[ص 1]

رسالة حيوة النفس

في بعض ما يجب علي المكلفين من معرفة اصول الدين

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحسائي انه قد التمس مني بعض الاخوان الذين تجب طاعتهم ان اكتب لهم رسالة في بعض ما يجب علي المكلفين من معرفة اصول الدين اعني التوحيد و العدل و النبوة و الامامة و المعاد و ما يلحق بها بالدليل و لو اجمالا لا بالتقليد علي ما يظهر من ذلك مما يحتمله عوام الناس فاجبتهم الي ذلك علي ما انا عليه من كثرة الاشغال و دواعي الاعراض و ملازمة الامراض اذ لايسقط الميسور بالمعسور و الي الله ترجع الامور و سميت هذه الرسالة حيوة النفس في حضرة القدس و رتبتها علي مقدمة و خمسة ابواب و خاتمة كل باب يشتمل علي فصول .

اما المقدمة فاعلم ( اعلم خ‌ل ) ان الله سبحانه لم‌يخلق العباد عبثا لانه حكيم و الحكيم لايفعل ما لا فائدة فيه و لما كان غنيا غير محتاج لان المحتاج محدث كانت فائدة خلقه للخلق راجعة اليهم ليوصلهم الي السعادة الابدية و ذلك متوقف علي تكليفهم بما يكون سببا لاستحقاق السعادة الابدية و لو لم‌يكلفهم لمااستحقوا شيئا و لو اعطاهم بغير عمل ( بغيره خ‌ل ) كان عبثا و قد ثبت انه حكيم لايفعل العبث قال تعالي افحسبتم انما خلقناكم عبثا و انكم الينا لاترجعون و لما اراد خلقهم انعم عليهم كرما لانهم لايكونون شيئا الا بنعمته ( بنعمه خ‌ل ) فلما انعم عليهم وجب عليهم شكر النعم و لايمكنهم شكر نعمه حتي يعرفوه لئلايفعلوا ما لايجوز عليه فشكر نعمه متوقف علي معرفته [ص 3] و معرفته متوقفة علي النظر و التفكر في آثار صنعه و النظر و التفكر متوقف علي الصمت يعني الاعراض بالقلب عن الخلق فاول الواجبات علي المكلفين الصمت كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلم فاذا صمت عن الخلق تمكن من النظر و هو الواجب الثاني و به يتمكن من المعرفة فمن ترك الواجب الاول من المكلفين فقد ترك الواجب الثاني و من تركه فقد ترك معرفة الله و توحيده و عدله و نبوة انبيائه و امامة خلفاء انبيائه عليهم السلم و معرفة المعاد و رجوع الارواح الي الاجساد و من ترك ذلك فليس بمؤمن بل و لا مسلم و كان في زمرة الكافرين و استحق العذاب الاليم الدائم المقيم و المراد بالمعرفة التي لايثبت الاسلام الا بها اعتقاد وجود صانع ليس بمصنوع و الا لكان له صانع و معرفة الصفات التي تثبت لذاته و هي ذاته و الا لتعددت القدماء و الصفات التي تثبت لافعاله و معرفة الصفات التي لاتجوز عليه لانها صفات خلقه و الصفات التي لاتجوز علي افعاله لانها صفات افعال خلقه و معرفة عدله لانه سبحانه غني مطلق فلايحتاج الي شئ و عالم مطلق فلايجهل شيئا و معرفة نبوة نبينا محمد صلي الله عليه و آله و نبوة جميع الانبياء عليهم السلم لانهم الوسائط بين الله سبحانه و بين عباده و المبلغون عنه تعالي اليهم و معرفة خلفائهم عليهم السلم لانهم حفظة شرائعهم فهم حجج الله بعدهم و معرفة بعث المكلفين و حشرهم الي مالك يوم الدين و ذلك علي ما نذكره من تعليم الله تعالي لعباده معرفة ذلك علي السن حججه عليهم السلم كل ذلك بالدليل و لو [ص 4] مجملا كما يأتي ان شاء الله تعالي .

الباب الاول

يجب علي كل مكلف ان يعرف ان الله سبحانه موجود لانه اوجد العالم و لو كان معدوما لم‌يوجد غيره و انه سبحانه باق لاستمرار تجدد آثاره و الاثر لايحدث بنفسه الا بمؤثر يحدثه فالاثر يدل علي المؤثر و هو الله سبحانه و لايصح تغيره تعالي عن حاله و هو كونه موجودا باقيا مؤثرا فيما سواه و الا لكان كسائر خلقه يتغير و يفني فيكون وجوده من غيره فيكون حادثا يحتاج الي من يحدثه فلما وجدنا الآثار وجدناها تدل علي وجود مؤثر و هو الله سبحانه و مثال الاستدلال بذلك مثل اشعة السراج فانها ما دامت موجودة تدل علي وجود محدث لها و هو السراج و لو لم‌يكن موجودا لم‌يوجد شيئا ( شئ خ‌ل ) منها و الدليل علي ان السراج دائم الاحداث للاشعة و انها محتاجة اليه في كل حال لاتستغني ( لايستغني خ‌ل ) عنه لحظة انها لاتوجد بدونه و لاتفقد عند ظهوره كذلك جميع الخلق التي هي آثاره تعالي بالنسبة الي صنعه علي هذا النحو و لله المثل الاعلي .

فصل - و يجب علي كل مكلف ان يعتقد انه عز و جل قديم بذاته لم‌يجر عليه العدم في حال و لايكون مسبوقا بالغير لانه اذا لم‌يكن قديما كان حادثا اذ لا واسطة بين القدم و الحدوث معقولة و قد ثبت انه ليس بحادث لاستلزام الحادث وجود محدث له و لانه لو لم‌يكن قديما لجري عليه العدم في بعض الاحوال فتختلف احواله و من اختلفت ( اختلف خ‌ل ) احواله فهو حادث يحتاج الي من يحدثه و لانه لو لم‌يكن قديما لكان حادثا مسبوقا [ص 5] بمن يحدثه تعالي الله عن ذلك و لانه لو لم‌يكن قديما بذاته لكان وجوده مستفادا من غيره فيكون محتاجا الي ذلك الغير .

