الفوائد السبع
( الملحقة الي الفوائد الاثنتيعشرة )
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
في الاشارة الي بيان كيفيّة تكوّن الموجودات و تنزّلاتها في مراتب ظهوراتها و بيان ما يلحق اكوانها من عوارض مراتبها .
اعلم ان الله سبحانه خلق الاشياۤء لا من شيءٍ اي لا من مادةٍ كانت معه غير مكوّنةٍ و الّا لكانت مخلوقة من حِصَصٍ قديمةٍ لمتزل ، تعالي ربّي عن ذلك عُلوّاً كبيراً بل خلق لها ماۤدةً اخترعها لا من شيء سبق و انما هي تأكيد فعله و اثره مثل ايجادِ ضرباً الذي هو الحدَث مِنْ ضَرَبَ و ذلك هو هيولي الاشياۤء و وجودها و هو الذات الذي ذَوَّتَ منه و من اشعّته الذوات لانّ الجوهر ان كان جسماً فهو متقوّم بصفاته و اعراض افعاله التي هي منشأ قابليته للتكوين و الظهور في اعيانِ رتبته و ان كان مجرّدا فهو متقوّم بما تلبّسَ و امكن فيه من صفات افعاله و اَعْراض رتبته من الكون و الي هذا المعني الاشارة بقول اميرالمؤمنين عليه السلم و الذي بالجسم ظهوره فالعرَضُ يلزمه ه ، و المراد ان المجرّد لايوجد الّا اذا قَبِلَ الايجاد و قبوله لا بُدّ ان يكون ● متأخراً عن مقبوله بالذات و الرتبة لانّ القبول فعل موجود و الفعل صفة فاعله و الصفة متأخرة عن الموصوف في الذات و الرتبة لانها مخلوقة منه و لما لميكن موجوداً قبل قبوله للايجاد لتوقفه علي قبوله و لميعقل وجود الصفة قبل الموصوف وجب ان يكون ظهورهما معاً لتوقف ظهور المقبول علي وجود القابل و توقف تحقق القابل علي وجود المقبول لانّه صفة المقبول و ذلك كالكسر و الانكسار فانّ الانكسار فعل من الكسر و صفة له الّا ان ظهوره متوقف علي الانكسار فلما خلق الله المقبول اعني الهيولي [ص 3] انخلق فانخلق هو القبول و هو فعل من المخلوق اي المقبول خلقه الله بامكانه و استعداده من نفس المقبول من حيث نفسه اي من حيث هو هو و هذا القبول هو صورته و ماهيته و ظاهره اللازم له و ظاهر المجرد اللازم ( له خم ) هو ( و خل ) باطن جسمه فاذا تنزّل الي رتبة الجسمية بظاهره ظهر جسمه و هو مادة جسمه ايضاً هي المقبول و ظاهرها هو القبول اعني معيّناتها من الكمّ و الكيف و الوقت و المكان و الرتبة و الجهة و ما يلزم ذلك و هكذا كلما نزل الي رتبة تلبّس باعراضها التي هي حدود قابليته للتنزل ( المتنزل خل ، التنزل خم ) الي تلك الرتبة فالقبول في كل رتبة من مراتب النزول ظاهر و صفة و مركب حامل للمقبول و المقبول في كل تنزّلاته باقٍ في كل تنزّله في رتبته قبل التنزل و انما ينزل بحدود صفاته الفعلية فالفؤاد تعيّن بامدادات فعلية فؤادية عقلية تنزّل بها الي رتبه العقل بالعقل و العقل تميّز بتاييدات فعلية تنزّل بها الي رتبة الروح ثم النفس و النفس تشخّصت بمشخصات فعلية نفسانية تنزّلت بها الي رتبة الطبيعة و الطبيعة انعمت و ذابت باحوال فعلية طبيعية انعقدت بها و تنزّلت ( بها خل ) الي رتبة جواهر الهباۤء و الحصص المادية و الجواهر الهباۤئية و الحصص الماديّة تنقّلت ( انتقلت خل ) في مراتب تنزّلاتها بما به تعيّنها من آثار الصور الجوهرية النفسانية و تلك الآثار هي الصور المثالية فنزلت تلك الجواهر الهباۤئية مصاحبة لما لبست من تلك الآثار التي اتّصفت افعالها بها بالقوة فتلقّتها الملئكة المدبّرة من العرش الذي تلقّتها من الماۤء الحامل له حتي القتها علي الريح و القتها الريح علي السحاب و القتها [ص 4] السحاب علي الأرض ماۤء فاختلط به نبات الأرض فانحلّ منه جزءان بجزء من التراب مشاكل فجري غذاۤء في الشجر و النبات فخرج متاعاً للانسان و الأنعام فكان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم يكسي العظام لحماً ثم ينشئ خلقاً آخر عند الولادة الجسمانية حين ظهرت