في سرّ التكليف و بيان مقتضي الأعمال .
اعلم ان التكليف في نفس الأمر هو قابلية الايجاد و هو قسمان طبيعي و اختياري فالطبيعي يستلزم الشرع الايجادي و هو اي الشرع الأِيجادي نريد منه الأِيجاد علي مقتضي الحكمة كما يفعل البنّاء في بناۤء الجدار بان يضع اللبنة في الموضع اللاۤئق بها بحيث لو نقصت تممها او زادت كسر منها ما زاد علي حجم الدار ( الجدار خم ) فهذا هو الشرع الايجادي اللازم للصنع و بدونه لايقع الصنع لأنّه ان جري علي مقتضي الحكمة لزمه الشرع الايجادي و الا فلا و الاختياري يستلزم الايجاد الشرعي و هو اي الايجاد الشرعي نريد منه ايجاد مقتضي العمل المأمور به و المنهي عنه بمعني انه ان فعل ما امر به خلق الله ثوابه و ان ترك ما امر به خلق الله عقابه و الثواب مخلوقة ( مخلوق خم ) من مادة و صورة فمادته نور يحمله اليه الأمر التكليفي كما انّ مادة المكلّف نفسه يحملها الأمر الايجادي و هو كُن فلما قبل الأمر و هو كُن خلق الله سبحانه المكلف من الوجود الذي حمله كُن و هو مادة المكلّف و من صورة قبوله لتلك المادة و هي ماهيته و هذا هو الكون الايجادي فكما ان مادته اي وجوده حمله اليه كُن فكان منه و من ماهيته و هي قبوله كذلك المدلول عليه بقوله فيكون كذلك خلق ثواب عمله الصالح من مادته التي حملها اليه صلِّ و زكِّ و ما اشبههما اذا عمل ما امر به كما امر و من صورة عمله بذلك الأمر و امتثاله له و هو [ص 19] قبوله للأمر بالامتثال به و خلق تعالي عقابه علي مخالفته للأمر او ارتكابه للنهي من المادة الظلمانية التي حملها النهي اليه و من صورة مخالفته للأمر و ارتكابه للنهي فالثواب مادته النور الذي حمله اليه الأمر و صورته عمل المكلّف ان احسنتم احسنتم لأنفسكم ، و العقاب مادته الظلمة التي حملها اليه النهي و صورته هي ارتكاب المكلّف للنهي و مخالفة الأمر و ان اساتم فلها ، فالشرع التكليفي و لازمه الايجاد الشرعي و هو روح الكون و الايجاد الكوني و لازمه الشرع الكوني ( و هو خ ) ظاهر الكون هو سرّ التكليف و ثمرته ايصال الأشياۤء الي ما خلقت له من رحمة الله او غضبه و ذلك هو ما اراده لهم و في الحديث عن جابر انه جاۤء سراقة بن مالك فقال يا رسول الله صلي الله عليه و آله بيِّنْ لنا ديننا كاَننا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم فيما جفّت به الأقلام و جرت به المقادير ام فيما يستقبل قال صلي الله عليه و آله ( بل خم ) فيما جفّت به الأقلام و جرت به المقادير قال فبم ( فيم خم ) العمل قال صلي الله عليه و آله اعملوا فكل ميسر لما خلق له و كل عامل بعمله ه . قيل انه صلي الله عليه و آله علقهم بين الأمرين رهبهم بسابق القدر ثم رغّبهم في العمل و لميترك احد الأمرين للآخر فقال صلي الله عليه و آله كل ميسر لما خلق له اي انه ميسر في ايام حيوته للعمل الذي سبق به القدر قبل وجوده فافهم ه . اقول ذكر هذا الشيخ ياسين بن صلاحالدين البحراني علي التفسير من فاۤئدة المراد و اما بيان التيسير الذي ذكره صلي الله عليه و آله فهو ما ذكره عز و جل في كتابه العزيز في