قال و ذلك لاحاطته عز و جل في الازل بما لايزال و ما فيه كاحاطته بالازل و ما فيه فانه محيط بجميع الازمنة و الامكنة و ما فيها من الزمانيّات و المكانيّات كما انه محيط بما خرج عنها .
اقول جعل احاطته تعالي بجميع الازمنة و الامكنة و مَا فيها كاحاطته بالازل و معلوم انّ احاطته بالازل بذاته بلا مغايرة بين المحيط و المحاط به فتكون احاطته بالزمانيات و المكانيات كذلك بغير مغايرة بينهما و هذا وحدة الوجود التي نقول ان كل كلامه مبني علي القول بها و مع هذا فقد حكم قبل هذا بانه في الازل فاقدٌ لها من حيث تكثرها و واجد لها في الازل بالحكم الجمعي فاذا كان فاقداً لها بالحكم الفرقي فكيف يحيط بجميع الازمنة و الامكنة و ما فيهما كما يحيط بما في الازل فما الذي فقد و ما الذي وجد فان وجد الذاۤئب منها و فقد الجامد منها كما ذكر قبل لميكن محيطا بجميع الازمنة و الامكنة و ما فيهما و الّا لميفقد و ان فقد لميجد .
قال فان قلتَ انها لمتكن موجودة في الازل فكيف احاط بها في الازل قلتُ انها و ان لمتكن موجودة في الازل لانفسها و بقياس بعضها الي بعضٍ علي [ص 97] ان يكون الازل ظرفاً لوجوداتها كذلك الّا انّها موجودة فيهِ لله سبحانَهُ وجوداً جمعِيّا وحدانيا غير متغير بمعني ان وجوداتها اللّايزالية الحادثة ثابتة لله سبحانه في الازل كذلك .
اقول كلامه هذا هو ما ذكرتُ لك ان عنده ان كونها جامدة اي متمايزة غير حاصل في الازل و كونها غير جامدة حاصل في الازل و هذا ينافي قوله انه محيط بالازمنة و الامكنة بجميعهما و ما فيهما كاحاطته بما في الازل فان اراد خصوص الذاۤئبة بالحكم الجمعي كان الجامدة بالحكم الفرقي غير محاطٍ بها و تكريره لهذه المعاني و اتّفاقها في حال و اختلافها في حالٍ علامة المتكلّف و قد ذكرتُ لك ادلّة و امثالا فاعتبرها تهتد الصراط المستقيم و انا الأن اضرب لك مثلا ضربه اللّه مثلا لما نحن فيه و خلقه آية داۤلة علي الحق و هو قوله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحقّ ، و هو انّ السراج آية من الله تعالي يدلّك علي الحق فانّ النار التي هي الحرارة و اليبوسة غيب فيه و مثال النار الذي لا فرق بينه و بينها الّا انه حادث عنها هو الشعلة المرئيّة فانّها هي اسم الفاعل و الظاهر بتأثيراته و الفاعل هو النار و هذه الشعلة التي هي المثال هي في الاصل دهن احترق و تكلّس حتي صار بحرارة فعل النار و يبوستها دخاناً فانفعل ذلك الدخان بمسّ النار الذي هو فعلها بالاستضاۤءة فالمرئي هو الدخان المنفعل عن فعل النار بالاستضاۤءة و الاشعة المنبسطة منها هي محدثاتها كلّ جزءٍ في رتبته فالنار الغيب لمتكن فاقدة لنفسها و لا للشعلة المرئيّة التي هي مثالها و لا [ص 98] للاشعة المنتشرة في كلّ البيت و كل واحدٍ منها انما تقوّم وجوده و كان شيئا بالنار بامرها فهي محيطة بذاتها و فعلها و بجميع ما حدث عن فعلها لايعزب عنها مثقال ذرة منها بل كل شيء منها وضَعته في مقامه الّا انّها محيطة لذاتها بذاتها و بفعلِها بنفسه لا بذاتها و الّا لكان ذاتها و الذات البسيطة المحضة لمتختلف فلايصدر بعضُها عن بعضٍ لان هذا شأن المتعدّد المختلف و هذه المرئيّة انّما صدرت عن فعلها و تحيط بجميع الاشعة بنفسها بواسطة الشعلة لا بذاتها اي النار لان الاشعّة انما تنتهي الي الشعلة لا الي النار و الاشعة في مراتبها التي وضعتها النار بفعلها فيها لا في النّار و لا في فعلها و لا في مثالها المرئي مع انّها احاطت بالاشعة و ليست الاشعة في رتبة النار و لا النار في رتبة الاشعة و لا معها في رتبتها بالذات و انّما هي مع الاشعة بظهورها بها يعني بظهورها اي بمسِّها للدُّهن المنفعل بالاضاۤءة بمسِّها الظاهر عن النار بالاشعة فالمرئي مثال النار لا نفس النار فان النار غيبٌ في هذا المرئي و كما تحكم بان النار محيطة بجميع اثارها كل واحدٍ في رتبته من غير ان يكون في رتبة النار و من غير ان يكون للاشعة وجهٌ الي نفس النار الغيب مجامع لها و متّحد معها من غير تغاير بالحكم الجمعي بل ليس لشيء من الاشعّة في النار الغيب ذكر و لا وجه و لا اصل و لا حقيقة و انما وجه الاشعة و ذكرها و اصلها و حقيقتها كلها منتهٍ الي نفس ظاهر الشعلة المرئيّ و هو الدخان المنفعل عن مسّ النار اي فعلها بالاستضاۤءة فالاشعة بجميع ما لها و ينسب اليها راجعة الي الاستضاۤءة التي هي باب [ص 99] النار و مثالها في عبادِها التي هي الاشعة و الاستضاۤءة حصل من الدخان الذي كان دُهناً و ليس من النار في شيء بل هو اجنبيّ منها فكلّسته بفعلها حتي جعلته دخانا قابلا للاستضاۤءة عند فعل النار فيه و هو المس في قوله تعالي و لو لمتمسسه نار و الدليل علي ان المستضيء هو الدخان الذي كان اصله الدهن قوله تعالي يكاد زيتها يضٖيۤء و لو لمتمسسه نار لشدّة قابليته للاضاۤءة لكنه لميضئ الّا عند مس النار فكان مصنوع النار هو علّة اشعتها و مبدؤها و اليه تنتهي الاشعة و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله السبيل مسدود و الطلب مردود ه ، فتفهّم المثال فانه ممّا قال اللّه و تلك الامثال نضربها للنّاس و مايعقلها الّا العالِمُون فليس في الازل الّا اللّه سبحانه لان الازل هو ذاته تعالي و هو يعلم ذاته بذاته و يعلم فعله بفعله ، نفسه و فعله في المثال هي الحرارة و اليبوسة اللّذان هما العرض لا اللّذان هما الجوهر لان اللذين هما الجوهر هي النار الغيب و ان اتّحد الاسم كما تطلق الشمس علي الكوكب المضيء و علي شعاعه و المرئي الذي هو الدهن الكاۤئن دخانا و مسّ فعل النار هو السراج المركب منهما و هو آية وجه الله و بابه و المثل الاعلي و الاشعة اية ساۤئر المخلوقات و الي هذا كله اشار زينالعابدين عليه السلام في دعاۤئه الهي وقف الساۤئلون ببابك و لاذ الفقراۤءُ بجَنابِك ، و هذا اية الله سبحانه في الافاق فتأملها حتّي يتبيّن لك و دع عنك وساوس الصوفيّة و اوهامهم و تمويهاتهم و اقتد بائمتِك ائمة الهدي محمد و اله [ص 100] صلي الله عليه و اله يهدك اللّه الي الحقِّ و الي طريقٍ مستقيم .