النفس الحيوانية الفلكية الحسّيّة ثم تظهر النفس الناطقة القدسيّة عند الولادة الدنيوية و هي التي موادّها من التاييدات العقلية فتتولد نفوس عمرو و بكر و خالد من نفس ابيهم زيد بما صحبها من مقتضيات تشخّصاتها من افعال طبايعها و اوصافها الكامنة فيها بسبب اختلافها و تغايرها كما تتكثّر ( لتكثّر خل ) الصور المنعكسة عن صورة زيد المنطبعة في المرءاة اذا قابلت مرايا متعددة و مثال ما اشرنا اليه ايضاً مثل حبّة الحنطة اذا زرعت فانّ طبيعتها مثل الجوهر المجرد و صفاتها و صفات صفاتها مثل الامدادات و التاييدات و التنزّلات علي نحو ما ذكر في تنزل الفؤاد اعني الوجود فان الحبّة تنشق بما فيها من الطبيعة و الأفعال التي هي القابلية في كل رتبة بحسبها حتي يظهر ما في صفاتها بالقوة منها الي الفعل عوداً اخضر و الحبّة في غيب العود الأخضر كامنة كنطفة زيد في صلبه التي يتكوّن منها ابنه عمرو الي ان تتكون من تلك الاوصاف سنبلة تكون للحبّ ( للحبّة خل ) بمنزلة المشيمة و بطن الأُمّ للجنين و لما تعددت تلك الأوصاف الفعلية الطبيعية تعددت آثارها و اختلفت فكانت تلك السنبلة متعددة البيوت فانبسطت تلك الطبيعة علي تلك البيوت فتعددت كما تتعدد الصور من الوجه الواحد في المرايا المتعددة و كما تتعدد عمرو و بكر و [ص 5] خالد من نطفة ابيهم زيد و هذه الأوصاف الفعلية التي منها يكون الأطوار الجسمية و الجسمانية و التعيّنات العقلية و النفسية و الطبيعية كانت منها مقبولات عرضية في كل رتبة بنسبتها جعلت لها قابليات من نفسها كالمقبولات الذاتية و تحقق الأِتّصاف بها بتحقق قوابلها الي انتهاۤء قوس النزول بانتهاۤء ادبار مؤثرها فلما قيل له اقبل اقبل فاقبل بآثاره اقبلت الآثار باغراضها بالغين المعجمة و القت اعراضها بالعين المهملة فاتّصف باطنها بظاهرها و تحلّي ( تجلّي خل ) ظاهرها بباطنها فحصل لباطنها الاغراض الظاهرة كالباطنة و حصل لظاهرها الاغراض الباطنة كالظاهرة فادركت بباطنها الباطن و الظاهر و ادركت بظاهرها الظاهر و الباطن و الاصل فيما اشرنا اليه انّ الهيولي الأولي اعني الوجود بالمعني الأول لاتتقوّم الّا بصورتها اعني الماهية بالمعني الأوّل لانها جزء ماهية الشيء اذ كل ممكنٍ مركبٌ من مادة و صورة و لكنها في كل رتبة بنسبتها فتعيّن الأجناس بالمعيّنات الجنسية و الأنواع بالمعيّنات النوعية و الأفراد بالمعيّنات ( بالتعيّنات خل ) الشخصية و المعيّنات التي هي حدود الصورة و القابلية مخلوقة من نفس المقبول اعني المادة من حيث هي هي فاذا ( فلذا خم ) كانت جزء ماهية الشيء و ان كانت ظاهره الحامل لباطنه كما خلقت حوّاۤء من آدم عليهما السلام قال تعالي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها لانّ المادة هي الأب كما تقدّم و الصورة هي الأمّ كما دلّ عليه العقل و نصّ عليه النقل فالحبّة التي مثّلنا بها هي المادة بصورتها و العود الأخضر الذي هو ظاهرها غيب فيها طوته الحبّة في وصفها و في صورتها طيّاً فاذا [ص 6] زرعتها ظهر العود الأخضر و كمنت الحبة في باطنه كما كمن قبل زرعها في ظاهرها حتي تظهر الحبّة في السنبلة متعددة متكثرة في اكمامها المتكثرة و محالّها المتعددة كما تتحد النطف في صلب الرجل و تتعدد في القوابل و تتكثر في الأرحام و قد اشرنا الي ذلك قبل هذا و ادلة ما اشرنا اليه في قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق . و في مثل قول الامام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية الحديث . و في قول الامام الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب انّ الأِستدلال علي ما هناك لايعلم الّا بما هيٰهنا ه ، و امثال ذلك مما يفيده دليل الحكمة .