مواضع كثير علي اكمل بيان و ان [ص 20] كان لايذوقه الّا اولوا الأفئدة بدليل الحكمة و منه ما قال تعالي اذ يريكهم الله في منامك قليلاً و لو اريٰكهم كثيراً لفشلتم و لتنازعتم في الأمر و لكن الله سلّم انه عليم بذات الصدور و اذ يريكموهم اذ التقيتم في اعينكم قليلاً و يقللكم في اعينهم ليقضي الله امراً كان مفعولاً و الي الله ترجع الأُمور و ذلك انه سبحانه يسبّب اسباب ما علم وقوعه كما قلل المشركين في اعين المسلمين و قلل المسلمين في اعين المشركين و اَمالهم الي ما يريد وقوعه منهم امالة لاتبلغ به الالجاۤء و الاضطرار و انما ذلك من التمكين في فعل الخير و الشر و الاقدار علي الطاعة و المعصية لما قدّمنا انه لو لميتمكن من فعل المعصية و يكون قادراً عليها لماكان قادراً علي الطاعة و اذا لميكن قادراً علي الطاعة لميحسن تكليفه و اذا لميحسن تكليفه لميحسن ايجاده و الحاصل انه هو مقتضي الحكمة بحيث لو كشف للمسلمين و الكافرين الغطاۤء عن بصاۤئرهم لمااختاروا الّا هذا و اليه الاشارة بقوله تعالي بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون اي بل اتيناهم بشرفهم و فخرهم يعني بما فيه ما يحبّون و ما يشتهون مما فيه صلاحهم و بلوغ مئاربهم و السرّ في ذلك انهم و اعمالهم و اقوالهم و احوالهم موجودون حاضرون في ملكه كل في رتبته من مكانه و وقته مترتّباً علي اسبابه و علله المشروحة المبيّنة التي يحصل بها التعريف و المعرفة علي نحو الأختيار و الأختبار لأنّ وصول الشيء الي غاياته التي خلق لأجلها متوقف علي اعماله و اقواله و احواله التي هي قوابله للايصالات الالهية و الايصالاتُ الالهية متوقفةٌ علي التمكين [ص 21] الالهي و التمكينُ الالهي يكون باحد شيئين الأوّل التمكين مما يحب تعالي و يكون بالامدادات الالهية و الفواضل الربانية و التوفيقات و الألطاف و منها تقوية الميل الفؤادي بمثل ما اشير اليه في الآيتين المتقدم ذكرهما و الثاني التمكين مما يكره تعالي و يكون بالتخليات الالهية و الخذلان التي تقوي بها الميولات النفسانية و منها مثل قوله تعالي زيّن لهم سوء اعمالهم و مثل قوله تعالي و كذلك زيّن لكثير من المشركين قتل اولادهم شركاۤؤهم ليردوهم و ليلبسوا عليهم دينهم و مثل و من يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين و امثال ذلك و ليس ذلك موجباً للالجاۤء و الاضطرار و لأجل ذلك حكي الله سبحانه عن جواب ابليس لعنه الله لمن ادّعوا عليه انه هو الذي اغواهم انّه قال لهم و ماكان لي عليكم من سلطان الّا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلاتلوموني و لوموا انفسكم ما انا بمصرخكم و ما انتم بمصرخيّ لأنّه لو كان ذلك الاغواۤء و التزيين منه و الغرور رافعاً لاختيارهم لماقال لهم و ماكان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلاتلوموني و لوموا انفسكم و هذا التمكين للطاعة و المعصية بجميع انواعه ما ذكرنا و منها ما لمنذكره من المقويات لتصميم عزم المكلّف علي فعل ما مال اليه قلبه من الطاعة ميلاً لايعدل عنه الّا اذا كان مجبوراً