رسالة في العصمة و الرجعة
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله جزيل النعماء ( النعم خ ) و الالاء و جميل الافضال و العطاء و حسن البلاء و جليل العظمة و الكبرياء و صلي الله علي محمد و اله النبلاء الذين خصهم بالعصمة و الولاء و جملهم باكمل الثناء و جعلهم ملوك الدنيا و الاخرة و الاولي صلي الله عليه و عليهم ما دامت الارض و السماء .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحسائي ان حامي حوزة المسلمين و ناصر الدين و معز المؤمنين العضد اليمني للسلطنة البهية و الركن الاقوي للدولة السنية حليف السعادة و جليل الافادة و رافد الوفادة كعبة الكرم و حرم الشيم و المولي المحترم الشاه بن الشاه بن الشاه محمدعلي ميرزا الشاهزاده ادام الله تأييده و امداده و اشاد نصره و ارفاده و ايده بالنصر هو و اجناده و حفظه هو و اولاده و سدده و سدد له نظام دولته علي ما احبه و اراده و اصلح له بما تقر به عينه معاده و ختم له احواله و اعماله بالسعادة انه سميع الدعاء لطيف لما يشاء و هو علي كل شئ قدير و بالاجابة لمن دعاه جدير رحم الله من قال امين فان في ذلك صلاح الدنيا و الدين قد امر محبه و داعيه ان يكتب شيئا في بيان العصمة و ثبوتها لاهلها عليهم السلام و نفي ما ينافي ذلك و ما يرد عليه في ذكر رجعة محمد و اهل بيته الطاهرين و خواص شيعتهم و مواليهم و اعدائهم و ذكر علاماتها و احوالها و ذكر ما ورد فيها ، فاجبته الي ذلك مع قلة البضاعة و كثرة الاضاعة و تشتت الخاطر بدواعي الاعراض و موانع الامراض بناء علي الاتيان بما يحضر من [ص 3] هذه الامور لانه من جهة كثرة الموانع هو المقدور اذ لايسقط الميسور بالمعسور و الي الله ترجع الامور و رتبت بيان كل واحدة من المسئلتين علي مقدمة و فصول و خاتمة تقريبا للوصول الي المحصول .
في بيان العصمة و ثبوتها لاهلها و نفي ما ينافي ذلك و ما يرد عليه .
مقدمة - قيل العصمة في اللغة المنع و منه قوله تعالي و الله يعصمك من الناس اي يمنعك منهم فلايقدرون عليك و قوله تعالي و اعتصموا بحبل الله اي التجئوا الي الله بطاعته و حبل الله هو القرآن و قيل بعهد الله يرجع الي معني الامتناع بالله و بحبله اي ( الي خ ) القرآن او بعهده اليهم بما امرهم به من طاعته بالقيام باوامره و نواهيه من معاصيه و سخطه و عقابه و المعصوم هو الممتنع من جميع محارم الله كما روي و روي عن علي بن الحسين عليهما السلام الامام من لايكون الا معصوما و ليست العصمة في ظاهر الخلق ( الخلقة خ ) فتعرف قيل فما المعصوم قال عليه السلام المعتصم بحبل الله و حبل الله هو القرآن لايفترقان الي يوم القيمة و الامام يهدي الي القرآن و القرآن يهدي الي الامام و ذلك قوله تعالي ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم و في الاصطلاح العصمة علي ما اختاره العدلية هي اللطف المانع للمكلف من ترك الواجبات و فعل المحرمات يفعله الله به غير سالب للقدرة علي خلاف مقتضي ذلك اللطف و الا لميكن مكلفا و لميستحق مدحا و لا ثوابا بل ذلك اللطف موجب لسلب الداعية المستلزمة لاحدهما و هذا حاصل ما قرروه ( قرره خ ) في قواعدهم و عند الاشاعرة العصمة الايخلق الله في المعصوم ذنبا و لاجل غرض لهم في ذلك كما يأتي خصوه بكونه من الكبائر كالكفر و [ص 4] سائر الكبائر و من الصغائر الدالة علي الدناءة و الخسة و الرذالة كسرقة حبة او لقمة مما ينسب فاعله الي الدناءة و الخسة و الرذالة و ذلك بناء علي اصلهم من استناد جميع الاشياء كلها الي القادر المختار و عند الحكماء العصمة ملكة تمنع الفجور ناشية من العلم بمثالب المعاصي و مناقب الطاعات و تتأكد في الانبياء بتتابع الوحي اليهم بالاوامر الداعية الي ما ينبغي و النواهي الزاجرة عما لاينبغي و علي تعريف العدلية بان العصمة تستلزم سلب الداعي الذي هو الميل و الارادة لا سلب القدرة معه انما يتم علي رأي من يقول ان القدرة لايدخل في مفهومها الارادة و انما هي الصفة التي بها يقع التأثير عند انضمام الارادة اليها كما هو الحق في المسئلة لان الارادة هي داعي القادر الي الفعل الذي هو التأثير و اما علي رأي من يقول ان القدرة هي مجموع ما يتوقف عليه التأثير و منه الارادة فلايصح قولهم غير سالب للقدرة لانه ان لميسلب القدرة لميستلزم سلب الداعي لدخوله في مفهوم القدرة و اذا لميستلزم ذلك اللطف سلب الداعي لميتحقق ( لمتتحقق خ ) العصمة بل يكون المكلف مع ذلك مقارفا للذنوب او طالبا لها محبا لها و ان سلب القدرة لميتوجه اليه الخطاب و كذلك ان سلب الارادة استلزم سلب القدرة لرفع المركب برفع بعض اجزائه و علي تعريف الاشاعرة يرد انه اذا بنوا ذلك علي اصلهم من استناد جميع الاشياء الي القادر المختار عز و جل يقال ( فيقال خ ) لهم هل الكسب الذي اثبتوه للعبد و المباشرة اللذين هما علة ترتب الثواب و العقاب مخلوقان لله تعالي ليس للعبد فيهما صنع ام لا بل هما صادران من [ص 5] العبد باختياره فان جعلوهما مخلوقين لله تعالي كغيرهما من الاشياء بحيث ليس للعبد فيهما صنع امتنع تكليف ذلك المعصوم و انما يتحقق عدم خلق الذنب فيه مع اقتضائه ذلك بالتكليف لولا العصمة فاذا لميتحقق التكليف لميتحقق عدم خلق الذنب مع عدم مقتضيه و كون افعاله تعالي غير معللة بالاغراض كما يزعمون او تجويز التكليف بالمحال و بما لايطاق لايقتضي جواز ذلك لانه فرع التكليف و التكليف فرع تحقق الانية و اذا كان كل شئ من الله تعالي من غير اعتبار شئ من قابليات المكلف سقط اعتباره خصوصا في الانية فافهم و ان كانا صادرين من المكلف باختياره ليصح نسبة ترتب الثواب و العقاب الي المكلف اقتضيا طاعة او معصية بنسبة اعتبارهما فيلزم في تعريف العصمة بنسبة اقتضائهما ذلك اعتبار تعريف العدلية مع ان العصمة معني وجودي و هم عرفوها ( عرفوه خ ) بالعدمي و علي تعريف الحكماء يرد انه ناقص يحتاج الي قيد و هو ان يقال ملكة تمنع الفجور منعا غير سالب للقدرة الخ ، ثم انا نقول ان الملكة في تعريف الحكماء ثمرة اللطف في تعريف العدلية و قول الحكماء ناشية من العلم الخ ، ليس بشئ لان العلم لايثمر تلك الملكة الا ان يراد به العلم الحقيقي و هو المقترن بالعمل بحيث لايتخلف عنه في حال فحينئذ يكون صورة للعصمة و مادتها طلب الله سبحانه من المكلف و هدايته و روحها ذلك اللطف فعلي ظاهر القول يكون تعريف الحكماء مع اعتبار القيد اقرب لاشتماله علي الجنس القريب و اما تعريف العدلية فاولي ان يكون رسما و حاصل القول الصواب في تعريفها انها [ص 6] ملكة ربانية تمنع من فعل المعصية و الميل اليها مع القدرة عليها .
فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق الاشياء بفعله علي حسب قوابلها لفعله بمعني انه احدث موادها لا من شئ اعني وجوداتها و صورها كما قبلت يعني انه تعالي ركب صورها علي حسب قوابلها فمن لطفت مادته و رقت لشدة نوريتها و قربها من المبدء الفياض الذي هو مشية الله و فعله تلاشت انيتها و ضعفت بحيث لاتكاد تنافي هيئة فعله فلاتبدو عنها هيئة تخالف هيئة فعله فلايقع لها متعلق اقتضاء غير ما اقتضته هيئة مشيته فلايريد ذلك المخلوق غير ما يريده ( يريد خ ) خالقه كما قال تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و هو معني قول علي عليه السلام فجعلهم السن ارادته يعني ان ارادته تعالي تنطق بهم فقولهم قول الله ( قوله تعالي خ ) و فعلهم فعله عز و جل و هو معني قولهم عليهم السلام نحن محال مشية الله و في زيارة الحجة عليه السلام عن ابيجعفر محمد بن عثمان العمري مجاهدتك في الله ذات مشية الله و مقارعتك في الله ذات انتقام الله و صبرك في الله ذو اناة الله و شكرك لله ذو مزيد الله و رحمته و فيها بعد هذا و القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم و الممحو ما لااستأثرت به مشيتكم ، فكان بعناية الله و لطفه عن قابليته سابقا علي ( لكل خ ) من لميكن كذلك و قولي بعناية الله و لطفه اريد منه انه تعالي لطف بذلك العبد لسبق عناية الاختصاص فراضه بقابليته حتي بلغ به اعلي مراتب ( مقام خ ) القرب من رضوانه كما في الزيارة التي رواها ابنطاووس و الشيخ محمد بن المشهدي و الشيخ المفيد في الثناء علي اهل البيت عليهم السلام الذين [ص 7] هم اهل هذه المرتبة التي نحن بصدد بيانها و فيها لايسبقكم ثناء الملائكة في الاخلاص و الخشوع و لايضادكم ذو ابتهال و خضوع اني و لكم القلوب التي تولي الله رياضتها بالخوف و الرجاء و جعلها اوعية للشكر و الثناء و امنها من عوارض الغفلة و صفاها من شواغل الفترة بل يتقرب اهل السماء بحبكم و بالبراءة من اعدائكم و تواتر البكاء علي مصابكم و الاستغفار لشيعتكم و محبيكم الخ ، فكانت فطرة هذا العبد علي هيئة فعله تعالي و محبته فحين توجه اليه امر ربه كان ميل فطرته و داعي صورته العينية مطابقا لمحبة الله و ارادته و امره مع دوام الرياضة و التربية عن حقيقة ما هو اهله بالتوفيق و التسديد و عدم التخلية الي نفسه في كل حال فتكون و تحقق و ثبت و استقر عن ذلك اللطف و العناية و الرياضة و التربية المصاحبة للتوفيق و التسديد و عدم التخلية مع مطابقة تلك الفطرة لفعل الله و ارادته و محبته ملكة ربانية تمنع من فعل المعصية و الميل اليها مع القدرة عليها لكون تلك العنايات و الالطاف و الرياضات و التربيات و التوفيقات و التسديدات جارية لذلك العبد بقابليته و حقيقة ما هو اهله كما اشار اليه تعالي في قوله الله اعلم حيث يجعل رسالته و ذكره ( ذكر خ ) اميرالمؤمنين عليه السلام في الثناء علي النبي صلي الله عليه و آله في خطبته ( خطبة خ ) يوم الغدير و الجمعة كما رواه الشيخ في المصباح قال عليه السلام و اشهد ان محمدا عبده و رسوله استخلصه في القدم علي سائر الامم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس و انتجبه امرا و ناهيا عنه [ص 8] اقامه في ساير عالمه في الاداء مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا هو الملك الجبار قرن الاعتراف بنبوته بالاعتراف بلاهوتيته و اختصه من تكرمته بما لميلحقه فيه احد من بريته فهو اهل ذلك بخاصته و خلته اذ لايختص من يشوبه التغيير و لايخالل من يلحقه التظنين الخ ، فابان عليه السلام ان استخلاص الله تعالي له و اختصاصه به انما هو لانفراده عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس و ذكر علة ذلك فقال لانه عز و جل لايختص من يشوبه التغيير و لايخالل من يلحقه التظنين و هو المراد مما اشرنا اليه من تحقيق تلك الملكة و بيان منشئها فتفهم كما ( ما خ ) ذكرناه و ما ذكره ( ذكر خ ) عليه السلام في هذه الخطبة و قولي ملكة ربانية لبيان نشو هذه الملكة علي مقتضي تلك التربيات و الرياضات و الالطاف الربانية و هذه الملكة هي العصمة فاذا عرفت ما ذكرنا لك في بيانها تبين لك ما في التعاريف الثلاثة السابقة لعدم انطباقها علي ما ذكرنا بيانه و منشئه .
