في الاشارة الي القسم الثالث و هو الوجود المقيّد اوّله الدُّرَّة و آخره الذّرّة و كيفية بدئه و هي انه قد اخذ اللهُ تعالي بفعله باسمه القابض من رطوبة هواۤء الجواز اربعة اجزاۤء قد صعدت من ارض الامكان ارض الجرز و من هباۤء ارض الجواز جزءاً فقدّرهما في تعفين هاضمة اسمه البديع فانحلّت اليبوسة في الرطبة و انعقدت الرطوبة باليبوسة فاتّحدا و ذلك لما بينهما من المشاكلة فارتفع من ذلك البحر سحاباً مُزْجيً فتراكم تحت المشية فانحلّ من ذلك السحاب المتراكم بحرارة الارادة ماۤء فدفعه باسمه الباعث فوقع علي البلد الميت و الارض الجرز و هي ارض الجواز و العمق الاكبر فانحلّ منه جزءانِ بما يشاكله من ارض ذلك العمق الاكبر بجزءٍ فاخرج منهما تلك الزروع و الثمرات و ما فضل من رطوبته بعد تقديره و سقيه في ظلماتٍ ثلاثٍ ياخذه بالاسم القابض مع قدرِ رُبعِه من لطيف هباۤء ارض الامكانِ و يعمل فيه كما مرّ ذلك تقدير العزيز العليم و هو قوله تعالي و الارض مددناها و القينا فيها رواسي و انبتنا فيها من كل شئ موزون و هذا الماۤء النازل من السحاب المتراكم هو الذي ذكره الله عز و جل في قوله تعالي و جعلنا من الماۤء كل شئ حيّ و هو الوجود المقيّد و هو من بعد المشيّة الي ما لا نهاية له من المشيّة و هذا الوجود المسمّي بالماۤء علي هذا النحو المذكور يكون في كلّ شئ بحسبه و مثاله اذا اردتَ ان تخبر من تخاطبه بقيام زيد اخذتَ من الهواۤء الذي هو امكان اللفظ هواۤء و هو مشتمل علي اربعةِ اجزاۤء من الرطوبة الهواۤئية و علي جزءٍ من اليبوسة [ص 26] الهباۤئيّة بالقوة القابضة الي جوفك الذي هو نقطة قلبك اي وجهه في الهواۤء فتؤلّف منهما بعد التقدير بالضغط و القلع و القرع حروفاً مشتملةً علي الاجزاۤء الخمسة متّصِفةً بصفات مادّة مقصودك فتؤلّف منها لفظاً هيئته كهيئة مقصودك فتدفعه الي الهواۤء الذي هو مكان امكانه فيقع جزءانِ من رطوبةِ لفظك و هي مادّته المناسبة لماۤدّة مقصودِك و جزء من يبوسته و هي هيئته المناسبة لهيئة مقصودِك علي ما يشاكله من ارض هذا العمق و الجرز و هو الهواۤء لانّه هو الذي يحفظ لفظك و يوصله الي اُذن مخاطبك ليرتسم في الحسّ المشترك منه صورة مادّة لفظك و صورة هيئته فانه للفظِك كالام للجنين و كالارض للماۤ ء الذي ينزل من السحاب فينبت به النّبات فوقع من لفظك ماۤء علي ارض ذلك المعني و هذا الماۤء هو الوجود لذلك المعني و هو دلالة لفظك بماۤدّته و هيئته الواقعة في الحسّ المشترك الذي هو الامّ فينبت المعني في بطن تلك الامّ و هو الخيال بذلك الماۤء الذي هو الدلالة و يحيي بها و لميك ذلك المعني قبل تلك الدلالة شيئاً لانّ الشئ انما سمّي شيئاً لانّه مُشاۤءٌ و المشية هي اصل الارادة فافهم .
اعلم انه لما نزل الماۤء الاول المسمّي بالوجود المقيد علي ارض الجرز تكوّن منه الشئ في ستّة ايام الكمّ و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة ليس شئ منها في الظهور قبل الآخر و انما هذه مع الماۤدّة التي هي حصة الوجود و مع الصورة التي هي حصة الماهيّة هي الشئ ظهر الجميع دفعة لانّ كل واحد من هذه الثمانية شرط لكلها [ص 27] في الظّهور و الشئ الموجود مركب من الوجود و الماهية و الستة قيود مقوّمات لها و انما ذكرنا الستّة خاصة لانّ غيرها كالاوضاع و الاذن في الظهور و اجل الفناۤء و الكتب الحافظة لهذه المذكورة من حيث هي حافظة و من حيث هي محفوظة و كالامضاۤء الذي هو شرح العلل و الاسباب و غير ذلك كلّها راجعة الي الستّة فلهذا اقتصرنا علي ذكرها في ذكر البدء لانّ الاوضاع لازمة للمكان و الجهة و الرتبة و الاذن و الاجل لازمان للوقت و الكتب لازمة للستّة و الامضاۤء لازم لما سبق و متفرع عليه لان حصول هذه الستة للماهية و الوجود و لوازمها المشار اليها يلزم منه الامضاۤء في الحكمة و يتفرع عليها و الباقي ان شاۤء الله تعالي نذكره فيما بعد . ثمّ اعلم انه قد اختلف في الشئ اختلافاً كثيراً و يرجع ذلك الي اربعة اقوال و لا عبرة بذكر غيرها الاوّل انّ الشئ هو الوجود و الماهيّة عرض حال بالوجود الثاني انّ الشئ هو الماهيّة و الوجود عرض علي الماهية الثالث انّ الشئ هو الوجود و الماهيّة انما هي بتبعيّة الوجود الرابع انّ الشئ هو الوجود و الماهية فهو مركّب منهما لانّ الوجود شرط كونه صدوراً و استمراراً الماهية و الماهيّة شرط تكوّنها انصداراً و استمراراً الوجود فما داما موجودين منضمين فالشئ موجود و لا شيئية للشئ مع فقد احدهما و لا للآخر و الوجود ماۤدّة لنفسه و صورته لنفسه ارتباط الماهية به و الماهيّةُ ماۤدّة لنفسها و صورتها ربطُ الوجود بها قال الله تعالي هنّ لباسٌ لكم و انتم لباسٌ لهنّ فهما الشئ فهو مركب منهما ابدا فالوجود جهة فقره الي الله تعالي و هو جهة استغناۤئه و الماهية جهة استغناۤئه و هو جهة فقره فافتقاره استغناۤء و وجود و استغناۤؤه فقر [ص 28] و عدم فنظره بالفؤاد حق و بالقلب حقيقة و نظره بالتراب باطل و بالنفس سرابٌ و ذلك لانّ الوجود متقوّم بالوجود المتقوّم بالحق و الماهيّة متقوّمة بالوجود نفسه من دون الوجود المتقوّم بالحقّ ، وجدتُها و قومها يسجدون للشمس من دون