الفوائد و هي تشتمل علي اثنتيعشرة فائدة
في الحكمة
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين انّي لمّا رايتُ كثيراً من الطّلبة يتعمّقون في المعارف الالهية و يتوهّمون انّهم تعمّقوا في المعني المقصود و هو تعمّق في الالفاظ لا غير رايتُ انّه يجب عليّ اَن اروّعهم بعجاۤئبَ من المطالب لميذكر اكثرها في كتاب و لميجر ذكرها في خطاب و يكون ذلك بدليل الحكمة لانّ الذي كانوا طلبوا به الغاية دليل المجادلة بالتي هي احسن و ذلك لايوصل الّا الي عالم الصور او المعاني و لايوصل الي معرفة الاشياۤء كما هي كما قال (ص) اللهم ارني الاشياۤء كما هي . و لايوصل الي ذلك الا دليل الحكمة و ارجو الله في ذلك ان يهدي به من التمس الهدي بهذا الدليل سواۤء السبيل و حسبنا الله و نعم الوكيل .
في ذكر تفصيل الادلّة الثلاثة و ذكر مستندها و شرطها .
اعلم هداك اللّه انّ الادلّة ثلاثة كما قال سبحانه لنبيّه (ص) ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن ، فالاوّل دليل الحكمة و هو آلة للمعارف الحقيّة و به يعرف الله سبحانه و يعرف ما سواه و مستنده الفؤاد و النقل اَمَّا النقل فهو الكتاب و السنّة و امّا الفؤاد فهو اعلي مشاعر الانسان و هو نور اللّه الذي ذكره (ع) في قوله اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللّه . و هو الوجود لانّ الوجود هو الجهة العليا من الانسان يعني وجهه من جهة ربّه لانّ الوجود لاينظر الي نفسه [ص 3] ابداً بل الي ربّه كما انّ الماهية لاتنظر الي ربّها ابداً بل الي نفسها و امّا شرطه فاَن تُنْصِفَ ربَّك لانّك حين تنظر بدليل الحكمة انت تحاكم ربّك و هو يحاكمك الي فؤادِك كما قال سيّد الوصيين (ع) لاتحيط به الاوهام بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكَمَها . فربّك يخاصمك عندك فزِن بالقسطاس المستقيم ذلك خير و احسن تاويلاً و تقِفُ عند بيانِك و تبيّنِك و تبيينك علي قوله تعالي و لاتقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا و تنظر في تلك الاحوال كلها بعينه تعالي لا بعينك لقوله تعالي و لاتمش في الارض مرحاً انك لنتخرق الارض و لنتبلغ الجبال طولاً فهذا نمط دليل الحكمة و امّا دليل الموعظة الحسنة فهو آلةٌ لعلم الطريقة و تهذيب الاخلاق و علم اليقين و التقوي و ان كانت تلك العلوم تستفاد من غيره و لكن بدون ملاحظة هذا الدليل لاتقف علي اليقين لانّه اقلّ ما قسّم الله بين العباد و مستنده القلب و النّقل و شرطه انصاف عقلك بمعني اَلّاتظلمه ما يستحقه و ما يريد منك من الحق و مثاله قوله تعالي قل ارأيتم ان كان من عند الله ثم كفرتم به من اضلّ ممّن هو في شقاق بعيد و قوله تعالي قل ارأيتم ان كان من عند اللّه و كفرتم به و شهد شاهد من بنياسراۤئيل علي مثله فٰامن و استكبرتم ان الله لايهدي القوم الظالمين و كقول الصادق (ع) لعبدالكريم بن ابيالعوجاۤء حين انكر علي الطاۤئفين بالبيت الحرام قال (ع) ما معناه ان كان الامر كما تقولون و ليس كما تقولون فانتم و هم سواۤء و ان كان الامر كما يقولون و هو كما يقولون فقد نجوا و هلكتم . فهذا نَمطُ دليلِ [ص 4] الموعظة الحسنة و امّا دليل المجادلة بالّتي هي احسن فهو آلةٌ لعلم الشريعة و مستنده العلم و النقل و شرطه انصاف الخصم و الّا لمتكن المجادلة بالّتي هي احسن و هو مثل ما قرّره اهل المنطق من المقدّمات و كيفية الدليل و ما ذكره اهل الاصول و غيرهم من الادلّة و كيفية الاستدلال علي نحوٍ لايكون فيه انكارُ حقٍّ و ان كان من خصْمك المبطل في مطلبه و لا استدلالٌ بباطلٍ علي حقٍّ و لا علي ابطال باطلٍ و لايحتاج هذا الي تمثيل لانّ الكتب مشحونة به بل لاتكاد تجد غيره الّا نادراً و ذلك لضعف المستدلّين و المستدَلِّ لهم و عليهم و لكن لاتغفل عن اخذِ حظٍّ من دليل الموعظة الحسنة فانه بشرطه طريق السلامة و الراحة في الدنيا و النجاة في الآخرة و هذا اذا لمتنل دليل الحكمة و الّا فخُذه و كن من الشاكرين فليس وَرَاۤءَ عَبّادان قرية و الله سبحانه يحفظ لك و عليك .
في بيان معرفة الوجود .
