و قوله ثم اقتضت ذواتها بعد ذلك من نفسها اموراً هي عين ما علمها عليه اوّلا ، اقول انّما اقتضت ذواتها بعد ذلك في الرتبة لانّ ما يقال هو علم سابق علي ما يقال هو معلوم بالذات كما هو متعارف بين المتكلمين و من في مقامهم و الا ففي الحقيقة انّ تعيّنها في علمه بما هي عليه في تكوّنها في مكانها و وقتها و هذا العلم المتعلّق بها في ورقتين من الكتاب الاولي ورقتان عليا و سفلي و الثانية بينهما و بيان هذا انّ الثانية هي انّ علمه بها [ص 68] هو علي ما هي عليه في مكانها و وقتها فعلمه بها في هذه الورقة ليس قبلها و لا بعدها و لا غيرها و امّا الاولي فالعليا قبل تعيّنها في رتبتها في نفسها و ذلك ● هو وجهها البَاقي من علمه مثلا زيدٌ تعيّن في علمه المساوق لوجوده الذي به هو هو في هٰذا الوقت ● و هذا المكان و هو الورقة الثانية المتوسطة بين طرفي الاُولَي و علمه بها الذي هو طرف الاولي الأوّل هو وجهُ زيدٍ و هذا الوجه باق بمعني ان زيداً يموت و يكون ترابا و هذا موجودٌ في اللوح المحفوظ حتّي يعادَ منه كما بُدِئ منه مثل صورة في ذهنِك نقشتَها في قرطاس فلمّا ذهَب ما في القرطاس نقشتها في قرطاس اخر من تلك الصورة التي في ذهنِك فالّذي في ذهنكَ هو وجه المنقوشة في القرطاس و هو الباقي و الهالك هو المنقوشة كل شيء هالك الّا وجهه فانه علي احد الوجوه الثلاثة في الاية انّ الضمير في وجهه يعود الي شيءٍ و اليه الاشارة بقوله تعالي حين قال الكافرون أئذا متنا و كنّا ترابا ذلك رجع بعيد قال قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ يعني حافظ لما نقصته الارض منهم و هذا العلم و ان كان سابقا في الذات و في الدّهر لكنه في الزمان و في الظهور مساوق بل ربّما يقال انّه مسبوق في الزمان و ان كان سابقاً في الدهر كما رواه في الكافي في رواية صالح النيلي عن الصادق عليه السلام في حديث الاستطاعة قال عليه السلم و لكن حين كفر كان في ارادة الله ان يكفر و هُمْ في ارادة اللّه و في علمه اَلّايصيروا الي شيء من الخير قلتُ اراد منهم ان يكفروا قال (ع) ليس هكذا اقول و لكني اقول علم انهم سيكفرون [ص 69] فاراد الكفر لعلمه فيهم و ليست ارادة حتمٍ و انّما هي ارادة اختيار ه‍ ، اقول في هذا الحديث استشهادان الاوّل انّ هذا العلم السابق في الدهر مسبوق في الزمان و هو قوله عليه السلم و لكن حين كفر كان في ارادة الله اَنْ يكفر الثاني قوله علم انهم سيكفرون ، فاراد الكفر لعلمه فيهم و هو معني الاوّل يعني علم في الدهر او في السرمد انّهم سيكفرون في الزمان و هذا العلم هو الطرف الاعلي من الورقة الاولي فهو و ان كان سابقا لكنه علم بما هو لاحق يعني علم في الدهر او في السرمد علي اختلاف القصدين بهم في الزمان حين كفروا فمعني علم انهم سيكفرون يعني حين كفروا ، مثاله اذا علمتَ اليومَ قيامَ زيد غداً فمعناه ان علمك ارتبط بقيامه حين قام غداً و وقع عليه في الغد كما ترَي زيداً في مكانه لا في عينك و ما في عينك ظلّه ان كانت الصورة منتزعة و وجهه ان كانت اصلاً فافهم فقوله بعد ذلك لاتصح البعديّة الّا بملاحظة الدهر و اما بملاحظة الزمان فمعه او قبله علي اعتبارِ بعضٍ منهم و امّا الورقة السفلي من الاولي يعني طرفِها فهي صغيرة و هي ظلّ الثانية منتزع منها كما في حديث خلق ادم و وضع انوارهم في صلبه فان النور الموضوع في صلبه نازل من اشباحهم عليهم السلام التي في العرش فلمّا سأل ادم ربّه ان يريه ما وضع في صلبه من الانوار امره ان ينظر الي العرش فانطبع شبح ما في صلبه في العرش فرأي اشباحهم السفلي المنطبعة [ص 70] مما في صلبه لا الاولي التي هي وجه ما في صلبه فانه لايستطيع النظر اليها و السفلي صغيرة و العليا كبيرة و هما في الدهر و ما في الزمان بينهما فهذه الثلاثة المراتب هي علمه تعالي بزيدٍ مثلا و الحديث المستدلّ به علي هذه المراتب الثلاث قول علي بن الحسين عليهما السلم قال حدثني ابي عن ابيه عن رسول الله صلّي اللّه عليه و اله قال يا عباد الله ان ادم لما رأي النور ساطعاً من صلبه اذ كان الله قد نقل اشباحنا من ذروة العرش الي ظهره رأي النور و لم‌يتبين الاشباح فقال يا ربّ ما هذه الانوار فقال عز و جل انوار اشباح نقلتُهم من اشرف بقاع عرشي الي ظهرك فلذلك امرتُ الملاۤئكة بالسجود لك اذ كنتَ وعاۤء لتلك الاشباح فقال ادم يا ربّ لو بيّنتَها لي فقال الله عز و جل انظر يا ادم الي ذروة العرش فنظر ادم و وقع نورُ اشباحِنا من ظهر ادم علي ذروة العرش فانطبع فيه صور انوار اشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الانسان في المِرءاة الصافية فرأي اشباحنا الحديث ، فالذي رأي آدم هو السفلي و التي وضعت اشباحها في صلبه هي الاولي و الذين ظهروا في الدنيا بين الناس صلي الله علي محمد و اله الطاهرين هو الورقة الثانية المتوسّطة بين العليا الكبيرة العظيمة و بين السفلي الصغيرة بالنسبة الي الاولي و الثانية فالاولي هو ما قال الله تعالي و يبقي وجه ربّك ذي الجلال و الاكرام و الثانية شبح الاولي و ظاهرها فينا و السفلي شبح الثانية فالذي رأي ادم عليه السلام شبح الشبح و نور النور فلله عز و جل ثلاثة علومٍ كليّة خاۤصّةٍ بكل شخصٍ الورقة الاولي العليا و السفلي و هما في الدهر او [ص 71] السفلي في الدّهر و العليا قد تكون في الدّهر و هو العلم المستثني الذي يحيطون به كما تقدم و قد تكون في السّرمد و هو العلم الذي لايحيطون بشيء منه و قد تكون بينهما و الاحاطة بينهما و الورقة المتوسّطة التي هي تعينه بما اقتضته ذاته في مكانه و زمانه و له سبحانه في كل علم من هذه علومٌ جزئيّة خاصة باحوال ذلك الشخص من حركته و سكونه و نطقه و سكوته و انفاسه و خطرات نفسه و وساوس صدره و كل شيء منه او عنه او به اوْ له او فيه كلّ جزئي بما تعيّن به مما اقتضته نفسه و هو تعالي الخالق لها بقوابلها و مقتضياتها كما قال تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم و هو العالم بها لانه الخالق لها و اسرّوا قولكم او اجهروا به انّه عليم بذاتِ الصدور الايعلم مَن خلق و هو اللطيف الخبير .