و علي فعل ما مالت نفسه اليه من المعصية ميلاً لايعدل عنه الّا اذا كان مجبوراً و هي في الطاعات امدادات و الطاف و تقوية و في المعاصي خذلان و تخلية اذ بدون ذلك لايحصل التمكين الذي لايتحقق الاختيار الا به الذي لايستقيم التكليف [ص 22] الا به و قولي لايعدل عنه الّا اذا كان مجبوراً ، اريد به ان المكلّف لو اتته المعونة من الله عز و جل قبل ان يصمم عزمه علي الفعل لكان ذلك منافياً للّطف به لأنّ الفعل لو كان معصية لزم اعانته علي المعصية و يلزم من ذلك الظلم لو عوقب عليها و اما اذا صمم علي الفعل بحيث لايترك الفعل الّا مجبوراً علي الترك فانه يجب في الحكمة ان يعينه عز و جل علي فعل المعصية و لايلزم من هذا الظلم اذا عاقبه عليها لانّه لو لميعنه لميقدر علي المعصية و اذا لميقدر علي المعصية لميقدر علي الطاعة اذ الطاعة لايتصور وقوعها منه الّا اذا ترك المعصية و هو قادر عليها متمكّن من فعلها بحصول جميع ما يتوقف فعلها و ايجادها عليه و فاۤئدة تكليفه بل و ايجاده لاتتحقق الّا بالتمكين من الطاعة و التمكينُ من الطاعة متوقفٌ علي التمكين من المعصية و التمكينُ من المعصية متوقفٌ علي المعونة عليها كما في الطاعة و المعونة علي الشيء انما تكون بما يطابقه و يلايمه و يوافقه و لما كانت المعصية عدميّة الأصل لاترجع الّا الي مجتث لا ثبات له من نفسه و لايرجع الا الي نفسه كانت المعونة عليها مثلها فهي التخلية و الخذلان بمعني انه تعالي اذا نهي عبده المكلف عن شيء و رغّبه في الترك و رهّبه من الفعل و علم تعالي منه انه لايقبل من مولاه هداه الّا اذا اجبره علي الترك و رفع عنه الأختيار اعانه علي تلك المعصية بان تركه و نفسه و خلّي بينه و بين هوي نفسه و شهوته و لميدحر عنه الشيطان المغوي ، اللهم لاتخلّني من يدك و لاتتركني لقا لعدوّك و عدوّي و لاتوحشني من لطاۤئفك الخفيّة و [ص 23] كفايتك الجميلة ، و لو فرض انه يتمكن من فعل المعصية بغير تخلية الله و خذلانه لماصح هذا الفرض الّا علي فرض استغناۤئه عن الأِلٰه الحقّ عز و جل و لهذا صرّحتْ اخبار الأئمة الأطهار عليهم السلام انّ القول بالتفويض شرك بالله العظيم سبحانه و تعالي و تزيين المعاصي و الشهوات و اغواۤء الغاوين من شياطين الأِنس و الجن و امثال ذلك من قوابل التخلية و الخذلان لأنّ تلك تكون من الخلق بتقدير الخالق تعالي و التخلية و الخذلان منه تعالي باعمالهم و شهواتهم و هوي انفسهم و ما ربّك بظلام للعبيد و المعونة علي الطاعة كذلك بمعني انه تعالي اذا امر عبده المكلّف بشيء و رغّبه في الفعل و نهاه عن تركه و توعده علي تركه و وجّه اليه دواعي المنع و الترك لأمره ( بامره خل ) بما مالت اليه نفسه و زيّن لهم الشيطان الغرور و صمم عزمه علي الفعل بحقيقة ما هو اهله من فضل الله و عنايته و علم تعالي منه انه لايترك امر مولاه و لايعدل عما فيه رضاه الّا اذا اجبره علي الترك و رفع عنه الأِختيار و اعانه عز و جل بان قوّي جوارحه و شدّ علي عزمه جوانحه و دحر عنه الشيطان و غرس في جنانه افنان الخشوع و اليقين و الايمان فامتثل امر