قال سلمه الله تعالي : السادسة - هل يجوز ان يصدر من الواحد اكثر من واحد ام لا و البرهان علي الحق منهما فان كان الثاني و ليس الا النور المحمدي [ص 23] فاي شئ صدر عنه ثم اي شئ حتي ينتهي الي هذه النشأة .
اقول اعلم ان الواحد البسيط من كل جهة بحيث لايمكن ان يعتبر فيه لذاته جهة و جهة و لا حيث و حيث و لا اعتبار و اعتبار لايصح ان يوصف بصفات متعددة من هذه الحيثية بكل اعتبار هذا حكم الذات البحت و اما حكم الذات و صفاتها الذاتية فان يوصف بالحيوة و العلم و القدرة و السمع و البصر الي غير ذلك فهذه الصفات و ان كانت عين الذات و كل صفة نفس الاخري كما قال الصادق عليه السلم يسمع بما يبصر به الخ فانها متعددة بالاعتبار و التسمية من جهة تعدد اثارها فاما الواحد بالاعتبار الاول فلايصح ان يصدر عنه اكثر من واحد لانه لو صدر عنه اكثر من واحد لكان ما زاد علي الواحد اما ان يكون صادرا عنه او لا و الثاني خلاف المفروض فلايصح و الاول ان كان ما زاد علي الواحد هو الواحد و لا تميز بينهما و لا اثنينية فلا زيادة و ان تحققت الاثنينية ثبت خلاف المفروض و هو باطل لان المفروض الا جهة و جهة فلايكون التعدد الا عن متعدد و لو بالاعتبار و المفروض الا تعدد و لو بالاعتبار و اما الواحد بالاعتبار الثاني فيصح ان يصدر عنه اكثر من واحد لاعتبار تعدد الصفات فان زيدا اذا كان عالما و صايغا و نجارا صح ان يصدر عنه العلم باعتبار علمه و الصياغة و النجارة كذلك و لكن الواقع انه ماصدر عنه سبحانه الا واحد الا ان ذلك الواحد قد جمع مظاهر صفات الذات فهو في نفسه واحد و متعدد باعتبار فتكثرت الافاعيل باعتبار تعدده لان الواحد الحق سبحانه واحد و باعتبار دون ذلك وصف نفسه بصفات ، هذا [ص 24] علي ظاهر الكلام و اما علي ما هو الواقع فالواجب سبحانه لايعرف بخلقه و هذا المعني المشار اليه من احوال الخلق و اما امره تعالي فهو بخلاف خلقه فكلما يمكن فيهم يمتنع في حقه و كلما يمتنع عليهم يجب له فالخلق من جهة واحدة بلا مغايرة و لو بالاعتبار لايصدر عنه اكثر من واحد و يمتنع ذلك في حقه و الحق مع اعتبار ذلك تصدر عنه الاشياء المختلفة المتعددة بجهة واحدة و انما ذلك في المخلوق لعجز قابليته عن الوجود بحال واحد اذا كان اول صادر و ذلك لانه لما كان اول صادر وجب ان يملأ الفضاء الاقرب من مبدء الكل من كل جهة فلايقبل مثله في رتبته و مكانه و وقته الايجاد فالعجز من المخلوق لا ان الواحد من كل جهة لايمكن ان يصدر عنه اكثر من واحد لانه سبحانه اجري عادته في ايجاد الموجودات علي اسبابها لانه لميخلقها الا علي ما هي عليه فكان اول صادر عن فعله هو العقل الاول في رتبته و قد خلق الله امثاله في الخزانة العليا حين خلقه و اية ذلك ما تعقل انت من تعدده ان في ذلك لايات للمتوسمين فقولهم الواحد لايصدر عنه الا الواحد يصح علي ظاهر الكلام و علي ما يعرف ظاهرا من انه ماصدر عنه الا واحد لا مطلقا فافهم فاول فائض عن الحق ( الله خل ) سبحانه هو عالم الامر و الابداع و المشية و الارادة و كلها معني واحد و ان اختلفت اسماؤها كما قال الرضا عليه السلم الابداع و المشية و الارادة اسماؤها ثلاثة و معناها واحد و جميع هذا العالم علي اختلاف مراتبه بسيط ليس فيه كثرة و لا تعدد الا انفسها و لكنه انما يتكثر اثره بتعدد قابليات مفعولاته ثم كان اول صادر عنه العقل الاول نسبته اليه و صدوره عنه كالسراج عن [ص 25] النار كما اشار اليه سبحانه في قوله مثل نوره اي العقل الاول الي ان قال تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار نور علي نور ه ، فالزيت قابليته و هو الدواة الاولي و