و قوله اموراً هي عينُ ما علمها عليه اوّلا ، اقول انّها تقتضي من ذاتها امورا اي قيودا و مشخّصاتٍ هي عين ما علمها عليه اوّلاً لانه علمها بما اقتضته كما قلنا سابقاً لا كما قال لانه لو علمها بغير ما اقتضته ذواتها في اماكنها و اوقاتها لم‌يكن ما اقتضته ذواتها في اماكنها و اوقاتها عين ما علمها عليه اوّلاً و لكنه تعالي تعيّنت في علمه بما علمها عليه مما اقتضته ذواتها في اماكنها و اوقاتها فافهم ان كنتَ تفهم .

و قوله فحكم لها ثانيا بما اقتضَتْه و ماحكم الّا بما علمه ، اقول هذا الكلام حقّ لٰكن ليس علي ما قصده لانّه علي ما قصده باطل و معناه علي الوجه الحق انه تعالي حكم لها اي اوجدها بما اقتضته اي بقابليّتها و اجابتها له حين سألها و قال لها الستُ بربّكم و محمّد نبيّكم و عليّ وليّكم و امامكم قالوا بلي فمنهم مَن قالها بلسانه و [ص 72] قلبه و عمل جوارحه عارفا مصدّقا مسلّما و هم الانبياۤء و المرسلون و الصدّيقون و الشهداۤء و الصالحون و الملاۤئكة و علي اختلاف مراتب اجابتهم خلقهم لان جوابهم ليس في مشهدٍ واحدٍ و لا وقتٍ واحد فخلق كلّا في مكان اجابته و وقتها علي صورة اجابته و هي صور الطاعات و الاعمال الصالحات كلّا انّ كتاب الابرار لفي علِّيّين ، و منهم من اجاب بلسانه و قلبُه مكذّب منكر مستهزئ وَ مستكبر فخلقهم ظاهرا بصور المجيبين و هي الصورة الانسانية ظاهراً و خلق بواطنهم من صور الحيوانات و الشياطين و فيها يحشرون ظاهراً و باطنا لانّهم اذا ماتوا علي هذه الاجابة الخبيثة انتزعت منهم الصور الانسانية فحشروا في صور اجابتهم و مشاهدهم و اوقاتهم مختلفة كالاوّلين كلّا ان كتاب الفجار لفي سجّين ، و منهم من اجاب بلسانه غير عارف بما قال فخلق تعالي ظواهرهم علي صور الاجابة و هي الصور الانسانية و لم‌يخلق بواطنهم حتي يكملوا و يبيّن لهم طريق الحق و الباطل في انفسهم ثم يكلفهم ثانيا فمنهم من يجيب و منهم من ينكر و ذلك قد يكون من بعضهم في الدنيا و قد يكون في البرزخ و هو قليل و قد يكون في الاخرة فحكمه لها ثانيا هو خلقها بما اقتضته ذواتها من الاجابة بالاعتقاد في القلوب و قول الالسن و اعمال الجوارح و هي قوابلها التي يخلقها بها كما قال تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم لا بعلمه و بما اقتضاه فيهم بل بعلمه الذي هو هم و قوابلهم فافهم . و قوله و ماحكم لها الّا بما علمه ، اقول و ماحكم لها الّا بما علمه و ماعلمه بهم الّا ما هم عليه و اليه الاشارة [ص 73] بقول اميرالمؤمنين عليه السلم لاتحيط به الاَوهام بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها ، و شرح كلامه عليه السلم فيما قلتُ لك و الله سبحانه ولي التوفيق .

قال اصل - قد ظهر من هذه الاصول انّ للاشياۤء كلِّها حصولاً لذاته سبحانه بعد مرتبة علمه بذاته بعديّة بالذات و الرتبة من غير لزوم كثرةٍ في ذاته بسبب تكثُّرِها لوقوعها علي الترتب الّذي يجمع الكثرة في وحدةٍ .

اقول قوله انّ للاشياۤء حصولا لذاته سبحانه بعد مرتبة علمه بذاته ، هذا حَقٌّ لكن هذا الحصول ليس هو غير الحاصلة و الّا لحصل الحصول بدون الحاصل او قبل الحاصل و حينئذٍ ان كان الحاصل معلوما فبحصوله و ننقل الكلام فيه فيبطل بثبوت الدور او التّسلسل او ثبوت الصفة علي الاول بدون الموصوف او قبله فلا بدّ من كون المراد بالحصول الحاصل و علي ايّ تقدير فالحصول و الحاصل غير الذّات الحق فلايكون هو الذات الحق سبحانه بوجه و قوله من غير لزوم كثرة ، ان كان بلحاظ انه الكلّ فيحصل عدم الكثرة بهذا الاعتبار و لكن من كان كذلك ليس باحدي المعني حقيقة و انما هو احدي المعني باعتبارٍ و ان كان بغير لحاظ انه الكل فاسوءُ حالاً و التّرتّب الذي يجمع الكثرة في وحدة فانّما يجمعها باعتبارٍ و ما كان كذلك فهو كثير حقيقة فان الشجرة مع تكثرها بالاصل و الغصون و الاوراق و الثمر باعتبارٍ هي واحدة و ليست وحدةُ ربِّنا كذلك فذرهم وَ ما يفترون و امّا انّ لها حصولاً و حضوراً و ذلك الحصول هو علمه بها ، فحقّ و لكن الحصول لم‌يكن قبلها بل هو معها حين اوجدها و هو قوله عليه السلام فلمّا [ص 74] احدثَ الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم ، فهو البتّة حادث بحدوثها فلايكون قديما باعتبارٍ لان العبارة عن هذا انه ثبت للّه بالحاصل في مكانه و وقته و كونه تعالي لم‌يكن خلواً من ملكه من حيث انه عز و جل لم‌يفقدها في اماكنها و اوقاتها فاِن اراد بالقدم و كونها ذاته بهذا المعني او باعتبار كما قال فلم‌يوجد حادث قطّ بل كلّها قديمة و كلها ذاته كما قال في الكلمات المكنونة كما قلنا عنه سابقا بقوله فصحّ انه مااحدثَ شيئا الا نفسه و ليس الّا ظهوره و هذا غير ما نحن فيه لانّا نتكلّم علي قواعد الاسلام التي اقرَّ رسول الله صلّي الله عليه و اله المسلمين عليه و عليه ماتوا و هو الحقّ من ربّهم .