اعلم انّ الّذي يعبّر عنه عند طلب معرفته بالوجود ثلاثة اقسام : القسم الاوّل الوجود الحقّ و هذا الوجود لايدرك بعموم و لا خصوص و لا اطلاق و لا تقييد و لا كلٍّ و جزءٍ و لا كلّي و لا جزئي و لا بمعني و لا لفظٍ و لا كمّ و لا كيف و لا برتبة و لا جهة و لا وضع و لا اضافة و لا نسبة و لا ارتباطٍ و لا في وقت و لا مكان و لا علي شئ و لا في شئ و لا فيه شئ و لا من شئ و لا لشئ و لا كشئ و لا عن شئ و لا بلطف و لا بغلظ و لا باستدارة و لا امتداد و لا حركة و لا سكون و لا استضاۤءة و لا ظلمة و لا بانتقال و لا بمكث و لا تغيّر [ص 5] و لا زوال و لايشبهه شئ و لايخالفه شئ و لايوافقه شيء و لايعادله شئ و لايبرز من شيء و لايبرُز منه شئ و كل صفة او جهة او صورة او مثال او غير ذلك مما يمكن فرضه او وجوده او تمييزه او ابهامه فهو غيره و لايدرك بشئ مما ذكر او غيره و لا بضدّه و لايعرف ما هو في سرّ و لا علانية و لا طريق الي معرفته بوجهٍ لا بنفي و لا اثبات الّا بما وصف نفسَهُ و لايدرك احد كنه صفته و انما يعرفه بما تَعرَّفَ لَهُ به و لميتعرف لاحدٍ بنحوِ ما عرَّفَهُ من غيره و الّا لشابهَهُ سبحانه فهو المعلوم و المجهول و الموجود و المفقود فجهة معلوميته نفس مجهوليته و نفس مشهوديته عين مفقوديته فهو لايعرف بغيره و غيره يعرف به امّا انّه لايدرك بعموم و لا خصوص الخ ، فلانّها جهات الخلق و صفاتهم و هي لاتحدّ الّا انفسها و لايدرك بها الّا مثلها و امّا انه لايدرك بضدِّه فلانّ ضدّ الممكن ممكن اذ القديم لا ضدّ له و الّا لميكن عنه شئ وَ لَشابَهَهَا في تضاۤدّها و لانّه ان كان قديماً لزم تعدّد القدماۤء و لايمكن فرض ذلك لانّ الازل هو الذات البسيط البحت و لا مدخل فيه لانّ الازل صمد و الّا فهو امكان و ان كان الضدّ ممكِناً لميصحّ فرض كون الممكن ضدّاً للواجب لحدوثه به و انما قلنا انّ ضدّ الممكن ممكن لانّ القديم و الممتنع لايصلحان لمطلق الضدّية و الّا لكانا ممكنين امّا في الواجب فلانّ الضد جهة المقابلة و طرفها و هو ممكن و امّا في الممتنع فلان الضدّ ان لميكن شيئاً لميكن ضدّا و ان كان شيئاً كان ممكنا و لهذا لايصلح العدم لضدّيّة الوجود الّا مجازاً لانّ العدم الممكن وجود في الامكان لا في الاعيان و الي هذا اشار الصادق (ع) لمن سأله عن اختلاف زرارة و هشام بن الحكم في النفي هل هو شئ ام لا فقال زرارة ليس بشئ [ص 6] و قال هشام النفي شئ فقال (ع) قل بقول هشام في هذه المسئلة و امّا الممتنع فليس شئ و لا عبارة له و انما استعملت العبارة لجهة امكانه مثل لا شريك له لانّ النفي فرع الثبوت و ذلك لانّ الاوهامَ تُصوّر شيئاً و تسمّيه شريكاً من جهة تجويزها ذلك او توهّم وجوده و اليه الاشارة بقوله تعالي و تخلقون افكاً فاتي بهذه العبارة مكنسةً لغُبار الاوهام و هي عبارة حادثة واردة علي حادث و امّا الممتنع فليس شيئاً و لا عبارة عنه و تعبيري بالعبارة لهذا العنوان المتوهم و هو حادث خلقه الله بمقتضي اوهامهم من باب الحكم الوضعي عند اهل الاصول لانّه سبحانه اعطي كل شئ خلقه و ليس هذه العبارة عن هذا العنوان كالعبارة عن عنوان حكم الوجوبِ و ان كان لايدرك لذاته الّا ان العنوان لمظاهره و مقاماته التي لا تعطيل لها في كل مكانٍ و ليس للممتنع مظاهر لانّ المظاهر فرع الثبوت و انّما سمّيتم ممكناً بممتنعٍ كما لو سمّيتَ رجلاً بمعدوم و ليس شئ الّا اللّه و صفته و اسماۤؤه و امّا انّه لايعرف الّا بما وصف به نفسه فلانّ الازل ليس شيئاً غيره و ما سواه فهو في الامكان و الازل لايخرج منه شئ و لايدخله شئ و لايصل اليه شئ فيخبر عمّا هناك و يصف ما فيه و اذا كان كذلك لايعرفه احد الّا بما وصف به نفسه و هو كما يقول لايدركه غيره فلايعرف كنهه الّا هو لانّ علمه بنفسه عين نفسه فاذا وصف نفسه كان وصف الحقّ للحقِ حقّاً و يقع علينا وصفه خلقاً و نحن ذلك الوصف الواقع علينا بنا فقد تعرّف لنا بنا فكان وصفه الحق للخلق خلقاً لانّ الخلقَ لايُدْرِكُ الّا خلقاً انّما تحدّ الادوات انفسها و [ص 7] تشير الي نظاۤئِرها فلايدرك شئ الّا ما كان من جنسه و معني انه لايتعرّف لاحدٍ بنحوِ ما عرّفَهُ من غيره انه سبحانه عرّف الخلق للخلق بما هم عليه انّهم خلق و هو عرَّفَ نَفْسَه اَنَّه ليس بخلق و لا يشبه شيئاً من الخلق فلايدرك ما تعرّف لهم به بشئٍ من بَصاۤئِرهم و لا ابصارهم و انّما يعرف ببَصرٍ منه قال عليه السلام اعرفوا اللّه باللّه و قال الشاعر :
اذا رام عاشقها نظرةً و لميستطِعْها فمِن لطفِها
اَعارَتْهُ طرفاً رءاها به فكان البصيرَ بها طرفُها
و معني فهو المعلوم و المجهول الخ ، انّه المعلوم بصنعه المجهول بكنهه الموجود بٰاياتِه المفقود بذاته فظهر فلا شئ اظهر منه و انّما ظهر كل شئ باثر ظهوره و بطن فلا شئ ابطن منه لانّه لا شئ اظهر منه و انّما خفي لشدّة ظهوره و استتر لعظم نوره و معني جهة معلوميته نفس مجهوليته انّ الشئ لايعرف و لايعلم الّا بما هو عليه فالطويل يعرف بطوله و العريض يعلم بعرضه و القصير يعرف بقصره و الابيض ببياضه و الاسود بسواده و ذو الهيئة بهيئته و ما لا مقدار له و لا لون و لا هيئة يعرف بذلك فالواجب سبحانه يعرف بانّه لا كيف له و لا شبه له و لا مثل له و انه لايدرك كنهه و لاتعلم صفته و لايُحاط به علماً و اَنّ كل مدرَكٍ فهو غيره فيعرف بانّه لا سبيل الي اكتناهه و لا ادراك صفته فهو يعرف بالجهل به و ذلك ما تعرّف لنا به فانّا لانعرف الّا مثلنا فهو الواجب الحقّ و المجهول المطلق و هذا القسم يعبّر عنه بالذات البحت و مجهول النّعت و عين الكافور و شمس الازل و منقطع الاشارات و [ص 8] المجهول المطلق و الواجب الحق و اللّاتعيّن و الكنز المخفي و المنقطع الوجداني و ذات ساذج و ذات بلا اعتبار و ما اشبه ذلك و كلّها عبارات مخلوقة تقع علي مقاماته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان و هي موضوع علمِ البيان و الذي يبحث فيه عنه هو المعاني و هي اركان التوحيد .