البلد الميت و الارض الجرز و النار هو المشية و السحاب المتراكم و الكلمة التامة و يجمع النار و الزيت المصباح فقوله تعالي كن يشير بالكاف الي المشية و الابداع و بالنون ( الي المشية بالكاف و الابداع بالكاف و خل ) الي الدواة الاولي و الارض الجرز و البلد الميت ( الميت بالنون خل ) فافهم و كان العقل الاول بسيطا و هو الالف القائم فلا كثرة فيه باعتبار التشخص الصوري و اما باعتبار التشخص ( الشخص خل ) المعنوي ففيه الكثرة لانه مجموع المعاني المجردة عن المادة و الصورة و المدة ثم كان اول صادر عن العقل الاول النفس الكلية و هي مجموع الصور المجردة عن المادة و المدة و هو اللوح المحفوظ و الكتاب المسطور و الالف المبسوط و النور الاخضر الذي اخضرت منه الخضرة كما ان العقل الاول هو القلم و الطور و النور الابيض الذي منه البياض و منه ضوء النهار و بينهما برزخ لايبغيان و هو الروح الاولي و نفخت فيه من روحي و شكله بين شكل العقل الذي هو الالف القائم و بين شكل النفس الذي هو الباء المعبر عنه بالالف المبسوط و شكل هذا بينهما هكذا
بعضه قائم و بعضه مبسوط لانه مجموع الرقائق و مثل الصور المجردة التي في الروح نسبتها من صور اللوح المحفوظ نسبة عالم المثال من الاجسام و هو نور اصفر منه اصفرت الصفرة ثم كان اول صادر عن النفس الكلية الطبيعة الكلية و هو نور احمر بسيط منه احمرت الحمرة و شكله شكل جيم و هو الالف الراكد ثم كان [ص 26] اول صادر عن الطبيعة الكلية الهيولي الكل و هي اخر المجردات و قولي اول صادر عنه مجاز و اما الحقيقي من القول فاول صادر عن الله سبحانه عالم المشية بتوسط نفسها لا غير لانه خلقها بنفسها و صدر العقل عن الله سبحانه بواسطة المشية و صدر الروح الكلية عن الله سبحانه بواسطة المشية و العقل و صدر النفس الكلية عن الله بواسطة المشية و العقل و الروح و صدر الطبيعة الكلية عن الله بواسطة ما ذكر و صدرت هيولي الكل عن الله بواسطة ما تقدمها و صدر عالم المثال و شكل الكل عن الله بواسطة ما تقدمه و صدر جسم الكل عن الله بواسطة ما قبله و صدر الفلك الاطلس عن الله بواسطة ما سبق ذكره و صدر الفلك المكوكب عن الله بواسطة ما سبقه و صدر فلك الشمس عن الله بواسطة ما ذكر و صدر فلك زحل و فلك القمر عن الله بواسطة ما ذكر و بواسطة فلك الشمس و خصوص العقل الاول و صدر فلك المشتري و فلك عطارد عن الله بواسطة ما ذكر و بواسطة الشمس و خصوص النفس الكلية و صدر فلك المريخ و فلك الزهرة عن الله تعالي بواسطة ما ذكر و بواسطة الشمس و خصوص الطبيعة الكلية و صدر عن الله بواسطة ما سبق كرة النار و صدر عن الله بواسطة الجميع الهواء و صدر الماء عن الله بتوسط الجميع و صدرت الارض عن الله بتوسط الجميع و كذلك صدر المعدن عن الله بتوسط الجميع و كذلك صدر النبات عن الله بتوسط ما قبله مما ذكر و كذلك صدر الحيوان و كذلك صدر الملك و كذلك صدر الجان و كذلك صدر الانسان فهذا ترتيب مراتب كليات الوجودات علي سبيل الاختصار و الاقتصار و اعلم ان النور المحمدي له مراتب اعلاها مقام او ادني و هو بحر المشية و دونه مقام قاب قوسين و هو مقام العقل الاول و الاسم البديع و دونه مقام الحجب و الاسم الباعث فالاول مقام لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن هو و هو هو و نحن نحن [ص 27] و الثاني مقام اوحينا اليك روحا من امرنا الاية ، و الثالث مقام الروح الذي علي ملئكة الحجب الذي اشار اليه علي بن الحسين عليهما السلم في الصحيفة السجادية في دعائه للملائكة فانه ذكر الروحين فقال عليه السلم و الروح الذي علي ملئكة الحجب و الروح الذي هو من امرك ه .
