرمي بذر الحنطة في الارض و تنقية الارض و تغطيته لئلاياكله الطير و سقيه بالماء فانها اسباب جرت عادة الله انه لايوجد الزرع للحنطة بدون ذلك لانه سبحانه مستقل بالزرع بدون الاسباب كما يعتقده صاحب الاعتراض و صاحب الجواب لانه سبحانه اذا اراد ان ينبت النبات من الحنطة فلا بد له من تهيئة الاسباب لها كما ذكرنا مثلا و اما غيرها لانه ( فانه خ ) مسبب الاسباب من غير السبب و الا لم‌تكن الاسباب اسبابا و ليس ذلك لعجز في القدرة و لكن لعجز في المقدور عن قبوله للايجاد ( الايجاد خ ) بغيرها كما جعل علة الشئ من الاجسام المادة و الصورة فلايمكن ايجاد جسم مادي بلا مادة و صورة و ذلك لعجز المصنوع عن قبول الوجود بدون ذلك و لذا صرح سبحانه بالرد علي من ادعي ( ان خ ) له ولدا فقال اني يكون له ولد و لم‌تكن له صاحبة لانه لو خلق ولدا لم‌يكن ولدا بلا سبب بل هو من سائر خلقه و لايكون حتي يتولد من اب و ام ظاهرين او باطنين او احدهما ظاهر و الاخر باطن مثل تكون زيد من اب و ام ظاهرين و مثل تكون ادم (ع) من اب و ام باطنين و هما المادة و الصورة و مثل تكون عيسي (ع) من اب باطن و هو المادة المتخلقة من نفخ روح القدس و من ام ظاهر و هي مريم فان الله تعالي امر جبرئيل الامين فاستل من لطيف الارض سلالة قد وقع عليها من شجرة المزن في الرائحة المستجنة في النطفة استجنت في باطنها كاستجنان النطفة [ص 53] التي من شجرة المزن في الرائحة المستجنة في النطفة نطفة المني فنطفة شجرة المزن استجنت في الرائحة و الرائحة تعلقت بلطيف السلالة المشار اليها فانبثت تلك السلالة في الهواء كانبثاث الذر و الغبار في الهواء فنفخ منه جبرئيل عليه السلام في جيب مريم فتكون عيسي عليه السلام من تلك النطفة التي هي المادة و هي الاب الباطني مع ما من مريم عليها السلام من القابلية و هي الصورة التي هي الام الباطنية و لاجل هذا قال الله سبحانه انما مثل عيسي عند الله كمثل ادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون اي خلق عيسي من تراب كما خلق ادم من تراب فقال له كن فيكون كما قال لادم و ليس المعني ان مثل عيسي عند الله كمثل ادم في انه يقول له كن فيكون بدون خلقه من تراب كيف و عيسي ( خلق خ ) من صلب ادم (ع) و لكنه حين مسح علي ظهر ادم و اخرج الذرية في الذر منه من ظهور ابائهم و كلفهم ارجعهم في صلبه و لم‌يرجع عيسي فيه فلذا سمي المسيح لانه قد بقي عليه اثار المسح و الحاصل انه لا بد في الاشياء من اسبابها فلو لم‌يكن للاسباب مدخل ( الاسباب مدخلا خ ) في الايجاد اصلا كما يزعمه الاشعري لماكان للايجاد و تسميتها ( لايجادها و لتسميتها خ ) اسبابا فائدة و نحن لانقول انها هي المؤثرة بدون الله تعالي بل نقول الله سبحانه يفعل بها ما يشاء من مسبباتها و يستحيل قبول الايجاد بدون قابل و المادة و الصورة علتان و الفعل العلة الفاعلية و بالجملة ليس هذا محل بيان هذه المسئلة الا انا نقول ان الله سبحانه جعل النجوم و ما في العالم العلوي اسبابا يفعل بها ( بها يفعل خ ) فهي مؤثرة بالله في المسببات فان الماء و الارض و الفصل جعلها الله سبحانه [ص 54] اسبابا للنبات فبها ينبت النبات و به كانت اسبابا لكون البذر قابلا للزرع و انت اذا تأملت قوله تعالي اني يكون له ولد و لم‌تكن له صاحبة بعقلك طالبا للحق غير ملتفت الي مذهبك ظهر لك ما اشرنا ( اشرت خ ) اليه و اذا نظرت الي جميع الاشياء