فصل - و يجب ان يعتقد انه تعالي دائم ابدي لانه عز و جل واجب الوجود لذاته بمعني انه وجوده هو ذاته بلا مغايرة فوجوب الوجود بالذات يستلزم الدوام الابدي لان القدم و الازل و الدوام و الابد و الاولية بلا اول بالذات و الآخرية بلا آخر بالذات شئ واحد بلا مغايرة لا في الذات و لا في الواقع و لا في المفهوم و الا لكان تعالي شانه متعددا مختلفا فيكون حادثا و اما اختلافها في المفهوم فهو المفهوم اللفظي الظاهري المستعمل لتفهيم عوام المكلفين و لايراد من هذه الالفاظ المتعددة المختلفة الا مفهوم واحد يقصد منه معني واحد و الا لكان معروفا بالكثرة و الاختلاف و من كان كذلك فهو حادث فقولي يستلزم الدوام عبارة لفظية لاجل التفهيم فنريد من كل واحد منها نفس ما تريد من الاخر و الا فقد وصفته بالصفات المختلفة و من كان كذلك فهو حادث .

فصل - و يجب ان يعتقد انه عز و جل حي لانه احدث الحيوة و احدث الاحياء و يستحيل في العقول ان يحدث الحيوة و الاحياء من ليس بحي فلما رأينا من بعض مصنوعاته الحيوة و الاحياء المتصفين بها علمنا ان صانعها حي و قد ثبت انه قديم فحياته ان كانت حادثة لم‌يكن هو حيا قبل حدوثها و تكون حينئذ مستفادة من الغير و ذلك حال المصنوع فثبت انها قديمة ثم ان كانت حياته مغايرة لذاته و لو بالفرض تعددت القدماء [ص 6] و هو باطل كما يأتي في دليل التوحيد ان شاء الله تعالي فيجب ( فوجب خ‌ل ) ان تكون حياته عين ذاته اذ لا واسطة بين كونها عين ذاته و بين كونها غير ذاته فاذا انتفي التعدد و المغايرة ثبتت ( تثبت خ‌ل ) الوحدة .

فصل - و يجب ان يعتقد انه عز و جل عالم بدليل انه خلق العلم في بعض خلقه و العالم المتصف به و من لم‌يكن عالما لم‌يصح ان يصنع من هو عالم بما يصنع فيه من العلم و لانه صنع الافعال المحكمة المتقنة الجارية علي مقتضي غاية الحكمة و نهاية الاستقامة و من لم‌يكن عالما لم‌يصدر عنه مثل ذلك و علمه قسمان علم قديم هو ذاته و علم حادث و هو الواح المخلوقات كالقلم و اللوح و انفس الخلائق فاما العلم القديم فهو ذاته تعالي بلا مغايرة و لو بالاعتبار لان هذا العلم لو كان حادثا كان تعالي خاليا منه قبل حدوثه فيجب ان يكون قديما ثم لايخلو اما ان يكون هو ذاته بلا مغايرة او لا فان كان هو ذاته بلا مغايرة ثبت المطلوب و ان كان غير ذاته تعددت القدماء و هو باطل و اما العلم الحادث فهو حادث بحدوث المعلوم لانه لو كان قبل المعلوم لم‌يكن علما لان العلم الحادث شرط تحققه و تعلقه ( تعقله خ‌ل ) ان يكون مطابقا للمعلوم و اذا لم‌يوجد المعلوم لم‌تحصل المطابقة التي هي شرطه و ان يكون مقترنا بالمعلوم و قبله لم‌يتحقق الاقتران و ان يكون واقعا علي المعلوم و قبله لم‌يتحقق الوقوع و هذا العلم الحادث هو فعله و من فعله و هو من جملة مخلوقاته و سميناه علما لله تبعا لائمتنا عليهم السلم و اقتداء بكتاب الله حيث قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و قال [ص 7] قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ .

فصل - و يجب ان يعتقد انه عز و جل قادر مختار اما انه تعالي قادر فلأنه تعالي غني مطلق و كل ما سواه محتاج اليه في كل شئ لتوقف وجودها علي فعله اذ لا وجود لها من نفسها و الا لاستغنت عنه دائما و لاجل كونه قادرا علي كل شئ اعطاها ( اعطاها علي خ‌ل ) ما سألته بلسان استعدادها و لو لم‌يكن قادرا لمااعطي كل شئ خلقه لعجزه عما يحتاج ( تحتاج خ‌ل ) اليه او بعضه و العاجز محتاج الي القادر فيكون محدثا تعالي عن ذلك و اما انه مختار فلأنه خلق الاختيار و المختار و من ليس بمختار لايصدر عنه من هو مختار و لأنه اخر بعض مصنوعاته عن بعض مع قدرته علي تقديم ما اخر و تأخير ما قدم لنسبة ذاته الي جميع الاشياء علي السواء و لو كان موجبا لم‌يتخلف شئ من آثاره عنه .

فصل - و يجب ان يعتقد انه تعالي عالم بكل معلوم و قادر علي كل مقدور لان نسبة جميع المعلومات و المقدورات في الاحتياج اليه علي السواء و غني ذاته عن كل ما سواه فلاتكون بشئ اولي منها بآخر و لو كان تعالي عالما بشئ دون آخر و قادرا علي شئ دون آخر لاختلفت ( لاختلف خ‌ل ) نسبته اليها و المختلف احواله و نسبه حادث متغير ( فيتغير خ‌ل ) تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا .

فصل - و يجب ان يعتقد انه سبحانه سميع بغير آلة بصير بلا جارحة ، اما انه سميع فلأن كل ما سواه متقوم بامره صادر عن صنعه اما بالذات او بالتقدير و من جملتها المسموعات فهي حاضرة عنده في ملكه الذي [ص 8] اقامه بقيومية امره و فعله كما قال تعالي و اسروا قولكم او اجهروا به انه عليم بذات الصدور الايعلم من خلق فسمعه للمسموعات عبارة عن حضورها لديه و علمه بها علي ما هي عليه و ليس ذلك حاصلا له بواسطة آلة و الا لكان محتاجا اليها في ادراكه المسموعات و قد ثبت انه غني مطلق و انما حصل له ذلك بحضورها لديه حال كونها قائمة بامره و ليس لها حال غير ذلك و الا لتقومت بنفسها من دون امره و هو باطل و هذا الحضور هو علمه بها الحضوري و هو سمعه الحضوري و اما سمعه القديم فهو ذاته و يحيط بها في اماكنها لا في ذاته تعالي ان يكون محلا للحوادث و الكلام في بصره تعالي و ادراكه للمبصرات كالكلام في السمع في ( من خ‌ل ) جميع الاحوال و سمعه و بصره القديمان عين ذاته بلا تعدد الا في اللفظ كما تقدم في العلم لان السمع و البصر و العلم شئ واحد و متعلقهما ( متعلقها خ‌ل ) متعدد فان المسموع هو الاصوات و المبصر هو الالوان و الاعراض و المعلوم هو الموجود .

فصل - و يجب ان يعتقد انه تعالي واحد لا شريك له لانه كامل مطلق و غني مطلق فيكون كل ما سواه محتاجا اليه فيكون متفردا بالالوهية و لو فرض معه اله وجب ان يكون مستغنيا عنه تعالي و الا لم‌يكن الها و لو كان من فرض شريكا له تعالي محتاجا اليه عز و جل لكان اكمل لكماله المطلق من كون ذلك الشريك مستغنيا عنه تعالي و اتم لغناه المطلق ففرض وجود شريك مستغن عنه تعالي نقص في كماله و غناه فلايكون له شريك لاستلزام التعدد حصول النقص في الكمال المستلزم للحدوث و لانه [ص 9] لو كان له شريك في ازليته لوجب ان يكون بينهما فرجة قديمة وجودية لتحقق الاثنينية فيكونون ثلثة و تلزم الفرج القديمة بينهم فيكونون خمسة و هكذا بلا نهاية و هو باطل و لانه لو كان معه شريك في ازليته لاشتركا في الازل و اختص كل واحد بما يميزه عن الاخر فيتركب كل واحد منهما مما اشتركا فيه و مما تميز به و المركب حادث و لانه لو كان معه شريك في ازليته لميز كل واحد صنعه عن صنع غيره و الا لم‌تثبت الشركة و لاقتضت ذات كل منهما العلو علي الاخر و الا لم‌يكن الها و ذلك كما قال تعالي اذا لذهب كل اله بما خلق و لعلا بعضهم علي بعض و اعلم انه واحد في اربعة ( اربع خ‌ل ) مراتب لا شريك له فيها الاولي لا شريك له في ذاته و قال الله لاتتخذوا الهين اثنين انما هو اله واحد و الثانية لا شريك له في صفاته قال تعالي ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و الثالثة لا شريك له في صنعه هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه و الرابعة لا شريك له في عبادته فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا .

فصل - و يجب ان يعتقد انه تعالي مدرك بمعني انه محيط بكل شئ متسلط علي كل شئ و ذلك هو العلم و القدرة لانه قد وصف نفسه بذلك قال تعالي و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير فاللطيف الي القدرة اشارة ( فاللطيف اشارة الي القدرة خ‌ل ) و الخبير اشارة الي العلم فالادراك ( فالادراك القديم خ‌ل ) هو الذات الازلي علي نحو ما قيل في العلم و القدرة و الادراك المقارن للحوادث من صفات الافعال ثم هو سبحانه في الازل كما هو عالم و لا معلوم كذلك هو مدرك و لا مدرك [ص 10] و هذا حكم صفات الذات لانها نفس الذات بلا مغايرة .

فصل - و يجب الايمان و الاعتقاد بانه سبحانه مريد لانه سبحانه وصف نفسه بذلك فلما وجدنا ان الارادة لاتكون الا و المراد معها لانها لاتنفك عنه علمنا بانه تعالي وصف نفسه بانه مريد بواسطة فعله و هذا يدل علي انها من صفات الافعال و لو كانت من صفات الذات لكانت هي الذات لعدم التعدد في الذات و لو كانت كذلك لماجاز نفيها لان نفيها اذا كانت هي الذات او من صفات الذات نفي للذات مع انه تعالي وصف نفسه بنفيها عنه قال تعالي اولئك الذين لم‌يرد الله ان يطهر قلوبهم فلو كانت الارادة هي الذات لكان نفي الارادة نفي الذات و ايضا الصفة ان كانت توصف الذات بها و بضدها فهي من صفات الافعال لان الافعال لها ضد و صفاتها ( صفاتها لها خ‌ل ) ضد فان ( و ان خ‌ل ) كانت لاتوصف الذات بها و بضدها فهي من صفات الذات لان الذات لا ضد لها فالاول مثل الارادة و الكراهة فانه يقال هو مريد و كاره فتكونان من صفات الافعال و الثاني مثل العلم و القدرة فانه لايقال عالم و جاهل و قادر و عاجز فيكونان من صفات الذات فالقول بحدوث الارادة هو مذهب اهل البيت عليهم السلم و عليه اجماعهم و هو الحق فالارادة هي فعله تعالي و كذلك الكراهة فانها صفة فعله قال تعالي و لكن كره الله انبعاثهم .

فصل - و يجب الايمان بانه تعالي متكلم لانه وصف نفسه بذلك قال تعالي و كلم الله موسي تكليما فلما وجدنا ان الحكيم لايخاطب بما لايعرف ( لايعرفه خ‌ل ) المخاطب و نحن لانفهم من الكلام الا انه الحروف و الاصوات المسموعة [ص 11] المنتظمة المركبة و قد اجمع اهل اللغة علي ان ذلك هو معني الكلام و هي ( هو خ‌ل ) الاصوات و الحروف المؤلفة المتجددة المتصرمة و قد وصف نفسه بذلك قطعنا بانه تعالي انما اسنده الي نفسه بواسطة الفعل بحدثه ( بالفعل يحدثه خ‌ل ) فيما شاء من خلقه من حيوان و نبات و جماد و هو حادث لانه مركب مؤلف و كل مركب فهو حادث و لقوله تعالي مايأتيهم من ذكر من ربهم محدث الآية .