اعلم ان الوجود الممكن ذهب فيه اكثر الحكماۤء و العلماۤء من اهل الملل و اهل النحل الي ان هذه الموجودات المتكثرة المتعددة المختلفة كلها من طينة واحدة و انما اختلف ( اختلفت خم ) باختلاف معيّناته و تغايرها و تكثّر ( تكثّرها خل ) بتكثّر مراتبه ( و تكثر مراتبه خم ) من جهة القرب الي المبدء و البُعد كما تكثّرت مراتب نور السراج الواحد من جهة قربه من السراج و بعده فاقواها نوراً و حرارةً ما كان اقرب الي السراج و اضعفها نوراً و حرارةً ما كان ابعد منه و ما بينهما بالنسبة فانه تعالي خلق الوجود لا غير و هو اول ما خلق الله عز و جل و هو الماۤء المذكور في القرءان و الاحاديث فخلق من صفوته نور محمد صلي الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام ثم خلق من صفوة الباقي انوار الأنبياۤء عليهم السلام ثمّ خلق من [ص 7] صفوة الباقي انوار المؤمنين من الأنس ثم المؤمنين من الجن ثم الملئكة ثم الحيوانات ثم النباتات ثم المعادن ثم الجمادات و امّا ( الانسُ خ ) الكفّار و الجنُّ الكفّار و الشياطين و المسوخ و النباتُ المُرّ و الأرضُ السبخة فمن عكوسات اولئك الأنوار و اظلّتهم و لهم ( و دلّهم خم ) علي وحدة طينة هؤلاۤء المتكثرين ظواهر الأخبار فان الفاظ تلك الأدلة وردت بالوحدة مثل ( قوله عليه السلام خم ) انّ اول ما خلق الله الماۤء و خلق منه كذا و كذا و مثل قوله تعالي و جعلنا من الماۤء كل شيء حيّ أفلايؤمنون حتي انه لايكاد يوجد قاۤئل بخلاف هذا و يجعلون جميع الممكنات من طينة واحدة و رتبة واحدة و انما اختلفت الأشياۤء بسبب اختلاف مشخّصاتها و بتغاير مراتبها في الشدّة و الضعف كما هو شان مراتب المشكّك بحيث كانت عندهم طينة الحجر و التراب من طينة نور محمد صلي الله عليه و آله و هذا غلط و باطل و زبد مجتث زاۤئل اذ لو كان كذلك لأمكن في الناقص ان يلحق بالكامل مع بقاۤء نقصانه الذاتي فيجوز للمؤمن الصالح العامل بما امر به ان يسئل الله تعالي ان يجعله نبيّاً لأنّه علي هذا القول انما لميكن نبيّاً لأنّه ناقص في بعض ما يتعلق به التكليف و الا فطينة الأنبياۤء عليهم السلام و طينة المؤمنين واحدة و ليس كذلك فان قلت انه قد ورد ان الأنبياۤء عليهم السلام و المؤمنين مشتركون في طينة واحدة كما هو معني حديث بصاۤئرالدرجات قلت نعم و سنذكره ان شاۤء الله تعالي و لكن المراد منه اِمّا كون المراد من الشيعة الأنبياۤء عليهم السلام فيكون المراد من الشيعة مطلق الأنبياۤء و من الأنبياۤء المرسلين او المراد بالطينة المشترك [ص 8] فيها طينة الصفة اعني الشيعة لا طينة الذات او الصورة الذاتية اعني الصبغ في الرحمة فان الله تعالي خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و المراد بالمشاركة في نقل العلم منهم عليهم السلام كما قال الباقر عليه السلام في حديث الحسن البصري في قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة قال عليه السلام بل فينا ضرب الله الأمثال في القرءان فنحن القري التي بارك الله فيها و ذلك قول الله عز و جل فيمن اقرّ بفضلنا حيث امرهم ان يأتونا فقال و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها اي و جعلنا بينهم و بين شيعتهم القري التي باركنا فيها قري ظاهرة او القري الظاهرة الرسل و النقلة عنّا الي شيعتنا و فقهاۤء شيعتنا و قوله سبحانه و قدّرنا فيها السير السير مثل العلم سير به سيروا فيها ليالي و اياماً مثلٌ لما يسير من العلم و الليالي و الأيّام عنّا اليهم في الحلال و الحرام و الفراۤئض و الأحكام آمنين فيها اذا اخذوا عن معدنها الذي امروا ان يأخذوا منه آمنين من الشك و الضلال و النقلة من الحلال و الحرام . رواه الطبرسي في الأحتجاج و الحقّ انّ الوجود