رأيتها جارية علي نحو ما ذكرنا لم‌يخلق شيئا بغير سبب و ذلك لعجز المخلوق عن قبول الايجاد بدون الاسباب فان قلت لو شاء الله تعالي خلق ما شاء بغير سبب لانه سبب من لا سبب له و سبب ( مسبب خ ) كل ذي سبب و مسبب الاسباب من غير سبب قلت هو سبحانه كذلك و فوق ذلك و لكن المخلوق لايقدر علي قبول الوجود بدون الاسباب المخلوقة فاذا اراد ( الله خ ) سبحانه ايجاده سبب الاسباب و قوله (ع) سبب كل ذي سبب و سبب من لا سبب له انه يسبب الاسباب لمن لا سبب له من غير سبب قديم بل هو بفعله ( بفعله تعالي خ ) يخترع الاسباب لما يريد من ايجاده فافهم فنظره عليه السلام في النجوم من هذا النحو فان الله سبحانه جعل الكواكب و الافلاك و البروج و جميع المنازل و الحركات اوقاتا و اسبابا لما يفعل مثل ارتفاع الشمس الذي جعله سببا لفصل الربيع فانها بحرارتها تسخن و برطوبة فصل الشتاء ( الربيع ظ ) ( و بحرارتها خ ) تحصل الجمادة ( الحرارة خ ) و الرطوبة في العالم السفلي اللتان هما علة الكون لان الاسباب جعلها اعضادا للمسببات و هو الفاعل بتلك الاسباب و المحرم من علم النجوم هو اعتقاد انها مؤثرة بدون الله و اما بالله فقد نص سبحانه علي نظائره فقال في حق عيسي علي محمد و اله و عليه السلام و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني و تبرء الاكمه و الابرص باذني و اذ تخرج الموتي باذني و كل هذا مثل هذا ما قلنا [ص 55] ( مثل ما قلنا خ ) اذ لا فرق بين عيسي (ع) و بين الجمادات كالماء و الارض للنبات و ايضا المحرم من علم النجوم اعتقاد التأثير بما ظهر له من الاسباب و ان كان بالله سبحانه لانه لايحيط بجميع الاسباب و لهذا ورد ان هذا العلم ( علم خ ) لايعلمه الا نحن و اهل بيت في الهند فمثل ابراهيم عليه السلام يحيط بالقدر الذي يكون تاما في السببية الايجاد ( لايجاد خ ) فاذا نظر عرف علة ( علامة خ ) التأثير و لم‌يبق عليه من الجزم بايجاد الله للمسبب عند ما يعلم من الاسباب الا ما لله في ايجاده البداء فانه قبل ان يوجده له الايوجده لما تجدد ( يوجد خ ) من الموانع اذا ( اذا شاء خ ) و حينئذ يحصل لابراهيم عليه السلام علم بوقوع السبب عن تلك المسببات بالله سبحانه كما يحصل لك حين رأيت الجبل اليوم و مضيت عنه مع العلم تعلم بانه باق علي حجريته لم‌يقلبه الله ذهبا و لو شاء تعالي انقلب و هذا العلم العادي بما كان ( كان يحصل خ ) لاهل العصمة عليهم السلام بما سيكون عن الاسباب المستلزمة لذلك بالله سبحانه الذي جعلها مستلزمة به تعالي و غير المعصومين لايحصل لهم ذلك العلم لعدم احاطتهم بقواعده كما كان دانيال عليه السلام يحصل له العلم القطعي من علم الرمل و علماء الرمل غير المعصومين اجمعوا بانه من غير ( بغير خ ) المعصوم لايفيد الا الظن و انه يفيد القطع من المعصوم و ذلك لان علوم المعصومين عن الوحي عن الله سبحانه بواسطة الملك و هم مع هذا مؤيدون بروح القدس فيحصل لهم القطع لايتوقف احدهم علي شئ في حصول القطع الا علي البداء فانهم يعلمون ان الله عز و جل يمحو ما يشاء و يثبت و هم يعلمون ان كل شئ قائم بامر الله فالاسباب انما تؤثر [ص 56] بل انما هي شئ بالله اي بالله و بما اقامها و حفظها من امره فهي به تعالي و بامره شئ و هي به تعالي و بامره تؤثر و ليس كما يتوهم ( به خ ) المفوضة و لا الجبرية فالنظر في النجوم ليس حراما فاذا عرفت ما بينا لك ظهر لك ان الجواب المذكور