الله و هذا هو الهيولي للانسان و هو بمنزلة المداد المركب من صمغ و سواد و زاج و عفص و ملح و صبر و نبات و آس فكما ان المداد من حيث هو صالح للاسم الشريف و الاسم الوضيع و انما تميز بينهما الصورة الثانية اي الكتابة بهيئاتها و هي الماهيّة الثانية كذلك هذه الهيولي المركبة من الوجود و الماهيّة صالحة للمؤمن و الكافر و لاتتميّز الّا بالصورة الثانية التي هي الخلق الثاني و هي الماهية الثانية فسألهم لعلمه بهم حين سألوه ان يسألهم فقال لهم الستُ بربّكم و محمد نبيكم و عليّ وليّكم فقالوا باجمعهم بلي منهم مَن قالها مصدّقاً بلسانه و قلبه عن علم كما قال تعالي الّا من شهد بالحق و هم يعلمون فخلقهم من صورة التصديق و المعرفة و هي الصورة الانسانية و هي هيكل التوحيد و هي من فلك البروج و هم المرسلون و الانبياۤء و الصديقون و الشهداۤء و الصالحون و منهم من قالها بلسانه و قلبُه منكِرٌ مكذِّب غير قابل فخلقهم من صورة التكذيب و الانكار و الجحود و هي الصورة الحيوانية و الشيطانيّة و هم الكافرون و المنافقون و اتباعهم ممّن تبيّن له الهدي فاعرض عنه و هي من طينة خبال و هي سجّين و انما كانت في الدنيا صورهم صور الانسان [ص 29] لاجابتهم باللسان الذي هو الادني و في الآخرة تسلب منهم و تظهر صورهم الحقيقيّة التّابعة للقلب و منهم من قالها بلسانه و قلبه واقفٌ لميقرّ و لميجحد و هؤلاۤء خلقهم الله تعالي من الصورة الانسانيّة ظاهراً لاقرارِ اَلْسِنتهم و لميخلق بواطنهم حتّي يقرّوا او يجحدوا فيخلقهم من حالهم و هم مختلفون فمنهم في الدنيا و منهم في البرزخ و منهم في الآخرة فمن خلق باطنه انساناً دخل الجنة و من خلق غير ذلك دخل النار ، فهذه الصور التي خلقت من الاجابة او الانكار هي الطينة و هي الامّ الّتي يسعد في بطنها من سعد و يشقي في بطنها من شقي و ذلك بعد ان اعلمهم بالطينة الطيبة التي هي الاجابة و الطينة الخبيثة التي هي الانكار و انه سبحانه لايخلقهم الّا علي ما هم عليه و لو خلقهم علي غير ما هم عليه لميكونوا ايّاهم بل كانوا غيرهم و لو لميقبلوا و خلقهم من الانكار و جعل لهم ما جعل للمقرّين لوقع التنافي في خلقِهم و خلقِه ايّاهم لانّ خلقهم كما هم منافٍ لجعلهم كالمطيعين و جعلهم كالمطيعين منافٍ لخلقه كما هم و خلقُه كما هم منافٍ لخلقه لهم ليس كما هم و لو اتّبع الحق اهواۤئهم لفسدت السموات و الارض و من فيهن بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون . فهذا هو الخلق الثاني تحت النور الاخضر في عالم الاظلّة في ورق الآس فكانوا في الذرّ كما قال سبحانه للجنّة و لاابالي و للنار و لاابالي . ثم كسرهم في النور الاحمر و هو معني قوله (ع) ثم رجعهم الي الطين اي طين الطبيعة .
كل شئ لايجاوز وقته لانّه لايوجد الّا فيه و لا ذكر [ص 30] له قبل ذلك و كل ذي وقت فوقته مساوِقٌ لمكانه و كونه لانّ الوقت و المكان و الكون متساوقة اذ كل واحد شرط للآخر و كذا باقي المعيّنات و المشخّصات فيلزمها التضايف كالمشيّة و السرمد و كل الامكان و كالعقل الاوّل و الدهر و كل الممكن و كالجسم و الزمان و المكان و مراتب المشيّة كما مرّ اربع و السرمد و الامكان يكون كل واحد منهما في كل مرتبة من الاربع بنسبتها فللرحمة بالسرمد و الامكان رتبة الذات من الشجرة و للالف بهما رتبة الاصل من الشجرة و للسحاب المزجي اي الحروف بهما رتبة الفرع من الشجرة و للسحاب المتراكم اي الكلمة بهما رتبة الكل من الشجرة فنسبة الامكان الي المشية بجميع مراتبها نسبة المكان الي محدّب محدّد الجهات يعني نهاية المساوقة بِلا حوايةٍ غيرِ المساوقة اذ المساوقة هي التحاوي لا عدم مطلق الحواية و للعقل الاوّل في اكواره الاربعة بالدهر و الممكن ما للمشيّة بالسرمد و الامكان و ما لها من المُساوقةِ و التَّحاوِي و للجسم في اَدْواره الاربعة بالزمان و المكان ما ذكر سابقاً حرفاً بحرفٍ و كذا في المساوقة اي التحاوي يعني ان الجسم حاوٍ للزمان و المكان لايخرج منهما عنه شئ و الزمان حاوٍ للجسم و المكان لايخرج منهما عنه شئ و المكان حاوٍ للجسم و الزمان لايخرج منهما عنه شئ و ذلك كما اشرنا اليه في المشية و في العقل حرفاً بحرفٍ و امّا الماء الاوّل الذي به حيوة العقل و ما بعده فوجهه في السرمد و الامكان و هو في الدهر و الممكن و امّا النفوس فانها في وسط الدهر و الممكن و هو الاظلة و بينها و بين العقل النور الاصفر و هو [ص 31] البرزخ بينهما و هو الارواح و هو من الطرف الاعلي و آخره النّور الاحمر و جوهر الهباۤء فالكسر في النور الاحمر و الامتزاج في جوهر الهباۤء و العقد في المثال و المثال بين الزمان و الدهر فوجهه في الدهر و اسفله في الزمان اي بالعرض لتبعية الجسم فله الجهتان الذاتية و العرضيّة و بهما معاً تحقّقت برزخيّته ثمّ اعلم انّ كل شئ من ذي روح او غيره قد بَدا عن فعل اللّهِ علي الاستدارة الصحيحة و يعود الي الله كذلك و يَقْبَل من الله كذلك و سرعة تدويره و بُطؤه علي حسب كونه و وقته و هي تنقّلاتٌ تعدّ وَقته و لايسرع لذاته ازيد من نسبة كونه و وقته فاذا حصل له شئ اسرَعَ به فليس قاسراً لذاته من حيث هي فلايحدث