الله عز و جل باعانته و تقويته فكان هو الفاعل لما امره الله سبحانه بالله و اعانته و تقويته بان حفظ عليه جميع ما انعم به عليه مما يتوقف عليه الفعل بجميع اسبابه فهو الفاعل بالله لا مع الله اذ لايتخذ لنفسه من خلقه عضداً و لا بدون الله اذ لايشرك في ملكه احداً فقولي فهو الفاعل بالله ، بيانٌ و تفريعٌ لقولي بان حفظ عليه جميع ما انعم به عليه مما يتوقف عليه الفعل [ص 24] بجميع اسبابه فتفهّمه راشداً ففيه الحق و الهدي .
اعلم انا قد قدّمنا الاشارة فيما تقدّم من الفواۤئد و في كثير من رساۤئلنا و اجوبتنا الي ان الله سبحانه خلق ما خلق من جميع خلقه علي اكمل ما ينبغي مما تقتضيه الحكمة الامكانية بحيث ينطبق صنعه علي دواعي العقول السليمة المرتاضة بالأخلاق الشرعية المؤدّبة بآداب الروحانيين لما لوّحنا اليه من العلة الغاۤئية انه تعالي انما خلقهم ليعرفوه بما تعرّف لهم به من وصفه الذي ذكرهم به في خلقه ايّاهم كما قال تعالي بل اتيناهم بذكرهم فانه عز و جل اتي كل شيء من خلقه بما ذكره به و العقول السليمة دلّت علي ان المفيض اقوي من فيضه و انّ ما قرب من المفيض اقوي مما بعد منه و ان المصنوع من الأقوي اقوي من المصنوع من الأضعف و ان هذه الأمور الثلٰثة ذاتيات لموضوعاتها بحكم ترجّح الأشياۤء الذي يتوقف صنع صانعها عليه لذاتها فان قلت يلزم من هذا تقدّم وجود ترجّح الأشياۤء الذي يتوقف به هو ( تقدم وجود الصفة علي وجود الموصوف الترجح الذي هو خم ) صفة المصنوع و شرط تعلّق الفعل به علي وجوده و لايعقل تقدّم وجود الصفة علي وجود الموصوف قلت لما كان الصانع عز و جل في اعلي مقامات التجرّد و الغني و فوق ذلك بما لايتناهي فيما لايتناهي وجب ان لايفقد شيئاً و لاينتظر شيئاً و لايستقبل شيئاً بل هو في رتبة ازل الآزال مالك لكل شيء مما هو غير ذاته المقدّسة و حاصل له تعالي في رتبة كونه و وجوده و امكنة حدوده لميتجدد له شيء في ملكه بمعني انه لميكن في ملكه ثمّ كان و لميخرج شيء من ملكه الي ما سواه من وجود [ص 25] او عدم بل في رتبة ذاته و ازله الذي هو ذاته حصل له كل شيء في اوقات وجوده و امكنة حدوده حين كان ذلك الشيء قبل ان يكون و قبل ان يكون شيء و الشيء و ترجّحه من جملة افراد مملوكاته و قد اشرنا الي انّ جميع افراد مملوكاته عنده تعالي علي السواۤء لايكون اقرب الي شيء منه الي آخر و لايتقدم شيء عنده علي كل شيء في حصولها له فاذا اراد فعل شيء اتاه بتمكينه و ترجّحه لذاته و جميع ما يتعيّن به و يتميز مما يقتضيه ذاته حين تكون مقتضية ( يكون مقتضيه خل ) في تكوينه ايّاه لأنّ ذلك كله من جملة قابليته للتكوين فانها حدود صورته و هو مما ذكره في قوله تعالي بل اتيناهم بذكرهم ثم الصادر عن الشيء سواۤء كان صادراً من فعله ام من مفعوله اذا كان صدوره علي جهة الانبساط بحيث تكون له مراتب تختلف اجزاۤؤه باختلافها لا بدّ و ان يكون كلما قَرُبَ من المبدء يكون اقوي و ما بَعُدَ يكون اضعف ان كان الصدور و ( كان صدوره علي جهة خم ) الانبساط علي ما تقتضيه الحكمة التي توافقها العقول و تجري