قال سلمه الله تعالي : السابعة - ما اصل هذه الشرور الواقعة في هذا العالم و ما سبب وجودها فيه و في نفسها و ما اصل الشياطين و الابالسة الموقعين للشرور و الغوايات و ما سبب وجودهم و من اين مصدر الجميع و ما حقيقة الشيطان ( الشياطين خل ) و الملك .
اقول ان اصل هذه الشرور الواقعة ( الواقعة و خل ) مبدئها الماهيات التي ماشمت رائحة الوجود و ذلك لان الوجود لما فاض من المبدء ( المبدء المبدء خل ) الاول سبحانه كان له جهتان جهة من نفسه و انفعاله عند فعل الفاعل و هو المهية و الانية و جهة من ربه و هو كونه نورا لربه و صفة لفعله فهو ابدا قائم به قيام صدور لا قيام عروض فلا تحقق له في حال الا بانه صفة و ظهور للفاعل و هو الوجود و الانسان مركب من هذا الوجود بهذا الاعتبار بمعني انه لايكون و لايسمي وجودا الا من حيث كونه ظهورا و صفة لفاعله و من المهية بالمعني المتقدم في بيانها من انها الانفعال و لا ريب ان الوجود من الفاعل و ان الانفعال من المفعول كالكسر فانه من الكاسر و الانكسار ليس من الكاسر و انما هو من المنكسر و ليس ثم منفعل وقع عليه الفعل فحدث منه الانفعال بل المراد بالمنفعل في الحقيقة هو الوجود فانه لما اوجده الله انوجد و لميمتنع عن الايجاد [ص 28] فهو في الحقيقة مركب من الفعل و الانفعال اذ ليس الوجود شيئا قبل الايجاد و لميوجد من شئ و انما اوجده لا من شئ فاذا تحققت ذلك فاعلم ان الوجود نور الله و صفة فعله و هو حادث و المهية ظل الوجود و الانسان مركب منهما و الحادث لا قوام له الا بالمدد و للوجود ميل و شهوة لتحصيل كمالاته و للمهية ميل و شهوة لتحصيل كمالاتها فتركبت في الانسان شهوة و ميل و لكل من الوجود و المهية باب فباب الوجود العقل و باب المهية النفس الامارة بالسوء فاذا اشتهي الوجود شيئا من كمالاته اذن العقل و طلب منه ذلك فحرك لطاعته الالات و القوي بما يريد و لايريد الا ما يريد الله و يحب و اذا اشتهت المهية شيئا من كمالاتها آذنت النفس الامارة و طلبت منها ذلك فحركت لطاعتها الالات و القوي بما تريد و لاتريد الا خلاف ما يريد الله ثم اعلم ان الالات و القوي خلقت لخدمة الوجود و العقل خاصة و لكنها جعلت صالحة لان تستعملها ( يستعملها خل ) المهية و النفس الامارة لتتم الحجة عليهما لئلايقولا يا ربنا خلقتنا و خلقت الوجود و العقل و هما ضدان لنا و خلقت لهما الالات و القوي اعانة لهما علي شهواتهما و لمتخلق لنا مثل ذلك و نحن ضد لهما فلما كان ذلك صالحا للجميع بلغت حجة الله علي الجميع و تمت كلمة الله بما اجري علي العاصي و المطيع فيطلب العقل شهوة الوجود كما