قال و هذا كما ان الموجودات الذهنيّة موجودة في الخارج اذا قيّدت بقيامها بالذهن و اذا اُطلِقت من هذا القيد فلا وجود لها الّا في الذهن .
اقول ان الموجودات الذهنيّة اظِلَّةٌ و اشباح انتزعها الذهن بمرءاته من الخارجي لمّا قابله سواۤء قابل صورته الماديّة بواسطة حاسة البصر ام صورته التي في علّيين ام التي في سجّين فلمّا قابله بمرءاته انطبع فيها صورته المنفصلة التي هي ظهور صورته المتّصلة اللازمة له و لمتكن الموجودات الذهنيّة موجودة في الخارج لانها منفصلة عنها و ان كانت موجودة بها لانها مثالها و ظلّها فالموجودات الذهنية لمتوجد الّا في الذهن لانها مركّبة من مادة هي ظهور الخارجي للذهن و مقابلته له بصورته اللازمة له ظهوراً منفصلاً عن الصورة اللازمة لا بمعني استقلالها بدونِ اللازمة بل بمعني مغايرتها لها و ان كانت قاۤئمة بها قيام صدورٍ و من صورة هي هيئة الخيال الذي هو مرءاة الغيب و لونه و قدره و قوله موجودة في الخارج الخ ، الموجودات الذهنيّة لمتكن موجودة في الخارج قيّدت ام لمتقيّد لان الموجود في الخارج امّا الذوات او الاجسام و الصور المتقوّمة بها لا بالذهن و اما ما في الذهن فهي صور انتزاعيّة متقومة بما في الخارجية من الصور فالذهنية لاتوجد الا في الذهن الّا علي رأي الصوفية القاۤئلين بانّ ما في هذا العالم فرع عما في الخيال و ذلك هو الاَصْل و امّا علي ما هو الواقع فما في ذهن علّة الوجود فهو علّة لما في الخارج و مَا في غير ذهنِ علّةِ الوجُود فهو [ص 101] ظلّ للْخارِج منتزعٌ منه فاذا فهمتَ بيان ما ذكرنا لك ظهر لك بطلانُ تنظيره مِن انّ الاشياۤء مفقودة في الازل اذَا لُوحِظ قيامها بفعله الذي هو من الازل لانّها حينئذ مغايرة للازل و اذا اطلقت من هذا اللحاظ لمتكن موجودة الّا في الازل لعدم موجب المغايرة و هو عدم قيامها بشيء غير الازل كالموجودات الذهنيّة اذا لوحظ قيامها في الخارج بالذهن لانه اصلها و اذا اُطلِقت من هذا اللحاظ استقلّ بها الذهن و قد بيّنّا لك بطلانه .
قال فالازل يسع القديم و الحادث و الازمنة و ما فيها و ما خرج منها و ليس الازل كالزمانِ و اجزاۤئه محصوراً مضيّقاً يغيب بعضه عن بعض و يتقدّم جزء و يتأخّر آخَر فان الحصر و الضيق و الغيبة من خواص الزمان و المكان و ما يتعلق بهما .
اقول قوله فالازل يسع القديم و الحادث الخ ، صحيح الّا انّه ليس علي ما قرّر بل الازل سبحانه يسع ذاته و غيره علي نحو ما ضرب من المثل الحقّ و هو السِّراج فانّ السراج يسع نفسه و اشِعَّته بمعني انه يسعها بنفسها لانّها فِعْله لما شاۤء و بوجهه الذي هو الشّعلة فاذا قيل انّ الازل يَسَعُ كُلَّ شيءٍ كما ذكر لايراد في القول الحقّ انه يسع كل ما سواه بذاته من غير شيء من العلل و الاسباب لانه يلزم ان يكونَ مٰا سِوَاهُ مُسَاوِقاً لَهُ او محاطاً بهٖ او عارِضاً عليه و لايجوز عليه شيء من هذه الامور الثلاثة فاذا امتنعت هذه الامور الثلاثة بقي انه اِمّا ان لايحيط بما سواه او يحيط به بنفسه اي نفس المحاط به او بعلته الّتي تَقوّمَ بها تَقوُّمَ صدورٍ و لا سبيل الي الاول فان قلتَ هذا الذي ذكرت من الحصر العقلي [ص 102] حكم الحوادث و امّا القديم سبحانه فلاتدركه العقول فلاتحصر جهات ذاته قلتُ هذا صحيح و لكن يلزمك اَلّاتكيّف علمه تعالي الذي هو عين ذاته و لاتصفه كما لانصف ذاته لانه ذاته فان قلتَ قد ثبت بالدليل العقلي و النقلي انه عالم بذاته و بالاشياۤء فلا بدّ في معرفة ذلك من التوصيف قلتُ يكفيك العلم بكونه عالما لقيام الادلّة علي ذلك و لمتقم علي التمييز و التوصيف فعليك الامساك عن ذلك و انّ الي ربّك المنتهي فان قلتَ انتَ ايضا يلزمك عدم التبيين و عدم التّعيين قلتُ انا مابيّنتُ و لاعيّنْتُ و انّما وصفتُ الله تعالي بما وصف به نفسه و هذا هو المطلوب منّا فان قلتَ اين ما تدّعيه قلتُ انه وصف نفسه لنا علي اَلسنَةِ اولياۤئه الذين امرنا بتصديقهم و اتّباعهم و الاخذ عنهم و الاقتداۤء بهم و هم عليهم السلام بما سمعتَ قال عليه السلام كما تقدم كان اللّه عز و جل ربّنا عالما و العلم ذاته و لا معلوم الي ان قال فلمّا احدثَ الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم الحديث و قد تقدم الحديث و بيانه و انه تعالي قد ضرب لنا الامثال في كتابه فقال سنريهم آياتنا في الافاق و في انفسهم و قال و كأيّن من اية في السموات و الارض يمرون عَلَيْها و هم عنها معرضون و قال و في انفسكم افلاتبصرون و قال و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الّا العالمون ، و قال الصادق عليه السلام العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة فما فُقِد في العبوديّة وجد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبيّة اُصٖيبَ في العبوديّة قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الافاق و في انفسهم حتّي يتَبيّن لهم انه الحق أولميكف بربّك انه علي [ص 103] كل شيء شهيد يعني موجود في غيبتِك و في حضرتك ه ، فلمّا نظرنا في الامثال التي ضربها لنا لنعلم وجدناها كما ذكرتُ لكَ متّفقة و من اظهرها بيانا فيما نحن فيه و اجلاهَا كتابةً السّراج كما ذكرنا لك .
قال و الازل عبارة عن اللّازَمان السابق علي الزمان سبقاً غير زمانيّ و ليس بين الله سبحانه و بين العالم بُعْدٌ مقدّر لانّه ان كان موجوداً يكون من العالم و الّا لميكن شيئا و لاينسب احدهما الي الاخر بقبلية و لا بَعْدِيّة و لا معيّة لانتفاۤء الزمان عن الحق و عن ابتداۤء العالم فسقط السؤال بمتَي عن العالم كما هو ساقط عن وجود الحقّ تعالي لانّ متي سُؤَال عن الزمان و لا زمان قبل العالم فليس الّا وجود بحت خالص ليس من العدم و هو وجود الحقّ و وجود من العدم و هو وجود العالم فالعالم حادث في غير زمانٍ و انما يتعسّر فهم ذلك علي الاكثرين لتوهّمهم الازل جزءاً من الزمان يتقدّم ساۤئر الاجزاۤء و ان لميسموه بالزمان فانهم اثبتوا له معناه و توهموا ان اللّهَ سبحانه فيه و لا موجود فيه سواه ثم اخذ يوجد الاشياۤء شيئا فشيئا في اجزاۤء اُخَر منه و هٰذا توهم باطل و امر محال فان الله عز و جل ليس في زمان و لا مكان بل هو محيط بهما و بما فيهما و ما معهما و ما تقدّمهما و تحقيق ذلك يقتضي نمطا اخر من الكلام لاتسعه العقول المشوبة بالاوهام و لنُشِر الي لمعةٍ منه لمن كان من اهلِهٖ .
