رسالة في جواب الملا كاظم بن علينقي السمناني
عن ثلاث مسائل
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
و بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحسائي انه قد التمس مني الاكرم العالم الصفي الملا كاظم بن علينقي السمناني بلغه الله صالح الاماني انه علي كل شئ قدير الجواب عن مسائل عنونها بثلث مسائل في حال كان القلب متفرقا و البال متشتتا و اني الحري بالاعتذار لعدم الاقبال و شده تشتت البال فالح علي بالسؤال فلميسعني الا الاتيان بالميسور اذ لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور و جعلت عبارة سؤاله متنا و الجواب شرحا كما هي عادتي تسهيلا لادراك المعني المراد و تخفيفا علي نفسي في الايراد و حسبي الله و كفي .
قال سلمه الله : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي محمد و آله الطاهرين و بعد فالاستدعاء من الجناب الامجد الاب الماجد الشفيق العطوف الرؤوف الروحاني و العالم الرباني الذي انزل به الماء علي الارض الجرز فاخرج به من كل الثمرات و ساق به سحابا ثقالا لبلد ميت فانزل به الماء فاحيي به الارض بعد موتها ان يمن علي احقر عباد الله العبد المسكين كاظم بن علينقي السمناني بتحقيق اجوبة مسائل ثلث و ان كان الحقير سمع منكم مرارا الا ان البيان بتحرير الاقلام بالتفكر له وقع آخر .
الاولي منها ما المراد بكون اهل العصمة سلام الله عليهم الثقل الاصغر و كون الكتاب هو الثقل الاكبر كما في النبوي اني تارك فيكم الثقلين الثقل [ص 3] الاكبر و الثقل الاصغر فاما ( و اما خ ) الاكبر فكتاب ربي و اما الاصغر فعترتي اهل بيتي فاحفظوني فيهما فلنتضلوا ما ان تمسكتم بهما مع انهم (ع) كلام الله الناطق و الكتاب ( القرآن خ ) كلامه الصامت هذا مع انه ليس في عالم ذرات الوجود الامكانية بعد النبي صلي الله عليه و آله اعلي رتبة منهم بالعقل و النقل مع ان القرآن علمهم و العالم اعلي رتبة من العلم .
اقول انا قد قررنا في مباحثاتنا مرارا متعددة في اماكن متفرقة ان لهم (ع) ثلث مراتب الاولي مرتبة المعاني و هم في تلك المرتبة الحجاب الاعلي الذي لايظهر بالكلام و لايدرك بالافهام و انما الواجب علي كل من دنا من تلك الطلول كمال الصمت و تمام الخمول و ذلك اعلي معاني ( المعاني خ ) نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا و تلك المنازل لايمكن ان يحل بساحتها احد الا من سكن فيها و خرج منها و هي المعاني التي يسئل الانبياء ربهم بها و الاولياء يدعونه بها و هو قول الحجة عليه السلام في دعاء رجب اللهم اني اسئلك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك المأمونون علي سرك اه و في هذا المقام هم عليهم السلام اكبر من القرآن و كل شئ من خلق الله تعالي الثانية مرتبة الابواب و هم عليهم السلام فيها باب الله الذي يصدر منه الفيض الي جميع ما في الوجود المقيد بعدهم و هم عليهم السلام في هذه المرتبة مساوون للقرآن لانهم عليهم السلام الآن في رتبة العقل الاول و العقل الاول هو الملك الاعظم المسمي بالروح من امر الله و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و هو القرآن في الباطن و انما افترقا من جهة الظهور فالظهور في اللفظ قرآن و الظهور [ص 4] في الصورة الملكية روح من امر الله و قد اشار اليه سبحانه في الكتاب ( كتابه خ ) العزيز و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و انك لتهدي الي صراط مستقيم و الروح من امر الله هو الموحي اليه و هو الملك المسمي بروح القدس الاعلي و هو المجعول نورا يهدي به الله من يشاء من عباده و هو القرآن و من نظر بفؤاده في هذه الآية الشريفة عرف بدليل الحكمة انه القرآن و انه الملك الاعظم فانه هو الذي يقذف الله الوحي في قلبه و هو معهم يسددهم فلايعلمون شيئا الا بواسطته و هذا هو القرآن فان الله اخبر في مواضع متعددة انه لايعلم شيئا قبل القرآن مثل قوله تعالي ماكنت تعلمها انت و لا قومك من قبل هذا فهم عليهم السلام في مرتبة الابواب مساوون للقرآن الثالثة مرتبة الامامة و هو هذا الآدمي الظاهر الذي فرض الله طاعته علي عباده و هم عليهم السلام في هذا المقام لايعلمون شيئا الا من القرآن و ما نزل به جبرئيل و الملئكة عليه صلي الله عليه و آله في ليلة القدر و غيرها انما هو في بيان ما انطوي عليه القرآن من الخفايا و لهذا وصف الله عليا عليه السلام بالعلم في غاية الوصف حيث قال و من عنده علم الكتاب و قال ماكان حديثا يفتري و لكن تصديق الذي بين يديه و تفصيل كل شئ و هدي و رحمة لقوم يؤمنون فاخبر عن كتابه المجيد انه تفصيل كل شئ و روي ان ( عن خ ) اميرالمؤمنين عليه السلام سئل هل عندكم من رسول الله شئ من الوحي سوي القرآن قال لا و الذي فلق الحبة و برء النسمة الا ان يؤتي الله عبدا [ص 5] فهما في كتابه و قد قال في كتابه اشارة الي قصة نوح عليه السلام تلك من انباء الغيب نوحيها اليك و ماكنت تعلمها انت و لا قومك من قبل هذا يعني القرآن و