لها تغيّر و انّما يعين ذاته بما يمكن لها اذ ما يمكن للشئ علي قسمين : قسم يمكن لذاته بذاته و قسم يمكن لها بخارج عنها و هو المعين و لو حصل بالخارج عكس مقتضي ذاته فهو معين ايضاً لا قاسر ما دام لمقتضاها فعل و الّا فهو قاسرٌ و ح لايكون الشئ ذلك الشئ بل هو غيره و هذا يسمّي قاسراً باعتبار قلب الذات الموجودة و الّا ففي الحقيقة ان الشئ لاينقلب الي ما لايمكن في ذاته في جميع الوجود بل ليس ذلك شيئاً فلاتتعلق به قدرة لانّ القدرة لايتعلق الّا بالشئ و الشئ الممكن له خمسة مقاماۤت : الاوّل في الامكان و لايكون ابداً و هو في المشية ممكن الكون و الثاني في الامكان و سيكون و في المشية يمكن اَلّايكون و الثالث انه كان و لايزال ابداً و في المشية يمكن محوه فيما بعد و اثباته و محوه و هكذا و الرابع انه كان و سوف يعدم اي يرجع الي [ص 32] ما قبل كونه و في المشية يمكن اَلّايعدم و ان يعدم و يعاد و هكذا و الخامس انه قد كان كونه و لاتكون عينه و كانت عينه و لايكون قدره و كان قدره و لايكون قضاۤؤه و كان قضاۤؤه و يستر امضاۤؤه و ظهر امضاۤؤه و يعدم منه ما كان الي غير ذلك و كل ذلك و ما اشبهها مما يمكن في ذاته و امّا ما لايمكن في ذاته بان يكون مستحيلاً اي لا شئ بكل اعتبارٍ او يكون واجباً لذاته اي هو الشئ لا سواه فيستحيل عليه فرض الامكان فلايمكن فرض واحد منهما وَ لا تَصَوُّرُهُ لانّ التصوّر و الفرض من الامكان بل لايفرض و لايتصوّر الّا ما هو موجود في الامكان قبل ذلك و سيأتي بيان ذلك ففي الحقيقة لايتحقق القاسر الّا بقلب الشئ الي غَيْرِ ما يقتضيه من ذاتٍ او صفة و هو مما يمكن له فهو مُطاوع فلا قلبَ فلا امتناع في الامْكان فلا قَسْرَ و لا امكان في الواجب و لا في المستحيل فالشئ الذي هو الشيء لا سواه لا امكان فيه و لا رجحان لايمنع النقيض بل هو وجوب بَحْتٌ و المستحيل الذي هو لا شئ بكلّ اعتبارٍ لا اِمْكانَ فيه فافهم هذه العبارات المكرّرة المردّدة للتفهيم .
كلُّ شئ لايدرك ما وراۤء مبدئه لانّ الادراك ان كان بالفؤاد فهو اعلي مراتب الذات و اوّل جزئيها و اعلاهما و اشرفهما و ليس له وراۤء ذلك ذكر في حالٍ فلايجد نفسه هناك و لايجده غيره اذ اوّل وجدانه ذلك الادراك و ان كان بالعقل و النفس و الحسّ المشترك و بالحواس الظاهرة فهي بجميع ادراكاتها و مدركاتها دون ذلك فلايدرك الشئ ما وراۤء كونه فاذا تصوّر شيئاً بغير الفؤاد ادرك ما وراۤءه اي انّ [ص 33] وراۤءه شيئاً يدركه فاذا ادرك ذلك الاعلي ادرك وراۤءه شيئا و هكذا لايقف علي حدٍّ لايجد وراۤءه شيئا و هذه حروف نفسه و مراتبها و تلك الحروف و المراتب لاتتناهاها نفسه اي لاتقف علي حدٍّ لاتتوهم اَلَّا قَبْلَ له فهي لاتفقد نفسها في تلك المراتب فاذا رأت ذاتها بذاتها اي نظرت بفؤادها انقطع وجودها و تناهي كونها اذ ذاك لانّها نظرت من مثل سمّ الابرة فاستدارت علي نفسها قال الشاعر :
قد ضلّت ( طاشَتْ خل ) النقطة في الداۤئرة و لمتزل في ذاتها حاۤئرة
الخ ، قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال (ع) لكميل محو الموهوم و صحو المعلوم و كلما وصل العبد الي مقامٍ ظهر له الجبار فيه حصل له المحو و الصحو فهناك عرف ربّه لانّه عرف نفسه بالمحو و الصحو فاذا استقام فيه كما قال سبحانه انّ الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا حتي ظهر له الاثر ظهر له الجبّار في مقام اعلي من الاوّل فيعرف فيه ربه بحكم المحو و الصحو بطورٍ اعلي و يتبيّن له انّ المقام الاوّل مقامُ خلقٍ قد تعرّف له فيه به ثم تعرّف له في الاعلي قال (ع) تدلج بين يدي المدلج من خلقك . فاذا عرف ربّه في الاعلي بظهوره له فيه به و نظر الي الاسفل الذي ظهر له انه مقام خلقٍ وجد الله عنده فوفّاه حسابه و الله سريع الحساب و هكذا ابداً يسير بلا نهاية قال تعالي في الحديث القدسي حديث الاسرار كلما وضعتُ لهم علماً رفعتُ لهم حلماً و ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و هذه المشار اليها هي المقامات التي لا تعطيل لها في كل مكان قال الحجة (ع) في الاشارة الي ذلك في دعاۤء [ص 34] رجب و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤُها منك و عودها اليك الدعاۤء . و قال الصادق (ع) لنا مع الله حالات نحن فيها هو و هو نحن و هو هو و نحن نحن ه ، و هذا طريق الي الله سبحانه لا نهاية لَهُ و لا غاية ثمّ اعلم ان كل مقام ظهر الله فيه لعبده فهو مظهره و صفته و هي حروف ذات العبد لا حقيقة له غير ذلك لانّه سبحانه ظهر لك بك و بك احتجب عنك فلا سبيل لك الي معرفته الّا بما تعرّف لك به و لميتعرف لك الّا فيك و بك قال علي (ع) في نهجالبلاغة لاتحيط به الاوهام بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها ثمّ اعلم انّ المتجلّي نقطة يدور عليها التّجلّي فهو كرة مجوّفة لفعل التّجلّي و في الانجيل ايها الانسان اعرف نفسك تعرف ربّك ظاهرك للفناۤء و باطنُكَ انا . فلجميع الخلقِ استدارةٌ علي فعل الله سبحانه واحدة كريّة فكلّ الخلق كرة واحدة مجوّفة تدور علي نقطة هي فعله تعالي و اصول الخلق كرات مجوّفة كذلك كل اصل كرة تاۤمّة