علي طبقها في التعرّف و التعريف اذ ما هو مصنوع علي مقتضي الحكمة لايكون مصنوعاً علي غير مقتضي الحكمة الذي لايكون فيه الشيء معقولاً لأنّ المعقولية من لوازم الصنع علي طبق مقتضي الحكمة فاذا كانت الهيولي مجعولة علي مقتضي الحكمة كان اخذ الحصص منها علي مقتضي الحكمة بان تكون الحصة منها مقدرة بما لاتختلف ذرّاتها ( ذواتها خم ) باختلاف مراتبها اختلافاً ظاهراً بيّناً يوجب تفاوت تلك الذرّات ( المذكورات خم ) قوةً و ضعفاً في الكمّ و الكيف و الا كان الأخذ علي الاهمال فيبطل هذا النظام الجاري علي كمال الاستقامة فاذا كان اخذ حصص مواد [ص 26] الاشياۤء علي النحو المذكور لزم ان يكون المصنوع من الأقوي اقوٰي من المصنوعِ من الأضعف و الّا لميكن الأخذ علي مقتضي الحكمة بل كان الأقوي للأضعف و الأضعف للأقوي فيكون الأقوي اضعف و الأضعف اقوي فلايكون الصنع علي كمال الاستقامة فاذا كان الأقوي للأقوي و الأضعف للأضعف هو ما ينبغي وجب ان يخلق من المنير المنير و من المظلم المظلم و من الطيّب الطيّب و من الخبيث الخبيث و من القويّ القويّ و من الضعيف الضعيف و خلاف هذا خلاف ما ينبغي و خلاف ما ينبغي موجبٌ للاهمال منافٍ للغرض المطلوب المقصود من الأِيجاد للتعريف بل للمصنوع الحجة علي صانعه اذا اتاه بما ( لا خم ) يحبّ و له ان يذمّ علي ما ( يذم من خم ) انعم عليه بمطلوبه بان يقول اعطيتني ما لااريد منك بلسان حالي و لا بلسان مقالي فلاتستحقّ مني شكراً لأنّك انما اعطيتني غير ما طلبت لأنّك عاجز عن مطلوبي او جاهل به و ان كان المصنوع في كل ما قال كاذباً لأنّه اذا كان صنعه علي الاهمال كان الحق و الباطل و الصدق و الكذب عنده واحداً و كذا عند غيره و كذلك المدح و الذمّ لأنّ ذلك كله هو مقتضي الاهمال فان قلت هذا الذي اشرت اليه و ان كان هو مقتضي الايجاد علي ما ينبغي اعني الجريان فيه علي مقتضي الحكمة الا انّه تعالي هو جاعل القويّ قويّاً و الضعيف ضعيفاً و هو مُقرِّب القريب و مُبعِّد البعيد و مُعطي القابل المقبول و جاعل القابل للمقبول و بلحاظ هذه الأُمور المسلّمة يعود المحذور و يرجع الاشكال في ابتداۤء السؤال قلت انّي اقول بهذا لكني لااقول انّه تعالي جاعل القويّ قويّاً بمقتضي فعله و احداثه ايّاه [ص 27] و الّا لزم الظلم لمنافاته العدل في كثير من الموارد و كذلك ساۤئر الكلمات و انّما اقول انه جاعل القويّ قويّاً بمقتضي بدء شانه في علم الغيب بمعني انه اذا عومل في ايجاد كونه بل و امكانه بما يميل اليه و يقتضيه لذاته ممّا لايعدل عنه الّا اذا كان مغلوباً عليه بما يصدّه عنه و يمنعه منه حين يكون هو ايّاه بحيث لو عومل بغيره كان حين يكون هو ايّاه كارهاً له لأنّه لايقتضيه لذاته و ذلك حين تكوينه لا قبله و لا بعده لأنّ ما اشرنا اليه هو قبوله للايجاد و قبله لميكن شيئاً و بعده هو مستغنٍ فهو تعالي جاعل القويّ قويّاً بما هو اهله من اقتضاۤئه للقوّة و جاعل الضعيف ضعيفاً بما هو اهله من امتناعه من اطاقة قبول القوّة منه و جاعل القريب قريباً بمبادرته و سبقه الي القبول للتقريب بحيث