الممكن ليس متحداً في الرتبة الذاتية و لا في الرتبة التنزلية كما ذكره الأكثرون من ان تعدده في الرتبة التنزّليّة كتعدد نور السراج الواحد في مراتبه التنزّليّة مع انّ رتبته الذاتيّة واحدة فقولنا انّ وجودات الممكنات ليست متّحدة في الرتبة الذاتيّة ، نريد به ان الرتبة الأولي مختصة بالخلق الأول و ليس لمن بعدهم فيها نصيب بوجهٍ من الوجوه ( و لا ربط بينهما خم ) الّا ربط العلّيّة و المعلوليّة فالوجود الذي [ص 9] خلقت منه العقول لمتخلق منه النفوس لا من صفوته و لا من باقيه و انما خلقت النفوس من اثر ما خلقت منه العقول بمعني انها خلقت من شعاع ما خلقت منه العقول و آيته و مثاله و دليله انّ شعاع الشمس الواقع علي الجدار خلق من ظهور جرم الشمس به و استنارة المقابل للجدار المستنير خلقت من شعاع استنارة الجدار و استنارة المقابل للمقابل المستنير خلقت من شعاع استنارة المقابل للمقابل و هكذا مراتب الوجود في تراميها من النور المحمّدي صلي الله عليه و آله الي التراب كل سابق منير و ما بعده شعاعه و نوره و كل نور جزء من سبعين جزء من نور منيره السابق عليه و هو معني ما رواه في بصاۤئر الدرجات بسنده عن ابيعبدالله عليه السلام قال يعني محمد بن مروان سمعته عليه السلام يقول خلقنا الله من نور عظمته ثمّ صوّر خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش فاسكن ذلك النور فيه فكنّا نحن خلقاً و بشراً نورانيين لميجعل لأحدٍ في مثل الذي خلقنا منه نصيباً و خلق ارواح شيعتنا من ابداننا و ابدانهم من طينة مخزونة مكنونة اسفل من تلك الطينة و لميجعل الله لأحدٍ في مثل ذلك الذي خلقهم منه نصيباً الا الأنبياۤء و المرسلين فلذلك صرنا نحن و هم الناس و صار الناس همجاً في النار و الي النار ه . و المراد من هذا الحديث الشريف علي ما اعرف علي سبيل البتّ و القطع عندي انه تعالي اول ما خلق نور محمد صلي الله عليه و آله و خلق من نوره نور عليٍّ و فاطمة و الحسن و الحسين و التسعةَ الأطهار من ذرية الحسين عليهم السلام كخلق السراج [ص 10] من السراج و هو قول علي عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضوء ، و الضوء من المنير لا النور و بقوا كما روي ( و الضوء هو المنير لا النور لقوله تعالي هو الذي جعل الشمس ضياء و القمر نورا و بقوله كما روي خم ) عنهم عليهم السلام الف دهر ( كل دهر خم ) علي ما يظهر لي مائةالف سنة يسبّحون الله و يحمدونه و يهلّلونه و يكبّرونه ليس في الوجود الممكن سواهم ثم خلق عز و جل من اشعة انوارهم انوار مائةالف و اربعة و عشرينالف نبي عليهم السلام و بقوا الف دهر يسبّحون الله و يحمدونه و يهلّلونه و يكبّرونه ليس في الأمكان غير محمد و آله و غيرهم صلي الله عليه و آله و عليهم اجمعين لميخلق تعالي من تلك الأشعة غير الأنبياۤء عليهم السلام ثم خلق تعالي من اشعة انوار الأنبياۤء عليهم السلام انوار المؤمنين ( الانس خم ) ثم ( من انوار المؤمنين الانس خم ) انوار المؤمنين من الجن و هكذا علي نحو ما ذكرنا قبل هذا و هذا هو الحق و هو الذي دلّت عليه آيات الله التي اراها عباده في الآفاق و في انفسهم ( منها السراج و نوره خم ) فانّ نور السراج مع تفاوت اجزاۤئه كله من رتبة واحدة ( و الوجود في تفاوت اجزائه ليس من رتبة واحدة خم ) فلاتكون العقول المجرّدة و الأرواح القادسة و الجمادات الكثيفة الغاسقة من رتبة واحدة كجزئين من نور السراج بل من رتبتين رتبة المنير و رتبة النور فاذا طرق سمعك شيء من كلامهم عليهم السلام مثل قولهم عليهم السلام خلق من فاضل طينة كذا فاعلم انهم عليهم السلام يريدون بالفاضل شعاع الشيء و اشراقه و وصفه لاتتوهم انهم عليهم السلام يريدون بالفاضل بقية الشيء ابدا فافهم .