تدور علي نقطة هي وجه ذلك الاصل من المشيّة و لاتدور علي محور لانّ الاستدارة علي المحور تحدث من اجزاۤء الكرة دواۤئر لا كرات لتكون الاستدارة الي جهة فلاتكون العلّة محيطة بالمعلول و لاتساوي الاجزاۤء المتساوية في الرتبة الي منتصف المحور الذي هو النقطة اليها لانّ ما كان من الاجزاۤء في جهتي القطبين للمحور لاتدور علي النقطة و وجه الكرة من علتها ليس محوراً مستطيلاً بل نقطة و الاصل الثاني يدور علي [ص 35] الاوّل لانّه للثاني نقطة و يدور علي نقطة الاوّل فله استدارتان ذاتية تدور علي نقطة الاصل الاوّل و عرضيّة تدور علي الاوّل اذا كان مترتباً عليه و الّا فعلي جهة لوازمه من وضع و اضافة و غيرهما و هما استدارة واحدة بلحاظ وحدة الداۤئر و لهذا كان ابطي من الاصل الاوّل كاستدارة الكوكب علي قطب تدويره و استدارته علي قطب الخارج المركز فانّ استدارته في التدوير علي نفسه فهي عرضيّة بالنسبة الي تحقّقه و اصالته و استدارته علي قطب الخارج المركز ذاتية لانّها وجهه الي اصل تحققه لانّ هذه اصل لاستدارته علي تدويره فاۤئضة عنها متفرعة عليها و انما كانت استدارة الثاني بطيئة ايضاً لحصول الكثرة فيها و كلما كثرت الوساۤئط كثرت الاستدارات و كان ابطي و تترتب العرضيات في القوّة و الضعف فما قرب من الداۤئرة كان اضعف و الذاتية ابداً واحدة و هكذا حكم كلّ اصلٍ و لفروع ذلك الاصل هذا الحكم كل فرع كرة واحدة له دورات دورة علي اصله و علي كل ما سبقه دورة و علي القطب الاوّل كذلك و قس عليه كل شئ بنسبة حال ذاته و عوارضها فكلّ عالم كرةٌ و كل نوعٍ كرةٌ و كل صنفٍ كرةٌ و كل شخص كرةٌ و كل جزءٍ كرةٌ و هكذا احكامها في الاوضاع و التضايف و النسب في التساوي و التعارف و التناكر الّا انّها في التناكر تدور علي التعاكس هكذا
و في التعارف علي جهة التواجه هكذا
و في التساوي علي جهة المماثلة هكذا
و اما في التغاير في الذات وحدها فهكذا
و في الصفات وحدها هكذا
و فيهما معاً هو التناكر كما مرّ قال (ع) الارواح جنود مجنّدة فما تعارَف منها ائتلف [ص 36] و ما تناكر منها اختلف . و معني تعارف ينظر احدهما في وجه صاحبه و معني تناكر ظهره الي ظهر صاحبه و المساواة من التعارف في التبعيّة و المغايرة احوال و انظر الي تمثيل الاشكال ،
و لكل رايتُ منهم مقاماً شرحه في الكتاب مما يطول
ثمّ اعلم ان الكرة ان كانت استدارتها عبارة عن استدارة قوس من محيطها فهي تدور علي محور و تحدث من الاجزاۤء الدواۤئر لا الكرات و ليس ذلك الاستدارة الصُّدورية عن العلة البسيطة التي هي فعل الله سبحانه و مشيّته بل الاستدارة الصُّدوريّة اَنْ يَدُوْرَ كلّ جزء من الكرة علي قطبِها فتكون استدارة الكرة علي قطبِها لَيْسَتْ الي خصوص جهةٍ لانّ ذلك من خواصّ الاجسام في حركاتها الجسمانية و امّا الحركات الوجودية الصّدوريّة فليست جسمانية و ان كانت من الاجسام فهي دورات دهرية و سرمديّة و الا لمتحط جهة العلّة بجميع جهات المعلول و لهذا قلنا كل جزء كرة فافهم فهّمك الله تعالي و اعلم انّ هذا الطور من الاستدارة لا تدركه النفس و لا العقل و انما يدركه الفؤاد لانّه جهة الصدور و هي ربط الدهر بالسرمد و السلام .
اعلم ان الله سبحانه خلق الاشياۤء بفعله و ابداعه من غير سبق فكرٍ اَوْ رَوِيّة و كل شئ فالله خالقه سواۤء كان في الوجود الخارجي ام الذهني و ما في الذهن لميوجد علي احتذاۤء سبقِ ذهنٍ فالوجود الذهني في الواقع وجود خارجي و انما قسّم الوجود الي الذهني و الخارجي للفرق بين الوجود الظلّي الانتزاعي و الاصلي اصطلاحاً و لا مشاحّة في الاصطلاح و الّا فهو في الحقيقة قسم من الوجود خلقه الله [ص 37] لحاجة الخلق اليه في التفاهم و التعارف ليحصل لهم ادراك ما غاب عن حواۤسهم الظاهرة و ذلك مما يتوقف عليه تكليفهم و نظام امورهم و معاشهم و انّما قلنا انه مخلوق للّه تعالي لما دلّ عليه الدليل القاطع بانّ اللّه خالق كل شئ قال تعالي و ان من شئ الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم . فان قلت معني ذلك انّ الله تعالي جعل في النفس قدرة علي اختراع ما شاۤءت من الصور فهي تخترع تلك الصور بما يمكن لها فلايكون الوجود الذهني في الحقيقة خارجيّاً قلت انّ ما جعله فيها و في غيرها مما تجري فيه علي اختيارها ليس حيث اعطاها رفع يده عنه بل هو في يده بعد الاعطاۤء كما هو قبل الاعطاۤء بل هو حال واحدة بلا تعدّد الّا في العبارة كناية عن ظهور العطية في نفسها و تلك القوّة المشار اليها فعلها و انفعالها و اضافتها و تعلّقها بمخترعها انما كان شيئاً في نفسه بكونه في يده فاذا قابلت المرءاة الشئ اوجد الله بهما فيها الصورة و انما لها اختيار المقابلة و انتزاع الصورة اللذان هما شئ بكونهما في يده فافهم و الي هذا الاشارة بقوله (ع) كلما ميّزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم . فافهم قوله (ع) مخلوق مثلكم مردود اليكم . فان قلت يلزمكم انّ الله تعالي خلق المعاصي و الكفر و ساۤئر القباۤئح قلت نعم كذلك الله ربّنا قال تعالي قل الله خالق كل شئ و هو الواحد القهّار و لكن ليس علي ما تفهم و ذلك لانّه سبحانه لايخلق شيئا الّا