يكاد يكون قريباً قبل التقريب و جاعل البعيد بعيداً بعدم سبقه للتقريب بحيث لايكون قريباً باختياره لأنّه تعالي انما اعطي المقابل ( القابل خم ) مقبوله باقتضاۤء المقبول للقبول و لهذا خلق القبول من نفس المقبول من حيث هو هو لأنّه انّما اقتضاه لذاته من دون مشاركةٍ من غيره و ان كان انما يقتضي من ذاته اذا كان شيئاً و لايكون هو شيئاً و لا اقتضاۤؤه الا بالغير لأنّ الممكن ليس شيئاً بذاته بدون الغير فلايكون عنه شيء بدون الغير فيما ( فبما خل ) يستطيعه بجميع اسباب الاستطاعة مطلقا لكنه حين يكون بالغير شيئاً تقتضي شيئيّته بالغير ما ( و ما خل ) تقتضيه من ترجّح و غيره لذاتها بالغير لا مع الغير و لا من دون الغير و قولي بالغير لا مع الغير الخ ، انّ شيئية الشيء من عطاۤء الكريم تعالي و نعمه عز و جل و كذلك جميع ما للشيء لذاته [ص 28] و صفاته و افعاله و احواله منه عز و جل و هذه النعم حيث اعطاها لميخلّها من يده بل هي في قبضته كما هي قبل الاعطاۤء اذ لو خلّاها من يده لمتكن شيئاً و آية ذلك و مثاله نور الشمس حين اعطته الجدار و استنار باشراقها عليه لمتخل اشراقها من قبضتها بل هو في قبضتها كما هو قبل الاشراق علي الجدار فبنعمه تعالي كان شيئاً و بنعمه اقتضي ما اقتضي لا معه لعدم المشاركة لأنّ الشيء هو المقتضي و لا من دونه تعالي لأنّ الشيء غير مستقلٍ و لا مستغنٍ لا هو و لا شيء مما توقف عليه وجود الفعل مما اشرنا الي اكثرها و انما يكون هو و هي شيئاً بقيومية الله تعالي و حفظه له و حفظه لها عليه فافهم .
في الأشارة الي بيان سرّ التنعم و الثواب و التألم و العذاب حيث علم ان الثواب و التنعم انما هو عبارة عن الملايمة و الموافقة بين المتنعم و النعيم لما بينهما من المشاكلة فان صورة الفطرة ظهرت مشابهة لفعل الله لكونها اثره و تاكيده كما ان صورة الكتابة ظهرت مشابهة لحركة يد الكاتب و تلك الفطرة بناها الله تعالي و ابقاها بمدده و الشيء يمدّ من نوع ما يبني منه ففطرة الله خلقها من رحمته و اقامها بثمرات طاعته التي هي من رحمته فما دامت مستمدة من ثمرات طاعاته و لميرد عليها تغيير و لا تبديل مما اشار تعالي اليه في قوله فليغيّرنّ خلق الله و قوله فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله فهي متنعمة متلذذة بالامدادات الملايمة الموافقة لكون تلك الامدادات التي هي الطاعات و ثمراتها من جنس تلك الفطرة و نوعها و [ص 29] شخصها لما بين تلك الامدادات و بين تلك الفطرة من الاتحاد الذاتي لانحصار جميع ميولاتها و اشواقها و اوتارها في تلك الامدادات و لاتكون فطرة الله تامّة حتي لاتفقد حرفاً من حروفها من تلك الامدادات فان فقدت حرفاً و لميحصل لها بدله من شفاعة شافع او فضل او عفو عن ضدّه كانت ناقصة متألمة بفقدان ذلك الحرف و انما تتألم اذا فقدت ذلك الحرف لوجود ضدّه العامّ فيها و حلوله محلّه فيها لأنّه منافر لها و منافٍ لمقتضاها فان حصل لصاحب تلك الفطرة شافع اشرق عليه من شعاع حسناته حرف كالحرف المفقود او اقوي او عفو نفي ذلك المنافي ثم يضع الفضل محلّه