اقول قوله و الازل عبارة عن اللّازمان السابقِ علي الزمان سبقاً غير زماني ، يفهم منه ان الازل امتداد حقّيّ كما ان السرمد امتداد امري و الدهر امتدادي جبروتي ملكوتي و الزمانُ امتداد مُلكي جسماني مكاني و ليس كذلك [ص 104] لانه لايشابهه خلقه قال الرضا عليه السلام كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديدٌ لما سواه ، بل الازل هو الذات المقدّسة بغير مغايرة و لو اعتباراً و فرضاً و قوله ليس بين الله سبحانه و بين العالم بعد مقدّر ، هذا حق فليس بين اللّه و بين خلقه بعدٌ لانه اقرب الي خلقه من انفسهم قرباً غير متناهٍ و لا قربٌ لانهم لايقربون اليه بشدّة سيرهم اليه و تقريبه ايّاهم فليس بينه تعالي و بينهم اتّصال و لا انفصال و آية ذلك و للّه المثل الاعلي السراج فانه ليس بينه و بين اشعته اتّصال فيكون اقربها اليه جزءاً منه او يكون منيراً بمعني انه مستقل في الانارة و لا انفصال فيكون بينهما غيرهما فيحجب الاشعّة عن الاستمداد منه او يكون بينهما لاشيء فيلزم استقلالها بدونه و الاستغناۤء عنه و قوله و لاينسب احدهما الي الاخر بقبلية و لا بعديّة و لا معيّة ، لان القبليّة و البعديّة زمان و هو منتفٍ عنه و لايجري عليه ما هو اجراه و لا معيّة لاستلزام المعيّة المشابهة و المساواة و قوله لانتفاۤء الزمان عنه ، لاستلزام ما يجري عليه الزمان التغير و التبدّل و التحول و الانتقال و تبدّل الحالات و التعاقب و ما اشبه ذلك من صفات الزمانيات و قوله و عن ابتداۤء العالم ، لانه لايكون الّا ظرفا و الظرف لايكون ظرفا الّا و هو مع المظروف و انه هيئة و لايكون ابتداۤء العالم هيئةً لانّ الهيئة صفة و الصفة مسبوقة بالموصوف و قوله فسقط السؤال بمتي عن العالَم كما هو ساقط عن وجود الحق تعالي لانّ متي سؤال عن الزمان و لا زمان قبل العالم ، فيه شيئان احدهما ان نقول ما مراده بالعالم فان اَرادَ بِهٖ [ص 105] مجموع الخلق و الامر يعني ما سوي اللّهِ فهو حقّ لان متي محدث بالمشيّة و لايجري عليها و ان كان الظاهر انه لايريد الّا الخلق و الخلق الذي هو المخلوق يراد به ما برز عن المشيّة اوّله العقل عقل الكل و اخره ما تحت الثري اوّله الوجود الصادر عن المشيّة و اخره ما تحت الثري فعلي الاوّل الظّاهر انه يصحّ السؤال بمتَي عن اوّل العالم لان متي لمتكن مخصوصةً في اصل الوضع بالسؤال عن الزمان كما توهّمه و انما متي موضوع للسؤال عن الوقت الشامل للزمان و للدّهر كما صح السؤال عما هناك بكَم كما في حديث كم بقي العرش علي الماۤء قبل خلق السّموات و الارض و علي اللغة الظاهرة يقولون اصل وضع متي للسؤال عن الزمان و استعمال متي في غير الزمان مجاز و يجوّزون ذلك فاذا جاز صحّ و علي الثاني اعني انّ اوّله الوجود الصادر عن المشيّة فلايبعد صحة السُّؤال بمتي بناۤءً علي ان متي لميختصّ بالزمان و علي ان السؤال بها لايعتبر فيه كون متي و ما دلّت عليه من الوقت سابقا علي وقت المسئول عنه اذ يجوز السؤال عن وقت المساوق كما يجوز عن المتأخّر و هذا ظاهر لمَنْ عرَّفه الله صنع ذٰلِكَ وَ لَوْ اِجْمالاً كما نعرف انّ الجسم يصح السؤال عنه بمتي و ان قلنا بانها موضوعة للسؤال عن الزمان خاۤصّة مع انا نعتقد ان الزمان لميسبق الجسم و لميتأخر عنه بل هو معه فان الجسم و الزمان و المكان عندنا لميسبق احدها الاخر بل خرجت في هذا الوجود الملكي دفعة واحدة و ثانيهما قوله كما هو ساقط عن وجود الحقّ ، فانّ السّقوط عن بعض المصنوعات ليس كالسقوط عن الحق تعالي [ص 106] و لاسيما علي جعله متي مخصوصة بالزمان فتفهّم و قوله و وجود من العدم ، هذا فيه تسامح لان حقيقته لاتصح علي قوله و لا علي قولنا اما علي قوله بان حقاۤئق الاشياۤء ليست مجعولة فهِي صور علميّة فانْ اَرادَ بها وجودها الذاتي لها الذي هو نفسها لميصح ان يقال وجود من العدم لانه عنده وجود لا من عدم و انْ اَرادَ به ما كساها خالقها عز و جل من الوجود الظاهر الذي هو الكون في الاعيان او ما به الكون في الاعيان اعني الظهور علي الاحتمالين لميصحّ علي قوله انّ هذه الوجودات هي هو تعالي و انّها عبارة عن ظهوره الكامن في ذات علمه المتهيّء للظهور بقبوله كن فيكون فكن يده اليمني الفاعلة و يكون يده اليسري القابلة و كلتا يديه يمين فليس شيء غيره و لميوجد شيئا الّا نفسه و ليس الّا ظهوره كما ذكره في كتبه و ان لميكن هذا لفظه فهذا معناه بناۤء علي وحدة الوجود فلميصحّ قوله و وجود من عدم لان هذا وجود من وجود بل هو علي معاني كلماته وجود لذاته و اما علي قولنا و هو انها كانت يعني كوّنها سبحانه لا من شيءٍ بمعني انّها لمتكن فاحدث جزءَها الاعلي الاول و هو الوجود بفعله لا من شيء و احدث جزءها الاسفل الثاني و هو الماهية من انفعال الوجود عند فعل الفاعل مثل خلق فانخلقَ فخلق وجود و انخلق ماهيّة خلقها من خلق فقام الشيء باذنِ اللّه سبحانه بركنيه الوجود وَ الماهيّة و نقول خلق الوجود لا من شيء بمعني انه مخترع لميسبق له ذكر قبل ذلك و انّما ذكره تعالي به لا بمعني انه خلق من العدم اَوْ انَّ العدم سبقه لان العدم ليس شيئا ليكون سابقاً [ص 107] و انّما هو وجود عن وجودٍ لا منه و الحق سبحانه وجود لذاته فالوجود الحق لميسبقه الغير و وجود الخلق مسبوق بالغير لا مسبوق بالعدم الّا ان نريد انه ليس موجودا في رتبة من هو قبله فانه بهذا الاعتبار يجوز ان يقال انّه مسبوق بالعدم و علي هذا الاعتبار لو قال و وجود بعد عدم صحّ و قوله فالعالم حادث في غير زمان ، ان اريد المجموع من حيث المجموع فصحيح لان الزمان جزء منه و ان لاحظ التفصيل فالعالم الذي هو ما سوي الله سبحانه فعل و مفعول فالفعل هو المشية و الارادة و الابداع كما قال الرضا عليه السلم اسماۤؤها ثلاثة و معناها واحدٌ و المفعول اوّله وجود بَحْتٌ خلقه سبحانه لا من شيء ثم خلق منه ارض القابليات و هي الارض الميتة و الارض الجرز فساق ذلك الماۤء في سحاب مشيّته الي الارض الميتة و بعبارة الي الارض الجرز فانزل به الماۤء اي الوجود و هو الماۤء الذي جعل منه كل شيء حيّ فاخرج به من كلّ الثمرات و بعبارةٍ فاخرج