علي ما هو عليه في ذاته و صفاته و افعاله و الّا لميكن ذلك المخلوق كذلك بل يكون قد خلق علي غير ما هو عليه فحينئذٍ لايكون [ص 38] هو ايّاه و انما يكون هو غيره هف و اذا خلقه علي ما هو عليه فانما خلقه علي مقتضي سبب ايجاده و قبوله للوجود و ذلك بالاسباب الخارجة عن حقيقة ما افاضه الله بذات فعله و ان كانت بعوارضه و تلك الاسباب مقتضيات لتغيير الحقاۤئق بحكم الوضع و تلك المقتضيات من افعال الخلق و اوضاعهم فلو خلق علي غير المقتضي لكان قد منع ما اعطي و ابطل ما قدّر مثلاً خلق الحديد يقطع و لايقطع الّا بالله فاذا ذبح زيد عمراً ظلماً بالسيف فان لميوجد الله الذبح لمقتضي فعل زيد و الحديد لكان قد منع الحديد ما خلقه عليه فلميكن الحديد حديداً و منع زيداً مقتضي فعله فلميمكّن زيداً من فعل المعصية فلميقدر علي الطاعة لانّها لاتتحقق الّا بالتمكين من المعصية و اذا لميكن ذلك لميحسن تكليفه فلميكن مكلفا و اذا كان كذلك لميحسن ايجاده و يبطل الايجاد من اصله و الوجود الذهني حدث عن الّله بهذا النحو ثمّ اعلم ان في قوله تعالي و ان من شئ الّا عندنا خزاۤئنه حيث اتي للشئ من جهة افراده بجمع خزاۤئن سرّاً نبّه بذلك عليه و هو ان كلّ شئ له خزاۤئن فاعلي خزاۤئنه الرحمة ثم الرياح ثم السحاب المزجي ثم السحاب المتراكم ثم بحر الممكن و هباۤؤه ثم سحابه المزجي ثم المتراكم ثم الاكوان الستّة التي اشار اليها الصادق (ع) : الكون النوراني و هو الماء الذي به حيوة كل شئ ثم الكون الجوهري و هو الحجاب الابيض و هو الركن الايمن الاعلي عن يمين العرش ثم الكون الهوائي و هو الحجاب الاصفر و هو الركن الايمن الاسفل عن يمين العرش ثم الكون الماۤئي و هو الحجاب الاخضر و هو حجاب [ص 39] الزمرد و هو الركن الايسر الاعلي عن يسار العرش ثم الكون الناري و هو الحجاب الاحمر و قصبة الياقوت و هو الركن الايسر الاسفل عن يسار العرش ثم كون الاظلّة و هو الهباۤء الٰاخِر و كون الذرّ الثاني ثم العرش محدّد الجهات ثم الكرسي ثم فلك البروج ثم فلك المنازل ثم من فلك الشمس في زحل و في القمر ثم من الشمس في المشتري و في عطارد ثم من الشمس في المريخ و في الزهرة ثم ينزل الي الاذهان صورته بتسخير شمعون و سيمون و زيتون لجنودهم و اعوانهم من الملاۤئكة الموكلين بفلك عطارد و ما حمل من متمماته و حامله و مديره و تدويره و كوكبه و اشعته و انّما ينزل الي الذهن بعد ان ينزل من الخزانة العليا الي ما دونها و هكذا الي ان يصل الي الذهن فقوله تعالي و ماننزّله الّا بقدر معلوم يشير الي ان ذلك النازل من كل مرتبة انما ينزل باذن و اجل و كتاب و هذه المراتب كلها من الوجود الخارجي و ما في الذهن كما في المرءاة فانه وجود خارجي ثمّ ما في هذه المراتب التي هي الخزاۤئن قسمان اصل و ظل و المنتقش في مرءاة الذهن ان كان من الاصل انتقشت صورته و ان كان من الصورة انتقشت صورة الصورة مع مرءاتها الّا ان الذهن انما ينتقش فيه علي قدره من جهة الكمّ و الهيئة و الكيف فان كان صافياً مستقيماً حكي ما في المقابل بلا تغيير و الّا اختلف المنتقش فيه في الكمّ بكمّ الذهن و في الهيئة بهيئة الذهن من الطول و العرض و الاعوجاج و الانحراف و في الكيف بكيفه من بياض او سواد و غير ذلك و ذلك كاختلاف صورة الوجه الواحد في [ص 40] المرايا المتعدّدة المختلفة كذلك هذا اذا كان ما في الذهن من ظلّ الحق فان كان ما فيه من ظلّ الباطل انتكس الي اسفل فقابَل الذي في خزاۤئن الشمال و هي ثمانيةعشر خزانة منكوسة كلّ ما فيها دعاويَ لا حقاۤئق الّا انّها تشبه ما في الحق كلّ خزانة تشابه ضدّها فينتقش فيه ما قابله مع ما في الذهن من الهيئة و الكيف و ما له من الكمّ و انما قلنا انه ظلّي انتزاعي في غير ذهن علّة الموجودات لانّك لاتدرك ما غاب عن بصرك بخيالك الّا في وقته و مكانه و لايمكنك ان تدرك شيئاً سمعته او نظرته اذا غاب عنك او غبت عنه الّا اذا التفتَتْ نفسُك الي زمانه و مكانه الذي ادركته فيه اوّلاً فتدركه فيه و ان ذهبت شهادته فانّ غيبه لميذهب كلما طلبته وجدته فيه كما لو ذكر لك زيد انّك كلّمت عمراً امسِ بكذا فانّك لمتذكره حتّي تلتفِتَ نفسُك بخيالك الي ذلك الوقت و ذلك المكان فتري فيه عمراً بغَيبه و كلامك بغيبه موجودَيْنِ في الكتاب الحفيظ فيُعطٖي الكتابُ الحفيظُ ذهْنَك صورة الشخص و الكلام و الوقت و المكان فتخبر عمّا انتقشَ في ذهنك من ذلك علي نحو ما اشرنا اليه من كيفية الانتقاش و اعلم ان الوقت الذي ذكرتَ فيه و المكان الذي رايتَ فيه الشخص و الكلام هي نفس ما رايتَ اوّلاً في الزمان لانّ الجسم المرئي بالبصر و الكلام المسموع بهذه الاُذن قبل هذا الذكر في الزمان و هو شهادتهما و اما ادراكك لحاليتهما في ظرفيْهما ففي وقت واحدٍ و مكانٍ واحدٍ و نظيره في غير الوقت لو كان عندك كتابة في قرطاس فنظرتَ اليها في وقتين فان المرئي و المكان واحد و ما نحن فيه كذلك الّا انّ الوقت واحد [ص 41] و هو وقت الاظلّةِ من يوم الجمعة وقت العصر بعد الاذان و الصلوة فان كان بصرك حديداً عرفتَ هناك ذلك الشخص هل صلّي ام لا فافهم .
في بيان صدور الافعال من الانسان و الاشارة اليه .