مثله او اقوي لانّ المحل لايكون خالياً منهما معاً بل اذا ذهب المنافي المنافر اتي الموافي الملايم و اذا ذهب الموافي الملايم اتي المنافي المنافر سواۤء كان الذاهب بقصد المكلّف و فعله ام بذهوله و غفلته الّا انّ الذاهب و الآتي بالقصد يكون اقوي و اسرع لما بينهما من التلازم اي بين القصد و المقصود بخلاف ما كان عن الغفلة و الذهول فان ذهاب الذاهب و اتيان الآتي تدريجي و لما كان الملايم متأصلاً كان لايفارق فطرة الله الّا بقاسر تطبعي كما يأتي و كان واحده بعشرة لأنّ العمل الصالح اصلي يمرّ باصلي فيستقرّ في كل رتبة و هي العقل و النفس و التعقل و العلم و الوهم و الوجود و الخيال و الفكر و الحيوة و الجسد لأنّ هذه العشرة خلقت للطاعة اوّلاً و بالذات فاذا فعل المكلّف الطاعة كتبت عشراً لأنّها اصلية تمرّ بها الحسنة و الطاعة الأصلية فتستقرّ في كل واحدة فتكتب عشراً بخلاف المعصية فانها تكتب [ص 30] واحدة لأنّها تمرّ بسبعة و هي النفس و العلم و الوهم و الخيال و الفكر و الحيوة و الجسد و لكنها لمتخلق لها و انما خلقت للطاعة لكنها تصلح للمعصية اذ لو لمتصلح للمعصية لماقدر المكلّف علي المعصية و اذا لميقدر علي المعصية كان مجبوراً علي الطاعة فلايكون مطيعاً فلما كانت انما خلقت للمعصية ثانياً و بالعرض كانت اذا مرّت المعصية عليها لمتستقرّ فيها حتي يفعلها بجسده فاذا فعلها بجسده انتظر بها حتي تنعكس من الجسد علي السبعة المذكورة فتكتب واحدة و لهذا ورد بانّ المكلّف اذا نوي المعصية لميكتب عليه شيء و اذا عملها انتظر سبع ساعات فان تاب قبل سبع ساعات محيت و الّا كتبت واحدة لأنّ وقت كل واحد من السبعة اذا مرّت عليه المعصية ساعة اذ لاتستقرّ عليه المعصية في واحد من السبعة عند انعكاسها في اقلّ من ساعة و قولي ان الملايم لكونه متاصلا لايفارق الّا بقاسر ، اريد به قبل ذهاب علّة الموت لأنه بعد ذهاب علة الموت تمتنع مفارقته لأنّهما بحكم الشيء الواحد اذ علّة الموت التركيب و الكثرة و اذا اطمأنت النفس استقرّت فيها و لها دواعي الملايمات و اسبابها و قد اشار الصادق عليه السلام الي هذا المعني بقوله في شأن اولياۤئه و اعداۤئه : لايكون هؤلاۤء من هؤلاۤء و لا هؤلاۤء من هؤلاۤء ه .
و اما بيان سرّ التألم و العقاب و دوامه فاعلم ان التألم و العقاب عبارة عن حصول المنافي و المنافر و اصل ذلك ( ان المكلف خم ) لمّا كان مركباً من وجود و ماهية و هما حادثان و الحادث يحتاج في بقاۤئه الي المدد و مدد كل واحد اذا كان مستمدّاً بذاته انما يكون من نوعه كان [ص 31] ملايماً ( مائلاً خم ) بوجوده الي الطاعات و بماهيته الي المعاصي و لايمكن استمداده بهما دفعةً لكونهما ضدّين فلو مال كل منهما الي مدده بفعله و استمداده انفكّ التركيب و اضمحل المركّب و عدم اذ لا قوام للمركب الّا بجزئَيْه منضمين نعم اذا غلب ميل احدهما بحيث كان الاستمداد به مال الآخر معه ميلاً عرضياً فان كان المايل الغالب هو الوجود استمدّ به ما يلايم الفطرة اعني فطرة الله التي فطر الله الخلق عليها و تنعم المركب اعني المكلّف