به زرعا تأكل منه انعامهم و انفسهم و الماۤء المذكور و الارض المذكورة قبل التركيب برزخ بين الفعلِ و المفعول و هو و ان كان في الحقيقة من المفعول الّا انّا نصطلح علي ان الفعل هو الوجود المطلق و المفعول هو الوجود المقيد و اوله عقل الكلّ و هذا البرزخ لك ان تلحقه بالمطلق و ان كان مطلقا اضافيا و لك ان تلحقه بالمقيد و ان كان نِسبيّا اي بالنسبة الي الفعل و الوجود المقيّد اوّله عقل الكل و هو روح القدس في قول العسكري عليه السلام قال و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حداۤئِقنا الباكورة ، و الباكورة اوّل الثمرة يعني ان روح القدس اول ما قبل الوجود و هو اوّل من ظهر [ص 108] من ذلك الماۤء في تلك الارض فالمشيّة وقتها السرمد و عقل الكل و روح الكل و نفس الكل و طبيعة الكل و جوهر الهباۤء وقتها الدهر و جسم الكلّ و ما فيه من الفلك المحدد الجهات و المكوكب و الافلاك السبعة و العناصر الثلاثة و الارضون السبع وقتها الزمان فالفعل حادث ليس في زمان بل هُوَ مع السرمد و المجردات من العقل الي جوهر الهباۤء يعني الكلِ و مادة الكل حادثةٌ كلّها مع الدهر قبل الزمان و المثال برزخ بين الدهر و الزمان وجهه الي الدهر و خلفه الي الزمان و هو بدن نوراني لطيف لَا اَرْوَاحَ فيه و هو ظلّ الجَواهرِ النّفْسيّة و هو عالم وَاسع ذو عجاۤئب لاتتناهَي اَسْفَلُهُ عَلي محدّد الجِهَات رتبةً و اَعْلَاهُ تَحْتَ جَوْهَرِ الهَبَاۤءِ اَقَامه سبحانه في الْاقليم الثّامِنِ فيه الجنّتانِ المدهاۤمَّتانِ وَ نَارُ الدُّنيا عِنْدَ مَطْلعِ الشَّمْسِ و هُورقِلْيٰا تدور افلاكه علي جابلقا و جابرسا و الجنَّتانِ "٢" المدهاۤمَّتان فيه و تغرب عليهما "-٢" شمسُنَا فتظهر عليهما "-٢" بقدرِ ما نراها اربعين مرّة لصَفاۤء ذلك الاقليم و نُوريته و تطلع علي النّار تمرّ علي رؤس اَهْلِها لَيْس بينَها و بينهم سترٌ و هذا العالم اعني عالم المثال برزخٌ بين المُجَرّدات و الاجسام و اما عالم الملك اعنٖي عالم الاجسام من الفلك الاطلس الي الارض السابعة فحادثٌ مع الزمان لطيف الزمان مع لطيفه كالاطلس و متوسطه مع متوسّطه كالسموات و كثيفه مع كثيفه كالارض قوله و انما يتعسر فهم ذلك علي الاكثرين الي قوله و امر محالٌ ، حقّ صحيح فانهم لايفهمون غير ما ذكر حتي ان شيخ الكل الطبرسي في جامع الجوامع في تفسير اوّل سورة الحديد [ص 109] في قوله تعالي هو الاول و الاخر و الظاهر و الباطن قال هو الاول السابق للموجودات بما لايتناهي من الاوقاتِ او تقدير الاوقات و هذا طريق اهل الظاهر من تكلّم قال بمثل هذا و من سكت اضمر علي مثله و هذا معلوم و قوله فان اللّه عز و جل ليس في زمانٍ و لا مكان بل هو محيط بهما و بما فيهما الخ ، قد تقدم توجيه الكلام فيه و قوله و تحقيق ذلك ، الي اخر الفصل صحيح .
قال ان نسبة ذاته سبحانه الي مخلوقاته تمتنع ان تختلف بالمعيّة و اللّامعية و الّا فيكونُ بالفعل مع بعض و بالقوة مع اخرين فتتركب ذاته من جهتي فعلٍ و قوّة و تغيّر صفاته حسب تغيّر المتجدّدات المتعاقبات تعالي عن ذلك .
اقول قوله انّ نسبة ذاته ، فيه ان ذاته المقدّسة ليس بينها و بين شيءٍ سواه نسبةٌ لذاته و انما نسبته الي مخلوقاته من حيث افعاله من الظهور لها بها و الامتناع عنها بها و قربه و بعده اليها و معيته و اللّامعيته و غير ذلك من حيث كونها معلومة او مقدورة او مسموعة او مبصرة او غير ذلك من جميع النسب فكلّها من حيث افعاله و قيوميّتها بامره كما قال تعالي و من آياته ان تقوم السماۤءُ و الارض بامره ، و قوله عليه السلام في ادعيّة الايام الطويلة رواه الشيخ في مصباح المتهجد و كلّ شيء سِوَاك قام بامرك و امّا ذاته فتعالي في عز جلاله عن كل نسبة سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون و لكن كما قال شاعرهم :
ضاع الكلام فلا كلام و لا سُكوتٌ مُعجِبُ
الّا اني اقول كما قالت العرب علي لسان الضبّ [ص 110] في الامثال :
حَدِّث حَدٖيثَيْن امرأة و ان ابَتْ فارْبَعَة
و قوله فتركّب ذاته من جهتي فعل و قوّة ، فلِمَ لميقل هذا في الكلمات المكنونة حيث قال فان الكون كان كامناً فيه معدوم العين و لكنه مستعدّ لذلك الكون بالامر و لمّا امر تعلّقت ارادة الموجدِ بذلك و اتّصل في رأي العين امره به ظهر الكون الكامن فيه بالقوّة الي الفعل فالمظهر لكونه الحق و الكاۤئن ذاته القابل للكون فلولا قبوله و استعداده للكون لماكان فماكوّنه الّا عينه الثابتةُ في العلم لاستعداده الذاتي الغيرِ المجعول و قابليته للكون و صلاحيّته لسماع قول كن و اهليّته لقبول الامتثال فمااوجده الّا هو و لكن بالحقّ و فيه او نقول ذات الاسم الباطن هو بعينه ذاتُ الاسم الظاهر و القابل بعينه هو الفاعل فالعين الغير المجعولة عينه تعالي و الفعل و القبول له يدانِ و هو الفاعل باحدي يديه و القابل بالاخري و الذات واحدة و الكثرة نقوش فصحّ انه مااوجد شيئا الّا نفسه و ليس الّا ظهوره ، انتهي كلامه في كتابه المسمي بالكلمات المكنونة فقوله ظهر الكون الكامن فيه بالقوة الي الفعل يلزم منه انه تعالي تركّب من جهتي القوة و الفعل فان قلتَ كما توهّمه بعضهم انه انما عني به العالم قلتُ قوله الكامن فيه ، يريد بالكامن العالم و ضمير فيه يعود الي الله ، تعالي الله عن ذلك فان قلتَ انّما يعود الي العالم حين كونه في العلم لقوله فماكوّنه الّا عينه الثابتة في العلم قلتُ قوله فالعين الغير المجعولة عينه تعالي ، صريح فيما قلنا لانه يقول انّ العالم في الذاتي هو عين اللّه تعالي و الكون الذي كان في العالم حين هو عين الله تعالي في الازل [ص 111] كامن في العالم بالقوّة و هو مستعد لقبولِ الكون فكان ما فيه بالقوة حين هو عينه تعالي بالفعل فتركّبت ذاته تعالي او قل تركّب ما هو ذاته من جهتي القوة و الفعل او وقع ما بالقوة و ما بالفعل فيه تعالي لقوله فمااوجدهُ الّا هو و لكن بالحقّ و فيه اي فمااوجد العالم الذي كان عينه تعالي الّا هو باللّهِ فيه فتدبّر كلامه هنا و تدبّر كلامه هذا الذي نقلناه من الكلمات المكنونة بلا زيادة و لا نقصان و قل ما شئت .