اعلم انّ الانسان مركب من الوجود و الماهية و المخلوق ابداً محتاج في بقاۤئه الي المدد من احد طرفين طرف الوجود و طرف الماهية فمدد الوجود بفعل اللهِ الذاتي فهو ابداً قاۤئم بامره قيام صدور و من فعله للاعمال الصالحة فالحافظ امر الله و المدد من الاعمال من فعل الله و من فعل العبد فما بفعل الله مقبول و ما من فعل العبد قبول و مدد الماهية بفعل الله العرضي فهي ابداً قاۤئمة بامره العرضي قيام صدور و من فعلها من الاعمال الخبيثة فالحافظ امر الله التابع و المدد بالاعمال الخبيثة بفعل الله و من فعل العبد فما بفعل الله مقرِّرٌ و مقوِّم و ما من فعل العبد متقوِّمٌ و متكوِّن ثمّ لمّا كان الانسان في نفسه مركّباً من ضدّين متعادِيَيْنِ في الذات و الصفة و الانبعاث محدثين محتاجين في تقوّمهما الي المدد منهما او من احدهما فَاِنْ كان منهما جري علي ذلك الانسان الوزن يوم القيمة و الحساب و ان كان من احدهما ضعف الآخر و لميبق منه الّا قدر ما يحفظ الآخر و يكون حكمه حكم القوي فان كان القوي الوجود اطمانت النفس و كانت اخت العقل و رقّت الماهيّة و شابهت الوجود كالحديدة المحماة بالنار فلا فرق في الفعل بينهما و ان كان ما بها بالعرض كالحديد قال الشاعر :
رقّ الزجاجُ و رقّتِ الخمرُ فتشاكلا و تشابه الامرُ [ص 42]
فكاَنّما خمرٌ و لا قدحٌ و كاَنّما قدحٌ و لاخمرُ
و ان كان القوي الماهية كان الامر علي العكس و كل واحد منهما انما يستمد و يقوي بمددٍ من جنسه اذ لايستمد الشئ من نحو ما هو من ضدّه فلايستمد النور من الظلمة و لا العكس من حيث هو كذلك و ميل الآخر معه انما هو لبقاۤئهما فالوجود يستمد من انواع الخيرات لانّها من نوعه و الماهية يستمد من انواع الشرور لانّها من نوعها و المركب الواحد لايستمد من طرفيه معاً اذا كانا متعاندَيْنِ الّا علي التعاقب و اذا كان وجود احد الجزئين شرطاً لوجود الآخر لزم ان يكون فعل ذلك الشئ واحداً فلو فعل الوجودُ الخير و الماهيّة الشر في حالٍ واحدٍ لزم الانفراد المستلزم للانفكاك المستلزم لفناۤء الشئ لانّه عبارة عنهما منضمّين و يفنيانِ هما ايضاً لتوقف وجود كلٍّ منهما علي انضمام الآخر اليه و لكن يتعارضان في الميلِ المنبعث عن شهوة كلٍّ الي الاستمداد من جنسه لانّ ميل احدهما الي الشئ يقتضي ميل الآخر ضدّه لانّهما ضدّان في كل شئ و لهذا يضعف احدهما بفعل الآخر لانجذابه مع الفاعل الي خلاف ما يتقوي به و من ثَمّ يتعارضان يطلب كل واحد من الآخر ان يكون معه في محبته لتوقف فعله لما يريد علي تحقّقه في نفسه و اذا فارقه الآخر لميتحقق و امّا مجرّد الميل و هو الالتفات لشهوة المشاكل فليس كالفعل يحصل به نيل المدد المسكّن للشهوة فلايحصل به السكون و لا ترجيح احد الميلين و لايمكن انبعاثهما معاً مجتمعين الا ان يكون احدهما ذاتياً و الآخر عرضيا و لا مختلفين لاستلزام ذلك المفارقة لاستحالة انبعاثين [ص 43] متضادّين من المركب الواحد الذي لايوجد الّا بالانضمام دفعة لاستلزام ذلك عدمهما لتوقف تحققهما علي الانضمام فوجب ان يكونا علي التعاقب فاذا مال الوجودُ الي الخير مال بالماهية فمالت معه بالعرض علي خلاف محبتها و اذا مالت الي الشر مالت بالوجود فمال معها بالعرض علي خلاف محبته و يتعاقبان علي هذه الحال فمن رجّح ميله بحيث لايميل مع الآخر غلب و فعل مطلوبَهُ الآخر بالعرض و فعل الغالب مطلوبه بالذات فيقوي الفاعل و يضعف التابع بنسبة ما يقوي به المتبوع و لايحصل السكون للمركب الّا بالفعل و لايزال كذلك حتّي ينمحق ميل الضعيف في ميل القوي اِلي اَن لايبقي من الضعيف الّا ما يتقوّم و يحقّق به القوي لانّ وجود الضعيف شرط في تحقّق وجود القوي و يكفي فيه نقطة راس المخروط و انما قلنا راس المخروط لانّ الضعف المتناسب يقتضي حصول هيئة المخروط لانّه في كل مرّة يضعف التّابع و يقوي الفاعل و شرح حال ذلك الشّان انّ الوُجُودَ له وجه الي ميله و مطالبه الطّيّبة و هو العقل و هو وزيره و للماهيّة وجه الي ميلها و مطالبها الخبيثة و هو النفس الامّارة بالسُّوۤء و هي وزيرها و لمّا كان الانسان هو ذلك المركب منهما ظهرت فيه الواحدية بصورتها فوجب ان يكون له جسم واحد و جسد واحد و اسم واحد و آلة واحدة فوجب في ذلك ان تكون كلها صالحة لاستعمال الوجود لها علي الانفراد بمقتضي فعله لما قلنا و صالحة لاستعمال الماهيّة لها علي الانفراد بمقتضي فعلها و كذلك متعلقات افعالهما من المآكل و المشارب و الملابس [ص 44] و المناكح و غير ذلك و كلّ منها صالح لاستعمالها علي الانفراد و هي كافية للوجود اذا استعملها بواسطة العقل بحيث لايحتاج الي شئ في جميع مُيولاته لايوجد في مقتضي العقل من الخيرات و كذلك الماهيّة بل تكون تلك الامور مغنية لكل منهما في كل شئ ثُمّ اعلم ان العقل في الانسان و النفس الامّارة مرءاتان مرءاة العقل عن يمين القلب وجهها الي السماۤء فتنطبع فيه صورة الراس المختصّ به من العقل الاوّل و علي الاُذن اليمني من القلب التي هي بابُ وحيه ملك مُؤيِّد و تحته جنود كثيرة من الملاۤئكة بعدد افعال العقل و مُيُولات الوجود تعينه علي كل خير و مرءاة النفس عن يسار القلب وجهها الي الارض فتنطبع فيها صورة الراس المختصّ بها من الجهل الاوّل و علي الاُذن اليسري من القلب التي