قوله تعالي في قصة يوسف عليه السلام نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القرآن و ان كنت من قبله لمن الغافلين اي من قبل القرآن و قال في آخر سورة يوسف عليه السلام ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك و ما كنت لديهم اذ اجمعوا امرهم و هم يمكرون و امثال ذلك مما يدل علي ان علمهم مستفاد من القرآن و انما في الغابر و الزبور و مصحف فاطمة عليها السلام و الجفر و الجامعة و غير ذلك كله من القرآن فان الله سبحانه يقول و كل شئ احصيناه في امام مبين و من المعلوم عند العلماء مما لايختلفون فيه ان الكتاب التدويني مطابق للكتاب التكويني و لهذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام في تفسير باء بسم الله الرحمن الرحيم و لو شئت لاوقرت سبعين بغلا من تفسير باء بسم الله الرحمن الرحيم و قول الباقر عليه السلام لو وجدت لعلمي ( للعلم خ ) الذي آتاني الله عز و جل حملة لنشرت التوحيد و الاسلام و الايمان و الدين و الشرائع من الصمد الحديث ، و امثال ذلك فاذا عرفت المراد ظهر لك ان القرآن هو الثقل الاكبر في هذه المرتبة و هم الثقل الاصغر لان حكمهم تابع لحكم القرآن لا العكس و هم حملته و معني الثقل محركا الشئ النفيس المصون و سميا بذلك لان التمسك بهما ثقيل و هذا المعني في بيان كون القرآن الثقل الاكبر و هم الثقل الاصغر الحقيقي و عن ابيسعيد الخدري قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اني تارك فيكم امرين احدهما اطول من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء الي الارض طرف بيد الله و طرف بيد عترتي الا و انهما لنيفترقا حتي يردا علي الحوض فقلت لابيسعيد من عترته قال اهل بيته و العبارة عنه في الظاهر ان المراد ان [ص 6] القرآن بمنزلة العقل و هم عليهم السلام بدون العقل بمنزلة الجسم و لا ريب ان العقل اكبر من الجسم اما اذا اعتبرت العاقل فانه اكبر من العقل و العاقل هنا في هذا المثال هو المرتبة الاولي المعبر عنها بالمعاني و هنا جواب آخر لساير الناس ان الحكيم لايخاطب الناس الا بما يعرفون و الذي يعرفونه انهم عليهم السلام انما ياخذون من القرآن فيكون هو الثقل الاكبر و هو صلي الله عليه و آله اراد باهل البيت ( بيته خ ) الذين هم الثقل الاصغر ظاهرهم بين الناس و يريد به ( بهم خ ) مرتبتهم الثالثة كما قررنا فلاحظ و اما انهم عليهم السلام كتاب الله الناطق و القرآن كتاب الله الصامت كما قال علي عليه السلام فالمراد ان القرآن صامت بالحق لاينطق بالحق الا بحملته فالكتاب ينطق بالحق بلسان حامليه و الا فهو صامت و لاينتفع بالصامت و لايكون حجة حال صمته فالناطق من هذه الحيثية افضل لعموم الانتفاع به و قيام الحجة به و كون انهم (ع) ليس في ذرات الوجود بعد النبي (ص) اعلي رتبة منهم صحيح في المرتبة الاولي و اما في المرتبة الثالثة فهم عليهم السلام يتعلمون من الملئكة و من ساير الموجودات كما اخبر الميمون عليا عليه السلام و هو راكب عليه حين حفر المنافقون له حفيرة في الطريق و غطوها بالدغل فلما قرب منها اخبره حصانه بذلك و غير ذلك من الامور التي لاتتمشي الا علي احوالهم الظاهرة و القرآن مشحون في حق النبي صلي الله عليه و آله بمثل ذلك مثل قوله تعالي قل انما انا بشر مثلكم يوحي الي و قوله صلي الله عليه و آله و لو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير و مامسني السوء و في كل هذه الاحوال هم الثقل [ص 7] الاصغر و اما كون القرآن علمهم و العالم اعلي رتبة من العلم فذلك في مرتبتهم الاولي كما سبق التلويح اليه فافهم .
قال سلمه الله : المسئلة الثانية - ان يمن علي بتحقيق الكلام في حديث كميل كما ينبغي بان يتفضل علينا معاشر الطلبة بل و علي العلماء ايضا لاسيما من لا خبرة له بطريقتكم و تحقيقاتكم النفيسة بشرح كل فقرة من فقراته ببيان مراداتها المعصومية و تبيين معاني الفاظها المتداولة بين العلماء لاسيما لفظ الجلال و الاحدية و صفة التوحيد و السبحات و امثال ذلك من الالفاظ المعصومية و بالجملة شرحها كما هي دون الاكتفاء باقل بيان و ادني اشارة كما هي عادتكم الشريفة في اجوبة المسائل غالبا و هو ان اميرالمؤمنين عليه السلام اردف كميل بن زياد النخعي يوما علي ناقته التي ركب فقال كميل ما الحقيقية قال عليه السلام ما لك و الحقيقة فقال اولست صاحب سرك قال عليه السلام بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني فقال كميل اومثلك يخيب سائلا قال اميرالمؤمنين عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة فقال كميل زدني بيانا قال عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم فقال كميل زدني بيانا قال عليه السلام هتك الستر لغلبة السر فقال زدني بيانا قال (ع) جذب الاحدية لصفة التوحيد فقال زدني بيانا قال عليه السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره قال زدني بيانا فقال عليه السلام اطفئ السراج فقد طلع الصبح .