فصل - و يجب علي كل مكلف ان يعتقد انه ليس كمثله شئ فليس بجسم و لا عرض و لا جوهر و لا مركب و لا مختلف و لا في حيز و لا في جهة لان هذه صفات الخلق و لايصح علي الخالق سبحانه اما انه ليس كمثله شئ فلان وجود المشابه يستلزم ان يكون شريكا له في الصفات الذاتية و ذلك يقتضي النقص في ذاته تعالي لان عدم النظير اكمل فيكون وجوده نقصا و من يجوز عليه النقص يجوز ( تجوز خ‌ل ) عليه الزيادة و من كان كذلك فهو متغير او ممكن التغير فيكون حادثا و اما انه ليس بجسم فلان الجسم مركب محتاج الي اجزائه و الي محل يحل فيه و المحتاج حادث مصنوع و اما انه ليس بعرض فلان العرض يحتاج في تحققه و قيامه الي الجوهر او الجسم و لايستغني عنه و المحتاج حادث مصنوع و اما انه ليس بجوهر فلان الجوهر سواء كان جوهرا فردا علي قول من اثبته و هو الذي لايقبل القسمة طولا و عرضا و عمقا ( طولا و لا عرضا و لا عمقا او خطا و هو الذي يقبل القسمة طولا او سطحا و هو يقبل القسمة طولا و عرضا او جسما و هو الذي يقبل القسمة طولا و عرضا و عمقا خ‌ل ) محتاج الي المحل و يلزمه الحركة بالانتقال عنه و ( او خ‌ل ) السكون باللبث فيه و كل ذلك حوادث لايحل ( لاتحل خ‌ل ) الا في الحوادث و اما انه ليس بمركب فلان المركب محتاج الي [ص 12] اجزائه و المحتاج حادث و اما انه ليس بمختلف فلان المختلف انما يكون كذلك بتباين اجزائه او احوال ذاته و كلا الامرين موجب للتركيب المستلزم للحدوث و اما انه ليس في حيز فلان من هو في حيز مشابه ( متشابه خ‌ل ) للحيز فهو من جنسه فيكون حادثا و لانه اما لابث فيه فيكون ساكنا او منتقل عنه فيكون متحركا و كل من كان كذلك فهو حادث لاستلزام كل منهما له المسبوقية بالآخر و اما انه ليس في جهة فلان من كان في جهة يلزمه السكون او الحركة و يلزمه الحواية و التحديد و الحصر في بعض دون بعض و الخلو منه في غير تلك الجهة و كونه شاغلا للجهة التي هو فيها و كل من يلزمه شئ من هذه الامور فهو حادث .

فصل - و يجب ان يعتقد انه سبحانه لا في شئ ( شئ و لا فيه شئ خ‌ل ) و لا من شئ و لا منه شئ و لا علي شئ و لا عليه شئ و لا فوق شئ و لا تحت شئ و لاينسب الي شئ و لاينسب اليه شئ لان ذلك كله صفات الحوادث اما انه لا في شئ فلأنه لو كان في شئ لكان محصورا و المحصور حادث و لكان اما لابثا فيه فيكون ساكنا و اما منتقلا ( منتقلا عنه خ‌ل ) فيكون متحركا و اما انه لا فيه شئ فلأنه لو كان فيه شئ لكان محلا لغيره سواء ان كان ذلك الغير قديما ام ( او خ‌ل ) حادثا فيكون مشغولا بالغير و المشغول بالغير حادث و اما انه لا من شئ فلأنه لو كان من شئ لكان جزء من ذلك الشئ فيكون مولودا و المولود حادث ( فيكون مولودا حادثا خ‌ل ) و اما انه لا منه شئ فلأنه لو كان منه شئ لكان ذلك الشئ جزءا منه فيكون والدا له فيكون حادثا و اما انه لا علي شئ فلأنه لو كان علي شئ لكان الشئ حاملا له فيكون اقوي منه و اما انه لا [ص 13] عليه شئ فلأنه لو كان عليه شئ لكان اعلي منه فيكون اقوي و اما انه لا فوق شئ فمثل كونه في شئ و اما انه لا تحت شئ فكمثل كون شئ فيه و اما انه لاينسب الي شئ و لاينسب اليه شئ فلان النسبة علي الفرضين اقتران ممتنع من الازل لانه من صفات المصنوعين .

فصل - و يجب ان يعتقد انه سبحانه لايحل في شئ و لايتحد بغيره اما انه سبحانه لايحل في شئ فلان الحلول عبارة عن قيام موجود بموجود آخر علي سبيل التبعية كقيام الاعراض بالاجسام او علي سبيل الظهور كقيام الارواح بالاجسام فلو فرض انه حال بشئ لكان محتاجا اليه و متقوما به فيكون حادثا و اما انه سبحانه لايتحد بغيره فلان الاتحاد ان فسر بما احاله العقل كما قالوا و هو ان يصير الشيئان الموجودان شيئا ( شيئا واحدا خ‌ل ) من غير زيادة و لا نقصان و الانفعال ( لا انفعال خ‌ل ) من احد منهما فهو محال حصوله فكيف يوصف به الوجوب الحق و ان فسر بصيرورة الشئ شيئا آخر فانقلاب ( بانقلاب خ‌ل ) و استحالة فهذا و ان جاز في الممكن الا انه يستحيل في الواجب تعالي لانه تحول الشئ من حالة ( حال خ‌ل ) الي اخري و الواجب عز و جل لايتحول عن حالة و الذي يتحول حادث متغير .