اعلم ان الله عز و جل كان في عزّ جلاله و قدس كماله وحده لا شريك له و ليس معه غيره و هو الآن علي ما كان اعني وحده لا شريك له و ليس معه غيره ثم احدث المشية الأِمكانية بنفسها ثم [ص 11] احدث الأِمكان بها فكانت امكانات الأشياۤء باحداثه بمشيته اعني فعله و معني انه احدث المشية بنفسها ان المشية معناها بالعبارة الظاهرة التبيينيّة ( التنبيهيّة خم ) انها الحركة الايجادية و الحركة الايجادية محدثة يتوقف احداثها علي حركة ايجادية و هي حركة ايجادية فلايحتاج في ايجادها الي غير نفسها و اذا سمعت انّا نقول خلق الله المشية بنفسها فاعلم انّا نريد بذلك انها شيء واحد غير متعدد لا في ذاته بان تكون نفسها شيئاً و هي شيئاً آخر و لا في حيثية ( حيثيته خل ) بان تكون نفسها من حيث هي علة غيرها من حيث هي معلولة و ان اردنا هذا في حال التعريف و التبيين و هي بسيطة في اعلي مراتب البساطة الامكانية اذ كل ما يميّز و يدرك مما سواها فبها كان و عنها صدر و لا اول لها في الامكان غيرها و مكانها الامكانات التي بها صدرت و وقتها السرمد و احدث سبحانه بها امكانات الأشياۤء علي وجه كلي لايتناهي في الامكان بمعني انّ امكان زيد يمكن ان يكون عمراً و ان يكون منه عمرو و ان يكون نبياً او شيطاناً و ان يكون منه نبي او شيطان و ان يكون سماۤءً و ارضاً او بحراً او جبلاً او حيوانا و ان يكون منه سماۤء او ارض او بحر او جبل او حيوان و هكذا الي غير النهاية و الحاصل ان الممكن ممكن لغيره لا لذاته كما ذكره من قسّم الأشياۤء الي خمسة اقسام فقال واجب لذاته و هو الله عز و جل و واجب لغيره و هو وجود المعلول عند وجود علّته التامّة و ممتنع الوجود لذاته و هو شريك الباري و ممتنع الوجود لغيره و هو وجود المعلول عند عدم وجود علّته التامّة و ممكن الوجود لذاته قالوا و لايجوز [ص 12] ان يكون ممكن الوجود لغيره اذ لو فرض ذلك لكان قبل الغير اِمّا ان يكون واجباً او ممتنعاً اذ الأشياۤء لاتخلو من احدها ( احدهما خل ) فكان بالغير ممكناً فيلزم انقلاب الحقايق و هو ممتنع و الجواب بالمعارضة انه ( عنه بشيئين بالمعارضة و بدليل الحكمة و اما بالاول فبأنه خم ) اذا كان لذاته كان قديماً لأنّه ان كان شيئاً قبل ما من الغير كان قديماً و ان لميكن شيئاً الّا بالغير فهو ممكن بالغير و بدليل الحكمة انه تعالي كان و لا شيء معه في الأزل و الأزل ذاته المقدّسة بمعني ان كل ما يصدق عليه اسم الشيء حقيقةً او مجازاً فهو ممتنع في رتبة ذاته تعالي غير ذاته المقدسة و ما سواه فهو مصنوع له تعالي فلايكون لذاته بل لغيره و الممكن ان كان شيئاً فهو ممكن لغيره و الّا فلا عبارة عنه و الممتنع ليس شيئاً فلا عبارة عنه و قد تقدّم بيان هذا في الفاۤئدة الثانية . ثمّ اذا فهمت ما اشرنا اليه فاعلم انّ الامكان هو منشأ الأكوان و حيث تقرّر في الحكمة ان وجود الصفة فرع وجود الموصوف وجب ان يكون الامكان ذاتاً لا صفة اذ ليس مسبوقاً بموصوف و انما ظهر في الأشياۤء بصورة الصفة لأنه اصل الأشياء المكوّنة خلقت اكوانها