الرسالة القطيفية
في جواب الشيخ احمد بن الشيخ صالح بن سالم بن طوق القطيفي عن عشر مسائل
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
و بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحسائي انه قد وردت علي ( الي خل ) مسائل جليلة بمباحث جميلة من الشيخ الاوحد الشيخ احمد بن الشيخ صالح بن سالم بن طوق تدل علي كثرة خبره و دقة فكره طلب مني جوابها و كشف حجابها و لعمري انها لحرية بالاقبال عليها و التوجه اليها و لكن جاءت في حال شديدة الزلزال و تغير الاحوال و تشتت البال الا اني لما اوجبت علي نفسي اجابته جمعت بين الحقين و توسطت بين الحالين اذ لايسقط بالمعسور الميسور ( المعسور بالميسور خل ) فجعلت كتابه متنا و جوابي ( و جوابه خل ) شرحا كما هي عادتي ليخص كل شق منها حق من الجواب لانه اجلي للصواب .
قال احسن الله به احواله و بلغه اماله : بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لله رب العالمين كما امر و الصلوة و السلام دائما علي هداة البشر و حكام يوم المحشر . اما بعد فسلام الله تعالي علي عين الاخوان و نعم المولي الجسام في هذا الزمان اعلم امدك الله بنعمه ( ايدك الله لنعمه خل ) و افاض علينا بك من كرمه اني كنت كثير الوله علي اللقاء و لقد حال بيني و بين ذلك الشقاء و لاازال التمس من الله مدة البقاء و قد ضاق ببعض المسائل صدري و قصر دونها فكري و بقيت متحيرا في امري و لمار كاشفا لمعضلات المسائل و جوادا لايرد السائل و سحابا هامرا لايمل من النائل سوي من ضرب الفضل عليه قبابه و البسه الله من العلم افخر جلبابه اعني بذلك فلك بروج الكمال و ينبوع عين الفخر و الافضال فخشيت ان يذهب العمر ضياعا [ص 3] و لمارزق من ذلك متاعا فالتجأت الي المكاتبة بالبنان و ما ذاك ( ذلك خل ) الا اني لمار اهلا لخطاب مثلك باللسان فوفدت علي بابك المحترم و طاف ( فطاف خل ) قلبي بكعبة الكرم و عكفت همتي علي مميط قذا الظلم راجيا ( ربعيا خل ) الايرد من ادعي الوداد و لو بالمداد و ان لماكن اهلا لذلك الميعاد ، ثم قبل الشروع في المقصود اخبر مولينا باني بليت و لله الحمد بمرض في عيني حرمت بسببه خيرا كثيرا و قد عجزت عنه حيلتي و قصرت دون كشفه مسئلتي و انا اسأل الله العفو و المسامحة و التمس من جناب مولينا الدعاء و الابتهال الي الله الكريم في صالح الاوقات بالعفو و العافية و الصحة النافعة و الشفاء انه يجيب ( مجيب خل ) لمن دعاه رحيم بمن ناجاه . اقول و من الله اسأل بلوغ المأمول :
المسئلة الاولي - قد تظافرت الروايات بان سيدنا و مولينا محمدا صلي الله عليه و آله و وصيه عليا سلام الله عليه اول الخلق و علة الموجودات و انهما كانا نورا واحدا حتي افترقا في صلب عبدالله و ابيطالب و في بعضها محمد و علي و فاطمة و في اخر لولا هذه الخمسة فما معني هذا السبق و ما هذه العلية و اي العلل هي افاعلية ام صورية ام مادية ام غائية ام علل معددة ام الكل و ما حقيقة المختار و ما معني هذا الاتحاد و الوحدة اجنسية ام نوعية ام شخصية و اين محل باقي الائمة (ع) حينئذ و ما نسبتهم من ذلك النور و علي كل حال فما معني هذا الافتراق و هل تعود تلك الوحدة بعد الافتراق ام لا و علي تقديره فمتي و باي معني و في اي عالم و ايضا هل هم علل لجميع جزئيات العالم و كلياته ام لبعضها و ما ذلك البعض .