قال فنسبة ذاته التي هي فعليّة صرفة و غِنيً محْضٌ من جميع الوجوه الي الجميع و ان كان من الحوادث الزمانيّة نسبةٌ واحدة و معيّة قيوميّةٌ ثابتة غير زمانيّة و لا متغيّرة اصلاً و الكل بغناۤئه بقدر استعداداتِها مستغنيات كلّ في محله و وقته و علي حسب طاقته و انما فقرها و فقدانها و نقصها في القياس الي ذواتها و قوابل ذواتها و ليس هناك امكان و قوّة .
اقول قوله فنسبة ذاته التي هي فعلية صرفة ، يعني ليس فيها ما بالقوة فلاتنتظر كمالاً اذ لا امكان فيها فكلّ ما لها لذاتها هو ذاتها الواجبة الوجود فانّ ما احتمل الزيادة و الاستكمال احتمل النقصان و غنيً محض من جميع الوجوه فلايفتقر الي شيء و لايستغني عنه شيء و الّا لكان محتاجاً و ناقصاً فلو فرضنا في العبارة و البيان وجود شيء مستغنٍ عنه تعالي قلنا ايُّمَا اكمل كون ذلك المستغني مستغنيا عنه تعالي او محتاجاً اليه لقلتَ كونه محتاجاً اليه تعالي اكمل في حقه تعالي من كون ذلك مستغنيا عنه فنقول وجودُ مستغنٍ عنه نقص في حقّه تعالي فيكون كونه كاملا مطلقا كونه [ص 112] غنيّا مطلقا و كونه غنيا مطلقا كونَ كلِّ من سواه محتاجاً اليه فيشمل هذا المعني قوله من جميع الوجوه و قوله الي الجميع و ان كان من الحوادث الزمانية ، فيه اَنّ قوله و ان كان من الحوادث الخ ، يفهم منه ان من الجميع المشار اليه ما هو غير زماني كالمجردات الدهرية و منه ما ليس بمحدثٍ و هذا المعلوم من مذهبه و هذا باطل فتصحيح عبارته التي لايصح المعني الّا بها ان يراد بالجميع خلق الله اذ ليس في الوجود الّا اللّه تعالي في الازل الذي هو ذاته وحده لا شريك له بكل فرضٍ و اعتبار في الواقع و الفرض فان الفرض و الاحتمال كما قدّمنا سابقاهما و ما وقعا عليه و تعلّقا به كلها خلقه تعالي فتصحيحها بشيئَين احدهما بهذا و الثاني ان يقول من جميع الوجوه من حيث افعاله كما ذكرنا قبل اذ لا نسبة لذاته بذاته تعالي الي شَيْءٍ سواه لانّ ما له سبحانه في جميع ما سواه من نسبة معيّة و قيوميّة ثابتة انّما هو من حيث افعاله التي هي ذكر الاشياۤء بما هي عليه في اماكنها و اوقاتها لانا قدّمنا انه تعالي هو الذاكر و لا مذكور و انما ذكرها بفعله لها علي ما اقتضته ذواتها فنسب نفسه تعالي لها و اليها بما ذكرها به من فعله لها بما قبلت من فعله حين فعلها اذ لمتكن مذكورة قبل فعله و النسب كلها لاحقة للوجود لا لِلاوجود فافهم قوله و الكل بغناۤئه بقدر استعداداتها الخ ، تصحيح عبارته التي يصح معناها علي قواعد الاسلام اَن يقول و الكلّ بغناۤئه الذي هو صفة فعله لا غناۤئه الذي هو ذاته و مثال هذا و امثاله كما لو قلنا علمه الذي هو صفة فعله و قدرته و سمعه و بصره و رحمته [ص 113] و ربوبيّته و الوهيته و غير ذلك من صفاته كالنار و للّه المثل الاعلي فانّها مركّبة من حرارة و يبوسةٍ جوهريّين و صفَةُ فعلها حرارة و يبوسة عرضيّان ففعلها الاحراق بحرارته و يبوسته العرضيّين كالحديدة المحماة في النار فانها تحرق كالنار من جهة ان فعلها ظهر في الحديدة بصفته التي هي الحرارة و اليبوسة العرضيّان الفعليّان لا انّ اجزاءً من جرم النّار و جوهرها انتقلت الي الحديدة كما توهّمه بعضهم فانك اذا فهِمتَ معني كلامي حصل عندك مفتاح من مفاتح الغيب تفتح به كثيرا من الابواب المغلقة مثل قوله تعالي مازال العبد يتقرّب اليّ بالنوافل حتي اُحِبّه فاذا احببته كنتُ سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده الذي يبطش بها ان دعاني اجبتُه و ان سألني اعطيتُه و ان سكتَ ابتدأته الحديث ، فهذا ينفتح بمفتاحِنا هو و اشباهه لا بغير مِفْتاحنا قوله و علي حسب طاقته ، طاقة العبد قد تكون لوجوده و قد تكون بمُتَمِّمٍ فربّما يكون الشيء لايطيق بنفسه و يطيق بالمتمّم و بالواسطة فالمتمِّم معين و الواسطة واقية و مترجم فالمتمّم كرفع ادريس (ع) و عيسي (ع) الي السماۤء اذ لايقدران بذاتهما علي الصعود الّا بالملكِ المتمّم لهما قابليّة الصعود و الواسطة كٰادم عليه السلم في انباۤئه الملاۤئكة باسماۤء الاشياۤء فانّ الملاۤئكة لايتحمّلون تعلّم اسماۤء الاشياۤء بغير واسطة ادم عليه السلم و الّا لكان لهم ان يقولوا يا ربّنا انت علّمت اٰدم الاسماۤء و لو علّمتنا الاسماۤء لتعلّمناها فلاتكون لاختيار الله تعالي للبشر مزيّة علي الملاۤئكة فانه تعالي لمّا اعترض عليه ملكانِ و رضي بعض الملاۤئكة [ص 114] باعتراضهما ردّ الله تعالي عليهم اعتراضهم بانّي اعلم ما لاتعلمون يعني اني ماجعلتُ خليفةً الّا من هو اولي بالاستخلاف منكم لانه اعلم منكم و احمل للعلم منكم فلو كانوا يحتملون اذا علّمهم لكانوا يقولون انمّا علم الاسماۤء لمّا علّمته و لو علّمتنا علمنا و لكنهم قبلوا و لميعترضوا لعلمهم انهم لايعلمون الاسماء الّا بواسطة آدم عليه السلم ، قوله و انما فقرها و نقصها الي اخره ، صحيح ظاهر ، قوله و ليس هناك امكان و قوّة ، البتة هذا صحيح و لكن مذهبه كما ذكر و ذكرنا عنه يلزم منه ثبوت ما بالقوّة في ذاته و منه قوله هنا و الكلّ بغناۤئه فانه اذا اراد بغني الذات لزمه انّ في هذا الغني استغناۤء للمحدث يكون عند وجوده بالفعل و قبله في غناه بالقوة و هذا امكان و قوة فتدبّر كلامه السّابق و ما نبّهناك عليه فيه يظهر لك هذا و يأتي كثير من كلامه بهذا المعني فاستمع .