سابقا المنقول عن شارح الطوالع ليس بشئ بل الجواب هذا و هو المروي من اخبار اهل بيت محمد صلي الله عليه و آله بالمعني لان قوله فقال اني سقيم ، متفرع علي نظره في النجوم و اما قوله اني سقيم فليس بكذب لانه سقيم القلب اما ظاهرا فلما لحقه من افعالهم و عبادتهم الاصنام فلما خرجوا لعيدهم و ارادوا منه ان يخرج معهم قال لهم اني سقيم و هو يريد اني سقيم القلب من افعالكم و لااقدر علي الخروج حتي اشفي قلبي من اصنامكم بتكسيرها و كلامه مطابق للواقع و لاعتقاده و لارادته ( فهو صدق و لايراد من الصدق الا مطابقة الكلام للواقع بعقد المتكلم و ارادته خ ) من لفظه و دلالة لفظه لا علي ما يفهم السامع لان فهم السامع من الكلام مطابقته للواقع لايجعله صدقا بخلاف ارادة المتكلم و قصده و لهذا لما قال المنافقون لمحمد صلي الله عليه و آله نشهد انك لرسول الله قال الله و الله يعلم انك لرسوله فعلم الله من هذا الكلام مطابقته للواقع و لكنهم لم‌يريدوا بكلامهم مطابقته للواقع لعدم توطين انفسهم علي طاعته فجعل الله كلامهم كذبا لعدم ارادتهم المطابقة فقال تعالي و الله يشهد ان المنافقين لكاذبون و انما امر بالتورية في بعض الواقعات تفصيا من الكذب و لو كانت التورية كذبا لماوجبت في مواضعها احترازا من الكذب فافهم ان كنت تفهم .

[ص 57] فصل - و من الوجوه التي عارض بها المخالفون ادلة الموافقين اخفاء يوسف عليه السلام حريته عن بيعه فانه كتمان للحق و كتمان الحق ذنب اجاب انما اخفي يوسف حريته لاشعاره بالقتل ان اظهر حريته و كان قبل نبوته ، اقول انما اخفي يوسف حريته دفعا للقتل فانه نقل انهم خاطبوه بلغتهم و السيارة لايعرفون لغتهم و قالوا له ان لم‌تعترف عندهم بانك رق لنا ( لنا و الا خ ) قتلناك فاعترف لهم عند السيارة بذلك الا انه اعترف لهم بانهم صادقون تورية لانهم لو لم‌يعترف لهم بذلك لقتلوه فهم ( لم‌يعترف قتلوه فانهم خ ) صادقون في وعيدهم و روي عن ابن‌عباس انه سكت و اكثر المفسرون ( المفسرين خ ) ان اخوته اتوا الرفقة و قالوا هذا غلامنا ابق منا فاشتروه و سكت يوسف مخافة ان يقتلوه و انت خبير بان السكوت ليس قولا و لايدل علي القول و لا ( و لايدل خ ) علي الرضا لانه اعم منهما ( منه خ ) فلايفهم منه كتمان الحق بوجه من الوجوه فلايكون ذنبا و لا حاجة الي تخصيصه بما قبل النبوة و من الوجوه هم يوسف بالزنا لقوله تعالي و لقد همت به و هم بها و الهم بالزنا ذنب اجاب عنه بان هم يوسف جبلي لان ميل الرجل الي المرأة جبلي ليس بنقص في حق الرجال بل صفة محمودة غير اختيارية انتهي ، اقول هذا الجواب يراد به ما لايدل لفظه علي كله لان ظاهر لفظه ان هذا الهم نقص بل المراد كما قيل بهمه ميل الطبع و منازعة الشهوة لا القصد الاختياري و ذلك مما لايدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح و للاجر ( الاجر خ ) الجزيل من الله من يكف عن الفعل عند قيام هذا الهم او مشارفة الهم كقولك قتلته لو لم‌اخف الله و عن الرضا عليه السلام في جوابه للمأمون لقد همت به و [ص 58] لولا ان رأي برهان ربه لهم ( بها خ ) كما همت به لكنه كان معصوما و المعصوم لايهم بذنب و لايأتيه و لقد حدثني ابي عن الصادق عليه السلام انه قال همت بان يفعل و هم بالايفعل و روي همت بان يفعل و هم بان يضربها و اذا تأملت هذه المحامل خصوصا المروية ظهر لك انه ماهم و لامالت نفسه و حاشا نبي الله من القبيح كما