[ص 4] اقول ما دلت عليه الاخبار من انهم اول الخلق و علة الموجودات فلا شك فيه لنص الاخبار و صحيح الاعتبار الذي ليس عليه غبار و انا اشير الي شئ من ذلك علي سبيل الاقتصار تنبيها لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد فمن الاخبار ما دل علي انهم عليهم السلم كانوا اشباحا يسبحون الله حيث لا ارض و لا سماء و لا هواء و لا خلق ( خلقا خل ) سواهم فبقوا كذلك ما شاء الله كما اشار اليه اميرالمؤمنين (ع) في جواب من سأله كم بقي العرش علي الماء قبل خلق السموات و الارض فقال له اتحسن ان تحسب فقال له الحديث ما معناه لو صب خردل حتي سد الفضاء و ملأ ما بين الارض و السماء ثم عمرت علي ان تنقله علي ضعفك من المشرق الي المغرب حبة حبة حتي ينفد لكان ذلك اقل من جزء من مائةالف جزء مما بقي العرش علي الماء قبل خلق السموات و الارض و استغفر الله عن التحديد بالقليل ، و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار اي يكاد ان يتحقق النور ( نور خل ) المحمدي في الوجود قبل الايجاد لقربه من الوجوب اي يكاد يكون واجبا و هو ثناء انيته و كليته بحكم كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به الخ و قوله تعالي في الحديث القدسي و نقل انه في الانجيل خلقتك لاجلي و خلقت الاشياء لاجلك باطنك انا و ظاهرك للفناء ه ، و قوله لولاك لماخلقت الافلاك و قوله صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله نوري اول ما خلق الله روحي و امثال ذلك كثير و بيان المراد منها يطول به الذكر الا ان الاشارة الي الاعتبار تبين المراد من الاخبار فلنقتصر ( فنقتصر خل ) عليه فنقول [ص 5] اعلم ان الوجودات ثلاثة وجود حق و هو الذات البحت و الكنز المخفي و اللاتعين و مجهول النعت الخ و وجود مطلق و هو عالم الابداع و المشية و الارادة و الكاف المستديرة علي نفسها و التعين الاول و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر الخ و وجود مقيد و هو مجموع قوس الحروف الكونية الثمانية و العشرين التي اولها العقل الاول و اخرها الجامع الذي هو العاقل صلي الله عليه و آله فهو الاول و الاخر فاما الوجود الحق فهو ذات الواجب مع قطع النظر عن الصفات يعني نفيها و هذا الوجود لايعرف بضد مقابل و لا بند مماثل فلايدرك علي الحقيقة له حال بحال و لاتضرب له الامثال و اما الوجود المطلق فهو فعل الله تعالي و مشيته و ارادته و له اربع مراتب الاولي النقطة و مرتبة الرحمة ( الرياح خل ) و الثانية الالف الاعلي و النفس الرحماني و الثالثة الحروف العاليات و السحاب المزجي و الرابعة الكلمة التامة و السحاب الركام و ظرفه السرمد و لا اول له لانه مستند الي ما لايتناهي فلايصح الفصل بين الفعل و الفاعل و لا الوصل لئلايلزم المماثلة للزوم مماثلة المتصلين اذ لايصح شئ من الفعل من حيث هو ان يكون فاعلا و لا شئ من الفاعل من حيث هو ان يكون فعلا و لايلزم من سبق الفاعل عليه ان يكون متناهيا الا بمعني ان يكون مستندا اليه و قائما به قيام صدور لانه سبحانه قبل ما لايتناهي بما لايتناهي فلايكون فعله متناهيا و ان كان الازل قد احاط به لان الازل لايتناهي فاحاطته لاتتناهي و لايلزم منها التناهي اذ التناهي في الزمان و الدهر علي بعض الاحوال و لان الفعل صفة و صفة [ص 6] الغير المتناهي لاتتناهي فافهم و اما الوجود المقيد فهو المفعولات باسرها من المجردات و الماديات و ظرف المجردات الدهر و ظرف الماديات الزمان و هذا الوجود ما كان منه زمانيا فهو متناه و ما كان مجردا فهو متناه و لكن لا كتناهي الماديات لان تناهي الماديات تمتزج بما منه بدأت عند عودها اليه و المجردات اذا عادت الي ما منه بدءت جاورته و لمتمازجه و ما بينهما عند العود حكمه بقاء الوجود و فناء الشهود فهو بين بين و كذلك ظرفه اعلاه دهر و اسفله زمان فاذا تقرر هذا فنقول حيث قال سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم قد نطق كتاب العالم بصدق القول ان السراج و اشعته خلق مثلا من قوله تعالي و ضربنا لكم الامثال فاذا نظرت الي تلك الاشعة وجدت ان ما قرب من السراج كان اضوء و كلما بعد كان اضعف و اخفي و ما بين اقرب الاجزاء من الاشعة و بين ابعدها مراتب متفاوتة لاتكاد يستبين تفاوتها الا بين جزئين متباينين و ذلك لصدق نسبها و نظم رتبها ( مرتبتها خل ) باعتبار قربها من مفيضها و بعدها فيأخذ كل نصيبه مما استعد لقبوله و لا فصل بين السراج و اشعته و الا لمتوجد و لا وصل و الا لزم ان يكون اقربها الي السراج مشابها للسراج بالملتقيين المتصلين فيكون ما من الشعاع منيرا للمجانسة و المشابهة و ما من السراج شعاعا كذلك هذا خلف ثم اعلم ان السراج نسبته الي الاشعة نسبة واحدة لا قرب فيها و لا بعد و اما الاشعة فهي تقرب و تبعد باعتبار قابليتها و لا جائز ان يتولي السراج ابعد الاشعة بدون واسطة اقربها اليه لعجز ( يعجز خل ) الابعد عن ذلك بدون الواسطة فلايتأهل لذلك باختياره