قال فالمكان و المكانيات باسرها بالنسبة الي الله تعالي كنقطة واحدة في معيّة الوجود و السموات مطويات بيمينه و الزمان و الزمانيات بٰازالها و آبادها كَآنٍ واحدٍ عنده في ذلك جَفّ القلم بما هو كاۤئن ما من نسمةٍ كاۤئنةٍ الّا و هي كاۤئنة و الموجودات كلها شهاديّاتها و غيبيّاتها كموجود واحد في الفيضان عنه ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفس واحدةٍ .
اقول هذا الشيخ داۤئما يتكلّم بالامور الغريبة و العبارات العجيبة و مَن عرف وجده كالغافل عن الحكمة و دليل الحكمة و كمن لمينظر في الحقاۤئق و العلّة فيه انه ماراضَ نفسهُ بطريقة اهل البيت عليهم السلام و انّما صرف نفسه في حكمة القوم و جعل همّه في فهم مراداتهم و فكّ [ص 115] رُموزهم و لهذا كان اذا قال بقولهم مثل انّ علم اللّهِ تعالي القديم بالاشياۤء مستفاد منها لانّها اعطته العلم بها ربّما استشعر بطبيعته او بالتفاتةٍ منه فنفي هذا كما ذكر في الوافي ثم قال به في اثناۤء كلامه و ذلك لانطباع نفسه و طبيعته علي قولهم فقَوله فالمكان و المكانيات الي قوله في معيّة الوجود ، انّما يصحّ اذا قيّده بان يقول في فعله كما قدّمنا ثم استشهد علي قوله بما نحتجّ به عليه فان قوله و السموات مطويات بيمينه ، لِمَ لَمْيقل بقدرته مع ان المراد به قدرته و انما عدل الي اليمين ليعلم منه اصحاب اليمين انه اراد بفعله اذ لايصح ان تكون السموات مطويّات بذاته لانها مفعوله و الطيّ فعله فكيف يحدث شيئا بذاته من غير فعل لايعقل في حقه تعالي و لا في حق احد من خلقه ان يفعل فعلا بغير فعل و امّا ارادته بان السموات مضمحلّة في جنب وجوده فانبساطها نقطة لاتقبل القسمة في جنب ذاته فهذا و مثله انما يكون لو جمعهما مشهد واحد بان ظَهر لها في الحدث او بطنت له في الازل و دُون عليّان خرط القتاد كيف يظهر لها و انّما ظهر للجبل حين سأله موسي عليه السلام مثل سم الابرة من نور محل فعله فجعله دكّا و عنه صلّي الله عليه و اله ان لله سبعينالف حجاب من نور و ظلمة لو كشف حجاب منها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ه ، و كلّ هذا اثر فعله اذِ المراد بالوجه هو محل مشيّته و فعله و السبحات الكروبيون من شيعة ذلك الوجه الكريم صلي الله علي محمد و اله الطاهرين و كيف يصعد اليه و لميخرج منه سبحانه لميلد و لميولد و لميكن له كفؤا احد [ص 116] كان اللّه و لا شيء معه و هو الٰان علي ما كان فكان و لا شيء معه مطويّ قبل ذكر كل شيء و هو علي ما هو عليه و المحو و الاثبات و الطيّ و البسط و كلّ معني غير الذات المقدسة كل ما ينسب اليها من الكثرة و الوحدة و البساطة و الطي و البسط و الاتحاد و التعدّد و الدفعة و التعاقب و الجمع و الفرق و ما اشبه ذلك لايصحّ نسبتها اليه تعالي لَا بالذّاتِ و لَا بالنِّسْبةِ و الاضافةِ اذْ لَا نِسْبةَ له و لا اضافة لذاتِهٖ و ما لايثبتُ له لذاته بذاته لٰايثبت لهُ بغَيْرهٖ فافهم هذا الاصل فانّه قاعدة لاتنخرم ابداً و قوله و الزمان و الزمانيّات بٰازٰالها يعني الحادثة و آبٰادِها كذلك الي قوله الّا و هي كاۤئنة ، اجد الكلام فيه كالكلام في المكان و المكانيّات و تفسيري آزالَها و آبادَها بالحادثة لانّها قد تستعمل الازال و الاباد في الحادثة علي المذهب الحق فلذا فسّرتها بذلك و ان كان ظاهر كلماته في كتبه استعمالها في القديمة للحادثات علي نحو ما في كلامه المتقدّم الذي نقلناه عن الكلمات المكنونة و قوله جف القلم بما هو كاۤئن ، قد ذكر جملة من بيان هذا في ذكرنا العلم الامكاني و العلم الكوني و في العلم الامكاني جف القلم و احاديث اهل العصمة عليهم السلام مصرّحة بان القلم المنسوب اليه الجفاف هو عقل الكل و هو القلم المستمدّ من الدواة كما رواه هو في الصافي في تفسير نۤ و القلم و ما يسطرون و اذا اطلق فلايراد غيره في كلامهم و استعماله في العلم الذّاتي كما ذكر خلاف الظاهر و خلاف الواقع [ص 117] و خلاف الحق و ان اخذ تأويله علي المشرب الصّوفي و هو لا مانع منه فيما يجوز استعماله بخلاف هذا الذي ذكره فانّه لايصح استعماله كيف و هذا القلم هو الكاتب في اللوح و قد ورد في ادعيتهم عليهم السلام اللهم ان كنت كتبتَنٖي عندك محروما مقتّرا عليَّ في رزقي فامحُ مِنْ امّ الكتاب حرماني و تقتيرَ رزقي و اكتبني عندك سعيداً مُوَفّقا للخير فانّك قلتَ تباركتَ و تعالَيْتَ يمحو اللّٰهُ ما يشاۤء و يثبتُ و عنده ام الكتاب ، فاذا هو الكاتب و اذا شاۤء الله سبحانه محو ما كتب القلم و اثبات غيره انما يثبتُه بالقلم فكيف يجف القلم و هو ابداً رطبٌ و لذا ردّ تعالي عَلَي اليهود حين قالوا قد فرغ من الامر كما في التوحيد عن الصادق عليه السلم في هذه الاية لميعنوا انّه هكذا و لكنّهم قالوا قد فرغ من الامر فلايزيد و لاينقص قال الله جل جلاله تكذيباً لقولهم غلّت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاۤء المتسمع الله يقول يمحو الله ما يشاۤء و يثبت و عنده ام الكتاب و في تفسير علي بن ابراهيم قال قالوا قد فرغ من الامر لايُحدث الله غير ما قدّره في التقدير الاول فردّ الله عليهم قال بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء اي يقدّم و يؤخّر و يزيد و ينقص و له البداۤء و المشيّة ه ، و امّا ان المراد بالقلم و جفافه غير ما ذهب اليه فمنه في العلل عن الصادق عليه السلم و امّا نۤ فكان نهراً في الجنّة اشد بياضا من الثلج و احلي من العسل قال الله تعالي له كن مداداً ثم اخذَ شجرة فغرسَها بيده ثم قال و اليد القوّة و ليس بحيث يذهب اليه المشبّهة ثم قال لها كوني قَلماً ثم قال له اكتب فقال له يا ربّ و ما اكتب قال ما [ص 118] هو كاۤئن الي يوم القيمة ففعل ذلك ثم ختم عليه و قال لاتنطقن الي يوم الوقت المعلوم فعلي ما قلنا من ان القلم هو المعلوم و قلنا انه لايزال يجري بامر اللّه تعالي بمقتضي يمحو الله ما يشاۤء و يثبت فهو ظاهر و علي انه ختم عليه او علي فمه