اقول المسئول عنه حقيقة معرفة الله لا حقيقة ذات الله فقال عليه السلام ما لك و الحقيقة يعني ان الله معروف بما اظهر من آثار صنعه و دل بذلك علي [ص 8] ذاته كما قال سيدالشهداء في مناجاة يوم عرفة تعرفت لكل شئ فماجهلك شئ و قال عليه السلام فيه ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار ( الاشارة خ ) هي التي توصل اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا الخ ، فاذا كان هذا حال تعرفه لخلقه فما لك تطلب ازيد مما ظهر لك بآياته و هذا تقرير منه عليه السلام علي الاكتفاء بادني معرفة بنسبة حال العارف و فيه اشارة الي ان الحقيقة لها اهل مخصوصون لست انت منهم و لعله حث منه علي الطلب لما في جوابه بالحقيقة من جلائل المنافع و المراتب العالية لاهلها ليكون جوابه منهلا يروي العارفين و يهدي المؤمنين و اتي به علي انحاء مختلفة في العبارة و ان كان معناه متحدا ليعلم كل اناس مشربهم و ينال كل قوم مطلبهم فلما قال كميل اولست صاحب سرك قرره عليه السلام علي دعواه ليستميله و لاينقطع رجاه ثم بين له ان قولك هذا لايحسن علي اطلاقه لانه ماوصل اليك من الاسرار الا ما كان عندي من ظواهر الاعتبار و طافح الآثار فلما قال اومثلك يخيب سائلا اجابه فكان كلامه عليه السلام له اولا بقوله ما لك و الحقيقة يحتمل انه اراد بذلك تعظيم ذلك في عين كميل ليستعد بكمال ( لكمال خ ) الاستعداد لا انه ليس اهلا للجواب عما سئل و يحتمل انه عليه السلام علم انه ليس اهلا و انه عليه السلام انما اجابه فيما بعد اما لينال منه بقدره و ان كان ليس اهلا لحقيقة الجواب و اما لينقله الي اهله مع ان من ليس باهل لشئ قد ينتفع بشئ منه اذ قد يكون الشخص اهلا لظاهر هذا الكلام دون [ص 9] باطنه و قد يكون الكلام موضوعا لمعان يقال عليها بالتشكيك فينتفع ببعضه و بالجملة فالذي يظهر ان السائل مع معرفته الكاملة ان الكلام الذي القاه عليه السلام اليه لايرشح عليه من معناه الا ما يطفح منه كما قال عليه السلام و كان جوابه عليه السلام له كشف سبحات الجلال من غير اشارة ، المراد بالكشف هنا الازالة من موضع نظر البصيرة و هو معني المحو الآتي و الهتك و المراد ان القلب او الخيال يلاحظ شيئا محدودا بحدود معنوية او خيالية فهو حين يتوجه اليها و يلاحظها محجوب بها محبوس في سجن الظلمات و الكثرات و الحيثيات و الفرقيات و الكيفيات مقيد بقيود التشابه و التشاكل و التشارك و التماثل و التجانس و التقارب و التباعد و الاجتماع و الافتراق و المعية و البينونة و البينية و اللمية و الانية و الابانة و التحديد و التمييز و النفي و الاثبات و الضم و التولد و التوليد و المعادلة و الافراد و الجمع و الكلية و الجزئية و الامتداد بين طرفين و بين اولية و آخرية و التجويز و الاحتمال و الفرض و الشك و اعتبار من و الي و في و علي و كان و لولا و قد الا بالتاويل و الانبساط و الاستدارة و الدخول و الخروج و العزلة و الحلول و الاتحاد و الممازجة و التقلب و الخصوص و العموم و الاطلاق و التقييد و الاستبانة و الفعل و الانفعال و الحصول و الوضع و الاين و المتي و الاضافة و النسبة و الضدية و التضاد و التخالف و التوافق و التعالي و الاعتزال و الانعزال و الفصل و الوصل و التوقيت و الانتظار و الزيادة و النقصان و الاستكمال و الحاجة و الاستنارة و الانارة و الحركة و السكون و النمو و [ص 10] الذبول و الشفافية و الكمودة و التحلل و التخلل و التفتت و التقطع و الصيرورة و الصعوبة و السهولة و الخشونة و النعومة و الصلابة و الصرابة و الرخاوة و اللين و الخرق و الالتيام و الفرح و الحزن و الضيق و السعة و المرض و الصحة و العافية و البلاء و الضحك و البكاء و النوم و اليقظة و الخلاء و الملاء و الشدة و الرخاء و الجوع و الظماء و الشبع و الري و الخلو و الامتلاء و الفراغ و الشغل و النطق و الصمت و التعرض و التعريض و الايماء و التلويح و الاشارة و اللون و التلون و المعروضية