هي باب وحيها شيطان مقيّض و تحته جنود كثيرة من الشياطين بعدد افعال النفس الامّارة و ميولات الماهيّة تعينه علي كل شرّ و كل ملك موكل بشئ واحد من الخير لا غير و ضدّه شيطان موكّل بضدّ ما وكّل به الملك من الشرّ لا غير فاذا طلب الوجود من العقل شيئاً من الخير و طلبه العقل بجنوده طلبت الماهيّة ضدّه من النفس الامّارة بجنودها فوقع بينهما الحرب فان غلب العقل قَتَلَ ذلك الملكُ ذلك الشيطانَ الخاۤصّ بمضاۤدّته و ذلك بعون من اللّه سبحانه و ان غلبت النفس الامّارة ذهب ذلك الملك عن ذلك الشئ و لحق بمركزه من الوجود يعبد الله و استولي ذلك الشيطان الخاص علي ذلك الشئ و ذلك بتخلية من الله سبحانه و لذلك مثال و بيان علي سبيل الاشارة فالاوّل اعلم [ص 45] ان الشمس اذا اشرقت علي الجدار استنار وجهه بشعاع الشمس و ظهر الظل من خلفه و لولا الجدار لماظهر نور الشمس و ان كان منها و لولا الشمس لَماظهر الظل من الجدار و ان كان منه فالاستنارة من الشمس بالجدار و الظل من الجدار بالشمس و اعلم انا نريد بالجدار نفس النور من حيث نفسه لا من حيث الشمس فالاستنارة تقوّمت بنور الشمس تقوّم صدورٍ و بالجدار تقوّمَ تحقّقٍ و الظّل تقوَّم بالجدار تقوُّم صدورٍ و بنور الشمس تقوّم تحقّق ثمّ جعلنا الشمس عليه دليلاً فالاستنارة آية الحسنة بفعل العبد من قدر اللّه و الظلّ آية المعصية من فعل العبد بقدر اللّه و الثاني قال الله تعالي في الحديث القدسي و ذلك انّي اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيّئاتك منّي و هو معني ما اصابك من حسنة فمن اللّه اي انا اولي بها و ما اصابك من سيّئة فمن نفسك اي انت اولي بها كما في المثال تقول الشمسُ يا جدار انا اولي بالاستضاۤءة منك لانها من نوري و ان كانت لاتتحقّق الّا بك و انت اولي بالظلّ منّي لانّه منك و ان كان لايتحقّق الّا بي فالحسنة من الله اوّلاً و بالذات بمعني راجحيّة جهة الوجود فيها لرجوعها من جهة قدر اللّه الي فعله و بالعبد ثانياً و بالذات ايضاً لانّها من وجوده باللّه فهي من جهة فعل العبد ترجع الي وجوده الراجع الي فعل اللّه تعالي و السيئة من العبد اوّلاً و بالذات بمعني راجحية ماهيّته فيها و باللّه ثانياً و بالعرض بمعني المساوقة في الوجود و تحقّق الماهيّة بالوجود المتقوّم بامر اللّه تعالي فمشيّة العبد للحسنة بالذّات من مشيّة الله لها بالذات و مشيّة العبد للسيّئة [ص 46] بالذات من مشيّة الله بالعرض علي نحو ما اشرنا لك اليه و اسلك طريقاً بين هذه الحدود جامعاً لها علي نحو ما ياتي و هذا الطريق الجامع هو سبيل الله قال تعالي فاسلكي سبل ربّكِ ذُللاً . و اصل المسئلة هو ان تعلم ان الشئ انما يتحقق بوجوده و ماهيّته و ذلك لانه ( الّا انه خل ) لا قيام له بنفسه لا في افراده و لا في المجموع و انما يتقوّم بامر اللّه قيام صدور فهو قاۤئم به ابداً قيام صدور فهو طريّ ابداً و اليه الاشارة بقوله تعالي و من آياته ان تقوم السماۤء و الارض بامره و في دعاۤء يوم السبت رواه في المصباح قال (ع) كل شئ سواك قامَ بامرك . الّا انّه في كل حال نهر يَجري مستديراً استدارة صحيحة و ليس قولنا انه نهر يجري انه داۤئرة بل هو كرة مجوّفة و افعاله ايضاً قاۤئمة بامر الله من جهة ما تقوّمت به ذاته تَقوُّماً تَبعِيّاً علي نحو ما اشرنا اليه سابقاً و المراد بالتّبَعي ان يكون نسبة ما تقوّمت به الافعال اِلٰي ما تقوّمت به الذات نسبة الشعاع الي المنير نسبة واحد من سبعين فالذات قامت بامر اللّه و افعالها قامت بنور ذٰلكَ الامر و اختلافها علي حسب اختلاف مراتبه من ذلك الامر فالامر هو الحفيظ لها كما ذكرنا و الفعل المحفوظ مستند الي فاعله المحفُوظ و حفظ الاستناد من ذلك الامر ايضا و الي هذا المعني الاشارة بقول الرضا (ع) هو المالك لما ملّكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه ، و الاختيار الذي في العبد نشأ من اقتضاۤء الضدّين الوجود و الماهيّة لاقتضاۤء ما لهما كما مرّ و من خلق الآلة الصالحة للمتضاۤدّين و من الاستطاعة للفعل في الفعل و من امكانها قبل اي الصحّة و هي التي [ص 47] يكون العبد بها متحرّكاً مستطيعاً للفعل و لانّه اثر المختار فتكون مختاراً قال تعالي فجعلناه سميعاً بصيراً فاذا فعل العبد المختار المتقوّمُ بامر اللِّه الفِعلَ المتقوِّم بنور امر اللّهِ و هو قادر علي تركه كان قد فعل فعله وحدَه بقدر اللّه لانّ الفعل المحفوظ مستند الي فاعله المحفوظ وحده فبقدر الله تقوّم الفاعل و الفعل و تقوّم اِسْنادُه الي فاعله و الي ذلك يشير تاويل قوله تعالي ثمّ قبضناه الينا قبضاً يَسٖيراً فقدرُ الله روحُ فعلِ العبدِ و فعلُ العبد جسده و هكذا في كل حركةٍ و سُكونٍ و هو سرّ الامر بين الامرين و مثال ذلك التقوّم كما تقوّمت الاستضاۤءة في الجدار بنور الشمس فالامر وجه الشمس و النور الذي هو الماۤء نور الشمس المنبثّ و الاستضاۤءة في الجدار وجود الانسان و الجدار الذي اشرنا اليه و هو نفس الاستضاۤءة من حيث هي هي ماهيته و فعله المنسوب اليه هو مثل الانعكاس عن الاستضاۤءة و هو نوعان فما انعكس عنها من جهة نور الشمس فهو خير و نور و حسنة و طاعة و ما انعكس عنها من جهة نفسها فهو شرّ و ظلمة و سيّئة و معصية فالنوع الاوّل فعل