منه و خلقت اعيانها من اكوانها و اكوانُ الأشياۤء موادها و اعيانُها صور موادها و تظهر الأكوان في الأشياۤء بصورة الصفات فتقول هذا شيء مكوّن كما تقول ممكن و الامكان للأكوان كالنطفة للانسان لأنّ الأكوان عقد لمايع الامكان فالأعيان خلقت من الأكوان كما خلقت الأكوان من الامكان و الشيء المركب من مادة و صورة يكون اقوٰي ركني ذاتِهٖ مادتُه و لمّا كان الامكان انما تقوّم تقوّماً ركنيّاً بهيئة الفعل الامكاني لأنّها مادته و صورته نفسه كما انّ مادة [ص 13] الصورة التي في المرءاة هيئته المقابل و صورتها هيئة الزجاج من الكبر و الصفاۤء و الاستقامة و البياض و اضدادها كان ظاهراً فيما هو اصله بصورة الاتصاف به و لذا قلنا انه ذات اذ ليس قبله موصوف و يظهر بصورة الصفة في الشيء الذي كان هو اصله و ان مادته صفة للفعل اذ الذوات اعراضٌ لعللها التامّة و معروضاتٌ لصفاتها و لظواهرها و ليس معني قولنا ان هذا الجسم مثلا او النفس او العقل ممكن انه شيء وصف بالامكان ليكون له رتبة قبل الامكان اي وجد فيها قبل ان يكون موصوفاً بالأِمكان كما هو شان الصفات فانها انما تكون من فعل الموصوف اتّصف بها او من فعل الفاعل للموصوف لحقته بعد تكوين الموصوف فيكون علي كل حالٍ موجوداً قبل وجود الصفة فيلزم كونه في حالٍ ليس بممكن و هو خلاف الواقع و انما المراد من معني قولنا انه ممكن انه كوّن من الامكان اي من الوجود الممكن الذي كنهه من الامكان فلذلك قلنا هو ذات بالنسبة الي ما خلق منه و هو صفته لعلّته التامّة فظهر وصفاً للشيء كما تقول هو موجود و القولُ بان الامكان اعتباري لا تحقق له في الخارج غلطٌ ظاهر لأنّهم ان ارادوا بان زيداً ممكن انه اتّصف به ذهناً لا خارجاً فهو باطل لأنّه ان لميتصف به خارجاً كان زيد الخارجي قديماً لانه ان لميكن ممكناً كان قديماً و وصفه به ذهناً لايجعله ممكناً ( ان لميكن في الخارج ممكنا خم ) كما لو وصفه بالقديم ذهناً لميكن بذلك الوصف الاعتباري قديماً و ان ارادوا انه لميكن قديماً ( قائما خم ) بنفسه في الخارج فلاينافي كونه متحققاً في الخارج كالبياض و السواد و كالعلم و [ص 14] القدرة فانها لمتقم الّا في محالّها ( لا بانفسها خم ) مع انّها موجود ( موجودة خم ) في الخارج بلا خلاف اذ ليس شرط الوجود الخارجي بمعني المقابل للذهني او الخارجي بمعني الذي تترتب الآثار علي صفاته ان يكون ذاتاً او عرضاً قاۤئماً بمعروضه قيام عروض بل كل ما يقع في الأوهام او وضع بازاۤئه لفظ فهو موجود في الخارج نعم قد تقع صورته المنتزعة من الخارجي بالذهن ( بالذهني خل ) تكون في الذهن لأنّ كل شيء لايتقوم الّا بمحلّه اللاۤئق به و ذلك ما اشار اليه الصادق عليه السلام بقوله كلّ ما ميّزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم انتهي . و بقول الرضا عليه السلام علي ما رواه الصدوق (ره) في عللالشرايع بسنده الي الحسن بن علي بن فضّال عن ابيالحسن الرضا عليه السلام قال قلتُ ( لَهُ خم ) لمَ خلق الله عز و جل الخلق علي انواع شتّي و لميخلقه نوعاً واحداً