فلاينطق ابداً فالمراد ان الله تعالي امره بان يكتب فممّا امره به مشروط او مشروط في الشهادة خاۤصّة و منه محتوم فاطلقه في المشروط و ختم عليه في المحتوم هذا كلّه في الثاني من العلم الحادث و هو العلم الكوني كما تقدّم و امّا في العلم الامكاني فقد جفّ القلم هناك و المراد بالقلم في العلم الامكاني المشيّة و الحاصل انّ هذا المعني الّذي ذهب اليه لايجري علي ذات الحقّ بذاته و انّما يصحّ في فعله تعالي كما قلنا و استشهاده بقوله جفّ القلم لايصح الّا في الفعل لان معني جَفّ انّه جري رطبا ثم جفّ و هذه حالتان فاذا نسبها الي اللّه تعالي فيما اراد فنقول له ما معني جفّ في المفعول قبل الفعل الّا اذا اراد ان المفعول ح في الازل و جوابه السكوت عنه و ان اراد بعد حصول المفعول اختلفت حالتاه و المختلف حالتاه لذاته حادث و لايلزم الحدوث لو اختلفت حالتا فعله و قوله و الموجودات الي قوله كنفس واحدة ، نعم الموجودات من حيث الفعل كنفس واحدة و امّا من حيث التعلق بها فلميتعلّق الفِعْل بنفسه بكل مفعول بل كلّ مفعول فله رأس جزئي من الفعل الكلّي مختص به لايصلح لغيره فزيد مثلا له رأس جزئي من مشيّة الله تعالي مختص به لايصلح لعمروٍ و ذلك الرأس موجود في الفعل قبل وجود زيد كوجود صورتك فيك قبل وجود المنطبعة في المرءاةِ [ص 119] فاذا وجد القابل للتأثير و هو اجتماع مشخِّصات وجود زيد حدث تعلّق ذلك الرأس المختصّ به فقدّر له حصّته الخاۤصّة به من وجود نوعه فكوّن من تلك الحصّة بتلك المشخِّصات زيداً و هكذا في كلّ مفعولٍ كما اذا حصلت المرءاة و المقابل وقع شعاع صورتك في المِرءاة فظهرت من ذلك الشعاع بهيئة المرءاة من اللون و الاستقامة و الصفاۤء و الكبر و اضدادها الّتي هي مشخصات الصورة في المرءاة صورةُ وجهِك و امّا هذه الوحدة التي في المفعولات بالنسبة الي الفعل من حيث انبساطه علي الامكان دفعة كلّ في رتبته فانّما هي في بادي الرأي و امّا في الواقع فهي مرتّبة المسببات علي الاسباب و الناقص علي المتمّم كالعرض علي الجوهر و لو صحّ في الواقع ما اشار اليه لماصحّ قول جعفر بن محمد عليهما السلم المتقدم و الٰاتي لميزل الله عزّ و جلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم الي اَنْ قال فلما احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم الحديث ، فاذا جاز هذا المعني في ذات الحق سبحانه انه عالم و لا معلوم جاز في الفعْل بالطريق الاولي و المثال في ذلك اذا ظهرت الشمس انبسط نورها علي جميع الكثيفات و ظهرت الاظلّة في مقابلة الاشعّة كلّ ذلك دفعة بلا مهلةٍ لكن ذلك في بادي الرأي و في الواقع كانت الاشعة سابِقَةً علي الاظلّةِ في الظهور بسبعين سنة و كذلك حكم المسببات عند الاسباب فالطيّ المذكور سابقاً علي ما هو عليه في نفس الامر لا علي ما هو عليه في بادي الرأي و لو كان هذا الحكم راجعاً الي الازل الذي لايجري علي مقتضي الاسباب قلنا حكم الازل علي ما يعرف [ص 120] و قد بيّنّا انّه كان و لميكن شيء و هو ابداً لميكن معه شيء و امّا اذا حصرنا الطيّ علي الحكم القهري فهو نور في محلّ الظلمة فاذا جمعهما مشهد واحدٌ جري اثبات الظلمة و نفيها علي نمط واحد كالمثال الذي قلنا في الشمس فان وجود الظل بعد وجود الشعاع بسبعين عاما و عدمهما كذلك علي العكس و لكن اكثر الناس لايعلمون الميسمعوا قول اللهِ تعالي المتر الي ربّك كيف مدّ الظّل و لو شاۤء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه الينا قبضاً يسيراً ، و الحاصل نكرّر القول لو كان الحكم ازليّاً وجب فيه الوحدة البسيطة لعدم وجود غيره و اذا كان فعليا فبنسبة الظهور يكون البطون و بنسبة الفرق يحصل الجمع لانه بطون بعد فرض ظهور و جمع بعد تحقق فرق اذ قبل فرض الظهور و تحقّق الفرق لميكن شيء و الفعل لايكون الّا مع المفعول فلايكون الاشياء في معيّة الوجود كنقطة واحدة في نسبة الفعل و قد برزت نقطاً متعدّدة لان الفعل متعاقب التعلّق و لايكون بين الازل و ما سواه نسبة فافهم ان كنتَ تفهم فان قلتَ انه اراد انّها علي تكثّرها و امتداد اوقاتها نقطة لاحاطته تعالي بها اذ لا امتداد عنده و لا استقبال بل كلّها في علمه نقطة قلت هذا صحيح و لكن اذا فهمتَ مراده فافهم مرادي ايضاً اذا كان تعالي محيطا بها لان امتدادها فيما لاتزال ليس بُعْداً عنه بل هي في قبضته و لايستقبل بل الماضي و المستقبل و ما بينهما حاضرة في نقطةٍ بين يديه الّا انّه تعالي محيطٌ بها حين هي لاشيء او حين هي شيء فان قلتَ حين هي لاشيء فلايصح الاحاطة باللّاشيء و الّا لعلم ان [ص 121] له شريكا مع انه نفي علمه بذلك فقال اتنبئونه بما لايعلم في السموات و لا في الارض و هي لاشيء في الازل و الّا لكان معه غيره و ان قلتَ يحيط بها حين هي شيء فاقول هي شيء بغير موادّها و قوابلها و ما تقوّمت به من فعله او بذلك فان قلت بغير ذلك احلتَ و ان قلتَ بذلك قلتُ لك يعلم بما هي عليه او غير ما هي عليه فان قلتَ غير ما هي عليه لميكن عالما بها و ان قلتَ بما هي عليه قلتُ لك ممّا هي عليه كونها في امكنتها و ازمنتها مترتبة متعاقبة فان قلتَ فاذاً كيف علمها قلتُ هي قامت بامره و امره واحد فيعلمها بامره واحدة و بذواتها متكثرة لانه يعلمها بها فهي علمه بها لانها حاضرة عنده تعالي بامره في وحدةٍ و بذواتها في كثرة و لا منافاة و لو كان يعلمها بذاته فان كان لايعلمها الّا بكونها نقطة كان وجه تكثرها غير معلوم لذاته و ان كان يعلمها مطلقا فلا فاۤئدة في لحاظ كونها نقطة واحدة بخلاف ما اذا كان يعلمها بما هي عليه و مثال وجهيها المعلومين معا لو حَضرك سرير و باب و كرسي و سفينة فانها معلومة لك بوحدة الخشب و تكثر الصور و علمك بها حصولها لك و حضورها بين يديك و لمتعلمها بذاتك من غير حضورها الّا ان تكون في ذاتك هي او صورها و كأني بك تظنّ انّي نافٍ لعلمِهٖ الازلي لا و لٰكنّي نافٍ لوجودها الازلي و حضورها الازلي و كافرٌ به فافهم .