مما [ص 7] يحتمله لذاته الا ان يكون مقسورا اذ لو تولاه بدون الواسطة لميكن الابعد ابعد و لا الاقرب اقرب بل يتساوي ( تتساوي خل ) ليتساوي نسبته الي جميع الاشعة و يكون ضياؤها سواء و لزم منه عدم ظهور السراج بالاشعة و يلزم من ذلك عدم وجودها بيان الملازمة ( الملازمة ان خل ) ظهور السراج ليس بشئ منه بل بتجلي ( يتجلي خل ) جماله و جماله له جمال و هكذا و الا لميكن جمالا اذ الجمال ما له صفة حسنة يزيد علي ما لا جمال له و تلك الصفة ان كانت ( كانت صفة خل ) حسنة كان لها حسن هو صفة لها و هو جمالها و الا لمتكن حسنة و هكذا فاذا ظهر مثلا بنفسه لا بجماله لزم المحال اذ الظهور صفة و هو نفس الاشعة فاذا لميظهر بها لمتكن و جماله ( جماله ليس خل ) مساويا لجمال جماله و جمال جماله ليس مساويا لجمال جمال جماله و هكذا فوجب ان يصدر عن السراج جماله و يصدر جمال جماله عن جماله بفعل السراج فلولا توسط الموصوف بين الفاعل و الصفة لمتكن الصفة صفة للموصوف بل تكون ذاتا لا صفة و هكذا فيكون وجود الجوهر من تمام قابلية العرض للايجاد و شرطا لتحققه من حيث هو عرض و تترامي الاسباب و المسببات مترتبة علي نحو ما عرفنا لك فلا فصل بين الوجود و لا وصل الا علي نحو ما قلنا و الوجود المقيد من الوجود المطلق مثل للوجود المطلق من الوجود الحق فمراتب الوجود متناسبة صعودا و نزولا فمحمد صلي الله عليه و آله هو السراج المنير و السراج مركب من دهن و نار كما اشار اليه سبحانه في قوله مثل نوره كمشكوة فيها مصباح الاية ، فالدهن في السراج هو ارض الاستعداد و ارض الجرز و هو المشار [ص 8] اليه بالنون في قوله كن و في قوله ن و القلم و ما يسطرون و النار هي نار المشية و الوجود المطلق و لذا قالوا نحن محال مشية الله و النار هي الوجود المطلق الذي ظرفه السرمد الذي لا نهاية لاوله و لا غاية لآخره الا انه مستند في وجوده و تحققه الي ربه قالوا عليهم السلم اجعلوا لنا ربا نئوب اليه و قولوا فينا ما شئتم و لنتبلغوا و قول الحجة عليه السلم في دعاء رجب لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك ه ، فمحض مما قررنا و بينا ان محمدا صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله و انه علة الموجودات فالسبق بهذا المعني لان السبق علي انحاء سبعة السبق الطبيعي و الذاتي و الشرفي و المكاني و الزماني و السبق الحقيقي و هو تقدم عالم المشية و الابداع علي سائر المفعولات اذ هو سبق بكل سبق من الخمسة المتقدمة و زيادة سبق السرمدية و السبق الحقي و هو تقدم الواجب علي من سواه اذ هو سبق بكل سبق من الستة المتقدمة و زيادة سبق الازلية الابدية المطلقة الا ان هذا السبق في الستة المذكورة سبق الظاهر علي ما ظهر به و سبق الازلية سبق الاولية التي هي اخرية و الآخرية التي هي اولية و سبق البطون الذي هو الظهور و الظهور الذي هو البطون فالسبق فيما نحن فيه سبق حقيقي و اما العلة فهو فاعلية كما قال عليه السلم نحن صنائع الله و الخلق بعد صنائع لنا كما في قوله تعالي و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني و كما قال تعالي للعقل الاول الذي هو عقله صلي الله عليه و آله ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل و علة [ص 9] صورية كما اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلم في قوله لكميل نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل ( هيكل خل ) التوحيد اثاره ه ، فالنور هو المشار اليه و صبح الازل هو الوجود المطلق و عالم المشية و هياكل التوحيد الصور القائمة بمرايا الوجود المطلق فانها فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله و الاثار مظاهر الوجود المطلق و تجلياته فان هيئاتها تحكي كينوناته فالصور صفاته و صفات صفاته بالذات او بالعرض فتلوح تجليات الوجود اي تبرز علي هيئات تلك الهياكل فجميع الصور صور شؤنه صلي الله عليه و اله و تطوراته و اليه الاشارة بقول علي عليه السلم و انا نتقلب في الصور كيف ما شاء الله من رءاهم فقد رءاني و من رءاني فقد رءاهم انتهي ، فهو صلي الله عليه و آله العلة الصورية و هو ايضا علة مادية لان الوجودات باسرها اشعة انواره و مظاهر اسراره اذ ليس لله نور و هو نور الذات لا نور نور الذات الا هو صلي الله عليه و اله فكلما في الكون عكوسات انواره و صدا اصوات خطاباته فان جميع ما في الامكان غيرهم فانما خلق من اشعة انوارهم فجميع مواد الاشياء ( الاشياء منه خل ) من تلك الاشعة و الاشياء مركبة من المواد و الصور اما المواد فعرفتها كما قلنا لك و اما الصور فجنسية و نوعية و شخصية و كلها كينونات تلك الاشعة سواء كانت مواد نورانية او مواد عنصرية لان المواد العنصرية من المواد النورية كالثلج من الماء فظهر انهم عليهم السلم علة مادية و علة صورية و هو صلي الله عليه و اله ايضا علة غائية لان الموجودات باسرها انما خلقت لمصالحهم و شؤنهم و جميع الخلق انعامهم