و العارضية و اللذة و النفرة و الكبر و الصغر و التوسط و الثقل و الخفة و التوسيط و التركيب و التاليف و التحول و الانقلاب و الانتقال و التغير و التبدل و الغلظ و الرقة و الجدة و العتق و الحدة و الكلال و الذكاء و البلادة و الفهم و الحمق و الجهل و العقل و التصور و التوهم و الشك و الكشف و الاستبانة و التفقه و الاحساس و اللمس و الشم و الذوق و السمع و البصر و التقدير و التقدر و الطول و العرض و العمق و القرب و البعد و الشكل و الهيكل و الشمول و الوضع و الجذب و الدفع و الهضم و المسك و امثال ذلك من الهيئات و النسب و الاضافات و الاحوال و الكيفيات في الملك و الملكوت و الجبروت فهذه و امثالها مما يقع عليه الكشف من سبحات الجلال و السبحة النور و الجلال و سبحات وجه ربنا آلاؤه و عظمته و نوره فعلي تفسير ان السبحات هي الجلال يكون المعني كشف جلال الجلال و المراد به النور اي نور الجلال و انما يسمي النور جلالا لقهاريته لكشف الظلمات فان النور اذا ظهر علي الظلمة امتنع وجودها [ص 11] معه عادتا و عقلا بالنظر الي الخلق و علي تفسير الآلاء ان كل شئ من الموجود انما هو نعمة من نعم الله علي غيره و علي نفسه و علي تفسير العظمة انه عظمة الله و مظهر عظمة الله و علي تفسير النور ان كل شئ ظاهر في نفسه عند من ادركه مظهر لغيره مما هو دليل عليه او علة له هذا في الحقيقة و لانعني بالنور الا الظاهر في نفسه المظهر لغيره و الجلال قيل هو الحجاب او القهر او العظمة و نور الجلال قيل هو الجمال و قيل الجلال نور الجمال و لهذا قالوا لجمال الله سبحانه جلال اذا بدا غيب ما انتهي اليه و قيل لجلال الله سبحانه جمال اذا بدا لشئ اشغله عن نفسه و عن غيره هذا اذا فسر الجلال بالعظمة و ان فسر بالعزة فعزة الجمال انه ليس كمثله شئ بمعني انه تعرف بجمال من خلقه لايشابهه شئ من خلقه و جمال العزة ظهور كمال او كمال ظهور او ظهور هو كمال لايتناهي في الامكان من كل جهة في كل جهة يتعالي عن جميع صفات الخلق فهو خلق لايشبهه شئ من الخلق و لايشبهه شئ من الحق قال اميرالمؤمنين عليه السلام رجع من الوصف الي الوصف و عمي القلب عن الفهم و الفهم عن الادراك و الادراك عن الاستنباط و دام الملك في الملك و انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و الجم به الفحص الي العجز و البيان الي الفقد و الجهد الي الياس و البلاغ علي القطع و السبيل مسدود و الطلب مردود ه ، و اقوي من السبحات المذكورة موضوعاتها و معروضاتها من جميع الوجودات من الاعيان كزيد و عمرو و الحجر و المدر و الجبال و التلال و القفار و الاشجار و الطيور و الدور و النبات و الحب و الثمار و المساجد و المدارس و الطرق [ص 12] و الاسواق و العقاقير و المعادن و الحاصل ساير المعادن و سائر النباتات و ساير الحيوانات و العناصر و سائر ما في الملك و ما في الملكوت و ما في الجبروت و ما في البرازخ عن اصناف الجواهر من كل ما هو ظاهر التركيب او ظاهر البساطة مما حدث عن فعل الله و كلها ايضا من سبحات الجلال و هي للاولي جلال فالاولي سبحات جلال الجلال او سبحات سبحات الجلال و علي كل تقدير فحيث تقرر في الحكمة الالهية بدليل الحكمة ان جميع ذرات الوجود من عالم الغيب و الشهادة من الجواهر و الاعراض اعراض اضافية و جواهر اضافية بمعني ان الجوهر عرض بالنسبة الي علته التي صدر عنها و هي عرض لعلتها و هكذا و كذلك نقول ان هذا الجوهر جوهر لعرضه و هذا العرض جوهر لما قام به و هذا الاعتبار صعودا و نزولا الي غير النهاية في الامكان فكل شئ من الخلق عرض لما فوقه جوهر لما تحته صح ان يقال ان المذكورات اولا سبحات سبحات الجلال و الجلال ايضا سبحة لما فوقه و ان يقال انها سبحات جلال الجلال و الجلال اذا اعتبرت انه الحجاب جاز ان يكون هو المقام و كذا اذا اعتبرت انه العظمة فيكون معني من عرف نفسه فقد عرف ربه من عرف الجلال او العظمة عرف ربه و قوله عليه السلام من غير اشارة ، فيه رفع