فصل - و يجب ان يعتقد انه تعالي تستحيل عليه الرؤية في الدنيا و الآخرة لان الرؤية ان كانت بالقلب و اريد بالمرئي هو الذات البحت فهو باطل لان الذات البحت لاتدركها البصائر لانها لاتحوم حول حجاب عظمته تعالي فلايدركه لذاته الا هو عز و جل و ان اريد بالمرئي آياته و آثار افعاله فالقلوب تدرك آياته لانه تعالي تجلي للقلوب بعظمته فتعرف [ص 14] الدليل عليه و ان كانت الرؤية بالبصر الحسي فلاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار لان شرط ادراك البصر للاشياء ان يكون المرئي مقابلا او في حكم المقابل كالرؤية بالمرآة و ان لايكون ( الايكون خ‌ل ) بعيدا ( بعيدا او خ‌ل ) قريبا بعدا و قربا مفرطين و ان يكون مستنيرا و ان يكون في جهة و الله سبحانه ليس معزولا عن شئ فلايكون مقابلا و لا في حكم المقابل و ليس الله بقريب و لا ببعيد ( بعيد خ‌ل ) بل هو ابعد من كل شئ و اقرب من كل شئ و بعده و قربه غير متناهيين فهما فوق الافراط و ليس مستنيرا من غيره و لا في غيره و لتكن ذاته مدركة بل ظهوره يمحو ما سواه فان تجلي محا ما سواه و ان لم‌يتجل لم‌يقدر احد ان يراه و ليس في جهة فيكون محصورا فيها فلاتمكن رؤيته لان شروط الرؤية لاتجري عليه تعالي و لان ما سواه في الامكان في الدنيا و الآخرة و من ( من كان في خ‌ل ) الامكان لايدرك من ( من في خ‌ل ) الازل فلايصح رؤيته لا في الدنيا و لا في الآخرة .

فصل - و يجب ان يعتقد انه سبحانه و تعالي لايدرك بشئ من الحواس الظاهرة السمع و البصر و الذوق و الشم و اللمس و لا من الحواس الباطنة الحس المشترك و الخيال و المتصرفة و الواهمة و الحافظة لانه عز و جل لايشابه شيئا منها و لايجانسه و الشئ انما يدرك ما هو من جنسه و يشابهه كما قال اميرالمؤمنين صلوات الله عليه انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و قال تعالي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و قال تعالي و لايحيطون به علما و ذلك لان الحواس الظاهرة و الباطنة انما تدرك المحدود و المكيف و المصور و المميز و هو عز و جل لا حد [ص 15] له و لا كيف له و لا صورة له و لا مميز له تعالي الله عن جميع صفات خلقه علوا كبيرا .

الباب الثاني

في الاصل الثاني و هو العدل و هو عبارة عن افعال الله عز و جل ( و هو عبارة عن حكم ما يؤل الي افعاله عز و جل خ‌ل ) العامة المنوطة بالمكلفين في دار التكليف من الاوامر و النواهي و في دار الجزاء من الثواب و العقاب و العدل لغة ضد الجور و هو عبارة عن التساوي فافعاله تعالي تتعلق بالمكلفين في الدنيا علي جهة العدل بمعني انه لايكلفهم الا بما يطيقون مما فيه صلاحهم بان يكون جزاؤهم يزيد علي قدر التكليف في الطاعة و قدر ( بقدر خ‌ل ) فعل المكلف في المعصية لتحصيل ( لتحصل خ‌ل ) فائدة في تكليفهم و في خلقهم فيها منفعتهم لانه تعالي غني عن كل ما سواه و انما ترجع فائدة التكليف اليهم و لما كان عز و جل لاتجري عليه احوال خلقه كان رضاه عبارة عن فضله و كان غضبه عبارة عن عدله لانه لم‌يغضب علي من عصاه لاجل انه عصاه فهو يتشفي ممن عصاه و انما غضبه في الحقيقة عبارة عن ايجاد ( ايجاده خ‌ل ) المسببات باسبابها فالمعصية سبب تام لايجاد العقوبة الخاصة بها فيوجد الله سبحانه تلك العقوبة بمقتضي تلك المعصية الا ان يعفو اذا شاء و لان عفوه مانع من ذلك المقتضي فاذا لم‌يحصل مانع من عفوه تعالي تمت سببية المعصية فخلق ( فخلق الله خ‌ل ) بها تلك العقوبة و هو حقيقة غضبه و ليس غضبه كغضب خلقه من غليان دم القلب فينبعث عنه الانتقام لتشفي المخلوق و هو تعالي عن صفات خلقه و اما حكم افعال ( افعال العباد خ‌ل ) الاختيارية فهي التي في امكان المكلف و قدرته ان يفعله و يفعل ضده فاعلم ان الاشياء [ص 16] كلها من جميع المخلوقات من الذوات و الصفات و الافعال انما تتقوم و تكون شيئا بامر الله سبحانه فليس شئ منها يستقل من نفسه ( بنفسه لا في ذاته خ‌ل ) و لا في فعله و لما اراد من العباد طاعته و امتثال امره و لم‌يتمكن المكلف من فعل الطاعة الا اذا كان متمكنا من تركها فيفعلها باختياره خلقه من نور و ظلمة و جعله منهما متمكنا من ( من فعل خ‌ل ) الطاعة و المعصية فالعبد و افعاله قائمة بامر الله سبحانه فليست شيئا الا بامر الله الا انه هو فاعل فعله من غير ان يكون مشاركا فيه فمن قال بان الفاعل للفعل الصادر من العبد هو الله سبحانه من خير و شر ليس للعبد في شئ من افعاله مدخل و لا سبب بل هو فاعل لفعل العبد و سببه كما خلق ( فكما هو خالق خ‌ل ) العبد كذلك ( كذلك هو خ‌ل ) خالق افعاله كما تقول ( تقوله خ‌ل ) الاشاعرة فقد نسب الله تعالي الي الظلم حيث يلزمهم انه هو اجبرهم علي المعاصي و عاقبهم عليها و من قال بان العبد هو فاعل فعله من غير مدخل لغيره في شئ من ذلك بل هو مستقل بفعله لا مانع له منه و لا صاد عنه و الا لمااستحق ثوابا و لااستوجب عقابا فقد عزل الله سبحانه عن ملكه و اخرجه عن سلطانه كما تقول ( تقوله خ‌ل ) المفوضة من المعتزلة و الفريقان خارجان عن طريق الحق و الصراط المستقيم فان الاولين مفرطون و الآخرين مفرطون و الحق في القول بالحكم الاوسط كما قال جعفر بن محمد عليهما السلم لا جبر و لا تفويض بل امر بين امرين ، يعني لا جبر بان يقال ان الله عز و جل اجبر العباد علي المعاصي فانه لو كان كذلك لماجاز ان يعذبهم علي معاصيهم و الا لكان ظالما و ما ربك بظلام للعبيد و لا تفويض بان يقال انه سبحانه فوض الي [ص 17] العباد و ليس له امر في افعالهم فانه لو كان كذلك لكان في ملكه ما لم‌يقدر ان يكون ( تكون خ‌ل ) فيكون معزولا عن ملكه و سلطانه بل امر بين امرين يعني ان العبد هو الفاعل لفعله علي جهة الاختيار من غير اكراه و لا اجبار و لكن بتقدير الله سبحانه الساري في فعل العبد فبدون القدر لم‌يتم فعل العبد و لم‌يمض و معني هذا ان الله سبحانه حافظ للعبد و لما يصدر منه من افعاله اذ بدون حفظ الله لايكون العبد و لا افعاله شيئا فما دام محفوظ البقاء هو و افعاله فهو شئ و افعاله الصادرة عنه شئ فالعبد المحفوظ فاعل لفعله علي الاستقلال من غير مشاركة مع الله تعالي فمعني قولنا ان العبد فاعل لافعاله بالله لا بدون الله و لا مع الله هو ما اشرنا اليه فانه طريق مظلم و بحر عميق فتفهم ما ذكرنا لك اذ ليس غيره الا جبر او تفويض و هذا هو العدل في افعال العباد فان عصوا فباختيارهم و بموافقة قدر الله و لو شاؤا اطاعوا فلما اختاروا المعصية اجري عليهم لازمها من العقاب و لم‌يظلمهم لقدومهم علي المعصية من غير اضطرار و ان اطاعوا فباختيارهم و بموافقة قدر الله و لو شاؤا عصوا فلما اختاروا الطاعة اجري عليهم لازمها من الثواب و استحقوا الثواب لقدومهم علي الطاعة من غير اضطرار فيكون معصيتهم بموافقة قدر الله ( الله التي خ‌ل ) لاتكون بدون هذه الموافقة و لم‌يلزمهم الجبر لتمكنهم حينئذ من الطاعة بموافقة قدر الله فاختيارهم لاحد الفعلين لايفارقه القدر لانه لايتم بدون القدر فكان العباد مستقلين بفعل خيرهم و شرهم مع تقدير الله لاي الفعلين اختاروا فلم‌يفعلوا الا بتقدير الله و ليس هذا التقدير تقدير حتما ( حتم خ‌ل ) و انما [ص 18] هو تقدير اختيار فافهم .