قال كما قال ابونصرٍ الفارابي قُدِّس سرّه بقوله واجب الوجود مبدأ كلّ فيضٍ و هو ظاهر علي ذاته بذاته فهو الكلّ من حيث لا كثرة فيه فهو من حيث هو ظاهر ينال الكلّ من ذاته فعلمه بالكلّ بعد ذاته و علمه بذاته و يتّحد الكلّ بالنّسبة الي ذاته فهو الكلّ في وحدة .

اقول هذا قول امامِهٖ الذي يقتدي به و يدين الله تعالي بدينه و هو انّ اللّه مبدأ الاشياۤء و هو الكلّ اَي كلّ الاشياۤء و منه يستمدّ الكلّ اي منْ ذاتِهٖ كما قال امامُهُ الثاني مميتُ‌الدين ابن عربي في ٱلفُصوصِ :

و غَذِّ خلقه منه تكن روحاً و ريحانَا [ص 75] 

فقول الفارابي فهو الكلّ في وحدةٍ كما قال غيره من اهل التصوّف القاۤئلين بوحدة الوجود الّتي قام الاجماع علي تكفير القاۤئِل بها و امامُنا اميرالمؤمنين صلوات الله عليه يقول انتهي المخلوق الي مثله و اَلْجأه الطلب الي شكلِهٖ السبيل مسدود و الطلب مردودٌ ، هذا قول امامِنا عليه السلام و قول ائمّتهم ابن‌عربي و الغزالي و الفارابي و اضرابهم ما سمعتَ بانه تعالي هو الكلّ و يمثّلون به تعالي و بخلقه كالحروف من النفَس و كالحروف المنقوشة من المداد و كالموج في البحر و كالاعداد من الواحد و كالنار الوارية من الحجر بالزناد و كالثّلج من الماۤء و يقول شاعرهم :

و ما الناسُ في التَّمثالِ الّا كثلجةٍ و انتَ لها الماۤء الذي هو نابعُ

و لٰكن بذَوْبِ الثَّلْج يُرفع حكمه و يُوضع حكمُ الماۤءِ و الاَمرُ واقعُ

و امثال هذه من اِلْحاداتهم و منها قال بعضُ مَن يأتَمُّ بهم بسيطُ الحقيقة كلّ الاشياۤء و يريد ببسيط الحقيقة هو اللّه الحق تعالي اي الذات البحت الازليّة و قال معطي الشيء ليس فاقداً له و يريد ليس فاقِداً له في ذاته ، كبرت كلمةً تخرج من افواههم ان يقولون الّا كَذِباً فاذا قلنا اللّه هو بسيط الحقيقة قالوا نعم هو مرادنا فقلت لهم اللّٰهُ كلُّ اهلِ اصفهان قالوا لا و في القول الاخر قلتُ لهم معطي الشيء ليس فاقداً له في ملكه او ذاته قالوا في ذاته فقلتُ اللّه سبحانه اعطاني عصاي هذه و هو ليس فاقداً لها في ذاته قالوا لا فقلتُ فما مرادكم قالوا انها مركّبة من وجود و ماهيّة و الوجود هو اللّه تعالي و كذلك جوابهم في القول الاوّل و كلّها قول بوحدة الوجود و هذا مما لا اشكال فيه فقوله فعلمه بالكل بعد ذاته و علمه بذاته ، [ص 76] يلزمه انّ ما بعد الذات ليس هو الذات و الّا لاختلفت بالقبليّة و البعدية و تجزّأتْ و تغايرت فتكون مركّبة فاذا قيل من غير لزوم كثرة في ذاته لم‌ينفِ الكثرة بعد اثباتِها لانّ القول ما لم‌يكن مطابقاً للواقع كان كذباً فقوله و يتّحد الكلّ بالنسبة الي ذاته فهو الكل في وحدة ، يلزمه انّ ذاته كانت وحدها قبل علمه بالكل منفردةً فلمّا حصل علمه بالكل امتزجت به و اتّحد الكل الذي كان متكثِّراً بالتدريج و هذه الحال لايرضاها لنفسه و لايجوّزها لذاته .

قال اصل - الٰان فلنفتِّش و نفحص هل ذلك الحصول هو بعينه هذا الوجود المشاهد من العالم ام هو حصول اخر غير هذا متقدّم علي هذا انّما يتشابه و يتوسط شيئاً فشيئاً .

اقول قد ذكرنا قبل انّ الحصول ان كان غير هذا تسلسل اوْ دار و كذا ان فرض انه غير نفس الحاصل ففحصه و تفتيشه يرجع الي ما قدّم .

قال فنقول ان العارفين بالامر علي ما هو عليه بشهود و عيانٍ لايشكّون في ان هذا هو ذاك من وجه و انه غير ذاك من وجهٍ اخر .

اقول العارفون الذين يشير اليهم مَنْ هُم ان كانوا نحو مَن ذكرنا فهم كما قال علي عليه السلم كما في الكافي بسنده الي مقرن قال سمعتُ اباعبدالله عليه السلام يقول جاۤء ابن‌الكوّا الي اميرالمؤمنين عليه السلام فقال يا اميرالمؤمنين و علي الاعراف رجال يعرفون كلّا بسيميٰهم فقال نحن علي الاعراف نعرف انصارنا بسيميٰهم و نحن الاعراف الذين لايعرف الله الّا بسبيل معرفتِنا و نحن الاعراف يعرّفنا الله تعالي [ص 77] يوم القيمة علي الصراط فلايدخل الجنّة الّا مَن عرَفَنا و عرَفْناه و لايدخل النار الّا مَن انكَرَنا و انكرناهُ انّ اللّه تعالي لو شاۤء لعرّف العبادَ نفسه و لكن جعلنا ابوابه و صراطه و سبيله و الوجه الذي يؤتي منه فمن عدل عن ولايتنا او فضّل علينا غيرنا فانهم عن الصراط لناكبون فلا سواۤء مَن اعتصمَ النّاس به و لا سواۤء حيثُ ذهب الناس الي عيونٍ كَدِرة يُفرغ بعضُها في بعض و ذهب مَن ذهَب الينا الي عيون صافيةٍ تجري بامر ربّها لا نفادَ لها و لا انقطاع ه‍ ، فانّ مَن ذهب الي هؤلاۤء ذهب الي عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض و لو انه قال بقول ائمّتنا ذهب الي عيون صافيةٍ تجري بامر ربِّها فلأجل ذلك سمعتَ قوله مستنداً الي قول الفارابي و الي قول كلّ ضاۤلٍّ صابئ علي ان هذا الحصول الذي هو علمه بها اذا كَان ذا وجهين فيكون في نفسه متعدّدا و لاتقول انما قال من جهة الاعتبار لانّ الاعتبار اِمكان لٰايتحقّق الّا في امكان فكيف يحضر لديه تعالي في الازل كما يقول و لو حضر من الوجه الاعلي لزم ان يكون ذلك الحاضر مركباً من القديم و الحادث يحضر بجهة القدم عند القديم في الازل و يتخلف بجهة الحدوث عند الحادث و هذا باطل او يحضر بجهتيه و هو باطل اوْ لَايحضر بحالٍ من الاحوال و هو باطل او يحضر في اماكنها و اوقاتها و هو الحق بمعني ان ذلك الحضور و الحصول لم‌يفْقِده في ملكه فهو واجدٌ لهُ في رتبته من الامكان فلم‌يكن في الازل فاقداً لذلك الحضور و الحصول في اَماكنها و اوقاتها و انت تجد في نفسِك انك لم‌تفقد مالك و كتبك في اماكنها مع انّها ليست في ذاتك و ليس حصولها لكَ هُوَ ذَاتُكَ فيكون عدمُ حُصولِها لو تلفَتْ عدماً لذاتك لانّ حصولها صفة لَهٰا لَا لك و [ص 78] لايوجد قبلها و كنت انت انت و لم‌تحصل لك كتبٌ فقوله فيما بعد ليس حصولها له علي حدّ حصولها لنا الخ ، فيه ان اية ما يدّعيه من الحصول السراج و اشعته علي زعمه و حصول الاشعة للسّراج ليس هو ذات السراج بل هو خارج لحصول الشيء من هذه الجهة و ليست القيوميّة لها تجعلها ذات السراج كما توهّم و يأتي تمام هذا الكلام .