اراد منه بما يريد الله و يحب و يرضاه و تطلب النفس الامارة شهوة المهية كما ارادت منها بما لايريد الله و لايحبه و لايرضاه فالخيرات من الله بالذات و بالوجود لكونها ( فكونها خل ) من تمام الوجود و شهوته و [ص 29] الوجود اثر الله و صفة فعله و الشرور بالله ( بالله و خل ) بالعرض لكونها من تمام قابلية الخيرات من حيث هي خيرات للوجود و من الماهية ( المهيات خل ) بالذات لكون الشرور اعداما و المهية ليست من الله بل هي من الوجود و بالله فاصلها مجتث و هي اصل الشرور فيكون الشرور اعداما و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي و الذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتي اذا جاءه لميجده شيئا فشبه اعمالهم بالسراب الذي يظن الظمان انه ماء و الظمان هو الكافر و السراب اعماله و امثال ذلك كثير فهذا اصل الشرور و بيان مبدءها و اما سبب وجودها في هذا العالم فلان الشرور انما اوجدت في هذا العالم لانها من تمام الخيرات لان الطاعة انما تكون من المرء طاعة اذا كان قادرا علي المعصية متمكنا من فعلها بحصول الالات و القوي الصالحة لها و وجود الداعي من النفس اليها فاذا ترك المعصية مع قدرته عليها مختارا و فعل الطاعة كانت الطاعة تامة اذ لو لميقدر علي المعصية لميكن له مناص عن فعل الطاعة فلاتكون الطاعة تامة لانه لميتمكن من ضدها فلما كانت الخيرات لاتتم بدونها وجب في الحكمة وضع ما يصلح ان يكون سببا لها و يلزم من ذلك وجودها و الا فلا فائدة لذلك الصلوح و لانها ضد الخيرات فيجب وجوده حيث ان لكل شئ ضدا الا الواحد الفرد سبحانه و تعالي و الي هذا المعني اشار الرضا ( الصادق خل ) عليه السلم بقوله ان الله سبحانه لميخلق شيئا فردا قائما بذاته للدلالة عليه و قال الله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون و اما اصل الشياطين و الابالسة الموقعين للشرور و الغوايات و سبب وجودهم الخ ، [ص 30] فاعلم ان العقل الاول الذي هو المصباح و نور الله الذي اشرقت به السموات و الارضون لما اظهره الله في اول الوجود المقيد تشعشعت انواره و ملأت الاكوان سبحاته فلما قال له الله سبحانه ادبر فادبر باذن الله لايجاد ما امره ( امر خل ) به فخلق من تلك الاشعة و السبحات العقلية ملئكة كروبيين و ارواحا خلاقين و جعلهم خدمته و اعوانه علي ما اريد منه و هم مختلفون في القوة و الضعف و الكثرة و القلة و الاضاءة و عدمها و القرب و البعد من مقام الروح الكلية الي التراب كل ملك من جنس روح مسكنه و لايتعداه صاعدا فملئكة الارواح لايقدرون علي مزاحمة سيدهم العقل و ملئكة النفوس لايقدرون