و غنمهم كما اشار اليه الصادق [ص 10] عليه السلم في قوله لعبيد بن زرارة و الذي فرق بينكم هو راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه فان شاء فرق بينها لتسلم ثم يجمع بينها لتسلم الخ ، و مثله قوله عليه السلم نحن صنائع الله و الخلق بعد صنائع لنا علي احد التأويلين و هو ان الله سبحانه صنع لنا الخلق و الوجه الثاني تقدم و اما الوجه المستشهد به هنا فيجري عليه تأويل قوله تعالي و جعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم و يوم اقامتكم و من اصوافها و اوبارها و اشعارها اثاثا و متاعا الي حين و قوله سلمه الله ام متعددة قد تقدم جوابه بانها متعددة في كل شئ بحسبه اما في الباطن فلأنه صلي الله عليه و اله كما انه رسول الله صلي الله عليه و آله الي خلقه في تبليغ الشرايع و التأديبات الشرعية التكليفية دقيقها و جليلها كذلك هو رسول الله صلي الله عليه و آله الي خلقه في تبليغ ذرات الوجود و التأديبات التكوينية دقيقها و جليلها و اما في التأويل فكما قلنا سابقا فهم من فهم و اما حقيقة المختار فهو من يقصد فعل ما يفعل و يرضي به ان كان منه بالذات و ان كان بالعرض فهو يرضي به لا لنفسه بل لتمام ما هو بالذات فالرضي به عرضي كما ان الرضي بالذاتي ذاتي و هذا هو معني ان شاء فعل و ان شاء ترك و لكن لما كان بعض ما يفعله الحكيم لايجوز في الحكمة تركه و ان كان ممكنا في المشية توجه لتعريف المختار المعني الاول دون الثاني علي ان الله سبحانه قال في حق نبيه صلي الله عليه و اله و لئن شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك الاية ، و لاينافي ما اشرنا اليه ما روي عنهم عليهم السلم مثل و انا لاشد اتصالا بالله من شعاع الشمس بها و قولهم [ص 11] عليهم السلم ما معناه ننفصل ( تتفصل خل ) عنه كاشعة الشمس من الشمس كما رواه علمالهدي بن ملا محسن القاشاني في الينبوع و مثل قول الرضا عليه السلم لعمران الصابي علي ما رواه الصدوق في التوحيد و العيون حيث مثل الخلق من الخالق قال الاتري الي السراج فانه لايقال له ساكت ثم نطق فيما يريد ان يفعل بنا الحديث ، و امثال ذلك كثير مما يظن انه يلزم منه الايجاب لان ذلك ليس بايجاب بل ليس في الوجود علي الحقيقة موجب الا علي نحو رقدة اهل الكهف ظن يقظتهم حيث قال الله تعالي و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و قد حققناه في بعض رسائلنا و مباحثاتنا لان ظهور ايجابها في الدور انما هو باعتبار نظر الدور الرابع من قوله تعالي و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها و اما قوله ما معني هذا الاتحاد و الوحدة فجوابه ان الاتحاد انما يقال لشيئين قد تحققت فيهما الاثنينية ( الاجنبية خل ) فطرء عليهما الاتحاد و الاتحاد قد منع تحققه المحققون و احاله المدققون فلايقال ما هذا الاتحاد الا مجازا و المراد به علي المجاز البساطة و ليس المراد بالبساطة بساطة الاجزاء و عدم تحقق التشخص لان ذلك من صفات الاجسام و الجسمانيات و نفوسها المقارنة لها الغير القدسية بل التعدد متحقق ( يتحقق خل ) في اصل الخلقة الا انه تعدد كتعدد الضوء من الضوء فان السراج اذا اشعل منه السراج ليس بينهما كثرة باعتبار الوحدة الجنسية و النوعية و اما باعتبار الوحدة الشخصية و باعتبار ( فباعتبار خل ) فعل النبوة و فعل الولاية و متعلقهما و مقامهما و الترتيب الي غير ذلك من المشخصات فالتعدد موجود و هو معني فقسمه نصفين فاذا تطاولت المدد في العود [ص 12] و عاد كل شئ الي ما منه بدئ حصل بينهما عود مجاورة لا عود ممازجة و ليس المراد بالعود فناء الوحدة الشخصية بالكلية الا انه في هذه الدار احكامها في الشخصية اظهر و في تلك الدار في النوعية و الجنسية اولي لا بمعني فناء كل واحدة في مقام الاخري و اما محل الائمة عليهم السلم اذ ذاك فهو كمفاصل القفا و كالشجرة الطيبة فانها محمد صلي الله عليه و اله و علي لقاحها و فاطمة اصلها و الائمة اغصانها او و الحسن و الحسين عليهما السلم ثمرها او و هم عليهم السلم ثمرها علي اختلاف الروايات و الشيعة الورق الملتف بالثمر و كالضوء من الضوء و كظهور الوجه في المرايا المتعددة المتقابلة ( المقابله خل ) فيتجلي الوجه في الاولي ( الاول خل ) بلا واسطة و في الثاني بواسطة المرءاة الاولي و هكذا و لهذا تري في الثانية صورة الوجه في صورة المرءاة الاولي فافهم و قوله سلمه الله و ما نسبتهم من ذلك النور ( من ذكر النور خل ) و علي كل حال فما معني هذا الافتراق و هل تعود تلك الوحدة بعد الافتراق ام لا و علي تقديره فمتي و باي معني و في اي عالم قد مرت الاشارة اليه و البيان فيه نعم قوله فمتي الخ معني ذلك انه في الزمان و هو وعاء عالم الاجسام و في الدهر و هو وعاء الملكوت و الجبروت و في السرمد و هو وعاء المشية و عالم الامر و الابداع و قوله و ايضا هل هم علل لجميع جزئيات العالم و كلياته ام لبعضها و ما ذلك البعض قد تقدم بيانه فراجع .