قال و ذلك لانّهم يعلمون انّ حصول الاشياۤء لله سبحانه و تحقّقها عنده و حصولها لديه ليس علي حدِّ حصولها لنا و تحقّقها عندنا و حضورها لدينا كيف و حصولها له عز و جل حصول لفاعلها و موجدها و منشئها و محدثها و لمن هو محيط بها و يشاهدها علي ما هي عليه و حصولها لنا حصول لمن لم‌يفعلها و لم‌يحط بها و لم‌يشاهدها علي ما هي عليه .

اقول انّا لانعرف ما اجري عليه افعاله الّا بما ضرب لنا من الامثال فلمّا ضرب لما يشاۤء من ذلك الامثال نظرنا فيها او في بعضها فلم‌نجد فيها مجازفة بل لو اجتمعت جميع الخلاۤئق علي ان يعثروا علي نقصٍ فيما ضرب من المثل ماعثروا علي شيء و لكان ما خفي عليهم من اسرار المطابقة اكثر ممّا علموا بمراتب لاتكاد تحصي فقوله ليس علي حدّ حصولها لَنا و تحقّقها عندنا ، ليس بصحيح لانّ من خلقه ما ضربه سبحانه مثلاً و المثَل بالنسبة الي المخلوقين علي اكمل وجه في المطابقة و السِراج بالاشعّة فانّ حصولها للسّراج حصول لفاعلها و مُوجدِها و مُنْشِئها و محدثها و لمن هو محيط بها و يشاهدها علي ما هي عليه و هذه اية ما [ص 79] ذكره لان اللّه سبحانه خلق السراج مثلاً لذلك و مثله و لكن مَن عرف حقيقة الحصول بِالنِّسْبة الي تحقّقِهٖ لمَنْ هُوَ له تبيّنَ لَهُ انّ الحصول الذي يحصل به العلم بالحاصل لايفرق فيه بين من اوجد الحاصل له و بين مَن لم‌يوجده لانّ المراد به ثبوته لَهُ و هو حاصِلٌ لَهُمَا و ليس المطلوب في تحقّق الحصول الاحاطة بكل احوال الحاصل او القيّوميّة له لان فائدة هذا كثرة الحصولات و هو شيء اخر نعم يتوّهم في ثبوتِ الحصول لِمُنْشئِهٖ انّ الحاصل و الحصول فرع عن حقيقةٍ له في ذاتِ الموجِدِ لاتلزم منها المغايرة و الكثرة لذات الموجد فبتلك الحقيقة الاَزَلِيّة ثبت له ذلك الحصول من جهة تلك الحقيقة الاَزليّة في الازل لانّه تعالي كلّ الاشياۤء يقولون هؤلاۤء و يبنون دينهم علي ذلك تبعاً لائمتهم ائمّة الضلالة و امّا نحن فنقول انه تعالي واحد احدي المعني ليس في شيء و ليس فيه شيء و لم‌يلد و لم‌يولد فليس فيه شيء بالقوّة يخرج الي الفعل كما قاله في الكلمات المكنونة و لا انّه اصل لخلقه و لاينتهي اليه الخلق و كل ما سواه فخلقه خلقهم بفعله لا من شيء و حبَسَهم في الامكان و اضطرّهم بالحاجة الي مدده فالحصول خلقه من الحاصل و حبسه في سجنه و هو الحاصل و الحاصل خلقه في رتبته و حبسه في مكانه و وقته و هو تعالي لم‌يفقدهم في رُتَبهم و اماكنهم و اوقاتهم و لم‌يجدهم في ازله تعالي فهم حاصلون له في مراتبهم من الامكان و الكون حاضرون لديه فيما اقامهم فيه من مراتب الحدث فهو سبحانه الواجد لهم بهم في الحدث علي حدّ قول اميرالمؤمنين عليه السلم كما في [ص 80] نهج البلاغة لاتحيط به الاوهام بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها ه‍ ، فعلمه تعالي القديم هو ذاته لم‌يقترن بمعلوم بل هو تعالي علم و لا معلوم ظهر بمشيّته و بما امكنَ بها و كوّنَ و هذا علمه بها و هو غير ذاته لانّه محدث و لم‌يخل منها و لم‌يفقدها بها و قد ذكرنا الاشارة الي ذلك و العبارة قد يتصعّب فهمها و لاسيّما في هذا المقام الذي هو مزلّة الاقدام من العلماۤء الاعلام و لكني اضرِبُ لك المثل الحقّ و هو الذي كتبه سبحانه في العالم و الانفس ليعقله العالمون و يهتدي به الطالبُونَ و هو انّك اذا قابلتَ المرءاة انطبعَتْ فيها صورتك و هي في المرءاة مثال المخلوق المعلوم بحصوله و حضوره و هذه الصورة المنطبعة هي ظل صورتك الّتي فيك و شبحُها ظهرَتْ عَنْها اي عن صورتك التي قامت بك بالصورة التي في المرءاة يعني انّك ظهرْتَ للصّورة الَّتي في المِرْءاةِ بواسطة صقالتها "٢-" و هيئتها "٢-" و مقابلتها "٢-" الَّتي هي "٢" المشخصات لَها عن الصُّورة الّتي قامت به فالحصول و الحضور الذي هو العلم هو حصول "٢ : مبتدا" ما في المرءاة بالمشخصات في المرءاة "٢ : خبر" فالظهور الذي انطبع من صورتك التي قامت بك في المرءاة منفصل عن صورتك التي قامت بك بمعني انه يعني الظهور الّذي هو ماۤدة ما في المرءاة هو الظلّ الواقع علي المرءاة المنطبع فيها فصورتك التي قامت بك كانت معك و هي كينونتك و لم‌تكن صورة المرءاة معك مثاله و للّه المثل الاعلي و انّما التمثيل لاجل التفهيم كان تعالي عالما [ص 81] و لا معلوم مثله كنتَ بصورتك الّتي هي انت و لك و معك و لا صورة في المرءاة فلمّا احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم مَثَلُه فلمّا حصلت المرءاة المقابلة بلا حجاب وقع ظهور صورتك علي الصورة التي في المرءاة فظهور صورتك الحادث عند المقابلة هو مادة الصورة في المرءاة و هيئة الزجاجة و صقالتها و مقابلتها و لونها من الكبر و الصغر و اعوجاجها و استقامتها و من قوّة الصقالة و ضعفها و من تمام المقابلة و بعضها و من بياضها و سوادِها و غير ذلك هي المشخصات و القيود التي تتم بها القابليّة و هي صورتها فتقومت الصورة في المرءاة و تعيّنَتْ بذلك الظّهور و بتلك المشخصات فتعلم صورتك في المرءاة بها و ليس شيء غير صورتك الّتي هي قديمة فيك و لا ظهور معها غيرها ثمّ حدث الظهور في المرءاة و ليس شيء ثالث متوسط اوْ ذو جهتين كما توهّم اولٰۤئِك و ليس بينهما ملازمةٌ و الّا لماانفكّت الثانية التي في المرءاة عن الاولي التي فيك فالحصول الذي هو علمك بالصورة التي في الْمِرءاة هو حصولها و هي هو و ليس هو الصورة الاولي و لا حُصولها لوجودها قبل الثانية و مخالفتها لها فانّ العلم يجب ان يكون مطابقاً للمعلوم و مقترِناً به و ليس بين الصورتين و لا بين حصوليهما اقتران و لا مشابهة لان المرءاة لو كانت طويلة كالسيف كانت الصورة المنطبعة فيها كهيئتِهٖ طويلة و الصورة التي في الشاخص مستقيمة و لو كانت المرءاة سوداۤء كانت صورتها سوداۤء و ان كانت الاولي بيضاۤء و الحاصل انها لاتطابق الاولي لانّ تشخّص الثانية و لونها و قدرها [ص 82] و وجودها علي حكم المشخّصات فلاتكون علماً بها و انّما العلم بهَا نفسها و هي غير الاولي فلاتكون الثانية نفس الاُولَي لٰا في الوَاقع و لا نَفْسِ الاَمْر و لٰا في الْاعتبار .