في الاشارة الي القسم الثاني و هو الوجود المطلق و التعيّن الاوّل و الرحمة الكلية و الشجرة الكلية و النفَس الرحماني الاوّلي و المشية و الكاف المستديرة علي نفسها و الارادة و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و الابداع و الحقيقة المحمديّة و الولاية المطلقة و الازلية الثانية و عالم فاحببت اَن اعرف و المحبّة الحقيقية و حركةٌ بنفسِها و الاسم الذي استقرّ في ظلّه فلايخرج منه الي غيره و هو المكنون المخزون عنده و صبح الازل و فعل بنفسه و عالم الامر و ما اشبه ذلك و صفة بدئه بنفسه ان اللّه سبحانه قبض من رطوبة الرحمة بتلك الرطوبة نفسها بها اربعة اجزاۤءٍ بها و من هباۤئها به جزءاً به فقدّرهما بهما في تعفين هاضِمتها فانحلّا بهما و انعقَدا بهما و تَراكما بِهما و هذا هو المشِيّةُ و هو المسمّي بتلك الاسماۤء المتقدّمة و لهذا المقام في تزييل الفؤاد اربع مراتب فالاُولي الرحمة و النقطة و السّر المستسرّ و السرّ المجلَّل بالسّر و الثانية الرياح و النفَسُ الرحماني الاوّليّ بفتح الفاۤء المشار اليه بالانحلال و الثالثة الحروف المشار اليها بالانعقاد الاوّل و هو السّحاب المُزْجٰي المُثار من شجر البحر و الرابعة السحاب المتراكم و [ص 9] الكلمة التّاۤمّة و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و الكاف المستديرة علي نفسِها و هذه المراتب انما تَعدّدَتْ باعتبار التفصيل الفُؤادي في كشفه و الّا فهي شئ واحد بَسٖيط ليس في الامكان ابسط منه خلقه اللّه بنفسه فاَقامه بنفسه و امسكه بظلّه و ذلك في العمق الاكبر علي حدّه الاعلي فهو المحدّد للعمق الاكبر و العمق الاكبر محدّدٌ له لايفضل احدهما عن الآخر و هذا هو فعل اللّه و حيثُ علم بالضرورة انّ هيئة المفعول من حيث هو مفعول هيئة الفعل كالكتابة فان هيئتها هيئة حركة اليد فعلي حسب هيئة حركة يد الكاتب تكون كتابته وجب ان تكون تلك الجهات المعتبرة في الفعل علي جهة البساطة و الاتّحاد تكون بنحوها في المفعول علي جهة التركيب و التعدّد و ان اختلفت المفعولات بحسب مراتبها في قوّة التركيب و ضعفه و ظهوره و خفاۤئه و كثرته و قلّته و في كثرة التعدّد و قِلّتها و ظهوره و خفاۤئِه لانّها في الفعل علي نحو اشرف ليس في الامكان نحوٌ اشرف منه و لهذا كان في اكمل مراتب البساطة الامكانية بحيث لايكاد تعتبر فيه جهة تعدُّدٍ الّا من جهة التعلق و هذا هو الجواز الراجح الوجود و هو الوجود المطلق اي الوجود لا بشرط و هو المشية و العزم علي ذلك هو الارادة و معني انها خُلِقت بنفسها انّها خلقت لا بمشيّةٍ غيرها و نظيرها ابونا آدم عليه السلام فانّه لميكن من اَبٍ و امٍّ غيره و انّما كان بنفسه و كان البشر منه بالتناكح و التناسل فكذلك المشيّة كانت بنفسها من غير ابٍ و امٍّ غيرِها و كانت الاشياۤء منها بالتناكح و التناسل و معني قولنا من غير ابٍ [ص 10] و امٍّ غيرِه في آدمَ (ع) انّه كان من ماۤدّته و هو الاب و من صورته و هي الامّ و كذا في المشيّة الّا انّهما في المشيّة وُجِدا باَنفسهما اي وجد كل واحدٍ بنفسه و بالآخر و معني ذلك انه وجد مقبوله بنفسه و قابله بالآخر و لا ايجادَ لهما الّا باَنفسهما و ما سواها اُوجِد مقبوله بالفعل و قابله بالتبعية علي ما نبيّنه و معني انّ الاشياۤء كانت منها بالتناكح و التناسل انّ الماۤدّة هي الاب و الصورة هي الامّ علي ما نبيّن لك فنكحت المادّةُ الصورةَ علي كتاب الله و سنة نبيه (ص) فولدت الصورةُ الشئ و المشيّة هي آدمُ الاوّل (ع) و حوّاؤُه هي الجواز و هي كفؤه لاتزيد عليه و لاتنقص عنه كما اشرنا اليه سابقاً فافهم و هذا هو النّار المشار اليها في قوله تعالي و لو لمتمسسه نار فمكانه الامكان و وقته السّرمد فهو للسرمد كالاطلس للزمان فكما انه ليس محدّبه في مكان و لا زمان و انما المكان و الزمان انتهيا به لميتخلف احدٌ من هذه الثلاثة عن الآخر و كلّما قرب من محدّبه من الجسم و الزمان و المكان لطف و رقّ و كلّما بَعُدَ منه كثف و غلظ كذلك هذا الوجود اي الجواز الراجح كلّما قَرُبَ من نفسه من الفعل و الامكان و السّرمد لطف و رقّ حتّي يكاد يخفي عن نفسه و حتّي يكاد يظهر في كلّ شئٍ و كلما بَعُدَ عن نفسه منها غلظ اي ظهر حتّي يَكادَ يظهر في المفعولات و حتي يكاد يفقد منها فالامكان و السرمد انْتهيا به و كما انّ المحدّد و المكان في الزمان و هو و المحدّد في المكان و الزمان و المكان في المحدّد اي كلّ واحدٍ من الثلاثة حاوٍ للاثنين كذلك الفعل و الامكان و السرمد كل واحدٍ منها حاوٍ للاثنين [ص 11] الآخرَيْنِ و كل واحدٍ منتهٍ بالآخر من الثلاثة الّا انّ الوجودات الثلاثة علي اوضاع ثلاثة فالواجب ازله ذاته و مكانه ذاته و الممكن الذي هو الوجود المقيد و هو جميع المفعولات مكانه غير زمانه و هما غير ذاته و امّا الجواز الراجح فمكانه و زمانه بالنسبة اليه باعتبار الاتّحاد و المغايَرة بين بين ليس علي حَدّ الوجوب في الاتّحاد و لا علي حدّ الممكن في التعدد هذا بالنسبةِ الي نفسه و بالنسبةِ الي ارتباطه بالممكن فمتغايرة مغايرةً ابسط من مغايرة الممكن فافهم .