العقل عن الوجود و الثاني فعل النفس عن الماهيّة فتفهم و اعلم ان الماهيّة موجودة بوجود الوجود ما دام موجوداً و اذا لمتوجد لميوجد الوجود لانّها شرط لايجاده و تمام لقابليته للايجاد كالعكس و انما قالوا انها عدم ما شمّت راۤئحة الوجود لانّهم يريدون انها لمتوجد اوّلاً و بالذات قطّ لا انّها لمتوجد اصلاً بل هي موجودة بفاضل ايجاد الوجود كما قلنا آنِفاً و ذلك الفاضل اذا نسب الي ايجاد الوجود كان نسبة [ص 48] الواحد من سبْعين كما هو شان الآثار و الصفات هذا في الظاهر و امّا في الحقيقة المطابقة للواقع فهي موجودة بوجود آخر مستقلٍّ في نفسه و ان كان مترتّباً علي الاوّل فان نسبة وجوده الي الاوّل كنسبة وجود الانكسار الي وجود الكسر و ذلك لانّ الاوّل من تمام قابليّة وجودِها للايجاد فالوجود في الاوّل موجود بالايجاد الذي هو الفعل اوجده بنفسه لا بوجود مغايرٍ لنفسهِ الّا انّ ايجاده بنفسه ادارته علي نفسه كرة تدور علي كرةٍ تدور علي نقطةٍ هي الحركة الكونية من الفعل و الكرة الظاهرة تدور علي خلاف التوالي و الباطنة علي التوالي و في الثاني موجود بنور ايجاد الاوّل من الفعل و هو نقطة تدور نفس الماهية عليها علي خلاف التوالي و الماهية تدور علي نفسها علي خلاف هيئتها و خلاف التوالي و علي الوجود في جهة غير جهته فحصل من الوجود و الماهية كرتان متداخلتان في الاجزاۤء متمازجتانِ في الذرات متقابلتانِ في السطوح مختلفتان في الدوران و تمازجهما من غير استهلاك شئ منِ اجزاۤئهما و ذرّاتهما في آخر و لا استبانة شئ من شئ الّا في الاعتبار و الافعال و الميول لاختلاف الشهوتين لتعاند الذاتين و كلما قَرُبَ من النقطة الكونية كان انور لغلبة الوجود و كلما بَعُدَ كان اشدّ ظلمة لغلبة الماهية حتي تنتهي الشدّة و الضعف الي نقطة الحركة الكونية و الي محدّب الكرة فتنتهي الظلمة في جهة الحركة الكونية الي نقطةٍ عند وجه الحركة الكونية فتبعد منفرجة علي هيئةِ مخروطٍ قاعدته محدّب الكرة الظاهرة و ينتهي النور في جهة محدّب الكرة الي نقطةٍ علي هيئة مخروط [ص 49] قاعدته عند وجه الحركة الكونية فتدور الكرتان الممتزجتان علي وجه الحركة الكونية في الخلق تحت الحجاب الاحمر بثلاث حركاتٍ ابداً حركة الوجود الذاتية علي التوالي و حركة الماهية الذاتية علي خلافِ التوالي و الحركة الثالثة عرضيّة ففي حال الطاعة تدور الماهية بالحركة العرضيّة علي التوالي و بحركتها الذاتية علي خلاف التوالي و في حال المعصية يدور الوجود بالحركة العرضية علي خلاف التوالي و بحركته الذاتية علي التوالي فاذا تتابعت الطاعات ضَعُفت حركة الماهيّة الذاتية و ابطأت و اسرعَتْ عرضيتها و اذا تتابعت المعاصي ضعفت حركة الوجود الذاتية و ابطأت و اسرعت عرضيّتُه و لاجل انّ الحركة الذاتية لاتتبع الذاتية الاخري ابداً و انما تتبع بالعرضيّة ثقلت الطاعة و المعصية لحصول التعاكس حتي يفني اعتبار احدهما لميله فيخفّ مقتضي الموجود الميل و تدور الكرتان علي وجه الحركة الكونية في الرزق تحت الحجاب الابيض بثلاث حركاتٍ حركة الوجود الذاتية لمدد الرزق علي التوالي و حركة الماهية الذاتية لمدد الحرمان علي خلاف التوالي و الحركة الثالثة عرضية ففي حال الرزق تدورُ الماهية بالحركة العرضيّة علي التوالي و بالذاتية بالعكس و في حال الحرمان يدور الوجود بالعرضيّة علي خلاف التوالي و بالذاتية بالعكس و تدور الكرتان علي وجه الحركة الكونية تحت الحجاب الاخضر بثلاث حركات في الموت حركة الوجود الذاتية علي خلاف التوالي و حركة الماهية الذاتية علي التوالي و عرضيّتهما علي العكس و تدور الكرتان علي وجه الحركة [ص 50] الكونية في الحيوة تحت الحجاب الاصفر بثلاث حركات كل واحدة بعكسِها في الموت في الذاتية و العرضية فكان للوجود و الماهية في مراتب الوجود الاربعة التي بني عليها العرش و تجلّي الرحمن بافعاله علي العرش بها و هي الخلق و الرزق و الموت و الحيوة كما قال اللّه تعالي اللّه الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يُحييكم اثنتاعشرة حركةً ثمانٍ ذاتيات و اربع عرضيات في عالم المعاني عالم الجبروت و اثنتاعشرة حركة كذلك في عالم الصور عالم الملكوت و اثنتاعشرة كذلك في عالم الاجسام عالم الملك و في عالم الرقاۤئق عالم الاظلّة كذلك و في عالم الاشكال عالم المثال كذلك الّا ان عرضيّتهما في عالم الجبروت بالقوّة و في عالم الاظلة بالتّهَيُّؤِ و في ما دون ذلك بالفعل فهذه ستون حركة للوجود و للماهية اربعون منها ذاتية و عشرون عرضيّة ثمّ اعلم ان للوجود و للماهية باعتبار ذرّاتهما حركة دهريّة غير حركة الكل فكلّ ذرّة من الوجود تدور علي وجهها لا الي جهة و كلّ ذرّة من الماهية تدور علي وجهها لا الي جهة و كذلك نهايات كلّ منها و لكلّ ذرة من كل منهما بالنسبة الي المجموع حكم فلك التدوير في الحامل من الاسراع و الابطاء و الاقامة و الرجوع و حكم المجموع في الحاجة و الاستمداد و الكرويّة فكلّ متوجّه الي مبدئه واقِف بمسئلته بباب ربّه لاۤئذ في فقره بجناب غناه ثمّ اعلم ان عرضيّة كل شئٍ مما ذكرنا هي جهة فقره الي ضدّه فعرضيّة الوجود جهة فقره الي الماهية في الظهور و عرضيّتها جهة فقرها الي الوجود في التحقق فلهذا تتبع عرضيّة كل واحدٍ ذاتيّة الآخر .