بما اكتسبه من الخيرات و الطاعات و ان كان المايل الغالب هو الماهية استمدّ المكلّف بها ما ينافي فطرة الله و ينافرها و لايزال كذلك حتي تتغير فطرة الله و تعوج و تتبدل صورتها الانسانية بالصورة الكلبية و السبعية و الحيوانية من قرد او خنزير او حمار او غيرها فيكون ذلك المكلّف ذا طبيعتين طبيعة فطرة الله التي هيئتها من فعله تعالي يعني من هيئة فعله لأنّها لاتنعدم اصلا و ان كان استمدادها ليس بذاتيّ لها و انما هو عرضيّ بتبعية ضدّها و لو عدمت عدم الشخص و طبيعة اعماله و هي الصورة المغيّرة المبدّلة فلما غلب الشخص استمداده من ثمرات الطبيعة الثانية المغيّرة المبدّلة كان ذلك الاستمداد منافياً و منافراً للطبيعة الأُولي فاذا ورد جزء من ذلك المدد علي تلك الطبيعة الأُولي تنافرا و تباعدا و تجبرهما الطبيعة الثانية علي الاجتماع علي خلاف ما يقتضيان و ليس للأُولي ما يسدّ فقرها الّا هذا المدد الذي تكرهه فتتألم الأُولي بوجوده لها لما بينهما من التنافي و تتألم بعدمه اذ ليس لفقرها سادّ غيره و ذلك كما روي انّ اهل النار اذا عطشوا [ص 32] استغاثوا من شدّة العطش و ان يستغيثوا يغاثوا بماۤء كالمهل يشوي الوجوه و هو الحميم فاذا شربوا منه فيتألمون به و بعدمه اذ ليس لدفع عطشهم غيره و لمّا كانت الطبيعتان ممكنتين لا بقاۤء لهما الّا بالمدد و كانت الأُولي معدومة الاستمداد لذاتها و انما تقوّمت بمدد الثانية و هي ضدّها و الثانية ايضاً و ان كانت تستمدّ لذاتها الا انّها محتاجة في تحققها الي الأُولي لابتناۤء انيّتها علي الأُولي لأنّها اي الأُولي معروضها فهي في كل حال دعامتها فلايستقل بدونها و الثانية استقلت بالاستمداد المنافي لأصل معروضها لأنّه ينافي معروضها في وجوده و حصوله و في عدمه و فقدانه كما مرّ مع انها داۤئمة الاستمداد لوجود المقتضي لذلك و هو تحقق الصورة الثانية التطبعية و غلبتها علي الصورة الأُولي الطبيعية كان التألم و العقاب داۤئماً غير منقطع لأنّه اذا اتي من الثانية مدد تألمت الأُولي لأنه منافٍ لها فتتألم بوروده عليها و تألمت الثانية لأنها مبنيّة علي الأُولي متحققة بعروضها عليها فاذا اضطرب الأصل اعني الأُولي اضطرب الفرع اعني الثانية بتبعية اضطراب الأُولي و لهذا قال تعالي و من يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنّما يصعد في السماۤء اذ لو سكنت الثانية بمددها الذي هو ذاتيّ لها لماكان صدر الضالّ ضيقاً حرجاً كأنّما يصعد في السماۤء بل يكون مطمئناً به و لكن الثانية تضطرب بمددها لعدم ملايمته لأصلها اعني الأولي و بعدمه لاحتياجها اليه فالثانية بالنسبة الي مددها كما قال تعالي في ( تمثيلها و خم ) تمثيل المكلف الذي تحققت فيه بالكلب فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث فهي تتألم بوجود مددها [ص 33] لمنافاته لأصلها التي بنيت عليه و بعدمه لفقدانها ما تحتاج اليه هي و اصلها في البقاۤء فالمكلّف المركب منهما متألم ابدا و من غلب فيه ( عليه خل ) فطرة الله حتي انحصر استمداده من جهتها متنعم ابدا .
تمّ بالخير .