توهم من يتوهم ان كشف هذه السبحات جوهريها و عرضيها لا بد ان يكون بدلالة الاشارة القلبية ( اشارة قلبية خ ) فلاتكون مكشوفة فابان عليه السلام انها من السبحات بقوله من غير اشارة و انما جعل الكشف للسبحات لا لمطلق الوجود لان السبحات هي الموصوفة بالوجود [ص 13] المقيد و اما النفس المشار اليها في الحديث فهي الوجود بدون القيود و اذا اعتبرته بدون اعتبار لمتكن له انية انما هو نور الله و لهذا اشار اليه بدون القيود في قوله عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و لميقل ينظر بنفسه و لا بذاته و لا بحقيقته و ذلك لانه اذا نظر الي نفس النور لميشهد فيه المنير و انما هو ظلمة و لايري المنير ظاهرا بالنور حتي ينظر الي نور المنير لا الي النور نفسه فانه ظلمة فمن وجد نفسه لميعرفها حين يجدها و اذا نظر الي الله فقدها فعرفها حينئذ فهي في المثال المذكور لمن عرفها هي الجلال و لايعرفها الا من كشف قيودها حتي الكشف لانها هي السبحات التي من كشفها من غير اشارة عرف ربه و انما قلنا فمن وجد نفسه لميعرفها لان النفس انما توجد بالقيود و هي المشخصات و مشخصات المشخصات و هكذا من اللوازم و لوازم اللوازم و منها ما يخطر علي الاوهام و يجري في الافهام و ما تتقلب فيه القلوب من مكشوف و محجوب و محبوب و مكروه فاذا ازلت القيود التي هي المعينات للنفس زال تعينها فاحرق نوره الذي هو ذلك الوجود و تلك النفس بعد ازالة تلك القيود جميع ما انتهي اليه بصره من تلك القيود و المقيدات و في الحديث عن النبي صلي الله عليه و آله ان لله تعالي سبعينالف حجاب من نور و ظلمة لو كشفها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ه ، و هذا الوجود الذي هو النفس بدون القيود سبحة من سبحات وجهه [ص 14] ذي الجلال و الاكرام و كشف الحجب بهذه السبحة و انما تحرق ما وصلت و انتهت اليه و السبحات مختلفة في الكشف علي حسب مقام السبحة و رتبتها من الوجه الباقي فكلما قربت من الوجه كانت اوسع كشفا و اشد ازالة .
و قال كمال الملة و الدين عبدالرزاق الكاشي صاحب التاويلات عفي الله عنه الحقيقة هنا هو الشئ الثابت الواجب لذاته الذي لايمكن تغيره بوجه ما و لما كان كميل قدس الله روحه من اصحاب القلوب طالبا لمقام الولاية التي هو مقام الفناء في الذات الاحدية اقتضي حاله السؤال عن الحقيقة فاجاب اميرالمؤمنين عليه السلام بما يدل علي انها مقام بعيد عن مقام صاحب القلب و هو مقام تجليات الصفات و الجلال هو احتجاب الوجه الذاتي بحجب الصفات كما ان نور الجمال هو نور الوجه من دون الحجاب و الوجه هو الذات الموجودة مع جميع لوازمها و السبحات هي الانوار و انوار تجليات الصفات هي حجب الوجه و تسمي سبحات الجمال و قوله عليه السلام من غير اشارة اي بلا اشارة و لو عقلية او روحية لانها تشعر بالاثنينية و هي عبارة عن مقام الفناء المحض اي الحقيقة و هي طلوع الوجه الباقي بكشف حجب الصفات عنه لنفي سبحات وجهه ما سواه فلاتبقي الاشارة الي شئ كما قال الله تعالي كل من عليها فان الآية و قال تعالي كل شئ هالك الا وجهه و مصداق ذلك قول النبي صلي الله عليه و آله ان لله تعالي سبعينالف حجاب من نور و ظلمة لو كشفها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه فهداه عليه السلام الي مقام الفناء و البروز من وراء حجب الصفات الي عرصة كشف الذات انتهي كلامه ، [ص 15] و لايخفي ان هذه الكلمات جارية علي طريقة اهل التصوف و القول بوحدة الوجود و فيها ما يخالف مذهب اهل العصمة عليهم السلام ما لايخفي علي من شرب بكاسهم مثل قوله ان المراد بالحقيقة الذات الواجب و مثل ان الوجه هو الذات الموجودة مع جميع لوازمها و مثل و هي طلوع الوجه الباقي بكشف حجب الصفات عنه لنفي سبحات وجهه ما سواه و مثل الي عرصة كشف الذات و غير ذلك من المفاسد التي لاتصح الا علي القول بوحدة الوجود و قول اهل التصوف و لكن لسنا بصدد بيان بطلان و الا لكنت تري ما سمعت راي العين .