فصل - العصمة مجمع ( منشأ خ ) الكمالات لانطواء جميع الكمالات فيها باعتبار عموم دائرتها و احاطتها بجميع الصفات و الافعال من الجهة العليا و هي جهة التلقي من الفيض الالهي لقوة استعدادها لذلك و من جهة ( الجهة خ ) السفلي و هي جهة الاداء و التبليغ و تربية الرعية و عمارة مدينة الكون و النظام لانها هي العدالة المطلقة الامكانية المستلزمة لحفظ النسبة الايجادية الالهية بين جميع الموجودات علي ما هي مذكورة به في العلم الامكاني في ( من خ ) نفس الامر و الي هذه العدالة المطلقة الامكانية التي [ص 9] هي العصمة الاشارة في قوله عليه السلام بالعدل قامت السموات و الارض و روي في حديث اخر بالعدول قامت السموات و الارض يعني بالعدول اصحاب تلك العدالة المطلقة التي هي العصمة لانهم يسيرون في اعمالهم و احوالهم و اقوالهم و افعالهم علي مقتضاها من حفظ النظام و عمارة المدينة بحفظ النسب القيومية الالهية بين الاشياء كلها التي بها يرتفع الفساد من ساير البلاد فهي عند المحققين تقتضي امورا : الاول صدق الاقوال في كل المواطن الثاني حسن الافعال في جميع الاعمال الثالث صحة الاحوال و استقامتها علي مقتضي العدل الرابع ملازمة المراقبة و التلقي من الجهة العليا الخامس مداومة شهود العليا قبل السفلي و معها من غير انتقال ( اشتغال خ ) البصيرة و لا التفات السريرة السادس حفظ الحقوق عن التعطيل و التعطل السابع حفظ نظام المعاش و المعاد عما يوجب اختلالهما بحسب الامور العقلية و الشرعية في التمام و الكمال و تلزمها اوصاف حميدة شريفة يتصف بها من اتصف بهذه الملكة كالعقل الكامل و العلم و الحلم و الخير و الايمان و التصديق و الرجاء و العدل و الرضا و الشكر و التوكل و الرأفة و الرحمة و الفهم و العفة و الزهد و الرفق و الرهبة و التواضع و التؤدة و الصمت و الاستسلام و التسليم و الصبر و الصفح و الغناء عن الخلق و الفقر الي الخالق سبحانه و التذكر و الذكر و الحفظ و التعطف و القنوع و المواساة و المودة و الحب و الصدق و الحق و الامانة و الاخلاص و الشهامة و الشجاعة و قوة الرأي و حسن الخلق و الفهم و المعرفة و المداراة و سلامة الغيب و الكتمان و [ص 10] الصلوة و الزكوة و الصوم و الحج و الجهاد و صون الحديث عن النميمة و بر الوالدين و الحقيقة و المعروف و الستر و التقية و الانصاف و التهيئة و النظافة و الحياء و القصد و الراحة و السهولة و البركة و العافية و القوام بفتح القاف و الحكمة و الوقار و السكينة و السعادة و التوبة و الاستغفار و المحافظة و الدعاء و النشاط و الفرح و الالفة و الكرم و السخاء و سلامة الخلقة من العيوب المنفرة للطباع كالجذام و البرص و تشويه الصورة و امثال هذه من الصفات الحميدة الشريفة و تلزمها الطهارة و النزاهة عن اضداد تلك الاوصاف الحميدة لان كل صفة من تلك الاوصاف الحميدة التي تكون فيها انما تكون فيها في اعلي مراتبها و اكملها فلايجامعها شئ من ضدها فان قلت ان مراتب هذه الملكة متفاوتة تفاوتا لايكاد يتناهي فلو لميكن في الرتبة الناقصة شئ من ضدها لماكانت ناقصة بل تساوي العليا قلت ان السفلي ليست ناقصة في رتبتها ليلزمها شئ من ضدها بل هي كاملة في رتبتها كمالا لايتحمل شيئا من ضدها لان الضد انما يظهر في رتبته من النقصان المتحقق في تلك الرتبة و نقصانها انما هو بالنسبة الي ما فوقها و هو لايصلح ان يكون محلا لضدها لانه محل لضد ما فوقها فلاينسب اليها مع كمالها و عدم صلوح محلها محلا له فهي كاملة و تزداد بدوام المدد كمالا و هكذا بلا نهاية كما امر الله سبحانه نبيه صلي الله عليه و آله بطلب زيادة علمه مع كماله فقال تعالي و قل رب زدني علما و هذا الطلب حاصل له ابد الابدين .
فصل - اعلم انه قد اختلف في متعلق العصمة بانه ما هو فقال الجمهور ان [ص 11] متعلقها الاداء و التبليغ لانه هو المقصود منها فلاتجب العصمة الا لاجله اذ لولا حاجة المكلفين الي ذلك لمتوجد لان تكليفهم متوقف علي معرفة ما كلفوا به و هذه المعرفة متوقفة علي اخبار الواسطة المبلغ عن الله و حصول المعرفة عن اخبار الواسطة متوقف علي صدقه و صدقه متوقف علي العصمة فوجبت لذلك و قال الاكثر من المحققين ان متعلقها مجرد استعداده لقبول الفيض من الحق سبحانه عليه الذي من جملته الاداء و التبليغ لان الاستعداد شرط في حصول التبليغ و الاداء و هو مرتبة الولاية المطلقة السابقة علي مرتبة النبوة التي معناها الاداء و التبليغ فتكون العصمة سابقة علي وقت الاداء ضرورة تقدم الاستعداد علي ذلك و مرتبة الولاية هي مرتبة القرب من الحق الموجبة للفيض و الاستفادة منه و من مقربي حضرته علي مراتب الاستعداد فيجب ان يكونوا متخلقين باخلاقه موافقين له في جميع الافعال فلايحبون الا ما يحب و لايكرهون الا ما يكره و ذلك هو عين العصمة المطلقة ، اقول ظاهر قول هؤلاء ان متعلقها مجرد استعداده لقبول الفيض من الحق سبحانه عليه الذي من جملته الاداء و التبليغ ان المراد منه صفة الموصوف بها بمعني ان اتصافه بها هو ذلك او ما يلزم منه بقرينة تعليلهم اعني قولهم لان الاستعداد شرط في حصول التبليغ ( منه خ ) و الاداء بمعني مطلق التعلق سواء كان تعلق التلقي من الفيض ام تعلق التبليغ منه و اداء المتلقي عنه الي المكلفين و ظاهر قولهم مرتبة النبوة التي معناها الاداء و التبليغ ينافي الاول لان قولهم فتكون العصمة سابقة علي [ص 12] وقت الاداء ضرورة تقدم الاستعداد علي ذلك ينافي قولهم الذي من جملته الاداء و التبليغ و كأنهم ارادوا مطلق الوصف سواء كان لذات العصمة او لحال محلها اي المتصف بها او لمتعلقها من المكلفين بما يراد منهم و الاول ( الاولي خ ) ما اشرنا اليه سابقا من ان حقيقتها هي الملكة التي اشرنا اليه من ( اشرنا الي خ ) كيفية بدءها هناك و ان محلها الذي هو المتصف بها القائم بوظائفها هو ما اشرنا اليه من ( اشرنا الي خ ) نورية مادته و سبقها و قربها من المبدء الفياض و من ( الي خ ) ضعف انيته و تلاشيها حتي لاتكاد تعتبر في احكام الايجاد و ان متعلقها من الجهة العليا هو ( هي خ ) التلقي بذلك الاستعداد و من الجهة الوسطي التي هي المحل و هو المتصف بها و هو المشار الي نوع كونه ( كونها خ ) من مادته و صورته المخصوصين و من الجهة السفلي هو التبليغ و الاداء فافهم فلو اردنا مجرد التعدد لقلنا الاقوال ثلثة قول الجمهور بان المتعلق الاداء و التبليغ و قول المحققين ان المتعلق ما سمعت مما نقلنا عنهم و قولي ان متعلقها في الجهات الثلاث العليا التلقي و الوسطي القبول و الاتصاف و التحمل بذلك الاستعداد و السفلي التبليغ و الاداء فافهم .