الباب الثالث

في النبوة . اعلم ان الله سبحانه لما كان غنيا مطلقا لم‌يحتج الي شئ فخلق بمقتضي كرمه و فضله خلقا احب ان يوصلهم الي ما شاء من فواضل كرمه و لما كان حكيما وجب ان يكون ما تفضل به جاريا علي مقتضي الحكمة فكلف خلقه بما يستحقون به نيل تلك الفواضل علي وجه يخرج تفضله عن العبث و لما كان سائر الخلق لايعلمون ما فيه صلاحهم لان ذلك لايعلمه الا الله سبحانه و كان عز و جل لاتدركه الابصار و لايقدر الخلق علي التلقي منه عز و جل وجب في الحكمة ان يختار من خلقه قويا يقدر بمعونة الله سبحانه علي التلقي منه سبحانه ليؤدي الي الخلق عن الله عز و جل معاني ( يعاني خ‌ل ) ما يريد منهم مما فيه صلاح دنياهم و آخرتهم لان ذلك لطف بهم يتوقف داعي ارادته تعالي بهم صلاح نظامهم في النشئتين علي ذلك اللطف فيكون واجبا في الحكمة و هو النبي صلي الله عليه و آله و لما اقتضت الحكمة ايجاد الخلائق في اوقات متعددة متعاقبة و كانوا مشتركين فيما خلقوا له و فيما يراد منهم وجب في الحكمة ان يبعث سبحانه في كل امة رسولا منهم ليؤدي اليهم و يبلغهم ما يريد الله منهم لانهم لايعلمون الا ما علمهم ( علمهم الله خ‌ل ) حتي انتهت النبوة الي نبينا محمد بن عبدالله ( عبدالله خاتم النبيين خ‌ل ) صلي الله عليه و آله .