في الاشارة الي تقسيم الفعل في الجملة .
اعلم ان الفعل باعتبار مراتبه عند تعلّقه بالمفعولات ينقسم الي اقسام : فالاوّل مرتبة المشيّة و هي الذكر الاوّل كما قاله الرضا (ع) ليونس و المراد ان الشئ قبل المشيّة لميكن له ذكر في جميع مراتب الامكان فاوّل ذكره معلوميته في كونه و مثاله فيما يبدو لك ان تفعله فانه لميكن شيئاً قبل ان تذكره فاذا ذكرته كان ذكرك له اول مراتب وجوداته و هي كونه و الثاني الارادة و هي العزيمة علي ما شاۤء و هي ثاني ذكره و معلوميته في عينه و لميكن له وجود قبله الّا الذكر الاوّل الذي هو كونه و هو صدور الوجود قبل لزوم الماهيّة له و بها تلزمه الماهية و بالمشية كانت الارادة لترتّبها عليها و الثالث القدر و هو الهندسة الايجاديّة و فيه ايجاد الحدود من الارزاق و الآجال و البقاۤء و الفناۤء و ضبط المقادير و الهيئات الدهرية و الزمانية من الوقت و المحل و الكمّ و الكيف و الرتبة و الجهة و الوضع و الكتاب و الاذن و الاعراض و مقادير الاشعّة و جميع النهايات الي انقطاع وجوداته و في هذا اوّل الخلق الثاني و بدء السعادة و الشقاوة و بالارادة كان القدر [ص 12] لترتبه عليها و هذه الاشياۤء المذكورة تجري في الخلق الاوّل علي نحوٍ اشرف و انما ذكرت هنا لانّه محل الهندسة و هناك محل بساطة و الرابع القضاۤء و هو اتمام ما قدّر و تركيبه علي النظم الطبيعي فالقدر كتقدير اٰلات السرير للطول و العرض و الهيئة و القضاۤء تركيبها سريراً و الخامس الامضاۤء و هو لازم للقضاۤء و هو اظهاره مبيّن العلل مشروح الاسباب لاجتماع مراتب التعريف لٰاثار الصفات الفعليّة الالهيّة فيه فالاربع المراتب الاُوَل هي الاركان للفعل و الخامس بيانها و بالقدر كان القضاۤء و بالقضاۤء كان الامضاۤء فهذه الاربعة هي صبح الازل و النور الذي اشرق من صبح الازل اربعة انوار هي العرش الذي استوي عليه الرحمن برحمانيته التي هي هذه الاربع المراتب من الفعل فالنور المشرق عن المرتبة الاُولي هو ركن العرش الايمن الاعلي و هو النور الابيض و النور المشرق عن المرتبة الثانية هو ركن العرش الايمن الاسفل و هو النور الاصفر و النور المشرق عن المرتبة الثالثةِ هو ركن العرش الايسر الاعلي و هو النور الاخضر و النور المشرق عن المرتبة الرابعة هو ركن العرش الايسر الاسفل و هو النور الاحمر فالبياض من المشية لكمال البساطة و الصفرة من الارادة لزيادة الحرارة في البياض و الخضرة من القدر لاختلاط سواد الكثرة من اثر القدر بصفرة اثر الارادة و الحمرة من القضاۤء لاجتماع بياض المشية بصفرة الارادة في حرارة حكم القضاۤء بالامضاۤء ثمّ اعلم انّه اذا اطلق خلق قد يراد به جميع المراتب لصدقه عليها لغةً و اذا قيل خلق و برأ و صوّر فخلق بمعني شاءَ اي اوجد الكون اي الوجود [ص 13] و برأ بمعني اراد اي اوجد العين اي الماهيّة بالوجود و صوّر بمعني قدّر اي اوجد الحدود و قال الله تعالي الذي خلق فسوّي و الذي قدّر فهدي اي خلق كونه اي وجوده فسوّي عينه بمعني سوّي ماهيّته بوجوده اي جعل فيه ما اذا سئل اجاب و انما جيئ بالفاۤء في عطف التسوية دون الواۤو لما بينهما من الملازمة كما مرّ ذكره و هذا في الخلق الاوّل و الذي قدّر فهدي اي وضع حدوده المتقدّم ذكرها و هو الخلق الثاني فهدي اي دلّ علي سبيل الهدي و عطف بالفاۤء لانّ القدر به السعادة و الشقاوة ففيه دلّ علي الهدي فهما متساوقان في الوجود و ان كانت الهداية مغايرة و متأخرة في الذات فعطف بالفاۤء ثمّ انّ مراتب الفعل بجميعها اختراع و ابتداع و قد يطلق احدهما علي الآخر كالمشية و الارادة و كالفقير و المسكين في باب الصدقات و كالجار و المجرور عند النحاة فان افترقا اجتمعا فاذا قيل لك اعطِ الفقير خمسة دنانير لمتجب عليك التفرقة و كذا اعطِ المسكين ففي الحالين ايهما اعطيت كفاك و اذا قلت زيد في الدار فان قلت زيد مبتدأ و الجار خبر صحّ او المجرور خبر صحّ و تقول اخترع اي ابتدع و بالعكس و شاۤء اي اراد و بالعكس و اذا اجتمعا افترقا تقول اخترع و ابتدع اي اخترع لا من شئ و ابتدع لا لشئ و اخترع الكون و ابتدع العين و تقول شاۤء الكون و اراد العين فاخترع بمعني شاۤء لا من شئ و ابتدع بمعني اراد لا لشئٍ و اذا قيل اعطِ الفقير خمسة دنانير و المسكين اربعة دنانير وجب التفرقة و بيان ذلك في الفقه و الاصحّ عندي ان المسكين اسوء حالاً و اذا قيل الجار و المجرور فرّق بينهما و هو ظاهر و اعلم انّه قيل ان الاختراع اختراعان و الابداع ابداعان [ص 14] فالاختراع الاوّل