علي مزاحمة ملئكة الارواح و لايصلون الي مقامهم و لايقدرون علي ما حملوا به و هكذا مراتب الملئكة الي الملئكة الترابيين و ان من الملئكة من السموات و الارض بقبضته و في يده كحبة الخردل في يد احدكم و ان من الملئكة من يعجز عن حمل حبة الخردل بل منهم من تعجز ( يعجز خل ) المائة منهم عن حمل حبة الخردل هذا بيان الملئكة في الجملة و اما الشياطين فان الله سبحانه لما خلق العقل كما مر خلق الجهل الاول لانه ضده علي عكس ما هو عليه من النور و الاستقامة و القيام و الطاعة و عمت ظلمته الماديات فلما امره الله تعالي بالادبار ادبر لان الادبار بعد عن النور فلما امره بالاقبال ادبر موليا حتي اتخذ الهه ( الله خل ) هواه فخلق الله من غرفات ظلمته و عكوسات توليته شياطين ترتبت في وجودها ترتب الملئكة علي نحو المقابلة و الضد فقابلت الملئكة في جميع الماديات و يستمدون في [ص 31] وجودهم من الجهل الاول كما تستمد الملئكة من العقل الاول و يغتذون بالمعاصي و القبائح كما تغتذي الملئكة بالتسبيح و الطاعات و مثال الملئكة من العقل الاول كالاشعة من الشمس و مثال الشياطين من الجهل الاول كالاظلة من الكثيف كالجدار و الارض و سبب وجودهم ما قلنا لك في الخيرات و الشرور و لان الوجود المقيد قد مازجت ماهياته وجوداته ( وجوداته و مهياته خل ) فاقتضي حكم المختار في فعله صنع ما تأهل لصنعه و طلب من ربه الغني غناه و ساله ( مسئلته خل ) فاعطي كلا ما سأله و حمل كل متعرض ما حمله الا ان الوجود و جميع ما كان عنه طلب من الله رضاه فاعطاه مناه و اما المهية و جميع ما كان عنها طلبت من الله خلاف ما احب و اراد و اما مصدرهم فالملئكة مصدرها العقل الاول عن الله و العقل عن المشية و المشية عن العلم و العلم عن الذات البحت و الشياطين مصدرهم الجهل الاول و الجهل الاول من العقل الاول لا عنه بمعني انه موجود بتبعية وجوده فليس بموجود بالذات بل بالعرض و معني العرض انه اوجد لتمام الوجود و الحق المخلوق و قد مرت الاشارة الي مثل ذلك و اما حقيقة الشيطان و الملك فقد تقدم الاشارة اليها .
قال سلمه الله تعالي : الثامنة - ورد في الاخبار ان الله تعالي اوقع تكليفا قبل هذا العالم فنشر الخلق بين يديه كالذر فاجج لهم نارا فامرهم بالوثوب فيها فاطاع من اطاع و عصي من عصي فاظهر من عصي الندم فامر بالوثوب مرة اخري فعصي فقال تعالي هذه للنار و لاابالي فمن الغاوي لمن عصي و بعد استحقاق احد الفريقين الجنة و الآخر ( الاخري خل ) النار فما فائدة ايجادهم في هذه [ص 32] الدار خصوصا اهل النار و ما حقيقة هذه النار و ما فائدة هذا التكليف .