قال عبدالرزاق بعد ( بعد نقل خ ) ما نقلناه عنه و لميكتف يعني كميلا بذلك لوفور استعداده و علمه بان ذلك الكشف قد يكون مع كون صاحبه في مقام التلوين و لايدل علي مقام الوحدة الا بالالتزام و ان الذات الاحدية لاتخلو من الصفات اي يلزمها دائما فاستزاد البيان فقال عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم فاشار عليه السلام الي التلوين لحسبان صاحبه وجود غيره بالتوهم و ليس وجود العين في الحقيقة الا نقشا موهوما استقر و رسخ عليه باستيلاء الوهم و سلطان الشياطين علي القلب فمن اخلصه الله من عباده محي عنه ذلك الوجود الموهوم الذي ليس الا نقشا خياليا لا وجودا حقيقيا يحتاج الي الفناء و لهذا قال بعض العرفاء :
الباقي باق في الازل و الفاني فان لميزل
و بالثاني اشار الي ان الايهام اللازم لدلالة الالتزامية هيهنا انما يكون لسلطنة القوة العقلية و اعتبار العقل بكثرة الصفات و امتناع عروجه عن الحضرة الواحدية من عرف الحق الاحدية بالطريق العلمي لميخلص عن [ص 16] حجب الصفات الي عين الذات و لميرتق عن الحضرة الواحدية الي عرصة الاحدية فلاتنكشف الحقيقة الا لمن عزل عقله بنور الحق و جن بالجنون الالهي كما قال امام المحق ( الحق خ ) جعفر الصادق عليه السلام العشق جنون الهي فصحا معلومه عن غمام كثرة الصفات و صفا عن كدورة الاعتبارات و ارتفعت الكثرات العقلية عن تنور العشق الحقيقي و الحب الذاتي حتي يبلغ صاحبه مقام الاخلاص الذي اشار اليه بقوله عليه السلام و كمال الاخلاص نفي الصفات عنه الخ ، فصار علمه عينا و عينه حقا و توحيده شهادة و شهودا و عيانا لا علما و بيانا انتهي ، اقول ما ذكره من كون الكشف قد يكون صاحبه في مقام التلوين و التشبيه بالواصلين و هو لايدل علي رتبة الوحدة و ان الذات الاحدية لاتخلو عن الصفات فلذلك استزاد البيان فيه ان الكشف ان ازال جميع السبحات حصل له حقيقة المعرفة و الا فلا لان الذات البحت لايجري عليها الكشف كما لايحيط به الوصف فان كل شئ امكن كشف حجبه عنه فهو معلوم بذاته و ذلك الكاشف مساو له او اعلي منه و لايصح شئ من ذلك في حق الواجب علي ان الامام عليه السلام انما قال كشف سبحات الجلال و هي انواره اي آثار الجلال و صفات افعاله و نسبه و هي غير الجلال و لميقل كشف الجلال لان الكاشف حينئذ من مظاهر الجلال و الجلال غير الجليل جل و علا فليس الكشف جاريا علي الذات الحق و انما مراد الامام عليه السلام بهذا الكلام معرفة النفس لان النفس اذا كشفت عنها جميع سبحاتها مما اشرنا اليه سابقا و ما اشبهه ظهر لك انها وصف الحق لك نفسه لانه ظهر لك بك و ظهور الشئ وصفه و لو كان [ص 17] المراد بالحقيقة المسئول عنها هو الذات الحق تعالي لزم مع حصول مدركيته تساوي جميع العارفين فيها لا فرق بين الانبياء و المرسلين و الملائكة المقربين و لا بين سائر العارفين و كل مدع لذلك له ان يقول ان مقامي في الوصول نفس محمد سيد المرسلين صلي الله عليه و آله اجمعين لان كل واحد قد حصل له كشف جميع الحجب و المظاهر و لميقل بهذا احد و ان كان المراد بتلك الحقيقة المسئول عنها هي حقيقة تعرف الحق للعبد و انه انما تعرف له به و ظهر له به كما هو الحق دل علي ان الكشف انما هو لسبحات الجلال الذي ظهر لك به و احتجب عنك به و هو في الحقيقة وجودك ( وجود لك خ ) به سبحانه كما قال سيد الوصيين (ع) لاتحيط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها فيكون ذلك الوجود هو الجلال الذي اذا كشف سبحاته عرفت الحق سبحانه من عرف نفسه فقد عرف ربه و يلزم من هذا ان كل عارف له جلال يختص به هو وجوده الذي هو نور الله كما قال عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و هذه الاجلة سبحات للجلال الاعلي فهي مظاهره و هو اعلي مظاهر الحق فتحصل الحقيقة لكل عارف بنسبته و كلها امثاله سبحانه التي ليس كمثلها شئ و لله المثل الاعلي و هو العزيز الحكيم فكل عارف لايفني فيما فوق وجوده لان هذا الفناء المشار اليه بقاء فيه و لايبقي فيما فوقه فان نور الشمس يفني في ظهور الشمس به و هو وجوده لا في ذات الشمس و اين التراب و رب الارباب و هذه المقامات المتكثرة هي مصارع المحبين فهي تعرفات الحق لهم بهم فلا فناء في ذات الحق البحت و قوله و ان الذات الاحدية [ص 18] لاتخلو عن الصفات ، فيه ان الذات الاحدية ان اراد بها الظاهر بالصفات فليس ذلك هو الذات البحت و ان اراد بها الذات البحت فليس ثم شئ غيره و انما هو هو بلا مغايرة و لا تكثر و لا تعدد بكل فرض و اعتبار و ليس الكشف المراد تجريد الذات عن الصفات باي نوع كان لان الشخص قد يتوهم ذاتا مع قطع النظر عن جميع صفاتها و مع ذلك هي