المشية و هو خلق ساكن لايدرك بالسكون و الاختراع الثاني الالف من الحروف و الابداع الاوّل الاراداة و هو خلق ساكن لايدرك بالسكون و الابداع الثاني الباۤء من الحروف و ذلك لانّ الابداع و الاختراع اول ما خلق الله خلقه بنفسه ثمّ خلق الحروف بالابداع و جعلها فعلاً منه يقول للشئ كن فيكون فيشار بالكاف الي الاختراع اي المشية و هي الكاف المستديرة علي نفسها لانّها منشأ الكون و بالنون الي الابداع اي الارادة لانّها هي منشأ العين و بين هذين الحرفين حرف حذف للاعلان فهو ثابت باطناً و ان حذف ظاهراً للاشارة الي بيان المراد منه و هو الماۤء الذي جعل منه كل شئ حي و هو الوجود و هو الدلالة من اللفظ و هو الماۤء من السحاب و هو الاجزاۤء الدخانية المستضيئة عن النار بحفظ الكثافة الدهنية المقاربة للدخانية و ذلك الحرف هو الواو و الاصل قبل حذف الاعلال كُوْنْ و هو الستّة الايّام التي خلق فيها الشئ و معني انّ الالف هي الاختراع الثاني انها نزلت بتكرّرها فكانت عنها الباۤء فالباۤء تاكيدها لانّ نزولها انبساطها هكذا
و قد كانت قاۤئمة هكذا
و انعطفت علي الباۤء و مالت فحدثت الجيم هكذا
و معني ان الباۤء الابداع الثاني انها تنزّلت بتكرّرها فكانت عنها الدال هكذا
و مالت علي الجيم فكانت الهاۤء هكذا
و انّما كان ميل الباۤء مخالفاً لميل الالف لانّ الالف قاۤئم و ميل القاۤئم الي الانبساط و الباۤء مبسوط و ميل المبسوط الي الركود ثمّ اعلم انّ هذه الحروف التي هذه الحروف اللّفظية مظاهرها قسمان احدهما المرتبة الثالثة من مراتب الفعل و هو السحاب المزجي و الثاني افراد الفعل في فعل الشئ و ذلك لانّ فعل الله سبحانه لجميع الاشياۤء فعل واحد [ص 15] يجمعها علي كثرتها في وحدته قال تعالي و ما امرنا الّا واحدة كلمح بالبصر ، ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفس واحدة و له باعتبار تعلّقه بكل فردٍ من افراد الموجودات ذات او صفة راس يختص به هو مشية الله الخاۤصة به ( اي بالفرد ) فهذه الرؤس حروف باضافة كل رأس الي فردٍ من الخلق اذا نسبت الي الفعل المطلق و الخلق من جهة الافراد حروف بالنسبة الي المجموع و كل فردٍ منها باعتبار اسبابه و شروطه و مقوّماته المذكورة من الوجود و الماهيّة و الستّة المذكورة و الوضع و الاجل و الكتاب و الاذن و غير ذلك و نهايات هذه الاشياۤء المذكورة و اعراضها و اشعّتها الي انقطاع وجوداته كل واحدٍ بوجهٍ مختص به من ذلك الرأس المختص بذلك الفرد من الفعل الكلّي نسبة كل وجهٍ الي ذلك الراس كنسبة ذلك الراس الي الفعل الكلي فهذه حروف لهذه الكلمة و الكلمات الجزئيّة حروف للكلمة الكلية فهذا الحكم جارٍ لكل مرتبة من مراتب الفعل في كل مفعول متبوع او تابع او مساوق او مُساوٍ فالفعل بالنسبة الي من دونه ذات واحدة استفادت الذّوات من ذاتها تذوّتاتها و الصفات من هيئاتها تذوتاتها و من صفاتها توصيفاتها و رؤس تلك الذات الشريفة المقدّسة كثيرة و كل راس فله وجوه كثيرة ثمّ اعلم انّ الجعل قد يستعمل في المراتب الاربعة فيطلق علي كل مرتبة استعمل فيها لغة و يجري حكمه في كل مرتبة بما لها و كثيراً ما يستعمل في ايجاد اللوازم لملزوماتها قال اللّه تعالي الحمد للّه الذي خلق السموات و الارض و جعل الظلمات و النور لايجاده النور من المنير و الظلمة من نفس النور من حيث هو و يتميز عن تلك المراتب اذا استعمل مع احدها كما في الآية [ص 16] الشريفة و يستعمل للتصيير و القلب لشئ الي شئ آخر و حكمه في استعمالاته الثلاثة حكم ما تقدَّم من الافعال في مراتبها حرفاً بحرفٍ فقولهم الجعل البسيط و الجعل المركب ليس بتامٍّ في المركب لانّ التركيب انما يتحقق في شئ ضمّ اليه مساوٍ له او مخالف او مباين و يكون ذلك المركب شيئاً واحداً اي يصدر عنه فعل واحد في موضوع واحد و ليس ثَمّ مماثل غير ذاته او صفته و الشئ لايتركب من ذاته و صفته في شئ واحد و تمثيلهم بقولهم جعلتُ الطين خزفاً فان اريد تغيير الطين و تصيير المتغيّر خزفاً فهو جعلانِ كلّ واحدٍ في ماۤدّة و هما رأسان من الجعل الكلي و ان اريد قلب الطين خزفاً من غير اعتبار تغييره و انما هو حركة واحدة في جهة واحدة فهو جعل واحدٌ و ان اريد به ما يستعمل في تكوين المتبوع و تكوّن التّابع به كجعل الوجود و انجعال الماهية بجعل الوجود فهذا في الظاهر جعل واحد لشيئين مختلفين لكن ما انجعلت به الماهية ليس بجعلٍ كجعل الوجود و لا مخالف له و لا معاندٍ له و ان كان في جهتين فلايكون الجعل منهما مركباً لانّ ما جعلت به الماهية