فصل - لما كانت النبوة من مقتضيات العدل وجب ان يكون علي اكمل وجه لتحصل فائدة البعثة و هو انه لا بد و ان يظهر الله سبحانه علي يد من بعثه الله نبيا امرا معجزا لايقع من ابناء جنسه مثله خارقا للعادة مطابقا [ص 19] لدعواه يكون من الله عز و جل تصديقا لدعواه و ان يكون صحيح النسب طاهر المولد مستقيم الخلقة مطهرا من جميع الاحوال التي تنفر القلوب منه في خلقه و خلقه بحيث لايطعن عليه اهل زمانه بشئ و ان يكون صادق القول لم‌يعهد منه كذب و لا خيانة و لا طمع في شئ من حطام الدنيا و ان يكون اعلم اهل زمانه و اتقاهم و ازهدهم و اعملهم بما يأمر و انهاهم عما ينهي مطهرا من جميع الرذائل و النقائص الظاهرة و الباطنة بحيث يعرفه اهل زمانه الذين ارسل اليهم انه لايكون فيهم له نظير في كل صفة كمال و ان يكون معصوما من جميع الذنوب الصغاير و الكبائر قبل البعثة و بعدها من اول عمره الي آخره و من السهو و النسيان و من كل شئ يتعلل به الرعية من قبول امره و نهيه او يحصل به الشك فيه او التوقف في نبوته لان حجة الله بالغة و النبوة حجة الله علي عباده و لو جاز ان يكون احد من المكلفين يجد خدشا في النبوة لماقامت حجة الله عليه و ان يكون مسددا من الله موفقا للصواب في الاعتقاد و العلم و القول و العمل لان الله سبحانه يتولاه بالطافه و الهامه الحق و يوصي ( يوحي خ‌ل ) اليه بذلك علي حسب مقامه عند الله و يقدر له ملكا يسدده و كل ذلك ارادة منه تعالي لئلاتكون للناس علي الله حجة بعد الرسل لان النبي هو الانسان المخبر عن الله بغير واسطة من البشر و لايكون حجة لله حتي يثبت عند المكلف ان قوله قول الله و امره امر الله و نهيه نهي الله و الله قادر علي فعل ما تقوم به الحجة ( الحجة له خ‌ل ) علي خلقه و بذلك يتحقق لطفه بخلقه الذي يتوقف صلاحهم عليه [ص 20] في الدنيا و الآخرة فيجب عليه فعله في الحكمة و هو تعالي لايخل بواجب لان الاخلال به قبيح و هو لايفعل القبيح لانه غني مطلق لايحتاج الي شئ .

فصل - اذا عرفت هذا فنبي هذه الامة هو محمد بن عبدالله ابن عبدالمطلب ابن هاشم ابن عبدمناف ابن قصي ابن كلاب ابن مرة ابن كعب ابن لوي ابن غالب ابن فهر ابن مالك ابن نضر ابن كنانة ابن خزيمة ابن مدركة ابن الياس ( الياس بن مضر خ‌ل ) ابن نزار ابن معد ابن عدنان صلي الله عليه و آله الطاهرين لانه ادعي النبوة و اظهر المعجز علي يديه و كل من ادعي النبوة و اظهر المعجز المطابق علي يديه فهو نبي و قد تواتر بين المسلمين و غيرهم من جميع اهل الدنيا انه قد ظهر رجل في مكة المشرفة اسمه محمد بن عبدالله صلي الله عليه و آله ادعي النبوة و اظهر الله المعجز علي يديه المطابق لدعواه المقرون بالتحدي فيكون نبيا حقا و هذا التواتر موجب للقطع الا لمن سبقت له شبهة و هذا امر متواتر بين جميع اهل الارض لانه صلي الله عليه و آله خاتم النبيين فلايكون نبي بعده و لا معه فيجب ان يكون نبيا مرسلا الي الناس كافة لانهم مكلفون و لايصح تكليفهم بغير حجة و لاتثبت لله حجة علي خلقه الا علي النحو المذكور فتثبت نبوته بالتواتر عند جميع المكلفين و اما من سبقت له شبهة فكذلك و ان كانت نفسه قد تعودت علي الانكار لان الله سبحانه يقول و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون .

فصل - و اما معاجزه التي صدق الله بها دعواه فكثيرة و قد عد علماء الامة [ص 21] منها الف معجز منها انشقاق القمر و نبع الماء من بين اصابعه و اشباع الخلق الكثير من الطعام اليسير و شكاية البعير و كلام الذراع المسموم ( المسمومة خ‌ل ) و نطق الجمادات و حنين الجذع و تسبيح الحصي في كفه و ختمه الحصي بخاتمه و غير ذلك و منها القرآن العزيز الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد و قد تحدي صلي الله عليه و آله به العرب العرباء حتي تحديهم بالاتيان باقصر سورة من مثله فعجزوا عن ذلك و لما لم‌يقبلوا منه للحمية الجاهلية صبروا علي حدود الرماح و شفار الصفاح حتي اباد مقاتليهم و سبي ذراريهم و تحملوا لبس العار و وقوع البوار و لم‌يقدروا ان يدفعوه بالاتيان بسورة مثله و هو باق الي فناء العالم قد تحدي به ما سوي الله فلم‌يطق احد من خلق الله معارضته و لم‌يكن لنبي من انبياء الله عليهم السلم معجز باق بعدهم لان نبوتهم منقطعة الا معجز نبينا صلي الله عليه و آله فانه باق ما بقي التكليف لان نبوته صلي الله عليه و آله باقية كذلك ليكون معجزه قاطعا لحجة المعترضين و المعاندين .

فصل - و هو صلي الله عليه و آله خاتم النبيين فلا نبي بعده لان الله سبحانه اخبر في كتابه فقال ماكان محمد ابا احد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين و الله سبحانه لايقع منه الكذب لانه قبيح و الغني المطلق لايفعل القبيح لعدم حاجته الي شئ و اخبر في كتابه فقال ما آتيكم الرسول فخذوه و قد اخبرنا صلي الله عليه و آله انه لا نبي بعده فيكون ذلك حقا و هو ايضا صلي الله عليه و آله افضل من سائر [ص 22] الانبياء عليهم السلم و من الخلق اجمعين لقوله صلي الله عليه و آله انا سيد ولد آدم و لا فخر و قوله لابنته صلي الله عليه و آله فاطمة عليها السلم ابوك خير الانبياء و بعلك خير الاوصياء لانه معصوم و لاينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و قال تعالي و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فيكون قوله صدقا و كونه افضل الخلق حقا و كذلك ما اجمع عليه العلماء من انه صلي الله عليه و آله سيد الكائنات و من الكلام القدسي من قوله تعالي خطابا له صلي الله عليه و آله لولاك لماخلقت الافلاك فلاجله خلق الافلاك و هو سيد ولد آدم فهو خير خلق الله اجمعين .