قال فللاشياۤء وجهانِ وجه الي الحق سبحانه و هي من هذا الوجه حاصلٌ له متحقّق عنده حاضر لَدَيْه في الازل حصولا جمعيّا وحدانيّا غير متكثّر و لٰا متغيّر باق و بالجملة علَي ما يُنَاسبُ ذاته عزّ و جل و صفاته و افعاله .

اقول قد بيّنّا فساد ما يُنْسب الي ذات اللّهِ تعالي بوجهٍ دون وجهٍ لانّ ما لَهُ وجهان فهو حادث و لايصح نسبته الي اللّه تعالي الّا علي قوله انّ كلّ شيء هو اللّه كما يقولونه اَنا اللّٰهُ بلا اَنا فانّ الحجر مثلا مركب من وجودٍ هُوَ اللّه و من ماهيّة موهومة هي الخلق فيقولون الحجر هو الله بلا حَجرٍ ، تعالي الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً و لكن هذا مذهب ائمته مميت‌الدين ابن عربي و الغَزّالي و ابن‌عطاۤءاللّه و ابويزيد البسطامي و امثالهم و امّا مذهب ائمتنا اَهْل بيت محمّد صلّي اللّه عليه و اله فهو ما سَمِعتَ منّا فانّ الحادث لايكون ازليّاً بحالٍ من الاحوال و امّا قوله جمعيّا فهو ما يقوله اهل التصوف من انّ جميع ما في الوجود الحادث و القديم هو اللّه تعالي من حيث ان الكلّ اذا لُوحظ بلحاظٍ واحدٍ فهو واحدٌ بسيط بخلاف لحاظ الفرق بان يلحظ كلّ واحد علي حدة فانه يكون المتكثر من حيث هو متكثر حادثا و هذا احد مناكرهم و وساوسهِمْ و هم بربهم يعدلون ، انّ الّذين يلحدون في اسماۤئه سيجزون ما كانوا يعملون فذرهم و ما يفترون .

[ص 83] قال و وجه آخر الينا و هي من هذا الوجه لم‌تحصل و لم‌تتحقّق و لم‌توجد الّا فيما لايزال وجوداً متفرّقاً متكثّراً متغيّرا نافداً و بالجملة علي ما يناسب ذواتنا .

هذا الوجه هو الامر الواقع و امّا الوَجْهُ الاوَّل فهو انْ كان حاصلاً قبلها فهذا الحصول ليس حصولاً لها لانّ الحصول صفة لها لايُوجد قبلها و انّما يوجد معها فوجودها اذا كان تدريجيّا فالحصول تدريجي كل ما وجد شيء حصل و ان كان دفعيّا حصل حصولها دفعة و معلوم بالضرورة انّها لم‌توجد دفعة نعم حصولها الامكاني دفعة و ان كان الامكان لها في نفسه مترتّبا فانّ من الاشياۤء مَا امكانه متوقّف علي امكان غيره كتوقّف امكان المعلول علي امكان علَّتِهٖ و لكنه يطلق عليه الدفعة للطافة شروطِهٖ و علي ايّ فرض كانَ فكلّ الامكان خارج عن الازل لانه لازم فعله و امّا لحاظ حصولها له تعالي دفعة و ان تعاقبت في انفسها فهو مدخول لان حصولها دفعة له في اماكنها و اوقاتها و لمّا لم‌يكن عنده تعالي ماضٍ و لا مستقبل كان وجدانها له دفعة الّا انها في الحدوث و انت و ان لم‌تلاحظ تكثرها و امتدادها فيما لايزال و لكن تقول في اوّلها بل في علةِ اوّلِها و هي فعله تعالي لم‌تكن حاصلاً له في الازل لانّ فعله ليس في الازل فهذا الحصول الذي يدّعيه هل هو حصولها له تعالي او حصوله تعالي لنفسه فان كان حصوله لنفسه فلا شك انه في الازل لان نفسه في الازل اي هي الازل و ان كان حصولها له فحصولها ذاته و ان كان حصولها ذاته كانت ذاته حصول الاشياء و ان كان غير ذاته كان معه [ص 84] في ازله غيره و عند ائمتنا عليهم السلام ليس معه غيره في الازل لان الازل ذاته و الّا اختلفت ذاته و عندهم لايضرّ استناداً الي الحكم الجمعي و الله سبحانه سيجزيهم وصفهم .

قال فالوجود واحد و الوجه اثنان و اليه اشير بقوله عز و جل ما عندكم ينفد و ما عند اللّه باقٍ و بقوله سبحانه كل شيء هالك الّا وجهه اي حقيقته التي منه عند ربّه .