صفة لما جعل به الوجود و اثر له و لايكون الشئ مركباً من ذاته و اثره فان ما جعل به الوجود كالشمس للنور و ما جعل به الماهية كنفس النور للظِلّ فان جعل الشمس للنور جعل وحده و جعل نفس النور من حيث نفسه للظل جعل وحده مغاير للجعل الاوّل و كونه مترتباً عليه و متقوّماً به لايلزم منه التركيب لانّ الشمس لمتجعل لنفسها الظل و قوله تعالي ثم جعلنا الشمس عليه دليلا لايدل علي انها جاعلة له اذ لو جعلته بجعل النور لكان نوراً اذ ليس فيها ظل و ان [ص 17] جعلته بجعل نفس النور التي هي اصل الظل واقعاً دلّ علي انها حافظة للنّور الجاعل للظل لا جاعلة فلايحصل التركيب حقيقة و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي و ما امرنا الّا واحدة كلمح بالبصر ، و ان اريد انّ الجعل الذي يحدث عنه شيئان فصاعداً فهو مركب سواۤء كانا في مادتين ام في حالين كجعل الطين خزفاً ام في الملزوم و اللازم كالوجود و الماهية قلنا اذا اصطلحتم علي ذلك فلا باس و لكن لاتجدون الجعل البسيط قطّ لانّ اللّه سبحانه لميخلق شيئاً فرداً قائماً بذاته للدلالة عليه قال تعالي و من كل شئٍ خلقنا زوجين و بالجملة لا فرق في هذه المسئلة بين الجعل و غيره من مراتب الفعل و علي كل حال فالجعل واحد لا تعدّد فيه لذاته قال الله تعالي جعل لكم من انفسكم ازواجاً و من الانعام ازواجاً يذرؤكم فيه اي في الجعل فاَفرده و جمع المجعولات فافهم نعم له رؤس بعدد المجعولات و لكل رأس وجوه بعدد احواله كما تقدّم في الفعل فراجع .
في تتمة الملحقات .
اعلم انه قد ورد في الاحاديث عنهم تعدّد العوالم و الادميين و اكثر ما ذكر انها الفُالفِ عالم و الفُالفِ آدم نحن في آخر العوالم و آخر الادميين و مراتب اعداد العوالم انما اختلفت في الروايات لاختلاف المقامات كعالم الغيب و الشهادة او العوالم ثلاثة عالم الوجوب و هو الازلي تعالي و عالم الرجحان و هو عالم المشية و الارادة و الابداع و عالم الجواز و هو الوجود المقيّد المعبّر عنه بانّه وجود بشرط لا و بشرط شئ اوّله الدّرّة و آخره الذرّة و اربعة عوالم هي [ص 18] عالم الخلق و عالم الرّزق و عالم الموت و عالم الحيوة و خمسة عوالم عالم الازل تعالي و عالم السرمد و هو عالم الرجحان و عالم الجبروت و هو عالم المعاني المجرّدة عن الماۤدّة و الصورة و المدّة و عالم الملكوت و هو عالم الصور المجردة عن الماۤدّة و المدة و عالم الملك اوّله محدّد الجهات و آخره الارض و ستّة عوالم عالم العقول و عالم النفوس و عالم الطباۤئع و عالم الهباۤء و عالم المثال و عالم الاجسام و سبعة عوالم عالم النار و عالم الهواۤء و عالم الماۤء و عالم التراب و عالم الجسم و عالم النفس و عالم الروح و هذا معني قولهم كل شئ من الحوادث مثلّث الكيان مربع الكيفية و ثمانية عوالم و اذا اطلقت يراد بها احد وجوه كثيرة نذكر منها واحداً علي سبيل التمثيل عالم الخلق في الدنيا عالم الخلق في الآخرة عالم الرزق في الدنيا عالم الرزق في الآخرة عالم الموت في الدنيا عالم الموت في الآخرة و هو الهلاك الاكبر نعوذ بالله من سخط الله عالم الحيوة في الدنيا عالم الحيوة في الآخرة و اليه الاشارة بقوله تعالي في التاويل و يحمل عرش ربّك فوقهم يومئذٍ ثمانية ، و تسعة عوالم و هي عالم محدّد الجهات و عالم فلك الثوابت و عوالم الافلاك السبعة و هي عالم القلوب و عالم النفوس و عالم العقول و عالم العلوم و عالم الاوهام و عالم الوجودات الثانية و عالم الخيالات و عالم الافكار و عالم الحيوة و عشرة عوالم و هي هذه التسعة و عالم الاجساد و احدعشر عالماً و هي ميادين التوحيد ستّة منها كثيرة الحيّات و العقارب مظلمة ذات اهوال منكرة هلك فيها خلق كثير و اليه الاشارة بتاويل قوله [ص 19] تعالي و لقد ذرأنا لجهنّم كثيراً من الجن و الانس لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولۤئك كالانعام بل هم اضل اولۤئك هم الغافلون فادني المراتب الستّة و اخسّها الاجسام فمن الناس يعبد جسماً و الثاني المثال و منهم من يعبد شبحاً و منهم من يعتقد انه ماۤدة و منهم من يعتقد ان معبوده طبيعةٌ و منهم من يعتقد انه نفس و صورة مجردة و هذه الخمسة دركات الهالكين ، و امّا السادس و هو من يعتقد ان معبوده معني كما هو معتقد كثير من اهل العقول فان عني ما يشير اليه عقله فقد ابطل لانّ الاشارة العقلية لاتقع الّا علي محصورٍ دهري و ذلك حادث و ان اعتقده بدون تخصيص اشارة عقلية فذلك موحّد الّا ان توحيده اسفل مراتب التوحيد و الخمسة