قال الرضا عليه السلام لكنه كان معصوما و المعصوم لايهم بذنب و لايأتيه و ليس عند اهل البيت عليهم السلام فرق بين ما قبل النبوة و ما بعدها كما يظهر من كلام الرضا عليه السلام و ما احسن ما قيل و قيل انه للرازي ان الذين لهم تعلق بهذه الواقعة هم يوسف و المرأة و زوجها و النسوة و الشهود و رب العالمين و ابليس و كلهم قالوا ببرائة يوسف عن الذنب فلم‌يبق لمسلم توقف في هذا الباب اما يوسف فقوله ( هي خ ) راودتني عن نفسي و قوله رب السجن احب الي مما يدعونني اليه و اما المرأة فلقوله ( فلقولها خ ) و لقد راودته عن نفسه فاستعصم و قالت الان حصحص الحق انا راودته عن نفسه و اما زوجها فلقوله انه من كيدكن ان كيدكن عظيم و اما النسوة فلقولهن امرأة العزيز تراود فتيها عن نفسه قد شغفها حبا انا لنريها في ضلال مبين و قولهن حاش لله ماعلمنا عليه من سوء و اما الشهود فقوله تعالي فشهد شاهد من اهلها الاية و اما شهادة الله بذلك فقوله عز و جل من قائل كذلك لنصرف عنه السوء و الفحشاء انه من عبادنا المخلصين و اما ابليس فقوله لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين فقد اقر ابليس بانه لم‌يغوه و عند هذا نقول [ص 59] لهؤلاء الجهال الذين نسبوا الي يوسف عليه السلام الفضيحة ان كانوا من اتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله بطهارته و ان كانوا من اتباع ابليس ( و جنوده خ ) فليقبلوا اقرار ابليس بطهارته و قال الزمخشري في الكشاف بعد ان ذكر اقوال ( الاقوال خ ) الحشوية في هم يوسف (ع) فان منهم ( فانهم خ ) من قال همت بمخالطته و هم بمخالطتها و منهم من قال ان يوسف حل الهميان و جلس منها مجلس المجامع و منهم من قال بانه ( انه خ ) حل تكة سراويله و قعد بين شعبيها الاربع و هي مستلقية علي قفاها و فسر البرهان بانه سمع صوتا اياك و اياها فلم‌يكترث له فسمعه ( ثانيا فلم‌يعمل به فسمعه خ ) ثالثا اعرض عنها فلم‌ينجع فيه حتي مثل له يعقوب عاضا علي انملته و قيل ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من انامله و قيل كل ولد يعقوب له اثناعشر ولدا الا يوسف فانه ولد له احدعشر ولدا من اجل ما نقص من شهوته حين هم و قيل صيح به يا يوسف لاتكن كالطاير كان له ريش فلما زني قعد و لا ريش له و قيل بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد و لا معصم مكتوب فيها و ان عليكم لحافظين كراما كاتبين فلم‌ينصرف ثم رأي فيها و لاتقربوا الزني انه كان فاحشة و مقتا و ساء سبيلا فلم‌ينته ثم رأي فيها و اتقوا يوما ترجعون فيه الي الله فلم‌ينجع فيه فقال الله لجبرئيل ادرك عبدي قبل ان يصيب الخطيئة فانحط جبرئيل و هو يقول يا يوسف اتعمل عمل السفهاء و انت مكتوب في ديوان الانبياء و قيل رأي مثال ( تمثال خ ) العزيز و قيل قامت المرأة الي صنم كان هناك فسترته و قال ( فقالت خ ) استحيي ان يرانا فقال استحييت ممن لايسمع و لايبصر و لااستحيي من السميع البصير العليم بذات الصدور و [ص 60] قال الزمخشري و هذا و نحوه مما يورده اهل الحشو و الجبر الذين دينهم بهت الله و انبيائه و اهل العدل و التوحيد ليسوا من مقالاتهم و رواياتهم بحمد الله بسبيل و لو وجدت من يوسف عليه السلام ادني مزلة ( زلة خ ) لنعيت اليه و ذكرت توبته و استغفاره كما نعيت علي ادم صلوات الله عليه زلته و علي داود و علي نوح و علي ايوب و علي ذي‌النون و ذكرت توبتهم و استغفارهم