الباب الرابع

في الامامة . لما ثبت ان النبي (ص) ( لطف خ‌ل ) لايتم النظام و لايبقي الا به الي يوم القيمة و ( لانه (ص) خ‌ل ) هو المبلغ عن الله و المؤدي عنه تعالي الي الخلق ما به بقاؤهم ما دام التكليف و ما به سعادتهم الابدية و كان ما يؤديه عن الله سبحانه يتجدد آنا فآنا بتجدد احوال المكلفين الي يوم الدين و هو عليه السلم لايبقي الي آخر التكليف بل يجري عليه التغيير و الموت لانه صلي الله عليه و آله عبد مخلوق و لايجوز في الحكمة رفع حكم النبوة ( نبوته خ‌ل ) لانه لطف واجب ما دام التكليف وجب في الحكمة نصب خليفة يقوم مقامه و يؤدي عنه الي الامة احكامه حافظ لشريعته قائم بسنته لئلاتبطل حجة الله البالغة علي الخلق المكلفين و لا بد و ان يكون في الخليفة جميع ما ذكر في حق النبي صلي الله عليه و آله من كونه اعلم اهل زمانه و اتقاهم و اعبدهم و ازهدهم و انجبهم و غير ذلك [ص 23] و كونه معصوما من الذنوب الصغائر و الكبائر من اول عمره الي آخره و معصوما من الكذب و الخطاء و النسيان و غير ذلك من جميع ما يعتبر في حق النبي صلي الله عليه و آله الا النبوة لما ثبت انه صلي الله عليه و آله خاتم النبيين فلا نبي بعده و انما اشترط ذلك في الخليفة لانه قائم مقام نبيه صلي الله عليه و آله في جميع ما يحتاج اليه سائر المكلفين من احكامه لانه حافظ شريعته و هو لطف من الله واجب عليه تعالي في الحكمة كما وجبت النبوة علي حد واحد فلا بد ان يكون متصفا بصفات نبيه صلي الله عليه و آله بحيث يحصل للمكلفين القطع بانه حجة الله و ان قوله قول الله تعالي و قول رسوله صلي الله عليه و آله و حكمه و وجوب طاعته و التسليم له و الرد اليه علي جهة القطع و لا بد ان يكون مطهرا منزها عن كل ما يلزم منه نفرة القلوب و عدم الاطمئنان في جميع الاحوال و من كان في هذه ( بهذه خ‌ل ) الصفات لايطلع عليه الا من يطلع علي السرائر و يعلم الضمائر و هو الله وحده فليس ذلك الي احد من الخلق و لايعلم ذلك الا بنص ( بنص خاص خ‌ل ) من الله عز و جل علي شخص و ذلك لطف واجب من مقتضي العدل و القادر الحكيم عز و جل لايخل بواجب لانه قبيح و هو يتعالي عن فعل القبيح لغناه المطلق و لم‌يكن في الامة من تجتمع عليه ( فيه خ‌ل ) شروط النبوة غير كونه نبيا الا علي بن ابي‌طالب عليه السلام لانه معصوم من كل رذيلة عصم منها النبي صلي الله عليه و آله و شريكه في كل فضيلة الا النبوة و قد نص الله سبحانه عليه في كتابه فقال انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة و [ص 24] يؤتون الزكوة و هم راكعون فقد تواترت الروايات و كلام المفسرين من الفريقين بانها نزلت في علي عليه السلم حين تصدق بخاتمه و هو راكع لاينكر ذلك الا مكابر مباهت فاثبت الله عز و جل لعلي (ع) بنص كتابه العزيز ما اثبت له تعالي و لرسوله صلي الله عليه و آله من الولاية و لا معني للولي هنا الا انه اولي بهم من انفسهم في كل شئ من امور دنياهم و دينهم و آخرتهم لانها هي الولاية التي ثبتت لله تعالي و لرسوله صلي الله عليه و آله و لهذا نبه علي ذلك رسول الله صلي الله عليه و آله يوم غدير خم علي ما رواه الفريقان من طرق متعددة بلغت حد التواتر باعتراف الخصم بقوله لهم الست اولي بكم من انفسكم قالوا باجمعهم بلي يا رسول الله فقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله اقول هذا من قول ( هذا قول من قال خ‌ل ) الله في حقه ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و قال فيه فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم و قال فيه و ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و قال فيه و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين و قد روي الفريقان انه صلي الله عليه و آله قال علي اقضاكم و قال علي مع الحق و الحق مع علي يدور معه حيث ما دار و امثال ذلك فاذا ثبت انه كما سمعت و انه معصوم مسدد من الله سبحانه يدور مع الحق حيث دار ثبت انه يهدي الي الحق و لم‌يدل دليل علي ان غيره من الصحابة بهذه المثابة و لم‌يدع احد من الامة العصمة لاحد من الصحابة كما ادعيت [ص 25] له افمن ( و من خ‌ل ) يهدي الي الحق احق ان يتبع و يتخذ اماما يقتدي به لانه عليه السلم لايفارق الحق و لايفارقه الحق يدور معه حيث ما دار فهو مرضي ( نص خ‌ل ) مروي من الفريقين لاينكره احد علي انه لايكون مع باطل في حال من الاحوال و لانعني بالعصمة الا هذا فقد ثبت عند كل منصف و طالب للحق علي جهة القطع من مثل هذا الحديث و هذه الآية علي ان علي بن ابي‌طالب صلوات الله عليه و آله خليفة رسول الله صلي الله عليه و آله بلا فصل لانه يهدي الي الحق و لانه لايفارق الحق و الحق لايفارقه فهو احق ان يتبع بحكم الله سبحانه في كتابه علي عباده و من لم‌يحكم بما انزل الله فاولئك هم ( الكافرون و من لم‌يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون و من لم‌يحكم بما انزل الله فاولئك هم خ‌ل ) الفاسقون فهو الذي اذهب الله عنه الرجس و طهره تطهيرا فهو المعصوم بالنص في ( بنص خ‌ل ) كتاب الله و قول رسوله صلي الله عليه و آله و هو المنصوص عليه بالخصوص من الله و من رسوله صلي الله عليه و آله و لم‌يدع احد من المسلمين ذلك لاحد من الصحابة و الحمد لله رب العالمين .