قال سلمه الله تعالي : الثانية - ما حقيقة جسم الانسان المثاب او المعاقب المفاضة عليه ( علي خل ) النفس بعد القاء ما لحقه من النبات و لحوم الحيوانات التي نما بها و لحقته و لحوق كل بجسمه السابق .
[ص 13] اقول اما حقيقة جسم الانسان فهو مركب من عشر قبضات من صفوة الاتربة قبضة من تراب من الفلك الاطلس خلق منها قلبه و قبضة من تراب الفلك المكوكب ( الكوكب خل ) خلق منها صدره و قبضة من تراب فلك زحل خلق منها دماغه و اسكنها عقله و قبضة من تراب فلك المشتري اسكنها علمه و قبضة من تراب فلك المريخ اسكنها وهمه و قبضة من تراب فلك الشمس اسكنها وجوده و قبضة من تراب فلك الزهرة اسكنها خياله و قبضة من تراب فلك عطارد اسكنها فكره و قبضة من تراب فلك القمر اسكنها حياته و قبضة من تراب ارض الدنيا اسكنها هذه القوي و النفوس النباتية و القوي العنصرية و هذه القبضات العشر من التراب و بسيطه ليس فيه فساد و رتبته في اللطافة رتبة الفلك الاطلس بمعني شدة بساطته و عدم فساده لكنه لو جمع و خلي و طبعه بدون قاسر ترتبت القبضات في العلو و الهبوط علي ما هي عليه الان و بالجملة فزيد مثلا يمرض و يكون في غاية الضعف و هو زيد لان ما تحلل من لحمه ليس من جسمه الحقيقي الذي هو القبضات المشار اليها و انما تحلل منه ما طرء علي تلك القبضات من الماكل و كذلك يعفن ( يغض خل ) زيد و يسمن سمنا كثيرا و هو زيد لانه لميزد في القبضات شئ و انما الزيادة من الاغذية التي ليست من جنس القبضات لانك لو قبضت سحالة ذهب و مزجتها بمثلها ترابا و عملت من الجميع صورة شئ كانت قيمة تلك الصورة و نورانيتها انما تتعلق بما فيها من سحالة الذهب و كذلك الحسن فاذا كسرت تلك الصورة و صفيت ما فيها من الذهب ثم مزجتها بتراب جديد و عملت تلك الصورة بعينها [ص 14] كانت القيمة هي القيمة قبل و تتعلق بما تعلقت به من قبل من غير مغايرة و هي بنفسها هي الاولي و لايضر تغيير تلك الصورة و صنع صورة اخري ببقاء الاجزاء الاصلية التي هي متعلق القيمة و الحسن و اصل هذه القبضات مركبة من مادة نورية مجردة و من ( عن خل ) صورة نوعية فهذا حقيقة جسم الانسان المثاب و المعاقب المفاض عليه النفس لكن بواسطة الصورة الشخصية ان اردت بالنفس نفسه المختصة به و اذا رجع كل شئ الي اصله رجع منه ما طرء عليه الي اصله لا الي ما طرء عليه و لاينقص منه شئ فلو ان رجلا اكل لحوم الادميين و اغتذي بها حتي نما بها و كبر و رجع كل شئ الي اصله رجع منه ما طرء عليه و لايرجع الي الادميين بل يرجع الي التراب لان الذي اغتذي به اصله التراب العام و اما اجسام الادميين فانها لاتكون غذاء لانها اصلية فهي فوق القوة الهاضمة و اعلي منها فلاتحيلها ( فلاتحللها خل ) اذ القوة الهاضمة عنصرية و الاجزاء الاصلية اعلي من العناصر بثمان مراتب و الارواح بينها و بين الاجسام كمال المناسبة و المقارنة و انما نفرت منها لما لحق الاجسام من الامور الغريبة الاجنبية كالعناصر و التركيبات ( التركبات خل ) فاذا مات المرء و دفن في الارض و اكلت الارض ما فيه من الاعراض و الاغراض و الغرائب صفت الاجزاء الاصلية من الاغيار فاذا صفت عن المنافي تعلقت الارواح بالاجسام التعلق التام فلايطرء عليها مفارقة و ليس بينهما منافرة فتبقي ابدا و لهذا قال الحكيم ارسطوطاليس لما قيل له اذا قلتم ان العالم انما هو من كرم الله اليس اذا افناه يبطل كرمه قال انما كسره ليصوغه الصيغة التي لاتحتمل الفساد .