الاُخر فهي مراتب الفعل الاربع الاول و الدواة الاُولي خامسة التي هي معرفة النفس التي هي معرفة الرب فاعلاها في التوحيد ان يظهر لعبده في الرحمة ثم في الرياح ثم السحاب المزجي ثم في السحاب المتراكم ثم في المداد الاوّل المسمّي بالدواة الاُولي فالاُولي معرفة الباطن بالنقطة و الثانية معرفة الباطن من حيث هو باطن بالنفَس الرحماني و الثالثة معرفة الظاهر بالسّحاب المزجي و الرابعة معرفة الظاهر من حيث هو ظاهر بالسحاب المتراكم و الخامسة معرفة الظهور بالماۤء و هي المقامات المشار اليها سابقا فهذه احدعشر عالماً خمسة نور و نجاة و خمسة ظلمة و هلاك و واحد فيه ظلمات و رعد و برق يكاد يخطف ابصارهم كلّما اضاء لهم مشوا فيه و اذا اظلم عليهم قاموا ، [ص 20] يا نور النور اهدنا من عندك و افض علينا من فضلك و انشر علينا من رحمتك و انزل علينا من بركاتك و اثناعشر عالماً من نار و تراب و هواۤء و ماۤء في الجبروت و نار و تراب و هواۤء و ماۤء في الملكوت و نار و تراب و هواۤء و ماۤء في الملك و هكذا كل عبارة في الروايات و كلام العلماۤء من ذكر العوالم فتصرف الي اعتبار ثمّ اعلم انّ آدم (ع) ابو العالم في كل عالم الي الفالف عالم و اوّل آدم وُجد هو المشيّة و هو اٰدم الاكبر و فلك الولاية المطلقة و الحقيقة المحمديّة و مقام اوْ ادني و عالم فاحببتُ ان اعرف و كل آدم فهو لميخلق من اب و امٍّ الّا الاب و الامّ المعنوين اللّذين ذاته تركبت منهما علي نحو ما سبق و هما الوجود و الماهية اي الماۤدة و الصورة فالاب هو المادة و الامّ هي الصورة و هذا هو المستفاد من كلام اهل العصمة عليهم السلام و امّا ما اصطلح عليه المتقدمون و الحكماۤء من انّ الاب هو الصورة و الامّ هي الماۤدّة و ان الصورة اذا نكحت الماۤدة تولّد عنهما الشئ توهّماً منهم انّ النشو و التخلّق في بطن الماۤدّة فهي الامّ فبعيد من جهة المناسبة و اما من جهة مجرّد الاصطلاح و التسمية مع قطع النظر عن المناسبة فلا محذور و لكنّه لاينفتح به كل بابٍ الّا اذا اريد به هذا الاصطلاح الصواب بل ربّما يقال ان ليس ذلك باصطلاح و انّما الواضع للّغة العربية و هو الله سبحانه و تعالي وضع ذلك كذلك فاذا ظهر لك ما قرّرنا سابقاً و نقرّر لاحقاً ظهر الحال من غير حاجة الي استدلالٍ و لو سلّمنا انّ ذلك ليس من اصل وضع اللغة قلنا انّ الاصطلاح المناسب للامر الواقع اولي بالمصير اليه و بيان الاشارة الي [ص 21] المناسبة انّ الاصل في المولود هو الاب و التخلّق و التقدير ظاهراً و باطناً انما هو في بطن الامّ و ان كان المولود مركباً منهما كما روي عن الحسن بن علي بن ابيطالبٍ (ع) ما معناه ان الانسان خلق من اربعةعشر شيئاً اربعة من ابيه و اربعة من امّه و ستّة من اللّه فالتي من الاب العظم و المخ و العصب و العروق و التي من الامّ اللحم و الدم و الجلد و الشعر و التي من اللّه الحواس الخمس و النفس فاذا نظرتَ ما من الاب رايته هو اصل الانسان لانّه هو القسم الاقوي و لهذا كان جانب الاب اقوي و ادخل في امر الميراث و في الولاية و غير ذلك كالمادّة لانّها هي الجانب الاقوي في الشئ و الصورة هي الجانب الاضعف فيه كالامّ فانّ ما منها ظاهر المولود و قشره كاللحم و الدم و الجلد و الشعر يتعلق بما من الاب كالصورة تتعلق بما من الماۤدّة بحلولها فيها لكن لمّا كان التخلّق الذي هو التصوّر انما يكون في بطن الامّ و الاحكام لا تعلّق لها بنفس المادّة و الّا لتساوت جميع اشخاص النوعِ في اْلاَحْكام و انّما تتعلّق بالصّور لتختص كل صورة بما يناسب لها من الحكم كانت الاحكام منوطة بالصورة كما ان حكم المولود منوط بصورته و لاتكون الّا في بطن امّه و من هنا قال (ع) السعيد من سعد في بطن امّه و الشقي من شقي في بطن امّه ، لانّ بطن الامّ هو محل التخلق و التصوّر و ذلك هو مناط الاحكام فاذا ثبت انّ الصورة مناط الاحكام ثبت انّها هي الامّ لا الماۤدّة و الّا لتساوت افراد النوع في الحكم لتساويها في الماۤدّة كما مرّ و نظير ذلك الخشب فانه ماۤدّة للسرير و للصنم فان عمل صنماً كان فعله [ص 22] حراماً و يجب كسره و ان عمل سريراً كان جاۤئزا فالحكم عليه بالحرمة و الجواز انما هو في الصورة فصارت السعادة مثلاً كالسرير و الشقاوة كالصنم انما هو في بطن الصورة لا في بطن الماۤدّة و ذكر الاصحاب في الكلب اذا نزي علي شاةٍ فاتت بولدٍ فان كان كلباً فهو حرام و نجس العين و ان كان شاة كان حلالاً و طاهر العين و المادّة واحدة و انّما الحلّ و الحرمة في بطن الصورة