فصل - و المتصف بالعصمة ( بها خ ) القائم بوظائفها المتحمل لاعبائها انبياء الله و رسله و خلفاؤهم ( خلفاؤه خ ) و ملائكته لانهم المؤدون الي عباده كما قال تعالي جاعل الملائكة رسلا و قول علي بن الحسين عليهما السلام في الصحيفة و علي الملائكة الذين من دونهم من سكان ( اهل خ ) سمواتك و اهل الامانة علي رسالاتك و قوله عليه السلام و رسلك من الملائكة الي اهل الارض بمكروه ما ينزل من البلاء و محبوب الرخاء و السفرة الكرام البررة و انما اشترط اتصاف الدعاة [ص 13] الي الله سبحانه فيما يامر و ينهي مما يحب و يكره بالعصمة لتوفر الدواعي الي الاقبال اليهم و الثقة باخباراتهم ليتم لهم اللطف باتباعهم و تكون عندنا مصاحبة لهم كما يأتي من اول العمر الي اخره ليحصل تمام الاقبال و توفر دواعي المكلفين علي الاقبال و التوجه اليهم الذي هو المقصود بالذات من بعثهم و لهذا اعتبر فيهم اتصافهم بها لاشتمالها علي الصفات الحميدة كما تقدم و سلامتها من اضدادها اذ بسببها يرتسم في نفس كل عارف باتصافهم بها اتصافهم بغاية الكمال و نهاية الجلال الموجب لتعظيمهم و اعتقاد نورانيتهم التي من شانها ان تجذب النفوس اليهم ( اليها خ ) و تنجذب انجذاب محبة و عشق كانجذاب الحديد الي المقناطيس و ذلك لانه قد تقرر في الحكمة من ان النفوس بطباعها منجذبة الي الانوار محبة لها و عشقا و كلما كانت النورانية اتم و اكمل كان انجذابها اليها اشد و اقوي و انما كان اتصافهم بغاية الكمال و نهاية الجلال لقوة استعدادهم الذي هو مقتضي صفاء نورانية موادهم و تلاشي انيتهم حتي برزت صورهم علي هيئة مشيته و ارادته تعالي حتي لحقت نواسيتهم بالمجردات و اقبلوا علي معبودهم بجميع الارادات و تخلقوا باخلاقه في جميع الحالات فظهرت فيهم بمقتضي طهارة ذواتهم و شدة مجاهداتهم و مراقباتهم تلك الملكة اعني العصمة فاستحقوا مقام السفارة و منصب الوساطة فالبسهم خلعة الخلافة و اقامهم مقامه في عالمه في الاداء الي بريته و جعلهم ظاهره في خليقته كما رواه جابر بن يزيد الجعفي عن علي بن الحسين عليه السلام في حديث طويل الي ان قال [ص 14] عليه السلام و اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده الحديث ، و المراد بالذات التي اخترعهم من نورها ذات محمد صلي الله عليه و آله يعني من نور ذات له نسبها اليه تعالي تشريفا لها و تكريما بها علي سائر الذوات لانه تعالي خلقهم من نور محمد صلي الله عليه و آله فاضافة النور الي الذات بيانية و اضافة الذات الي الضمير بمعني اللام و المعني اخترعنا من نور هو ذات له يملكها و يختص بها و تختص به و انما استحقوا الخلافة و السفارة و القيام مقامه تعالي في خليقته في الاداء و التبليغ و الترجمة لوحيه تعالي و ما انزل من خزائن غيبه علي القابلين و المكلفين من امدادات الغيب و الشهادة و من اوامره و نواهيه مما به تمام نظام وجوداتهم و دنياهم و دينهم و اخرتهم بهذه الملكة التي هي العصمة بعد ان خلقهم لها و طهرهم من الرجس و الدنس و راضهم بلطف عنايته حتي كانوا احق بها و اهلها و معني قولي خلقهم لها هو ما سمعت من لطفه و عنايته بهم و تربيته لهم و تخليقه اياهم باخلاقه فلما خلقهم لها كما سمعت هنا و سابقا خلقها لهم بتلك القوابل و الاستعدادات الموجبة لايجادها فيهم فتمت كلمته كما شاء فيمن شاء من خلقه .
فصل - المتصفون بهذه الصفة كانوا لله سبحانه بجميع افكارهم و انظارهم و اقوالهم و احوالهم و اعمالهم و افعالهم و حركاتهم و سكناتهم فهم بكليتهم و ظاهرهم و باطنهم مقصورون علي طاعة الله محبوسون علي محبته و رضاه لايريدون الا ما يريد بل لا ارادة لهم غير [ص 15] ارادته و ذلك لما تقدم من صفاء حقائقهم و تربيته اياهم بالطافه و توفيقاته و تأييداته و تسديداته و اختصاصه اياهم بعصمته فان قلت قد جاء في الكتب المنزلة وصفهم من الحق تعالي بما يخالف ما ذكرتموه من وقوع بعض المعاصي و الهفوات و من معاتبته سبحانه لكثير ممن اتصف بتلك الملكة و قد قلتم ان الفائدة في بعثة الانبياء و الرسل و سائر الوسايط و السفراء بين الله سبحانه و بين خلقه تصديقهم و الثقة باخبارهم و اتباعهم و الميل اليهم و القبول منهم فيما يدلون علي الله سبحانه و علي ما يرضيه من الاعمال الظاهرة و الباطنة و لايتم ذلك الا بعصمتهم لانها تمنع من كل ما ينفر عنهم و يوجب ( توجب خ ) كلما يقرب من تصديقهم و من الثقة باخبارهم ( و الثقة من اخبارهم و خ ) وقوع تلك التقصيرات منهم و عتابهم علي تقصيراتهم ينافي مقتضي العصمة و يوجب التنفير عنهم و كل هذا ينافي فائدة بعثتهم قلت ان تلك الظاهر ( الظواهر خ ) الواردة في الكتب السماوية و العتابات المروية في حقهم عليهم السلام ليست مقصودة علي ما هو المعروف عند ساير الناس فان المعروف عندهم ان الشخص اذا عاتب اخر او السيد اذا عاتب عبده فانه في تلك الحال واجد عليه او مريد لعقوبته لاجل مخالفته لما امره به او نهاه عنه لانه عاص له قادم علي مخالفة امره و اما عتابه ( عتاب الله خ ) عز و جل فانه ليس من هذا القبيل لان انبيائه ( الانبياء خ ) لايقدمون علي مخالفته و ان ما يقع منهم بمقتضي الطبيعة البشرية ما ليس مما نهي الله عنه نهي تحريم ليقال كيف يرجحون داعي الطبيعة البشرية علي داعي امر الله و داعي الطبيعة البشرية النفس الامارة [ص 16] بالسوء و داعي امر الله هو العقل و اصحاب العقول الكاملة لايطيعون قرين الشيطان و انما هو نهي تنزيه و ارشاد