متوهمة محدودة قد ميزها بوهمه و وضعها في موضع من وجدانه و باقي وجدانه خال منها يضع فيها متخيلاته و موهوماته التي هي سبحات وجوده بل الكشف المراد ان يمحو عن وجدانه جميع الاشياء من ذات و صفة و غيرهما حتي وجوده و محوه فهناك يظهر له الحق بحقيقة ظهوره له و حينئذ يعرف نفسه و لما كان كميل يتعلق قلبه بشئ ليس في جهة من وجدانه و لا هيئة له في اوهامه و انما تجول بصيرته في الصحاري و الاودية السحيقة يطلب حيث يرد فلايعرف كيف الوصول فبين عليه السلام له انك في هذه الحال تطلب المحال لانك ناظر بنظر و طالب بطلب و مطلوبك قد احتجب بك و بطلبك و نظرك عنك و انت حجاب كثيف غليظ اقام جدارك لحفظ كنزك فاذا اردت ان تستخرج الكنز و تحل الرمز فقض الجدار من غير اشارة فطلب منه زيادة البيان لوجدانه ذاته طالبة فكيف يطلب بغير طالب و لا طلب فقال عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم يعني ما انت الا نقش فهواني قد اشار لك بك و لا ريب ان النقش موهوم لانه تمثيل فهواني اي تنبيهي تعريفي فانت موهوم و اشارتك صفتك فاذا كشف الموهوم يعني [ص 19] محي ( كشف خ ) و ازيل صحا المعلوم يعني ان المعلوم ليس مستورا و لا محتجبا فلايحتاج الي الاظهار و التبيين و انما انت حجاب نفسك فاذا ازلت الحجاب صحا لك المعلوم و في الحديث ان نبيا من انبياء الله قال يا رب كيف الوصول اليك فاوحي الله اليه الق نفسك و تعال الي و قول عبدالرزاق و ليس وجود العين في الحقيقة الا نقشا موهوما استقر و رسخ عليه باستيلاء الوهم و سلطان الشياطين يريد به انك في الحقيقة صورة منطبعة في مرءاة كونك لا حقيقة لك الا ظهور موجدك و انما كانت تلك الحقيقة ( لك حقيقة خ ) عند نفسك لاجل استيلاء الشياطين علي قلبك فاشغلته عن ذكر الله الذي هو معرفة اظهريته من كل شئ فينظر الوهم الي نفسه استقرت لها حقيقة عنده لنسيانه ذكر الله و هو حق لانه لو كانت لها حقيقة غير النقش لكانت مستقلة مستغنية عن المدد فيكون كونها بنفسها و قيامها بذاتها و هو باطل و اذا ثبت انها لا حقيقة لها الا ظهور الحق بها لها كانت حقيقتها من نفسها وهما و سبحاتها من نفسها وهما من الموهوم و حقيقتها من ظهور الحق معلوما فالمعرفة الحقيقة المسئول عنها محو حقيقتها من نفسها و محو سبحات حقيقتها من ظهور الحق فاذا محا ذلك من نظر الوجدان صحا حقيقتها من ظهور الحق الذي هو المعلوم لانه صفة الله و تعرفه لذلك العبد و الشئ انما يعرف بصفته و هذا المعلوم هو المعني لكل عارف بنسبة مقامه بقوله تعالي ليس كمثله شئ كما اشرنا اليه في الفائدة الثانية من الفوائد فقوله عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم هو معني قوله عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة فالمحو هو الكشف الا ان المحو اجلي [ص 20] و ابين لان الشئ قد يكشف عما ستره و هو باق بخلاف المحو و الموهوم هو السبحات من الذوات و الصفات و الافعال و النسب و الاضافات الا ان بيان كون وجودها موهوما ليس بصريح من الجواب الاول و المعلوم هو الجلال الا انه قد يحتمل ان الجلال هو حجاب المعلوم فبين عليه السلام في الجواب الثاني ان المراد بالجلال في الجواب الاول هو المعلوم في الثاني لانه بيانه فكان الثاني اخص من الاول فلهذا صلح لزيادة البيان فقول عبدالرزاق الكاشي فمن اخلصه الله تعالي من عباده محي عنه ذلك الوجود الموهوم الخ ، في الحقيقة ظاهر و لا ريب ان كاشف سبحات الجلال و ماحي الموهوم هو الله تعالي و هو الذي يعرف نفسه عباده الا ان الظاهر من الحديث ان الكاشف و الماحي هو العبد العارف و ان كان في الواقع لايكون الا بالله لكن لما كان يسئل كميل عن كيفية الوصول الي حقيقة المعرفة ناسب اسناد الكشف و المحو الي العبد و لهذا قال عليه السلام من غير اشارة و لايكون هذا التقييد الا اذا اسند الي العبد و قوله و اعتبار العقل بكثرة الصفات الخ ، مبني علي طريقتهم من ان الموهوم هو الصفات و ان المعلوم هو الذات و ان الفناء فيه فناء في الذات و هذه الامور لاتصح علي نهج اهل العصمة عليهم السلام لان الصفات ان اريد بها صفات الذات فهي الذات فلا معني لكونها موهومة و ان اريد اعتبار تعددها او من حيث متعلقاتها من الحوادث فهي موهومة و لكن بكشفها لايحصل للكاشف صحو الذات البحت كما تقدم لان ما سواه لايحوم حول حماه و انما كلامه جار علي طريقة اهل التصوف القائلين بوحدة الوجود و ان الخلق عين الحق اذا قطعت النظر عن المشخصات الموهومة و لهذا قال من عرف [ص 21] الحق الاحدية بالطريق العلمي لميخلص من حجب الصفات الي عين الذات الخ ، يعني اذا محا الموهوم الذي هو حجب الصفات اتصل بعين الذات و هذه طريقة اهل الضلال و التصوف و قد قال شاعرهم :