[ص 15] قال سلمه الله تعالي : الثالثة - ما البرهان الساد لطرق النفوس الجامحة ( الحاجة خل ) الي الباطل علي ان الله تعالي فاعل مختار و ما معني انه فاعل مختار بالايضاح .
اقول اعلم ان البرهان الساد لذلك معرفة كون الله تعالي فاعلا مختارا و معرفة ذلك تحصل بالايمان بقول الله و بالحكمة و بالمجادلة بالتي هي احسن فهذه الثلاثة الامور هي طرق الاستدلال التي تحصل بها المعرفة اما الحكمة فاعلم ان كل مؤثر فان اثره يشابه صفة مؤثره من حيث هو مؤثر فالشعاع يشابه صفة الشمس من الضياء و الحرارة و اليبوسة و ضياء القمر يشابه صفة القمر من الضياء و البرودة و الرطوبة و ظل النخلة يشابه صفة النخلة في الطول و التخطيط ( التحطيط خل ) و ظل الشجرة يشابه الشجرة في الهيئات و صور الورق الي غير ذلك فلايصدر عن الحار من حيث هو حار بارد و لا العكس و لا عن الرطب من حيث هو رطب يابس و بالعكس فاذا ثبت ذلك و ثبت انك صنعه و اثره كنت مشابها لصفة فعله و الي هذا المعني اشار اميرالمؤمنين عليه السلم بقوله لكميل نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد اثاره كما تقدم و قال الصادق عليه السلم العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية الحديث ، فقال الله تعالي متعرفا لعباده بما اودع في عبوديتهم من اثار صفاته سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و في انفسكم افلاتبصرون فكلما تطلب من صفات الحق مما يمكن ادراكها للخلق فعندك مثاله و ايته و دليله فكما انك تجد من نفسك انك تفعل [ص 16] باختيارك و لاتجد من نفسك انك في كل افاعيلك التي تجريها من نفسك بالقصد و الرضي جبرا كذلك قال الله تعالي فجعلناه سميعا بصيرا فاذا عرفت ذلك و عرفت انك اثره فاعرف ان صانعك فاعل مختار و الا لماكنت فاعلا مختارا كما قلنا و اما قولنا الايمان بقول الله فاشير به الي قوله تعالي و الموعظة الحسنة فاني اقول لك اذ قال الله تعالي لك سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم فعليك ان تؤمن بقول الله بان اياته "٢-" التي تدل علي ثبوت صفاته عندك انها فيك و هي "٢" صفاتك و احوال اطوار ذاتك فاعتبروا يا اولي الالباب و اما المجادلة بالتي هي احسن فلان اختيارك لايخلو اما ان يكون حادثا ممكنا او لا و الثاني باطل بالاتفاق و الاول اما ان يكون احدثه الله او احدثه غيره و الثاني باطل بالاتفاق اذا لميكن احدث باذن الله تعالي فاذا ( فان خل ) احدث باذن الله تعالي فقد احدثه الله و الاول اما ان يكون احدثه لانه اثر صنعه و صفة فعله او انه يوافيه و يناده او ينافيه و يضاده و الاخيران ( فالاخيران خل ) باطلان لانه سبحانه ليس شئ يوافيه اذ لا شبيه له و لا نظير و لا شئ ينافيه اذ لا ضد له فلميبق الا انه احدثه لانه صفة فعله و اثر صنعه فثبت المطلوب بجميع طرق الاستدلال التي اشار اليها سبحانه في قوله ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و اما معني انه فاعل مختار فقد تقدم ان معناه انه يفعل بالقصد الي الفعل و يرضي به فهذا معني الفاعل المختار .
قال سلمه الله تعالي : الرابعة - ما ( ما معني خل ) حاجة الفاعل المختار الغني الحكيم في خلق الخلق و حاشاه من الحاجة و كيف يفعل المختار الحكيم [ص 17] فعلا تختص ( يختص خل ) و تتمحض مصلحته بالغير .
اقول ليس بالفاعل المختار الغني الحكيم حاجة الي ما خلق و لكنه بمقتضي الجود و الكرم خلق المحتاجين اليه لعلمه ( بعلمه خل ) بهم و بحاجتهم تكرما عليهم ليسد ( ليسدد خل ) فاقتهم بما هم محتاجون اليه من فضله و لينقل بهم حوائجهم اليهم فوجب في الحكمة سد الرمق من المحتاج و ذلك هو الذي يحسن الابتداء به من الحكيم من غير استحقاق وجودي سابق علي النفع لان الاستحقاق المساوق في الظهور للايجاد لا بد منه في الايجاد و الوجود و اما المنافع التي تزيد علي سد الرمق الذي هو عبارة عن الفيض و العطية التي بها يتحقق وجودهم فلايحسن الابتداء بها من دون استحقاق يعني ان الوجود باسره لايتحقق في الكون الا بالقابلية فالحاجة الاولي هي قابلية سد الرمق لا غير و الحاجة الثانية لايحسن الابتداء بها الا بالقابلية الثانية و هي مساوقة في الظهور للصبغة الثانية و لما ذكرنا استغني الفاعل عن مفعولاته و اختصت المصلحة بها فافهم .