اقول ان العوالم جميعها من الدرة الي الذرة كل ذرة منها تسأل الله سبحانه ما استأهلت له بقدر قابليتها في كل رتبة بمقتضاها فاقتضت النسمات في عالم الاظلة من الايجاد لسؤالها و استعدادها ما هم عليه فعرض عليهم التكليف سلما لايصلون الي ما فيه سعادتهم الا به و عرضهم للخير الذي فيه نجاتهم علي سبيل الاختيار ليختاروا ما اختار لهم و ما فيه صلاحهم فطلبوا ما اختاروا لانفسهم فلميحل بينهم و بين ذلك لئلايكون الجاء الي ما يحب فلايكون ما يحب و اما نشرهم بين يديه فكناية عن جمعهم و حشرهم للتكليف علي سبيل الاختيار علي اختلاف مراتبهم و احوالهم و اذواقهم و اما انهم كالذر فكناية ( كناية خل ) عن انهم مجردون اذ ذاك ليس فيهم شئ من احوال الاجسام و المواد الا اقتران شئونهم بالاجسام و المواد لان عالم النفوس و ان كانت مجردة في انفسها الا انها مقارنة لا مفارقة كالعقول و تلك المقارنة اذا جسمتها كانت بقدر جسد الذر لا ان ( لان خل ) النفوس و الاظلة صورهم بقدر صور الذر بل هم بقدرهم في الدنيا في المقدار و لانهم للطافتهم يلجون في سم الخياط و اما النار التي اججها لهم فهي ( في خل ) نار التكليف و الكون التشريعي و الايجاد التكليفي و هي في الظاهر نار لانها من الحركة الكونية و العلم العلي و لكنها في الحقيقة جنة الابرار و مستبق الاخيار فاول من دخلها محمد صلي الله عليه و آله ثم علي ثم الحسن و الحسين الحسن عن يمين الحسين ( ثم علي ثم الحسن ثم الحسين خل ) ثم القائم ثم علي بن الحسين ثم الباقر ثم الصادق ثم الكاظم ثم الرضا ثم الجواد ثم الهادي ثم [ص 33] العسكري ثم فاطمة عليهم السلم هؤلاء عالم تام هو مظهر اسم الله الجواد و جواد اربعةعشر و يد الله اربعةعشر و لهم خلق صنائع ( و صنائع خل ) فاشرف انوارهم و اعلي الكروبيين نوح عليه السلم ثم ابرهيم ثم موسي ثم عيسي عليهم السلم ثم الامثل فالامثل من الرسل ثم من الانبياء ثم من الاولياء الاركان ثم الابدال ثم النجباء ثم الصالحون و هكذا الي التراب الطيب الذي ليس فيه ملوحة و لا سبخ و هكذا فمن اطاع باختياره فلأنه خلق علي هيكل التوحيد و فطرة الاسلام فعرضت عليه نار التكليف و هي طبق لفطرته و وفق لصورته فقبل ما وافقه و رفع سبحانه عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم اهله و من عصي باختياره فلأنه و ان كان انما خلق علي الفطرة و لكن اسباب الجهل و سلطنته قد سبقت الي الاجسام و الي المقارنات من النفوس فتمكنت فيها و غيرت صورتها و نكرت عرشها و لبست عليها اصل فطرتها ثم لما وردت اسباب العقل و سلطنته علي تلك الصورة المنكرة لمتثبت علي ذلك التغير و التبدل لانها انما تثبت و تستقر علي الحق فلما امروا بدخول نار التكليف التي تطابق اصل الفطرة هابوا منها و نفروا عنها بخلاف الطائعين لانهم لميرتابوا و سلموا فيما يرد عليهم فلما ورد عليهم التكليف لميواف اختلافا و لا تغييرا و اما العاصون فبما كسبت ايديهم و منعهم اطاقة القبول فوافقوا ( توافقوا خل ) ما في علمه تعالي فحق عليهم القول و ما ربك بظلام للعبيد فلايبالي بهم و هم الغاوون كما قال تعالي حكاية عنهم فحق علينا قول ربنا انا لذائقون فاغويناكم انا كنا غاوين و اما فائدة ايجادهم في هذه الدار فهو [ص 34] ( هو خل ) تمام صلاحية الصالحين و صحة هداية المهتدين و اقتضاء اتصال الايجاد و اجابة مسئلة السائلين من القابليات و اعطاء كل ذي حق حقه و اما قوله ايده الله تعالي و ما حقيقة هذه النار فجوابه قد تقدم من انها نار التكليف و هي حرارة الحركة الكونية التي هي العلة في المكونات المتحركة و اما قوله و ما فائدة هذا التكليف فكما اشرنا اليه سابقا انه سلم و وصلة لهم و تعليم لهم بطرق ( بطريق خل ) اكتساب حوائجهم التي سألوها منه بالسنة استعداداتهم و امداد لهم بمواد مراداتهم مما يتعلق بامر معادهم و معاشهم و تصحيح اعتقاداتهم و ما فيه نجاتهم و ما يقرب اليه و يبعد عن هلاكهم و فساد احوالهم و اطوارهم و اوطارهم في دنياهم و اخرتهم الي غير ذلك ففي الحقيقة التكليف تكوين لان الصنع التشريعي ايجاد تكويني و بالعكس اي الايجاد التكويني ايجاد تشريعي فافهم .