اقول هذا الكلام كسَابقِهٖ يُسقي بماۤءٍ واحدٍ فانّ الوجود الّذي له وجهان لايكون ازليّاً و لايلاۤئم الازلي و امّا ما في الاية فمعني التأويل ان كل ما عندكم ينفد لا ان الوجه من الذي عندنا ينفد و الاعلي باق و هذا لايكون الّا في المركب و ما يجري عليه التركيب لايكون باقيا الّا علي تلك الدعوي انّ كلّ شيء هو اللّه تعالي باعتبارٍ و هذه لاتجري علي قواعد المسلمين و مثله قوله تعالي كل شيء هالك الّا وجهه اي وجه ذلك الشيء الهالك و هذا ثالثُ الوجوه في الٰاية و المعني في التصوّر حق و لكن الكلام في التصديق و معني تأويل الاية ليس علي ما يذهب بل معناه انّ المستثني هو ما في اللوح المحفوظ منّا فانّ اللّه سبحانه خلقنا منه كلّ شخصٍ من صورته الّتي في اللوح المحفوظ و الشخص يفني و تلك الصورة باقية الي ان يخلق منها كما خلق اوّل مرة و هو ما رواه ابن ابي‌جمهور الاحساۤئي في كتابه المجلي عن النبي صلي الله عليه و اله قال ظهرت الموجودات من باء بسم اللهِ الرحمن الرحيم و هو رمز اللوح المحفوظ كما هو معروف عند اهله و الدليل علي انّ الوجه المستثني في [ص 85] الاية من الهلاك اي الفناۤء هو ما في اللوح المحفوظ قوله تعالي حين قال الكافرون ائذا كنّا ترابا ذلك رجع بعيد قال تعالي قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كِتٰابٌ حَفيظ و الكتاب الحفيظ و المراد به اللوح المحفوظ هو العلم المذكور في الاية لانه باب ظاهر من العلم كما قال الصادق عليه السلام في رواية حنان بن سدير قال عليه السلام في صفة العرش و الكرسيّ الي ان قال ثم العرش منفرد عن الكرسي لانهما بابان من اكبر ابواب الغيوب و هما جميعاً غيبانِ و هما في الغيب مقرونان لان الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منه الاشياۤء كلها الي ان قال فهما في العلم بابانِ مقرونان لان ملك العرش سوي ملك الكرسي و علم اغيب من علم الكرسي الحديث و هو طويل و المراد بالكرسي اللوح و بالعرش القلم و هٰذا ممَّا لٰا رَيْبَ فيه و لانّ قوله تعالي و عندنا كتاب حفيظ بيان لقوله قد علمنا ما تنقصُ الارض منهم و قوله حقيقته التي منه عنْدَ ربّه ، هو ما قلنا عليه لان حقيقة الشيء الهالك لاتكون قديمة و انّما المراد ان تلك الحقيقة في اللوح المحفوظ باقية حتي يعاد منها فافهم .

قال و لما كان الله سبحانه محيطاً بنا و هو معنا اينما كنّا بل هو اقرب الينا منّا فهو يشاهد الاشياۤء بهذا الوجه الذي نشاهدها بعينه ايضاً بعين مشاهدتنا اياها فاذاً لايعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات و لا في الارْض و لا اصغر من ذلك و لا اكبر الّا في كتابٍ مبين .

اقول هو معَنا بذاته ام بعلمه الذي هو ظهورُهُ بِنا لَنَا فان قال هو [ص 86] معنا بذاته يجب ان يكون معيّة حقيقيّة نعرفها و ذلك مقتضٍ للمشابهة لمشاركته مَعنا في الحلول و الاجتماع و الافتراق و غير ذلك و ان كانت حقيقيّة لايعرفها الّا اهل العصمة صلي اللّه عليهم او لايعرفها الّا اللّه فليس له ان يصفها بان يقول فهو يُشاهد الاشياۤء بهذا الوجه الذي نشاهدها بعينه لانّ هذا وصف الادراك و لايجوز فيما لم‌يعرفه الّا اللّه و ان كانت معيّة نعرفها فلاتكون تلك المشاهدة و المعيّة ازليّة لان الازلي لايدركه الحادث و لايصفه بذاته الازلية و ان قال انه تعالي يشاهدُها بعين مشاهدتنا ايّاها فحسن و لكن هذه المشاهدة لاتكون ازليّة و عندهم تكون ازليّة و لذا يقول شاعرهم :

اذا رام عاشقها نظرةً و لم‌يستطعها فمِن لطفِها

اَعارَتْه طرفاً رءاهَا به فكان البصير بها طرفُهَا

فيجعلون نظرهم يدرك القديم لانهم ينظرون بعينه و ينظر هو الحادث بعينٍ منهم و يستشهدون بقول الشاعر :

رأت قمر السماۤء فذكّرتْنٖي لياليَ وصْلِنا بالرقمتينِ

كلانا ناظِرٌ قمراً و لكن رأيتُ بعينها و رأتْ بعيني

و لو ارادوا انّ له نظراً حادثاً يهبه مَن يشاۤء من عباده فيعرفه به معرفةَ استدلالٍ عليه لا معرفةً تكشِف عن كنهِهٖ لكان صحيحاً و لو ارادوا انّه تعالي يرانا بنا رؤيةً لاتكون ازليةً بحالٍ لكان صحيحاً و امّا احاطته تعالي بهٰا الاحاطة الّتي يتفرع عليها انه يشاهد الاشياۤء بعين مشاهدتنا اياها فهذا واقع و لكن هذه الاحاطة و هذه المشاهدة حادثتان لا قديمتان لانهما [ص 87] لم‌يوجدا قبل الاشياۤء و امّا ان لكلٍّ منها وجهين الوجه الاعلي له تعالي و هو ازلي و الوجه الاسفل لهٰا و هو حادث ، فباطل كما بيّنّا قبل انّ ما يجامع التركيب لايكون ازليا و لايجامع الازلي و امّا انه لايعزب عن علمه مثقال ذرة الي اخر الاية ، فصحيح و لكنّه تعالي قال الّا في كتابٍ مبين و هو العلم المذكور في الاية فافهم و ان كان قلبك فارِغاً من الشُّبَه السّابقة المستقرّة فلا شكّ انّك تفهم .

قال فمناط علمه سبحانه بالاشياۤء ليس الّا ذواتها الموجودة في الاعيان لا صور اخري غيرها قاۤئمة بذواتها او بذاته عز و جل او بالجواهر العقلية او صور ثابتةٌ غير موجودة و لا معدومة او غير ذلك كما ظنَّ كُلّاً منها طاۤئفة .