و هي الامّ و هذا ظاهر لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و الي ما ذكرنا ورد التصريح عن الصادق (ع) في قوله (ع) ان اللّه خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امّه ابوه النور و امّه الرحمة . فانظر الي صراحة هذا الحديث في المدعي لانّ النور هو المادّة و المراد به الوجود لقول الصّادق (ع) في تفسير قوله (ع) اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه قال (ع) يعني بنوره الذي خلق منه ، و الرحمة هي الصورة لانّ الصّورة هي صبغ للمادّة فالرحمة صبغ الوجود و هي الماهية الثانية لانّ الماهية الاولي شرط لتحقق الوجود في الخلق الاوّل قبل التكليف و امّا في الخلق الثاني حين قال لهم الستُ بربّكم فمن اجاب بلسانه و قلبه خلقه من صورة الاجابة و هي الصورة الانسانيّة حقيقة و هي الصبغ في الرحمة فافهم و من عصي بقلبه خلقه من الصورة الشيطانية و هي الصبغ في الغضب فالسعيد من سعد في صبغ الرحمة قال (ع) و هي الامّ و الشقي من شقي في صبغ الغضب و نظيره من المعروف عند الناس في الانسان انه حيوان ناطق فالحيوان ماۤدّة تصلح للانسان و الكلب و الصورة لماۤدّة الانسان الناطقة فالنطق هو الصورة و هي التي يتميز فيها الانسان من [ص 23] الكلب فهي الامّ التي يشقي في بطنها الشقي و يسعد في بطنها السعيد ثمّ اعلم انّ الحصّة التي في الانسان من الحيوان التي هي المادة و الحصّة التي في الكلب من الحيوان التي هي ماۤدّته تجمعهما حقيقة واحدة في الظاهر بلحاظ انّ الحيوان هو المتحرك بالارادة المعروفة عند العوام و عليه جري اصطلاحات العلماۤء في اكثر كتبهم و محاوراتهم و امّا في الحقيقة فهل هما كذلك و انّما اختلفا باضافة الصورة من جهة قابليّة كلٍ منهما و استعدادها ام لا بل كلّ حصّة من حقيقة لانّ مراتب الوجود متفاوتة و لاينحصر تفاوتها في مراتب المشكّك بالقوة و الضعف ليُقالُ انّ ما اختلف من المشكّك تجمعه حقيقة واحدة بل منه المشكّك و منه الاعراض كالاضواۤء و الانوار و الصفات و الافعال و النسب و ذلك لاتجمعه مع معروضه حقيقة واحدة و ان قلنا انّ كل اثر يشابه صفة مؤثره لانّ جهة المشابهة هي الهيئة في الصفة و الاثَرِ ام هما من شئٍ واحدٍ و تتفاوت الحصص بما تكتسب من الصور لا بقابليّتها و استعدادها و الحقّ في المسئلة انّ ما كان من شئ واحدٍ منها كالحصص المتّخذة من الذات الواحدة او من العرض فهي في الحقيقة واحدة و اختلاف الحصص اذا كانت من شئ واحد انما هو باختلاف اكتسابها من الصّور من الاعمال الظاهرة و الباطنة الناشية عن اختلاف مراتب الاجابة في عالم الذّرّ و اختلاف الصور في القابلية و الاستعداد بسبب اختلاف انفعالها من الحصص بسبب تفاوت مراتبها و مشخّصاتها فتتفاضل اذا اجتمعت في الدرجات لكنها لاتتجاوز الحقيقة الجامعة لتلك الحصص [ص 24] و ما كان من شيئين مع ما كان من شئ واحدٍ اجتمعا في الرتبة الجامعة كالانسان و الفرس يجتمعان في الحصّة الحيوانية الفلكية الحسّاسة و يتفارقان فيما فوقها فالانسان فيه من الحيوانية حصّتان ذاتية و عرضية و في الفرس حصّة واحدة ذاتية لها هي عرضيّة الانسان و الحصّة الذاتية للانسان هي حصّة من الناطقة القدسيّة فالحيوانية الفلكية الحسّاسة لاتقبل الصورة الانسانية و تقبل صور جميع الحيوانات و يلزم حكم الصورة تلك الحصّة سواۤء قرّت كما في ساۤئر الحيوانات الّا نادراً ام تغيّرت كما في الانسان فانها اذا لمتكن نفسه مطمئنّةً تكون تلك الحصّة الحيوانية الفلكية الحسّاسة ابداً تلبس صور الحيوانات فتلبس في الغضب صورة سبع و في الشهوة صورة خنزير و في النميمة صورة عقرب و هكذا و الحصّة الناطقة القدسيّة لاتقبل شيئاً من صور الحيوانات و انما تقبل الصورة الانسانية فقط و لاتقبل الصورة الجامعية الكلية و المعصوم عليه السلام فيه ثلاث حصص عرضيتان و هما ما في الانسان و لكنهما فيه قرّتا و اطمأنتا فلايخرجان عن حكم الثالثة ابداً و هي الحصّة الملكوتيّة الالهيّة تقبل صورة التوحيد و هي العصمة و مرتبة القطبيّة للوجود و الصورة الجامعية الكليّة فالحصّة الحيوانية الفلكية مركب للناطقة القدسيّة و اثر لها خلقت من فاضلها و الناطقة القدسيّة اثر للملكوتية الالهيّة خلقت من فاضلها فلاتجمع هذه الثلاث حقيقة واحدة نعم اذا نظرنا بنظر آخر بان الكل من مراتب الوجود و انّه حيوة و شعور و انما يختلف بحسب مظاهره جاز علي هذا اطلاق الاتحاد في الجملة الّا انّك اذا عرفتَ ما ذكرنا لك من اختلاف الحقايق ظهر لك التغاير .