فقال لئلّايقع في الأوهام علي انه عاجز و لاتقع صورة في وهم احد الّا و قد خلق الله عز و جل عليها الخلق لئلايقول احد هل يقدر الله عز و جل علي ان يخلق صورة كذا و كذا لأنّه لايقول من ذلك شيئاً الّا و هو موجود في خلقه تبارك و تعالي فيعلم بالنظر الي انواع خلقه انه علي كل شيء قدير انتهي . و ( لا ريب ان خم ) الامكان مما وضع بازاۤئه لفظ و ليس بلفظ مهمل و لو كان الامكان اعتبارياً لكان لفظه علي الأصحّ مهملاً لأنّ من قال ان الوضع بازاۤء المعاني الخارجة ( الخارجية خل ) كما هو الأصحّ يكون عنده مهملاً بلا اشكال و من قال انه بازاۤء المعاني الذهنية فان مراده بتلك المعانٖي المعاني المنتزعة من الأُمور الخارجية و لو كان مراده ( المعاني خم ) الذهنية خاصّةً لكان اذا وضع ( لكان المعني اذا وضعت الالفاظ خم ) بازاۤئها فاتّفق وجود خارجي [ص 15] لها او مساوٍ لها لميصدق اللفظ عليه و لميميّزه ( مِن غيره خم ) و وجب وضع لفظ آخر للخارجي بل يجب وضع آخر مطلقا اي سواۤء طابق ام لا و كان مطلقا من باب الوضع اللفظي حتي لو وضع لفظ زيد علي صورته الذهنية لميكن استعماله في زيد الخارجي الّا مجازاً بل مقتضي الدليل انه لو لميستعمل اللفظ في الذهني و استعمل بعد ان وضع للذهني في المعني الخارجي انه يكون مجازاً ( متحققا في الخارج صح الوضع خم ) الّا ان يجعل الوضع للذهني آلة للوضع علي الخارجي فان كان الامكان متحققاً في الخارج صحّ الوضع و الأِستعمال و الا كان اللفظ مهملاً لما قرّرنا ان فهمته و نظرت اليه بعين الانصاف .
اعلم انّهم قالوا ان الفعل اذا كان من المختار الحكيم لايتعلّق بمفعول الّا اذا اقتضي التعلّق به بان يكون راجحاً في قبول الايجاد و ذلك انهم انما قالوا ان الترجيح ( الترجّح خ ) بلا مرجح محال لأنهم يريدون ان المحدث لايمكن ان يوجد بلا موجد و نحن نقول هنا ان الترجيح ( الترجّح خل ) بلا مرجح واجب و نريد ان ترجيح الفعل بلا مرجّح لايجوز من الحكمة و لايجوز ايضاً ان يكون المرجّح من الفاعل لانّه يكون ترجيحاً بلا مرجّح فلا بدّ ان يكون المرجّح للفعل من المفعول ليكون ايجاده ترجيحاً بمرجح و قد اشار سبحانه الي ان الترجيح ( الترجّح خ ) يكون من ذات المفعول بقوله يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار بمعني يكاد يوجد قبل الايجاد فان قيل كيف يكون للشيء رجحان قبل ان يكون شيئاً قلنا لهذا جوابان احدهما ظاهر و ثانيهما باطن فالاوّل انّ ترجيح ( ترجّح خ ) الشيء صفة ذاتية له و الصفة لايعقل وجودها و لايتصور وجودها حال كونها صفة قبل وجود [ص 16] الموصوف لكنها شرط لوجود الموصوف قد خلقها الله من موصوفها كما ان الانكسار صفة للكسر و شرط لوجوده خلقه الله من الكسر فالترجيح ( فالترجّح خ ) خلق من الشيء الراجح مع خلق الشيء فهما متساوقان في الوجود و الظهور كما انّ الانكسار خلق من الكسر متساوقين فكما ان امكان الشيء و الكسر متّصف بامكان الترجيح ( الترجّح خ ) و الانكسار فكذا خلقا ( خلق خم ) منهما لأن الصفة انما تخلق من موصوفها