فاذا اراد الله سبحانه ان يرفع نبيه او وليه الي درجة لمينلها بالاعمال و هو سبحانه لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و قد قدر لوليه روحا من امره يسدده عن الغفلة و الخطاء و النسيان فضلا منه تعالي من غير استحقاق من ذلك الولي لان يسدده ذلك الملك و ان كان اذا قدر له فقد وضع المعروف موضعه لانه بالنسبة الي قابليته صالح لذلك بحيث لاينافي تقديره له مقتضي الحكمة الا ان اعطاءه نعمة ( للقابل خ ) ابتدائية كما قال سيد الساجدين (ع) منتك ابتداء و عفوك تفضل و قال اذ كل مننك ابتداء ، فاذا اراد رفع درجته الي ما هو اعلي من مقتضي استعداده بالقابليات الظاهرة و الباطنة التي هي الاعمال امر الملك المسدد فغاب عنه و هذا معني ما ورد في مثل ما قال عليه السلام ان يونس علي محمد و اله و عليه السلام وكله الله الي نفسه طرفة عين فوقع ( فيقع خ ) منه ما شاء الله ( تعالي خ ) بمقتضي بدء شأن ذلك الولي في علم الغيب من التقصير لكن لما كان ذلك الولي بقوة الاستعداد و صحة الاعمال و دوام المراقبة لذي الجلال مستقيم الطبيعة كامل العقل مطمئن النفس لمتقع منه المعاصي الكبائر و لا الصغائر لبعده منها اذ ليس للشيطان عليه سلطان نعم اذا غاب عنه الملك فقد يقع منه خلاف الاولي و هو ( لانه خ ) ينافي الكمال و لايستلزم النقصان لانه بتلك الصفات الحميدة تام ( قام خ ) في مقامه و رتبته التي وضعه الله سبحانه فيها فاذا وقع منه خلاف الاولي استوجب العقاب ( العتاب خ ) و الذم من رب الارباب لعلم ذلك الولي [ص 17] انه مرجوح لاينبغي له ان يفعله فاذا فعله مع علمه بذلك عرف من نفسه التقصير و استحقاق العقاب ( العتاب خ ) لان الله سبحانه اقامه مقام القدس الذي هو محل الخلافة و السفارة المقتضي لان يجري علي الحكمة التي هي مقتضي ارادة المولي سبحانه و فعله فاذا ورد عليه الذم و العتاب انكسر و اناب فاستحق بانكساره و ذله و استغفاره و توبته تلك الدرجة العالية كما قال تعالي فظن داود انما فتناه فاستغفر ربه و خر راكعا و اناب فغفرنا له ذلك و ان له عندنا لزلفي و حسن مآب و لو لميغب عنه الملك المسدد ( له خ ) لماوقعت منه الهفوة و لو لمتقع منه الهفوة لميرد عليه عتاب و لا ذم و لو لميرد عليه ذلك لميحصل له انكسار في نفسه و لو لميحصل له انكسار في نفسه لمينل تلك الدرجة العالية و منه قوله صلي الله عليه و آله لو لمتذنبوا لذهب بكم و جيء بقوم يذنبون و يستغفرون و يغفر لهم و في تفسير علي بن ابراهيم فلما اخبر رسول الله صلي الله عليه و آله قريشا بخبر اصحاب الكهف قالوا اخبرنا عن العالم الذي امر الله عز و جل موسي ان يتبعه و ما قصته فانزل الله عز و جل اذ قال موسي لفتيه لاابرح حتي ابلغ مجمع البحرين او امضي حقبا قال و كان سبب ذلك انه لما كلم الله موسي تكليما و انزل عليه الالواح و فيها كما قال الله عز و جل و كتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة و تفصيلا لكل شئ رجع موسي عليه السلام الي بني اسرائيل فصعد المنبر فاخبرهم ان الله عز و جل قد انزل عليه التورية و كلمه قال في نفسه ماخلق الله تعالي خلقا اعلم مني فاوحي ( الله خ ) عز و جل الي جبرئيل عليه [ص 18] السلام ان ادرك موسي عليه السلام فقد هلك و اعلمه ان عند ملتقي البحرين عند الصخرة رجلا اعلم منك فصر اليه و تعلم من علمه فنزل جبرئيل عليه السلام و اخبره فذل موسي في نفسه و علم انه اخطأ و دخله الرعب و قال لوصيه يوشع بن نون ان الله عز و جل امرني ان اتبع رجلا عند ملتقي البحرين و اتعلم منه الحديث ، و هذا مما ذكرت لك فانه لما اراد الله ان يجد في نفسه ذلة و انكسارا و يعلم انه اخطأ بالتفاته الي غير ما امر ( به خ ) بان يمضي اليه امر الملك المسدد ان يغيب عنه فلما غاب عنه وجد في نفسه انه ماخلق الله خلقا اعلم منه فامر الله تعالي جبرئيل ان يأمره بان ( ان خ ) يتعلم من الخضر عليه السلام تنبيها له علي خطائه و ابانة لتقصيره لتحصل ( ليحصل خ ) له بانكساره و ذلته النجاة فقد هلك و هكذا يفعل بالمقربين عنده كما يعالج الطبيب المريض بالكي و الفصد و الحجامة و اسقاء الدواء المر لان شفائهم و صحتهم في ان لايجدوا لهم شيئا من انياتهم علي حد ما قال تعالي و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون و بهذا و نحوه يظهر لمن عرف انهم فيما يفعل بهم منزهون عن النقائص و الرذائل و انما يفعل بهم من قبيل الرياضة لهم بان يحلهم و يعقدهم و يصوغهم و يكسرهم حتي ينال كل واحد منهم اعلي درجات ما يمكن في حقه كما اوصي شاعرهم التلميذ عند استاده ( حيث خ ) قال :
اعدم وجودك لاتشهد له اثرا و دعه يهدمه طورا و يبنيه
فتلك العتابات و التوبيخات دالة علي عظم شأنهم و جلالة قدرهم عنده لعظيم اعتنائه عز و جل بهم فانه قد يعاتبهم و يلومهم علي [ص 19] ما ليس بذنب و انما هو تكميل علي تكميل و تنزيه لهم عن ملابسة ما لايليق بمقامهم عنده و ذلك لما ارتضاهم لمقام الحضور و المشاهدة لزمهم عدم الغفلة فاوحي اليهم لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون فاذا اراد من احدهم الايلتفت من نفسه بمجاهدته و استعداده فعل به ما سمعت ليطلعه علي ما سوي الله و يعرفه ذلك ليفر الي الله تعالي من كل ما سواه علي حد تأويل قوله تعالي لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا و لملئت منهم رعبا فتفهم هذا النوع لتنجلي عن قلبك كل شبهة ترد عليه في هذا المقام .