كيف و قد اثني عليه و سمي ( سماه خ ) مخلصا فعلم بالقطع انه ثبت في ذلك المقام الدحض ( الاخص خ ) و انه جاهد نفسه مجاهدة اولي القوة و العزم ناظرا في دليل التحريم و وجه القبح ( القبيح خ ) حتي استحق من الله الثناء فيما انزله ( انزل خ ) من كتب الاولين ثم في القرءان الذي هو حجة ( حجته خ ) علي سائر كتبه و مصداق لها و لم‌يقتصر الا علي استيفاء قصته ( قصة خ ) و ضرب سورة كاملة عليها ليجعل له لسان صدق في الاخرين كما جعله لجده الخليل ابراهيم و ليقتدي به الصالحون ( الصائمون خ ) الي اخر الدهر في العفة و طيب الازار و التثبت في مواقف العثار فاخزي الله اولئك في ايرادهم ما يؤدي الي ان يكون انزال الله السورة التي هي احسن القصص في القرءان العربي المبين ليقتدي بنبي من انبياء الله في القعود بين شعبي الزانية و في حل تكته للوقوع عليها و في ان ينهاه ربه ثلاث كرات و يصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرءان و بالتوبيخ العظيم و بالوعيد الشديد و بالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير انثاه و هو جاثم في مربضه لايتحلل ( لايتحلحل خ ) و لاينتهي و لايتنبه حتي يتداركه الله بجبرئيل و باخباره و لو ان اوقح الزناة و اشطرهم و احدهم حدقة و اجلجهم ( احلجهم خ ) وجها [ص 61] القي بادني ما القي به نبي الله مما ذكر لمابقي له عرق ينبض و لا عضو يتحرك فيا له من مذهب ما افحشه و من اضلال ما ابينه ، انتهي كلام الكشاف . فتدبر في كلام من لم‌ينظر الي خصوص مذهبه كالرازي و الي كلام الزمخشري و ان كان من العدلية الا ان ما نقله عنهم حق و ما قال فيهم حق و الحمد لله رب العالمين و من الوجوه التي عارضوا بها جعل يوسف سقايته في رحل اخيه ليتهمه بالسرقة و ذلك خيانة و الخيانة ذنب اجاب بان ذلك بموافقة اخيه ليقيم عنده فلايكون خيانة فلايكون ذنبا ه‍ ، اقول هذا الجواب حسن في نقض هذه المعارضة و يقال بان ذلك شئ فعله بامر الله تعالي لقوله تعالي كذلك كدنا ليوسف ماكان ليأخذ اخاه في دين الملك الا ان يشاء الله الاية فلايكون فعل ما امر الله به ذنبا و من الوجوه التي عارضوا بها ما صدر عن اخوة يوسف في القائه في غيابة الجب و ايذاء ابيهم و كذبهم بان الذئب قد اكل يوسف ( و خ ) كل هذا ذنب اجاب عنه بانا لانسلم ان اخوة يوسف انبياء و لئن سلم انهم انبياء فما صدر منهم لم‌يكن حال نبوتهم ه‍ ، اقول الجواب بانهم ليسوا بانبياء هو الجواب و اما الجواب علي فرض التسليم فمبني علي مذهبه كما هو طريقته في تأييد مذهبه و وجه فرض التسليم ان بعضا قال بنبوتهم مستدلا بقوله تعالي قولوا امنا بالله و ما انزل الينا و ما انزل الي ابراهيم و اسمعيل و اسحق و يعقوب و الاسباط و ما اوتي موسي و عيسي الاية و المراد بالاسباط اخوة يوسف و ما انزل اليهم هو الوحي و المشهور بينهم المعروف عندهم انهم ليسوا بانبياء ففي العياشي عن الباقر عليه السلام [ص 62] انه سئل هل كان ولد يعقوب انبياء قال لا و لكنهم كانوا اسباطا اولاد الانبياء لم‌يكونوا يفارقوا الدنيا الا سعداء تابوا و تذكروا ما صنعوا ه‍ ، فاذا فالمراد ( فما المراد خ ) بما انزل اليهم قيل الصحف صحف ابراهيم بمعني انهم يعملون بها و اقاموها بعد توبتهم و قيل المراد من تولد منهم من الانبياء بعد يوسف فعلي ما هو الظاهر ليس لمعارضتهم بهذا الوجه معني الا تكثير صور الادلة ترويجا ( ترويحا خ ) لفتنتهم .