قال ايده الله تعالي : التاسعة - هل في الاخرة تكليف ام لا و علي الاول فهل هو لاهل الجنة ام اهل النار ام الجميع و هل هو دائم ام لا و هل فيه استعمال هذه الحواس و الجوارح و كيف يكون التكليف بلا كلفة .
اقول اعلم ان التكليف سلم و وصلة الي تحصيل حوائجهم من الغني المطلق و تعليم لهم بطرق اكتساب مواد مراداتهم و ما فيه نجاتهم كما مر و هو في كل شئ بحسبه مثلا تكليف ابن ادم في الدنيا العبادات و الاعتقادات و تكليف الحيوانات العطف علي اولادها و اهتدائها للسفاد و احترازها عن المرديات و سعيها في غذائها و تذلل حمولتها للركوب و الحمل عليها و ما خلقت له و تكليف الحجر استمساكها في نفسها و صدمها [ص 35] و طلبها لمركزها و تفتتها عند صدم ما هو اقوي منها ( و تفتتها عند صدم ما هو اقوي منها و طلبها لمركزها خل ) و امثال ذلك و تكليف المدر استمساكها في وقت و تفتتها في وقت و تكليف النبات جذبها الغذاء بعروقها و نموها و اثمارها و ايناعها و امثال ذلك فتكليف كل شئ علي حسب ما يراد منه فيكون تكليف اهل الجنة تنعمهم بشهواتهم و تجدد شبابهم و تلذذهم بمناجاة ربهم و بدعواهم سبحانك اللهم و تحيتهم فيها سلام و ان الحمد لله رب العالمين و امثال ذلك من بقائهم و دوام نعيمهم فهذا و امثاله هذا تكليفهم و اذا سمعت انه لا تكليف فيها فالمراد به هذا التكليف الدنياوي و هو حق فانه بهذا المعني لايجوز ان يكون في الجنة و لا في النار و كذلك تكليف اهل النار علي عكس ما ذكر في تكليف اهل الجنة و اما البقاء فعكسه لهم كلما نضجت جلودهم الاية فافهم .
قال حفظه الله تعالي : العاشرة - انه تعالي قال و لهم فيها ما يشتهون ، فهل يشتهون مقام النبوة ام لا فان كان الاول ( الملزوم خل ) لزم تساوي جميع اهل الجنة في الرتبة ان حصل لهم ذلك و ان لميحصل نافي ظاهر الاية و ان كان الثاني فما المانع لهم عن ذلك و ما الصارف لهم عنه و هو الذ و اشهي ما فيها هذا ما اوردت عرضته ( عرضه خل ) علي باب نوالك فان جدت فمثلك ( وجدت فعليك خل ) حقيق بتحقيق اهل الرفاد و ان منعت فانا الحقيق بالمنع و الابعاد و السلام علي تلك الانفاس الزكية عائد ( عائدا خل ) كما بدء و رحمة الله و بركاته . الي هنا انتهي كلامه اعلي الله مقامه .