فصل - اعلم انه قد وقع الاختلاف الكثير بين الناس من القائلين بالعصمة في متعلقها و وقتها فقالت الامامية ان العصمة تصاحب المعصوم و تلازمه من اول عمره الي اخره و يكون بها معصوما من جميع الذنوب من الكفر و الكبائر كلها و الصغائر كلها عمدا و سهوا و نسيانا بل لايقع منه مطلق السهو و النسيان لان اللطف الذي هو منشأ العصمة و اصلها منه نشوها و منه تحققها حتي كانت ملكة للمعصوم و منه تمكين الاستعداد المقتضي لها علي نحو ما اشرنا اليه سابقا و منه لزوم الملك المسدد للمعصوم عن الخطأ المعلم له عن الجهل المنبه له عن السهو المذكر له عن سمة النسيان المحبب له ( اليه خ ) الطاعة المكره اليه المعاصي و هو اي ذلك اللطف دائم التعلق بذلك المعصوم مستمر اللزوم له لوجود المقتضي لذلك من ملازمة الاجتهاد و المراقبة و قوة الاستعداد و لما كانت قوة استعداده موجودة فيه في اول ايجاده لشدة نورية روحه و شدة صفاء [ص 20] طينته لقربهما من المبدء بحيث اقتضيا ارتباط اللطف بهما بحقيقة ما هما اهله كما اشار اليه عز و جل بقوله و اصطنعتك لنفسي استحق العصمة بقوة استعداده و قابليته من اول عمره الي اخره المانعة من جميع الذنوب و المعاصي الكبائر و الصغائر مطلقا عمدا و سهوا و نسيانا و قد ذكر سيد الوصيين علي بن ابيطالب صلوات الله عليه الاشارة الي ذلك في قوله ( بقوله خ ) :
سبقتكم الي الاسلام طرا مقرا بالنبي في بطن امي
لانه خليفة الله في ارضه علي خلقه و مااستخلفه الا بعد ان اختاره و انتجبه عن ساير خلقه في عالم الذر الاول علي علم منه به انفرد عن ابناء جنسه فليس له فيهم مماثل و خالقه العالم به لايختار من يلحقه التظنين فلو وجد في شئ منه ما ينافي شيئا من مراداته لماجاز له اختياره و الا لكان قد اختار ما يخالف مراده و قد اختاره في اول بدئه فيكون في اول بدئه منزها عن كل ما ينافي مراده بالقوة و الفعل من اول بدئه الي اخره لان المستخلف سبحانه حق لا شبهة فيه فلايستخلف من فيه شبهة و هو العليم القدير الا من لايعلم بها او لايقدر علي من لا شبهة فيه او كان في نفسه شبهة و الاحوال الثلاثة منفية عنه عز و جل فلايختار من فيه شبهة كما ذكره اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته في الغدير و الجمعة في وصف النبي صلي الله عليه و آله بقوله فهو اهل ذلك بخاصته و خلته اذ لايختص من يشوبه التغيير و لايخالل من يلحقه التظنين و قد تقدم و قد استدلوا علي وجوب عصمة الذين وصفوا بالعصمة من الانبياء و المرسلين و غيرهم من الاوصياء ان المكلفين [ص 21] مأمورون باتباع الانبياء في افعالهم و اقوالهم فلو وقع منهم كفر او ذنب صغير او كبير لوجب اتباعهم لقوله تعالي فاتبعوه لعلكم تهتدون و قوله تعالي و ما اتيكم الرسول فخذوه و غير ذلك و اتباعهم في هذه الافعال التي حرمها الله يلزم منه الجمع بين الوجوب و الحرمة و هو غير جايز و ايضا لو وقع منهم الذنب لكانوا عليهم السلام من حزب الشيطان لانهم فعلوا ما اراد الشيطان و حزب الشيطان هم الخاسرون و معلوم انهم عليهم السلام حزب الله و حزب الله هم المفلحون و ايضا لو صدر منهم كفر او ذنب لفسقوا لان الفسق هو الخروج عن الطاعة و حينئذ لمتقبل شهادتهم لقوله تعالي و لاتقبلوا لهم شهادة ابدا و اولئك هم الفاسقون و لميجب قبول قولهم و خبرهم لقوله تعالي ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا و اللازم في الصورتين باطل بالاجماع و لان الفائدة في بعثتهم و رسالتهم قبول شهادتهم و خبرهم و الملزوم ( فالملزوم خ ) مثله و ايضا لو وقع منهم كفر او ذنب لوجب الانكار عليهم لوجوب النهي عن المنكر و وجوب انكاره و ذلك يستلزم ذمهم و ايذائهم و ايذاء الانبياء عليهم السلام حرام موجب للعنة الله في الدنيا و الاخرة لقوله تعالي ان الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الاخرة و لو لميجب الانكار عليهم لزم عدم وجوب انكار المنكر مع القدرة عليه و هو باطل اتفاقا و ايضا انهم عليهم السلام في اعلي درجات الشرف فلو وقع منهم كفر او ذنب لوجب ان يضاعف عذابهم لان من كان اشرف كان صدور الذنب منه افحش كما قال تعالي في شان نساء النبي صلي الله عليه [ص 22] و آله يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ضعفا بفعل الفاحشة و ضعفا بهتك حرمة شرف النبي صلي الله عليه و آله و البعد منه و كما ضاعف عقوبة الاحرار لشرفهم علي المماليك لان حد المملوك نصف حد الحر قال تعالي فعليهن نصف ما علي المحصنات من العذاب فتكون انبياء الله و احباؤه معذبين باشد العذاب و هو باطل اتفاقا و ايضا لو صدر منهم كفر او ذنب لمتنلهم النبوة و الامامة لانهم اذا وقع منهم ذلك كانوا ظالمين و الظالم لمينله عهد النبوة و الامامة لان رتبة النبوة في اعلي عليين و رتبة الظلم في اسفل سافلين لان الله سبحانه حين قال لابراهيم علي محمد و اله و عليه السلام اني جاعلك للناس اماما استعظم درجة الامامة في نفسه فسألها لذريته قال و من ذريتي اي و اجعل بعض ذريتي اماما و انما اتي بمن الدالة علي التبعيض لعلمه بان من ذريته من هو كافر و لميسأل له الامامة و انما سألها للمؤمنين من ذريته فاجابه تعالي بان من وقع منه ذنب و ان كان صغيرا و لو مرة واحدة فانه يصدق عليه ( علي خ ) انه ظالم و ان كان مؤمنا و ذلك بعيد من مقام الامامة لانها عهده الحق و ميثاقه الصدق يعني الصدق معه في كل المواطن في جميع الاحوال فجمع له جميع ما اشرنا اليه فقال لاينال عهدي الظالمين فان من وقع منه الظلم في وقت ما يصدق عليه ( علي خ ) انه ظالم لما قرر في الاصول من عدم اشتراط بقاء المبدء في صدق المشتق ( المعني في صحة الصدق خ ) حقيقة كما هو الصحيح في المسألة و الظالم بعيد من عهد الامامة و الامامة لازمة للنبوة فكل نبي امام فلايقال [ص 23] ان هذه الاية خاصة بالامام ( بالامامة خ ) و لو قيل بذلك قلنا ففي النبي بطريق اولي لان الامام اذا لميكن نبيا فهو وصي نبي و نبيه افضل فاعتبار علو الدرجة في النبي اولي منه في وصيه ، هذا بعض ما ذكروا من الادلة و غيرها كثير من الكتاب العزيز و سنة النبي صلي الله عليه و آله و احاديث اهل بيته المعصومين ( اهل العصمة خ ) عليهم السلام و هي كثيرة لاتكاد تحصي و من الاجماع من الفرقة المحقة و من ائمتهم عليهم السلام و من دليل العقل منه ما كان من دليل الحكمة كما اشرنا اليه سابقا الي شئ منه في تحقيق بدء المعصوم و العصمة و من دليل الموعظة الحسنة من الكتاب و السنة مما ( ما خ ) يضيق بذكره المقام ( الوقت خ ) و من ذلك مثل قوله تعالي افمن يهدي الي الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون ، وجه الاستدلال العقلي من دليل الموعظة الحسنة انه سبحانه اخبرهم بان من يهدي الي الحق اولي بالاتباع و من فعل الذنب لايكون هاديا الي الحق حال معصيته و لا بفعله اما حال معصيته فلايقبل منه و لايؤثر ( لاتؤثر خ ) موعظته في القلوب بل تنكر عليه و ذلك موجب لخلاف دعوته الي الحق و اما بفعله ففعله ذنب و الذنب باطل يدعو الي الباطل و اما في غير تلك الحال فالعقول تجوز عليه حال المعصية لما فيها من شائبة النفرة فلايتم له هدايته الي الحق و لو فرض انها لاتجوز عليه حال الطاعة حال المعصية لميستحق احقية الاتباع المطلقة المستمرة التي هي المراد في الاية الشريفة و لو فرض الاستحقاق و الحال هذه في الجملة او بقول مطلق لميكن في الاستحقاق للاتباع مثل من لميقع منه ذنب مطلقا [ص 24] فاذا كان الاتباع انما هو للهداية للحق و الصواب الموجبة للنجاة من عذاب الله و سخطه وجب في العقل اتباع من لمتجوز ( لميجوز خ ) عليه العقل شيئا من المعاصي للقطع بحصول النجاة في اتباعه دون من وقع منه الذنب لعدم القطع بحصول النجاة في اتباعه فاخبر سبحانه عباده من حيث يعقلون نصحا و موعظة و ارشادا لهم الي ما فيه نجاتهم من عذابه و من يعمل بما اتاه الله من التميز ( التمييز خ ) و العقل لايختار المظنون و يترك المعلوم الذي قطع به عقله فافهم فان هذا من دليل الموعظة الحسنة و من دليل المجادلة بالتي هي احسن و هو كثير لايكاد يحصي و قد ذكر منه العلامة الحسن بن المطهر الحلي قدس الله سره ( روحه خ ) و نور ضريحه في كتابه الالفين الفي دليل من ادلة العقل المستنبطة من الكتاب من ادلة المجادلة بالتي هي احسن و هذه الانواع الثلثة من الادلة العقلية غير النقلية و هي التي امر الله سبحانه نبيه صلي الله عليه و آله ان يدعو الي سبيله بها فقال تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و هذه الثلثة هي المراد ( المرادة خ ) بتأويل قوله تعالي في حق من يجادل في الله بغير هذه الادلة الثلثة ليضل عن سبيل الله اي يصرف الناس عن ولي الله و ولايته و يدعوهم الي نفسه قد لبس ثياب النسك بالدعوي بلا حقيقة و لا معني و منهم اي ( و هو قوله تعالي خ ) و من الناس من يجادل في الله بغير علم و لا هدي و لا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله الاية ، فتفهم تفهم .