من جهة الاتصاف و الثاني يراد بكون المفعول راجحاً في نفسه عند موجده و هو سبحانه لايفقد شيئاً و لاينتظر شيئاً و لايستقبل شيئاً فلميوجد له شيء قبل شيء فلايوجد في ملك الله الشيء قبل رجحانه و لا رجحانه قبله فاذا كان عز و جل لايفقد شيئاً و لاينتظر شيئاً و لايستقبل شيئاً بل كل شيء من ذات او صفة حاضرة ( حاضر خم ) عنده في مكان حدوده و وقت وجوده بجميع شرايطه و مرجّحاته و اسبابه تمّ له الصنع علي اكمل وجه يحتمله الامكان و جري له الفعل علي امر يقتضي كمال التعريف و البيان فجري ايجاده لعباده علي مقتضي العدل بان اعطاهم ما سألوه باختيارهم و علي مقتضي الفضل بان تأنّاهم بلطفه و لميكلفهم ما لايطيقون باجبارهم اذ لو كان ايجاده اياهم بدون مرجّح من انفسهم يقتضي من فعله تعالي ما اختاره لماجري لهم ثواب بطاعة ( بطاعته خل ) و لا عليهم عقاب بمعصية ( بمعصيته خل ) لأن قدرته و فعله يتساويان الي جميع الأشياۤء و لايميّز بينها ( لاتميّز بينهما خم ) الّا مرجّحاتها و اسبابها و مشخصاتها و الحاصل الترجيح بلا مرجّح من المفعول اذا كان من الفاعل ( المختار الحكيم خ ) سواۤء كان المرجّح من الفاعل ام بدون مرجح ممتنع في الحكمة اذ يلزم منه العبث و الجبر في الأفعال [ص 17] الأِختيارية و ليس بممتنع في الامكان بل له تعالي ان شاۤء ان يفعل ذلك و لايلزم العبث و الجبر و لكن يلزم عدم التعرّف و التعريف اذ الشيء لايدرك الّا ما كان من نظاۤئره و ذلك لانّه مؤلّف علي مقتضي الحكمة و لو الّف علي خلاف مقتضي الحكمة ليدرك ما يخالف الحكمة لكان علي خلاف مقتضي الحكمة فلايكون مدركاً اذ الادراك اثر الاستقامة و الاعتدال و ذلك انما يكون فيما الّف علي مقتضي الحكمة اذ لو كان شيء علي خلاف الحكمة لكان علي الاهمال و اذا كان علي الاهمال لميدخل تحت قاعدة فيكون التعريف متعدداً مختلفاً بتعدد الأفراد المختلفة فيجب لكل شيء من ذات او صفة تعريف غير ما للآخر فتمتنع معرفة الأشياۤء لكل ممكن اذ الأشياۤء غير متناهية فلايمكن ضبط تعريفات غير متناهية للممكن المتناهي الّا بالضوابط الكلية لانها هي التي تحيط بالأفراد الغير المتناهية و لو كانت بالاهمال لمتحط بها الضوابط الكلية فيمتنع التعريف فتمتنع المعرفة فتنتفي فاۤئدة الايجاد و انما قلنا انّ فاۤئدة الايجاد تتوقف علي معرفة الأشياۤء لأنّها متوقفة علي معرفة الصانع عز و جل و معرفة الصانع تتوقف علي معرفة الأشياۤء لينزّهه ( لتنزّهه خ ) عن مشابهة الأشياۤء و مشاركتهم له في الذات و الصفات و الأفعال و العبادات ذات و علي ( العبادات و علي خل ) فرض الاهمال لايتميز ( لايميّز خل ) الفرق عند المكلّف بين الصانع و المصنوع الّا بتحصيل جميع مميّزات جميع افراد الأشياۤء و هي غير متناهية فيجب الصنع في الحكمة علي مقتضي الحكمة و اما الترجّح ( الترجيح خل ) بلا مرجّح بمعني موجب الصنع فهو من ذات المفعول حين تكوّنه كما مرّ و لو كان من [ص 18] غيره او لميكن اصلاً لكان الفعل مخالفاً للحكمة فيلزم ما ذكرنا في الترجيح بلا مرجح فافهم .