جعلت نفسك في نفسي كما جعل الحمرة في ماء الزلال
و اذا سرك شئ سرني فاذا انت انا في كل حال
و قال مميتالدين الاعرابي في الفصوص :
فلولاه و لولانا لماكان الذي كانا
فانا نعبد ( اعبد خل ) حقا و ان ( انا خل ) الله مولينا
و انا عينه فاعلم اذا ما قيل انسانا
فلاتحجب بانسان فقد اعطاك برهانا
فكن خلقا و كن حقا تكن بالله رحمانا
و عد خلقه منه تكن روحا و ريحانا
فاعطيناه ما يبدو به فينا و اعطانا
فصار الامر مقسوما باياه و ايانا
و احياه الذي يدري به فينا و احيانا
و كنا فيه اعيانا و اكوانا و ازمانا
و ليس بدائم فينا و لكن كان احيانا
و الحاصل ان هذه الطايفة انكروا العيان و لبسوا في البيان حتي ضلوا و اضلوا كثيرا و ضلوا عن سواء السبيل قال عبدالرزاق و لما نفي سلطان الوهم و العقل بطردها عن طريق الحق عرف السائل ان ذلك لايكون الا [ص 22] بظهور سلطان العشق و ذلك لايكون اختياريا و لا منوطا بسعي السالك و ارادته فاشكل ذلك عليه فطلب زيادة الوضوح فقال عليه السلام هتك الستر لغلبة السر ، اقول ما ذكره من ان ادراك الحقيقة لا بالاختيار جار علي ظاهر الحال و اما في الحقيقة فهو بالاختيار و قد قررنا في الفوائد انه ليس في الوجود شئ يقع منه فعل الا باختيار فان الطلب من الشئ لايكون الا بما يمكن في ذاته سواء كان الطلب بجميع الاسباب و المسببات من الشئ المقرونة بجميع القيود كما تري منه جواز الفعل و الترك ام ببعضها كما تجد من بعض الحيوانات و الجمادات ام بحقيقة الشئ من ربه كما يكون من العارف و من الاشياء المفتقرة الي مدبرها لان المراد من الطلب في كل مقام من كل شئ هو الافتقار الي الغني او الي جهة من الغني فهذا الميل الحقيقي هو الميل الانوجادي من القوابل الفواعل لافعال الفاعلين و لا ريب في اختيارها و لهذا اتاهم الايجاد بصورة السؤال المشعر بطلب الاجابة و القابلية منهم حين قال الست بربكم ليجيبوه و يقبلوا منه باختيارهم و اول الشئ تكوينه بنفسه ثم تكوينه باسبابه و مسبباته و لانعني بالاختيار الا هذا و اذا نظرت بفؤادك جميع الاشياء وجدتها مختارة بنمط واحد و انما تختلف هيئات المختارين لاختلافهم في مراتب الاختيار من جهة الدواعي و العوائق و العاشق مختار و انما خفي ذلك فيه لشدة رغبته و محبته و اقباله علي مطلوبه حتي غلب ذلك منه علي التفاته الي ما سوي معشوقه و هذا معني ما قال عليه السلام لغلبة السر يعني ان السر الذي هو ذلك الميل و القابلية التي هو بها هو [ص 23] غلب علي كل حجاب بينه و بين معشوقه من كل ما سوي معشوقه بحيث لايلتفت الي ما سويه و ذلك لاينافي الاختيار و ان لميشعر بنفسه بل شرط صدق الحب عدم الاشعار بما سوي المحبوب و من هنا قال الصادق عليه السلام ما معناه المحبة حجاب بين المحب و المحبوب و هو قد علل طلب الزيادة بما ذكر و الاقرب في نفسي انه انما طلب الزيادة في البيان لما وجد في نفسه من صعوبة الطريق حتي ظن العجز بدون اعانته بالبيان و دلالته علي اسباب التحصيل و الوصول قال عليه السلام له الحقيقة هتك الستر لغلبة السر اي لغلبة سرك الذي هو تصحيح الفقر الذي اشار اليه النبي صلي الله عليه و آله الفقر شعاري و به افتخر و هذا الفقر يحصل بالتدريج حتي لايشهد له و لا لجميع ما له و ما ينسب اليه اثرا في نظر الوجدان فاذا فقد عن وجدانه ما سوي معبوده الذي هو هتك الستر و الحجاب بينه و بينه ظهر له ان ما حصل له ذلك لتمام فقره و صحته الذي هو غلبة السر لانه حينئذ ليس هو و انما الموجود نور الله الذي تجلي به و تعرف به و هو هو بلا مغايرة بوجه ما و اما ما ذكره من تعليل طلب زيادة البيان فهو و ان كان قد يكون له وجه في الجملة لكنه قشري بخلاف ما ذكرنا و هذا التعريف ابين مما قبله و وجه صلوحه لزيادة البيان ان المحو للشئ الموهوم لايدل علي كونه حاجبا ساترا للمطلوب بخلاف هتك الستر فانه يدل علي ازالة الساتر فتكون ازالته ابلغ في ظهور المطلوب و اما غلبة السر فانه ادل علي المطلب الحق من صحو المعلوم لما في المعلوم من الابهام و الاجمال [ص 24] لجواز ان يفهم منه ارادة الذات البحت و هو باطل بخلاف غلبة السر فانه لايفهم منه ذلك و انما يفهم ان السر شئ غير الذات البحت و قد يفهم منه انه اذا هتك ما يحجب عنه مطلوبه دل علي ان حصول ذلك له انما هو لغلبة السر و السر المراد هنا هو المعلوم و يدل عليه ما في بعض نسخ الحديث من ابدال اللام بالواو فيكون محو الموهوم و صحو المعلوم هو هتك الستر و غلبة السر و هذا السر هو سر الخليقة و هو الحقيقة و هو ظهور الحق لك بك كما قال علي عليه السلام تجلي لها بها و بها امتنع منها .