فصل - و اتفق الجمهور بالقول الصريح علي عصمة الانبياء عليهم السلام من [ص 25] الكفر و ( و من خ ) المعاصي الكبار ( الكبائر خ ) بعد الوحي و قال فضل بن روزبهان في كتابه الذي وضعه في الرد علي الامام العلامة الحلي قدس سره ( قدس روحه و نور ضريحه خ ) في كشف الحق و نهج الصدق قال ثم اعلم ان تحقيق هذا البحث يرجع الي تحقيق معني العصمة و هي عند الاشاعرة علي ما يقتضيه اصلهم من استناد الاشياء كلها الي الفاعل المختار ابتداء الايخلق الله فيهم ذنبا فعلي هذا يكون الانبياء معصومين من الكفر و الكبائر و الصغائر الدالة علي الخسة و الدناءة و الرذالة و اما غيرها من الصغائر فانهم يقولون لاتجب عصمتهم عنها لانها مغفورة بنص الكتاب من تارك الكبيرة الذين يجتنبون كبائر الاثم و الفواحش الا اللمم ان ربك واسع المغفرة هو اعلم بكم اذ انشأكم من الارض و اذ انتم اجنة في بطون امهاتكم فلاتزكوا انفسكم هو اعلم بمن اتقي ، دلت الاية علي ان مجتنب الكبيرة مغفور له ما صدر من الصغاير عنه و في الاية اشارة الي ان الانسان لما خلق من الارض و نشأ منها فلايخلو من الكدورات الترابية التي تقتضي الذنب و الغفلة فكان بعض الذنوب تصدر عنه بحسب مقتضي الطبع و لما لميكن خلاف ملكة العصمة فلا مؤاخذة به انتهي ، اقول ان تعريف الاشاعرة للعصمة مصرح بعدم صدور الصغيرة من المعصوم لان ذنبا في التعريف نكرة في سياق النفي تقتضي ( فتقتضي خ ) العموم فاستثناؤه للصغيرة مناقض لمذهبه و دعوي المراد لاتدفع الايراد لان الصغيرة ذنب بالاتفاق و صدورها من المعصوم عندهم انما هو بخلق الله تعالي لها فيه فان اعترف بخلق الله لها فيه انتقض تعريفه و ان نسب صدورها الي [ص 26] المعصوم او الي مقتضي الكدورات الترابية او الطبع انتقض اصله و كونها مغفورة فرع ثبوتها و مخلوقيتها و يأتي ما قلنا و قوله لما لميكن خلاف ملكة العصمة فلا مؤاخذة به غلط من وجوه : الاول ان العصمة عنده الايخلق الله في المعصوم ذنبا و هذا لايكون ملكة لان الملكة طبيعة و قوة تصدر منها الافعال و هذا مناف لاعتقاده لانها ان لميصدر عنها شئ من الافعال فليست ملكة و ان صدر عنها شئ كان في الوجود مؤثر غير الله و كلا الفرضين مخالف لاعتقاده الثاني ان العصمة عنده الايخلق الله ذنبا و وقوع الصغيرة معناه عنده ان الله خلق ذنبا فوقوع الصغيرة عنده مانع ( مانع عنده خ ) من تحقق العصمة و تحقق العصمة مانع من صدور الصغيرة و هذا لازم علي قوله الثالث ان قوله فلا مؤاخذة به يلزم منه انه لا فرق بين المعصوم و بين مجتنب الكبائر و ان لميكن معصوما لان العفو عن الصغيرة انما هو لاجتناب الكبائر و لا فرق بين العصمة و اجتناب الكبائر فلا فرق بين الانبياء و غيرهم لان الاجتناب عنده الايخلق الله في المجتنب ذنبا فاثباته العصمة للانبياء لغو لا فائدة فيه اذ لا اختصاص للانبياء بهذا المعني دون غيرهم لان الانبياء ان دخلوا في جملة المجتنبين مطلقا فالعفو للاجتناب و ان لميدخلوا فيهم فلا عفو فاي معني يثبته للعصمة غير الاجتناب المذكور الذي لميختص به المعصوم فقوله لما لميكن الخ ، لايجديه نفعا بل تركه اسلم لاعتقاده و لدليله .