قال سلمه الله تعالي : الخامسة - هل حدوث العالم زماني قد سبقه عدم محض فيلزم انقطاع الجود ( الوجود خل ) و هو الجواد المطلق او ذاتي فكيف ترتيبه و ترتيب مسبباته علي اسبابه ( اسباب خل ) مع ان ادم الذي هو النتيجة لميبرز في هذه النشأة بحسب الظاهر الا منذ ازمان متقاربة بالنسبة فان كانت هذه التأثيرات السفلية من الحيوان و النبات ( الحيوانات و النباتات خل ) حادثة قريبة بالنسبة فما المؤثر فان كانت حركات الافلاك فما الموجب لتاخير ( لتأثير خل ) الاثر عن المؤثر بحسب الظاهر و ان كان غيره فما هو و هل قبل ادم في هذه الدار شئ [ص 18] ام لا فما ماهيته و ما السبب في وجوده اهي هذه الاوضاع الفلكية ام غيرها و علي كل تقدير فما سبب عدمهم و انقطاعهم .
اقول الحادث اقسام حادث زماني و هو ما حدث في الزمان و هو نسبة المتغير الي المتغير و يعرف بطول مدة القديم بالنسبة الي الحادث كالاب و الابن فان الابن حادث لقصر زمان بقائه بالنسبة الي الاب و حادث دهري كالعالم الجسماني باسره لا ابعاضه فانها حادثة في الزمان فالعالم الجسماني باجمعه قديم زماني و حادث دهري و هو ما حدث في الدهر و هو نسبة المتغير الي الثابت و هو في الظاهر موضوع السؤال فانه ليس بحادث زماني لان الزمان في الظاهر انما هو عبارة عن حركة الفلك و في الحقيقة هو عبارة عن المدد و الحركة ايتها فالعالم الجسماني المشار اليه و ازمنته و امكنته حادثة في الدهر و حادث ذاتي و هو قسمان حقي اي صفة للحق و حادث حقيقي و هو ما حدث ( حدث في خل ) بعد الازل و السرمد اي تحت الازل و بعده و هو الحادث الحقي و تحت السرمد و بعده ( بعد خل ) و هو الحادث الحقيقي و هو نسبة الثابت الي الثابت و معني حدوثه لاسيما الحادث الحقي هو استناده الي الغير لا غير لانه لميسبقه عدم و انما سبقه الوجود فالعالم المسئول عن حدوثه ان اريد به الاجسام باسرها اي باعتبار كل واحد فهي حادثة منها حدوث زماني و منها حدوث دهري و ان اريد به ما سوي ذلك فذلك يحتوي الاقسام كلها الزماني و الدهري و الذاتي بمعنييه فقوله سلمه الله تعالي قد سبقه عدم محض لايجري علي العموم بل علي التفصيل ( التفضيل خل ) و اما قوله حفظه الله [ص 19] فيلزم انقطاع الوجود و هو الجواد المطلق فجوابه قد تقدم الايماء به و بيانه ان الوجودات مختلفة فاعلي الوجودات بعد الوجود الحق وجود عالم الامر و هو عالم الكرم و الجود لا اول له و لا اخر و لا مبدء له و لا انتهاء الا الواجب فانه اوله و اخره و مبدؤه و منتهاه و هو الذي ملأ اركان كل شئ فجميع ما في حيز الامكان من الماديات و المجردات رشحة من رشحاته و نفحة من نفحاته قد انزجر له العمق الاكبر فلايحويه مكان و لا دهر و لا زمان بل احاط بكل شئ و صدر عنه كل شئ كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم في خطبته يوم الغدير و الجمعة قال عليه السلم في الثناء علي الله تعالي اذ كان الشئ من مشيته و هذا العالم هو الوجود المطلق السرمدي الذي ملأ السرمد و من دون هذا الوجود الوجود المقيد و هو علي سبيل الاجمال في القول علي كلياته عالم الجبروت و هو علي الاصح عالم العقول المجردة عن المادة و المدة و الصورة و هي الذوات المفارقة و قد يطلق علي عالم الارواح لان الارواح لها اطلاقان اطلاق يراد منه العقول او ما يقاربها و لهذا قال صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله روحي مع انه قال اول ما خلق الله العقل و اطلاق يراد منه النفس و لهذا يقال قبض روحه ملك الموت و بالضرورة ان الموت لايقبض الا النفس مع المثال و قيل عالم الجبروت هو مجموع عالم الملكوت و الملك و في الظاهر ان هذا القول ليس بشئ و الثاني عالم الملكوت و هو عالم النفوس المجردة عن المادة و المدة و ليست مجردة عن الصورة و عالم الملك و هو عالم الاجسام اولها جسم الكل [ص 20] او محدد الجهات و اخرها التراب و بين الجبروت و الملكوت برزخ و هو عالم مثل الصور المجردة عن المادة و هو عالم الرقائق الروحية و بين الملكوت و الملك عالم مثل الاجسام المادية و هو عالم المثال و الاشباح فاذا تقرر هذا فان الله سبحانه كان و لا شئ معه و هو الان علي ما هو عليه ثم ابتدع ما شاء