اقول هذا الكلام وحده مع قطع النظر عن تفريعه علي ما مضي او تقديمه و تمهيده لما يأتي حقّ الّا انه مجمل يحتاج الي تفصيل و من التزامي بعدم الاستقصاۤء في شرح كلامه اشير اليه مختصرا و هو ان وّجوداتها علمه بها في اماكنها و اوقاتها و لها صورٌ قاۤئمة بالجواهر النفسيّة هي علمه تعالي بنفس هذه الصور و هذه الصور قسمان صورٌ اصلية هي وجوه الموجودة في الاعيان كما في اللوح المحفوظ و صور منتزعة من الموجودة في الاعيان و هي ما في الالواح الجزئيّة المتأخرة و كل واحد منهما علم له تعالي بنفس تلك الصورة يعني كلّ صورة علم له تعالي بها من حيث هي ذات الموجود في الاعيان او صفته و لها معانٍ اصليّة كذلك في القلم اي عقل الكلّ و معانٍ انتزاعية في العقول الجزئيّة كذلك اي كما قلنا في الصور و لها امكانات ثابتة كليّة غير متناهية [ص 88] التنوع تلبس من صور الاكوان ما شاۤء اللّه تعالي و هذه الامكانات شاۤء الله اِمكانها و لم‌يشأ كونها فهي في الخزانة الكبري الذي هو العمق الاكبر و ربّما يطلق عليها العدم باعتبار عدم كونها و الوجود باعتبار امكانها قال تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لم‌يكن شيئا مذكورا ، فعن الصادق عليه السلام في تفسير هذه الاية انه قال كان مذكورا في العلم و لم‌يكن مذكورا في الخلق ه‍ ، و مراده عليه السلم بالعلم الامكاني الذي ذكرناه سابقا و عن الباقر عليه السلام كان شيئا و لم‌يكن مكوّنا و في خبر اخر كان شيئا مقدّرا و لم‌يكن مكوّنا و في الكافي عن مالك الجهني قال سألتُ اباعبدالله عليه السلام عن قول الله عز و جل اولم‌ير الانسان انا خلقناه من قبل و لم‌يك شيئا قال فقال لا مقدّرا و لا مكوّناً قال و سألته عن قول اللّه هل اتي علي الانسان الاية ، قال مقدّراً غير مذكور ه‍ ، فقد ذكرنا العلمين السابقين الاول الامكاني و فيه امكانه فيصحّ و لم‌يك شيئا يعني مكوّنا و في الثاني الكون و قد تقدّم الكلام فيهما و امّا في ذاته فلا ذكرَ لها بحالٍ فهو الذاكر و لا مذكور نعم يذكرها بما هي عليه فيما هي فيه و هذا هو ذكره بها لم‌يكن قبلها فهو حادث بحدوثها لانّه هو هي .

قال و كما انه عز و جل لايحتاج في ايجاد الاشياۤء الي اصلٍ و مثال يوجدها منهما علي طبقهما بل هو المبدع ايّاها لا من شيء كذلك لايحتاج في علمه بها الي صورٍ اخري غيرها يعلمها بها .

[ص 89] اقول الحكمان صحيحان و هما انه لايحتاج في الايجاد الي مثال و انه لايحتاج في علمه بها الي غيرها و التنظير ليس بشيء لانه يريد ان يجعل احدهما منشأً للثاني مع انّهما متغايران كل اجنبيّ من الاخر .

قال و نحن نحتاج في ادراكنا لبعض الاشياۤء الي حصول صورٍ لها في ذواتنا لغيبتها عنّا و انفصالها منّا و مع ذلك فلانعلم تلك الاشياۤء الّا بالعرض و ليس معلومنا بالذات الّا الصور التي في ذواتنا .

اقول هذا الكلام غير منقّح و قد ذكرنا سابقا ما يكشف عن حقيقة الواقع منه و نشير الي بعض الذكر و هو انّا اذا حضر الشخص علمناه به بحضوره و حصوله من غير صورة عندنا منه فاذا غاب انطبعت صورته و مثاله في خيالِنا فمعلومنا هو المثال الذي في خيالنا خاصّة الذي انتزعه خيالنا من حاله حين حضوره و يبقي المثال مرتسِماً في اذهانِنا متقوِّم الوجود و البقاۤء بما ارتسم من تلك الحال الخاصة حالة الحضور في ورقة من اللوح المحفوظ و ذلك الشخص لمّا غاب انمحت حالته الزمانية الخاۤصة و بقيت الدهريّة الخاۤصّة فعندنا مثاله في حاله حين الحضور عندنا في ذلك المكان و ذلك الوقت بعد ارتفاعهما الي الدهر و هذا المثال في المكان و الوقت الدهريّين او البرزخيّين هو علمنا بتلك الحالة الخاصة من ذلك الشخص و ربما مات ذلك الشخص او قام او نام و لانعلم شيئا من ذلك الشخص و لا شيئا من احواله و امثلته المتجدّدة بعد ما غاب عنّا فلسنا نعلمه في غيبته حقيقة لا بالذات و لا بالعرض و لو كنا نعلمه حين غيبته لكان اذا قتل انتقش في اذهاننا الحال المتجدّدة له [ص 90] فافهم فاني لايسعني البسط الكثير في كل شيء و الترديد و التكرار اكثر من هذا لاجل ضيق وقتي و تشوش خاطري .

قال و امّا الله سبحانه فلايغيب عنه شيء لانه فاعل لكل شيء قاهر فوق كل شيء رقيب علي كل شيء .

اقول المعني صحيح و التعبير غير صريح لان العبارة البالغة في هذا ان يقال فلايغيب عنه لان كل شيء انما قام بامره و علة وجوده صدوره من فعله فهو ابدا قاۤئم بفعله تعالي و هو بحضوره عنده قيام صدور فلو غاب خرج عن الوجود و الامكان و اما قوله رقيب علي كل شيء ، فهو يؤدّي هذا المعني الّا انّ التعليل بانه قاۤئم بفعله قيام صدور اوضح و اخصّ بهذا المعني و اعمّ لكل معني .

قال و فعله علمه و علمه فعله يفعله معلوما و يعلمه مفعولا و علمه بصره و بصره علمه .

اقول فعله علمه الحادث الذي ماحصل الّا في الامكان فلايكون ذاته علي مذهبِ ائمتِنا عليه السلام (كذا) و كذلك علمه الذي هو فِعْلُه قوله يفعله معلوماً عندنا معناه يفعله معلوما حال كونه حادثا مغايراً لذاته و يعلمه مفعولا حال كونه حادثا مغايراً لذاته و علي مذهب ائمته فعله علمه الذي هو ذاته و علمه الذي هو ذاته فعله و فعله في العبارتين ذاته يفعله حال كونه قديما غير مغايرٍ لذاته و يعلمه مفعولا حال كونه عين ذاته و اما قوله و علمه بصره و بصره علمه ، فهو حق لان العلم في حق الذات الحق عين البصر و غيره من الصفات الذاتيّة و بالعكس .

[ص 91] قال و لو كان علمه بالاشياۤء بالصور لماكان وجوداتها العينيّة معلومةً له الّا بالعرض مع انه فاعل لها بوجوداتها العينيّة .

اقول قد تقدّم تحقيق هذه المسئلة و انّ قوله فلانعلم تلك الاشياۤء الّا بالعرض ، ليس علي ما ينبغي .

قال و العلم بالفاعل يستلزم العلم بمفعوله علي النحو الذي هو مفعول لا علي نحوٍ اخر .

اقول العلم بالفاعل من حيث كونه فاعلاً بفعله لمفعوله بالفعل يستلزم العلم بمفعوله لا مطلقا لجواز ان يكون العلم بالفاعل من حيث كونه فاعلا مطلقا و لجواز ان يكون من حيث كونه من شأنه ذلك و ما بالقوّة في مطلق فاعل لايستلزم خصوص فعل بالفعل او فعل علي وجهٍ خاص .