و اقول اعلم ( و اعلم خل ) ان الشهوة في الحقيقة هي ميل المشتهي الي ما [ص 36] يلائمه سواء كان ذلك المقتضي للملائم حقيقي فيه او عرضي لان المشتهي طالب لكماله في شهوته و لاتكون الشهوة الا لصفة فيه يقتضي ما يشتهيه فاما في الدنيا فحيث كان مختلطا بالاعراض و الاغراض و التركيبات و الاضافات و النسب و الاوضاع التي ليست من حقيقة الخليقة و انما طرئت علي خلاف فطرتها فعرضت لها صفات اقتضت احكاما مخالفة لاحكام حقيقتها كالجمود اذا عرض للماء بواسطة برودة ليست من حقيقته ( حقيقة خل ) فانه اذا جمد ترتب ( رتب خل ) علي الجمود احكام ( جموده احكاما خل ) لايترتب علي الماء كالانكسار فانه حكم لاحق بالثلجية و ليس في الماء ( للماء خل ) انكسار و كقبول الجزء المتصل منه ( بما منه خل ) بالكثير منه للنجاسة و كحمله في القفص و غير ذلك فلو زال عنه ما عرض له من الجمود بان ذاب لميقبل الانكسار اذ ليس في حقيقته و فطرته يبس يلزم له ذلك فالانسان في هذه الدنيا قد يشتهي الخمول و قد يشتهي الربوبية و قد يشتهي الامامة و النبوة و الرياسة و الانوثية من الذكر و الذكورية من الانثي و غير ذلك و ما ذلك الا لما عرض له و اما اذا اماته فاقبره و اكلت الارض و الجندل و البلاء بكرور الايام و الليالي جميع ما عرض له من الاضافات و التركيبات و النسب و الاوضاع العادية و غيرها مما يخالف فطرته و يغاير حقيقته خرج علي فطرته الاولية كما قال تعالي كما بدءكم تعودون و قال تعالي و لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة فاذا دخل الجنة طاهرا من الاعراض ( الاغراض خل ) المغائرة و الاغيار المنافرة اشتهي ما تقتضيه فطرته و تركيباته الذاتية و اوضاعه الاصلية و نسبه الحقيقية ( الحقيقي خل ) و هي ما امره ( امر خل ) الله تعالي [ص 37] به من الآداب و المكارم و الشهوات الراجحة مما فيه صلاح الدارين بحيث اذا نظر العارف لميجد شيئا يقتضي كمالا يليق بشخص بمعني انه صلاح لا مفسدة فيه الا امره الله تعالي به و ندبه اليه و اعانه عليه اعانة لايلزم منه ( منها خل ) الالجاء لما في الالجاء من فساد ما كان صالحا لولاه قال تعالي و لو اتبع الحق اهوائهم لفسدت السموات و الارض و من فيهن بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون فكلما لميرد من الشارع الاذن فيه من الفضائل و المراتب العالية و ساير الشهوات لذاته اما ما نهي عنه لعلة كالخمر فانها غدا تزول العلة المانعة لايصح ان يطلبه اهل الجنة لانه عليه السلم لميزو ( لمنرو خل ) عنهم طيبا يصلحهم قال تعالي و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث و الاصل فيه انه سبحانه يعطي كل ذي حق حقه فلايشتهي الا مقامه لان ( فانه خل ) الشهوة اذ ذاك صحيحة صادقة الاتري ان احدا لايريد الصعود الي السماء ارادة صحيحة لان الارادة شرط صحتها وجود العلم بالمراد و القدرة عليه فلو وجد العلم و القدرة بحصول ما يتوقف عليه صحة الارادة للصعود الي السماء و كذلك احوال اهل الجنة فان شهوتهم صحيحة فلاتقع الا ما تقتضيه فطرته فلايشتهي احد من اهل الجنة و ليس من الانبياء مقام النبوة لما قلنا و ان كان يعرف ان مقامها اعلي من مقامه كما ان المستقيم لايريد صعود السماء و ان كان يعرف انه اعلي من مكانه فالشهوة لهم مبسوطة في كل شئ الا انها شهوة صحيحة و ارادة مستقيمة و لايكون غيرها لطهارة اهل الجنة عن التركيبات و الاعراض و الاغراض و النسب الغريبة كما قلنا و هذا هو الصارف لهم عن [ص 38] شهوة ما ليس لهم و اعلم هداك الله اني كما علمت من تشويش البال و اختلاف الاحوال فيما لايحتمله المقام و المقال و لكن لايسقط الميسور بالمعسور و الي الله ترجع الامور و كتب مؤلفها العبد المسكين احمد بن زينالدين بن ابرهيم الاحسائي في الثامنعشر من ذيالحجة الحرام يوم الجمعة سنة ١٢١٣ و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و الحمد لله رب العالمين اولا و آخرا و ظاهرا و باطنا .