قال و انّما التقدّم و التأخر و التجدد و التصرّم و الحضور و الغيبة في هذه كلّها بقياس بعضها الي بعض و في مدارك المحبوسين في مطمورة [ص 122] الزمان المسجونين في سجن المكان لا غير و ان كان هذا لممّا تستغربه الاوهام و تشمأزّ منه قاصروا الافهام .
اقول قوله و انّما التقدم و التأخر الي قوله الي بعض ، هل يريد به ان هذه غير معلومةٍ و لا هو محيط بها ام لا فان اراد فانّما ذلك لاجل انّها حاصلة لذاته حصولا جمعيّا وحدانيا يعني انّها بوجودها المتحد متحدة بذاته و في حالة الكثرة لاتتّحد لانّها خلقٌ موهومٌ بناۤء علي انّه ليس الّا اللّه كما هو قول اهل التصوف بوحدة الوجود و لو اراد انها معلومة ايضا مع تكثرها و تعاقبها لميحتج الي هذا التكلف فان قيل ان هذا جواب المحبوسين في مطمورة الزمان الخ ، قلنا ليس هذا جواب من يتوهّمه و انما هو مذهب اهل الحق و حلفاۤء الصدق صلي اللّه عليهم .
قال و اما قوله عز و جل كل يوم هو في شأن فهو كما قاله بعض اهل العلم انها شئون يبديها لا شئون يبتديها فليستبصر .
اقول كان سبحانه و لا شأن له و لا شأن و انما هو لا غير فلمّا خلق مشيّته بنفسها امكن فيها كل شَيْء علي الوجه الكلّي و جعل ذلك الامكان الذي هو محلّ مشيّته خزاۤئنه في كل شيء قال تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم فخزاۤئنُ زيدٍ مثله في تلك الخزاۤئن فما معني يبديها لايبتديها ، فاذا ارادَ ان يخلق شيئا مثل زيدٍ خلقه من خزاۤئنِهٖ وَ نزّله الي عالم الزّمان فهل كان زيدٌ في خزاۤئنه علي الوجه الجزئي بما هو عليه في هذا العالم من تشخّصِهٖ ام علي وجه كلّي له ان يبدّله قبل ان ينزله بعمروٍ و بفرس و بجبل و بحرٍ فان كان عَلَي وَجْهٍ [ص 123] جزئيّ هناك كما هُوَ هنا الي ان نَزَّلهُ الَي هنا ليصدق قولهم انه ابداه لا انّه ابْتدأه لميكن له فيه البداۤء مع انّ خزاۤئن زيدٍ المشار اليهَا قبل اللوح المحفوظ اذا اريد بها الراجحة و بعضها بعد اللوح المحفوظ اذا اريد بها الاعم فيها البداۤء للّه تعالي و يجب ان يكون زيدٌ شيئا قبل تكوينه و قد قال الله تعالي اولايذكر الانسان انّا خلقناه من قبل و لميك شيئا ، و في حديث الكاظم عليه السلام كما في الكافي و العلل فللّهِ تبارك و تعالي البداۤء فيما لا عينَ له فاذا وقع العين المفهوم المدرَك فلا بداۤء و اللّٰهُ يفعَلُ ما يشاۤء و قال عليه السلام قبل هذا الكلام فللّهِ تبارك و تعالي البداۤء فيما علم متي شاۤء و فيما اراد لتقدير الاشياۤء و اذا وقع القضاۤء بالامضاۤء فلا بداۤءُ ه ، و كل هذه المراتب التي اثبتَ لِلّهِ فيها البداۤء قبل خروجه في هذا العالم و تحت تلك الخزاۤئن و ان كان زيدٌ في خزاۤئنه اي خزاۤئن زيد قبل ان ينزّله الله سبحانه علي وجهٍ كلّيّ فله ان يبدّله بحيوان و طير و ارض و سماۤء و ملك و شيطان و علي هذا فجعله زيداً ابتداۤء لا ابداءٌ فافهم و لتستبصر .
قال فصل - و لعل مَن لميفهم بعض هذه المعاني يضطرب فيصول و يرجع فيقول كيف يكون وجود الحادث في الازل ام كيف يكون المتغير في نفسه ثابتاً عند ربّه ام كيف يكون الامر المتكثر المتفرق وحدانيّا جمعِيّا ام كيف يكون الامر الممتدّ اعني الزمان واقعا في غير الممتد اعني اللّازمان مع التقابل الظاهر بَيْنَ هذهِ الاُمور .
اقول انا كيف يكون وجود الحادث في الازل و كذلك قال الامام عليه السلام ما معناه لو كان خلقها من شيءٍ لكان معه ذلك الشيء لميزل و قال [ص 124] اميرالمؤمنين عليه السلم انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله السبيل مسدود و الطلب مردودٌ و قال الصادق عليه السلام كان الله عز و جل ربنا و العلم ذاته و لا معلوم و انا اقول بيانا لقولهم عليهم السلام اذا كان الحادِث في الازل يبقي حادثا مصنوعا ام يكون ازليا صانعا و علي التقديرين هو مغاير بمعني ان الله تعالي يعلم انه غيره علي ايّ فرضٍ اعتبر ام لميعلم قل ما شئت و قوله ام كيف يكون المتغيّر في نفسه ثابتا عند ربّه فاقول يكون ثابتا عند ربّه علي ما هو عليه من التغيّر في ملكه تعالي لا في ذاته و قوله ام كيف يكون الامر المتكثر المتفرّق وحدانيّا جمعيا ، نعم يكون في فعله و امره الامر المتفرّق وحدانيا جمعيّا لان الاشياۤء لها اعتباران من جهة آبٰائها مجتمعةً اجتماعاً وَحْدَانيّا جمعِيّاً و من جهةِ امّهاتها متفرّقةً متكثرة و لكنه تعالي احاط بها بفعله و امره في الحالين امّا من جهة الاباۤءِ يعني مواۤدها فواحدة و من الامّهات يعني صورها متكثرة كما مثّلنا بانه لو حضر عندك باب و سرير و كرسي و سفينة فماۤدتها كلها الخشب و هو واحد و من جهة صورتِها متكثّرة و الماۤدة و الصورة كلاهما عن فعله و امره فمادّتها اثر فعله و امره و صورها هيئات قبولها لتلك المواد عن فعله و امره فكلّها متّحدة و متعددة معلومة له تعالي بانفسها علي ما هي عليه في الحالين عن احاطة فعله و امره و قوله ام كيف يكون الامر الممتدّ اعني الزّمان الخ ، نعم يقع الممتدّ اعني الزّمان و المكان و ما فيهما في غير الممتدِّ اعني غير الممتدّ امتِداداً زمانيّا و لا امْتِداداً دهريّاً نعم تقع هي في الممتدِّ [ص 125] امْتِدَاداً سَرْمَدِيّاً علي النحو المذكور و اَمّا علي ما يقول فيما يعني فلا معني له كما سمعتَ .