فكان اول فائض عنه الابداع و هو عالم المشية خلقه بنفسه لا من شئ و لا لشئ و ليس بينه سبحانه و بين ابداعه و مشيته شئ غيرهما و هما شئ واحد فلا فصل بين الصانع و المصنوع اذ ليس ثم شئ الا الله و خلقه و فعله لا وجود و لا عدم و لا وصل لعدم المجانسة بينهما كما تقدم بل هو الله وحده متفرد في ازله و فعله قائم به قيام صدور لا قيام عروض و هذا هو عالم الامر و ليس بين عالم الامر و الخلق فصل لعدم حصول شئ ثم لا وجود و لا عدم و لا وصل لعدم المجانسة بين عالم الامر و الخلق لان الخلق في الحقيقة صفة الامر و تجليه و الصفة و ان كانت تشبه كينونة الموصوف بها لكنها ليست من جنسه و كذلك ليس بين كل جنس و الجنس الاخر لا فصل لعدم الغير و لا وصل لعدم المجانسة نعم ما بين كل جنس برزخ فيه حالتان حالته العليا تناسب الجنس الاعلي و حالته السفلي تناسب الجنس الاسفل و علي كل تقدير ليس في الوجود فصل من الوجوب الي الثري و اما ترتيب المسببات علي الاسباب فاما عالم الامر فهو صادر عن الله لكونه تجلي علمه و قدرته و اما عالم الخلق فكذلك بالنسبة الي عالم الامر و هكذا و اما ترتيب مسببات الاجسام علي اسبابها الجسمية فهي علي حسب [ص 21] الادوار الاربعة : الاول مزج الحرارة بالبرودة حتي تولدت الطبائع الاربع ، الثاني مزج الطبائع بعضها ببعض حتي تولدت العناصر الاربعة ، الثالث ادارة بعضها علي بعض حتي تولدت النباتات ، الرابع ادارة بعضها ببعض حتي تولدت الحيوانات و تصوير ذلك ان الاوضاع الفلكية و الكواكب النيرة حيث استمدت التأثيرات من العقل الاول و الروح و النفس و الطبيعة الكليات بواسطة الشمس فتفيض القوي و المواد المستجنة في جوهرها و في اشعتها و تمزجها ( يمزجها خل ) بواسطة دوران افلاكها فتقع علي اشباهها من الاجزاء الترابية فيختلط بها نبات الارض فتكون المكونات علي حسب مقتضي قواها متهندسة في صورتها بحكم مؤديها فتعلق ارواحها بعد تفرق قواها في شعلات اشعة الكواكب و الاوضاع الفلكية بتلك الصور الجسمية بحكم تقديرها ذلك تقدير العزيز العليم و اما تأخر بعض المسببات بعد تحقق اسبابها تامة فتوقعا لحصول بعض اسباب قابليتها فقد يكون السبب تاما و المقتضي موجودا و المانع في الجملة مفقودا و يتأخر المسبب لنقص قابليته لذلك الوجود فينتظر التمام من الزمان و المكان و غيرهما و من ذلك بروز ادم في هذه النشأة و نقص القابلية هو الموجب للتأخير و قد يكون سبب التأخير نقص السبب فينتظر المسبب في وجوده تمام السبب لكون السبب مركبا او متوقفا علي شئ و هذا و امثاله هو الموجب لتأخير بعض المسببات عن اسبابها التامة و اما قوله سلمه الله تعالي و هل قبل ادم في هذه الدار شئ ام لا فما مهيته و ما السبب في وجوده الخ ، نعم قد كان قبل ادم ابينا عليه [ص 22] السلم خلق كثير في الارض كما ذكر في الاخبار كالخلق الذين علي هيئة البقر و كالسلاحف و كالطير المسمي بالقرا و غير ذلك و لكنهم و ان كانوا في هذه الارض لكنها قبل ان تتكثف بل في حال بساطتها لان اولئك الخلق ليس من بشر التراب و انما هم من لطيف ذلك و هم برزخ الاشباح و بعد اولئك النسناس و الجان و هم برزخ بين اولئك الخلق و بين ادم ابينا (ع) و ذريته و الاصل في كون البرازخ و توسطها بين كل جنسين و كل نوعين هو اتصال مراتب الوجود لعدم امكان تخلل عدم ليس بمخلوق في الوجودات و الا لزم الفصل المستلزم لعدم الوجود و اما السبب في وجودها فهو تجلي الاسماء و الصفات الا ان ذلك قد اودع الاوضاع الفلكية فكل ما في العالم السفلي تجري امداداته و حاجاته في الافلاك و اوضاعها و الكواكب و اشعتها لان الله جعلها محل الاجابة و مقصد المسئلة فاذا سألها شئ و لاذ بها بفقر قابليته اجابت دعاه و اعطته ما اقتضاه و اما السبب في عدمهم و انقطاعهم فهو انتهاء مدتهم و ليس المراد بانقطاعهم و عدمهم فناءهم بل المراد انهم لميصلوا الي غاية بشر ( بغير خل ) التراب لان بشر التراب الذين هم ابونا و ذريته غاية الظهور للوجود المقيد و آخر ( اخرها خل ) مراتب ادبر فادبر و اقبل فاقبل و الا فان كل ما دخل في الوجود لميخرج عنه قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ ثم الي ربهم يحشرون .