فصل - مذهب الامامية تنزيه الانبياء عليهم السلام عن كل ما يكرهه ( يكره خ ) الله قبل البعثة و بعدها اختيارا و اضطرارا عمدا و سهوا و هو مما لا خلاف فيه [ص 27] و اما فضل بن روزبهان فوضع كتابه علي محض المعارضة من غير تثبت و دعويه علي الامامية انهم يجوزون علي الانبياء ايقاع الكفر تقية افتراء اذ لميقل به احد منهم و لمينقله احد عن احد منهم بل صريح كلام مخالفيهم نسبة نفي الكفر و غيره من الذنوب الكبائر و الصغائر مطلقا عن الانبياء الي الامامية خاصة قبل النبوة و معها و بعدها كما ذكره البدخشي في بحث الافعال من شرح منهاج الاصول حيث قال الاكثر من المحققين علي انه لايمتنع عقلا قبل النبوة ذنب من كبيرة او صغيرة خلافا للروافض مطلقا و للمعتزلة في الكبائر و لا خلاف لاحد منا في امتناع الكفر عليهم الا الفضيلية من الخوارج بناء علي اصلهم من ان كل معصية كفر و قد قال الله تعالي و عصي ادم ربه فغوي و جوز البعض عليهم عند خوف تلف المهجة اظهار الكفر و اما بعد النبوة فالاجماع منعقد علي عصمتهم في تعمد الكذب في الاحكام لدلالة المعجزة علي صدقهم و اما الكذب غلطا فجوزه القاضي و منعه الباقون الي اخره فذكر ان من جوز علي الانبياء الكفر خوفا جماعة غير الشيعة لانه ذكر ان الشيعة مانعون مطلقا في قوله خلافا للروافض مطلقا و ذكر ( قال خ ) الشهرستاني في الملل و النحل ان من بدع الازارقة اصحاب ابيراشد نافع بن الازرق من الخوارج انهم جوزوا ان يبعث الله تعالي نبيا يعلم انه يكفر بعد نبوته او كان كافرا قبل البعثة و الكبائر و الصغائر اذا كانت بمثابة عنده فهي كفر و في الامة من جوز الكبائر و الصغائر علي الانبياء فهو كفر و قال ابنفورك من الاشاعرة تجوز بعثة من كان كافرا و في شرح الطوالع اتفقوا علي عصمة الانبياء من الكفر و المعاصي بعد [ص 28] الوحي و الفضيلية من الخوارج جوزوا من الانبياء المعاصي و اعتقدوا ان كل معصية كفر و جوزوا علي الانبياء الكفر و من الناس من لميجوز الكفر علي الانبياء لكنهم جوزوا اظهار الكفر تقية بل اوجبوه لان اظهار الاسلام اذا كان مفضيا الي القتل كان القاء للنفس الي التهلكة و القاء النفس الي التهلكة حرام لقوله تعالي و لاتلقوا بايديكم الي التهلكة و اذا كان اظهار الاسلام حراما كان اظهار الكفر واجبا و منع بانه لو جاز اظهار الكفر تقية لكان اولي الاوقات به وقت ظهور الدعوة لان الناس في ذلك الوقت بالكلية منكرون فكان لايجوز اظهار الدعوة لاحد من الانبياء فيؤدي الي اخفاء الدين بالكلية و الحشوية لميجوزوا الكفر و لا اظهاره و جوزوا الاقدام علي الكبائر و قوم منعوا ان تتعمد الانبياء الكبيرة و جوزوا تعمد الصغائر و اصحابنا منعوا الكبائر مطلقا سواء كان عمدا او سهوا و جوزوا الصغائر سهوا لا عمدا انتهي ، اقول اذا نظرت الي اقوال المخالفين ( قول المختلفين خ ) من الاشاعرة و المعتزلة و الخوارج و غيرهم عرفت انهم مخالفون للامامية لان الامامية طريقتهم و اعتقادهم في هذه المسئلة كما هو مسموع من اقوالهم و مذكور في كتبهم من الاولين و الاخرين و نقله عنهم المخالف لهم و المؤالف انه يمتنع صدور الكفر و جميع المعاصي الكبائر و الصغائر قبل النبوة و بعدها اختيارا و اضطرارا عمدا و سهوا و نسيانا من جميع الانبياء و من نقل عنهم خلاف هذا فهو مفتر مباهت و اما ساير مخالفيهم فكما سمعت فمنهم من منع الكفر بعد البعثة و منهم من اجازه بعدها و قبلها و منهم من جوز الصغائر بعدها او حال [ص 29] اخسية ( او ما لا خسة خ ) فيه كسرقة حبة و لقمة و منهم من جوز مطلق الذنوب و ما تقدم من الادلة ينفي جميع ما ذكره المخالفون لمنافاة الذنب للعصمة كما تقرر ( قرر خ ) سابقا لا فرق بين الصغيرة و الكبيرة و قول فضل بن روزبهان في كتابه المذكور بعد ما نقلنا عنه سابقا حين ذكر حد العصمة للحكماء فقال و اما العصمة عند الحكماء فهي ملكة تمنع الفجور و تحصل هذه ابتداء بالعلم بمثالب المعاصي و مناقب الطاعات و تتأكد في الانبياء بتتابع الوحي اليهم بالاوامر الداعية الي ما ينبغي و النواهي الزاجرة عما لاينبغي و لا اعتراض علي ما يصدر عنهم من الصغائر سهوا او عمدا عند من يجوز تعمدها من ترك الاولي و الافضل فانها لاتمنع العصمة التي هي الملكة فان الصفات النفسانية تكون في ابتداء حصولها احوالا ثم تصير ملكات بالتدريج انتهي ، و قوله و لا اعتراض الخ ، ففيه ( فيه خ ) ان الاعتراض بل المنع قائم فان تفسيره الصغائر بترك الاولي غلط اذ المعروف من الصغائر المحرمات لا المكروهات الارشادية و التنزيهية و الصفات النفسانية اذا استقرت حتي كانت ملكات فان كانت في الابتداء تنزيهية فان تعقبها العفو لمتستقر فلاتكون ملكات و ان استقرت بترادفها كانت محرمة تنافي العصمة كما قررنا سابقا و ان كانت في الابتداء صغائر محرمات فانها تنافي العصمة ( و ان تعقبها العفو خ ) كما ذكرنا سابقا و ان لميتعقبها العفو و تكررت و لو بالعزم علي العفو فهي كبيرة منافية للعصمة و لما كان ترك الاولي قد يقع من المعصوم لميمهل الله تعالي معاتبته عليها ليندم علي فعله فيمحي عنه لئلايترادف فيكون محرما منافيا [ص 30] للعصمة فانه قبل الترادف غير مناف لها لانه كدورة بشرية قد تعرض للمعصوم بتخلية الله له ليعاتب عليها فينكسر و يخضع فيرفع الله تعالي بذلك درجته علي نحو ما ذكرنا سابقا لانه عز و جل عادته التردد في قبض روح عبده المؤمن علي انحاء شتي فيؤدب المؤمنين بما يمكن في حقهم من قوله عليه السلام لو لمتذنبوا لذهب بكم و جيء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم و قوله تعالي و ما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم الاية و يؤدب المعصومين بما يمكن في حقهم بترك الاولي الجائز الترك ليرفع درجتهم من قوله تعالي مااصاب من مصيبة في الارض و لا في السماء الا في كتاب من قبل ان نبرأها الايات و لما كان المخالفون قد اخطأوا اختلفت عباراتهم و اقوالهم فاذا عبروا عما عندهم من الاعتقاد انتقض بالدليل فاذا ناقضه الدليل سلكوا الجمع بين قولهم و اعتقادهم و كان بعض الاشاعرة اذا نقض عليهم بعض دعويهم تجويز المعاصي و الكفر من بعضهم و ساير الذنوب قبل الوحي و تجويز الصغائر بعد الوحي و مثل ما نقل في شرح منهاج الاصول ادعي خلاف ذلك كما نقلته من عبارة بعضهم في اول هذا الفصل بقولي و اتفق الجمهور بالقول الصريح و قولي بالقول الصريح اريد به ان هذا القائل قد يقول بهذا اعني دعوي الاتفاق و يأتي في خلال كلامه بما ينافي تصريحه اولا .