قال ان قيل اليس مدار العلم عند اهل العلم علي التجريد عن المادة فكيف يصير الاشخاص الجسمانية معلومة بانفسها لا بصورها المنتزعة عن مواۤدّها قلنا ذلك انّما يكون في الاشياۤء التي لم‌يتحقّق للعالم بالاضافة اليها علاقة ايجاديّة و تسلّط فاعليّ قهريّ و اشراق نوري من غير احتجاب كما اشار اليه بعضهم بقوله ان الشيء الماديّ و الزماني بالنسبة الي المبادي غير ماديّ و لا زماني يعني به ارتفاع اثر الماۤدة و الزمان عنه و هو الخفاۤء و الغيبة .

اقول قد اشرنا سابقا انّ العلم ليس مداره علي ذلك و انما العلم داۤئر مدار ما يوجب الاطلاع علي المعلوم من جهة معلوميته فيعلم العالم الشيء بنفس ذلك الشيء من غير اعتبار شيء اخر فانّ زيداً اذا حضر علمنا به من غير صورةٍ عندنا في خيالنا بل بصورته التي هي [ص 92] مقوّمة لمادته الجسمانية كما نعلمه بصورته الانتزاعيّة اذا غاب عنا بل علمنا به في حضوره اقوي من علمنا به في غيبته بصورته لانّ ما في خيالنا من صورته اذا غاب عنا انما هو شبح صورته و مثالها و المثال و الشبَح ظلّ و ذو الظل اقوي من الظلّ و لاسيّما علي قوله ان العلم بالصورة علم بالعرض و هو معلوم غير خفي علي مَن له ادني مسكةٍ بالعلم اذا لم‌تسبق الشبهة الي عقله فتغيّر خلق اللّهِ التي فطر اللّه الخلق عليها و لايحتاج في علمه بنفسه عند حصوله و حضوره الي كون العالم محدثاً له و الوجدان شاهدٌ به و مَا ذكره هو و ما استشهدَ به من قول بعضهم لا مدخل له في تحقّق العلم بالماديّ نعم هو علم اوّل بالعلّةِ و حضور المعلوم عِلمٌ به نفسِهٖ .

قال فصل - فقد ثبت و تبيّن ان اللّه سبحانه عالم بالموجودات كلها في الازل علي ما هي عليه فيما لايزال علماً ثابتاً لايتغيّر بتغيّر المعلوم و لايتفاوت بحدوث وجودات الاشياۤء فيما لايزال بعد فقدانها في الازل علي ما هي عليه عندنا .

اقول هو عز و جل في ذاته الذي هو الازل عالم لم‌يحتمل زيادة علم بما يحدث فيما لايزال مع ان وقوع العلم علي ما يحدث انما يكون بعد حدوثه لان ما يحتمل الزيادة يحتمل النقصان و لانعني بعلمه في الازل [ص 93] شيئا زاۤئداً علي ذاته و لايتجدّد له شيء في ذاته فهو عالم في الازل و لا معلوم له في الازل غيره و امّا ما سواه فهو معلوم له في الحدث بمعني انّ ذاته عالم في الازل بها في الحدث لانّ قولنا بها جهة الارتباط و الاقتران و وقوع العلم علي المعلوم و كل ذلك في الخلق فقولُه علي مَا هي عليه فيما لَايَزال ، يريد به انها بما هي عليه فيما لايزال في الازل عنده علي نحوٍ لايلزم منه التّكثر كما تقدم في علمه بحيث لايتغيّر ذلك العلم الازلي بتغيّرها في مراتبها من الحدوث و هذا هو معني ما يقولون ان بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء فانهم يريدون انّ الاشياۤء في الازل بنحو اشرف بمعني حصولها في ذاته حصولا جمعيّا وحدانيا لا تكثّر فيه و قد سمعت نقضه فيما تقدّم مرارا لانّ الذات المقدّسة ذاكرة و لا مذكور سواها لها في الازل لانّا نقول ان قلتم انه تعالي ذاكر و لا مذكور سواه هناك بطل قولكم هو في ذاته كلّ الاشياۤء و انّها في علمه و ان علمه محيط بها في الازل لانه تعالي هل هو في ذاتِه ذاكر لشيء سواه هنالك ام لا فان كان ذاكراً سواه في الازل فقد تكثّر و ان لم‌يذكر سواه فهل تذكرون انتم فيه ما لايذكره في ذاته لانّي اريد انّه يعلم انّ معه غيره في ذاته يكون لذلك الغير اعتبارٌ ما يتميّز به عنه تعالي بوجهٍ ما من نسبة او ارتباط او تعلّق غير ما هو ذاته تعالي فان اثبتّم انه يعلم بذلك في ذاته فقد كثّرتموه و جزّأتموه و ان لم‌يعلم فليس لكم ان تثبتوا له ما لايعلمه و نحن نقول هو عالم في الازل بذاته و لا معلوم سواه ثَمّ و يعلم في الازل بالاشياۤء في الحدث فليس بسيط الحقيقة كل الاشياۤء بل بسيط [ص 94] الحقيقة لا شيء غيره و معطي الشيء ليس فاقداً له في ملكه و هو فاقدٌ له في ذاته لانه لم‌يلد و لم‌يولد و لو اعطاك ممّا في ذاته بكلّ اعتبار و علي اي فرضٍ لزم انه خرج منه ما كان فيه و كانت له حالتان و صدق عليه انّه يلد ، تعالي اللّه عن ذلك علوّا كبيراً و قوله بعد فقدانها في الاَزَل علي ما هي عليه عندنا يعني انه تعالي عالم بحدوث وجوداتها بعد ما كانت مفقودة لانه يفقدها علي ما هي عليه عندنا و يجدها علي ما هي عليه عندنا كما يأتي في كلامِهٖ بعد هذا و يريد انّه يعلمها علي ما يناسب علمه علي ما هي عليه عندنا يعني بوجوهها العليا و لايعلمها هناكَ كما نعلمها نحن يعني بوجوهها السّفلي كما ذكر قبل و يلزمه انّه في الازل لايعلم علمنا بها علي ما يناسب علمنا لانه يفقد هذا فاقول لايّ شيء لايعلم علمنا بها ان كان لانه نمط الحادث فاي فرقٍ بين علمنا بها و بينها علي ما هي عليه عندنا فان كان يعلمها عَلَي ما هي عليه عندنا يعلم علمنا بها علي ما هي عليه عِنْدَنا فان كان بوجهٍ فبوجهٍ و ان كان مطلقا فمطلقاً و ان كان لايعلم علمنا بها علي ما هي عليه عندنا لايعلمها علي ما هي عليه عندنا و الّا لزم ان يعلم بعضاً من المُتسَاوِي دون بعض او يعلم بعض الاشياۤء دون بعض اذا فرض الاختلاف و علي ايّ فرض لايصحّ الفقدان او لايصحّ الوجدان .

قال و ذلك لانّه لاينافي فقدانُها في الازل علي ما هي عليه عندنا علمه عز و جلّ بها في الازل علي ما هي عليه عندَنا لانّه انما يعلمها في الازل بوجوهها التي عنده و بجميع احوالها الثابتة لها في نفس الامر و من جملة [ص 95] احوالها الثابتة في نفس الامر انّها بوجوهها الّتي عند انفُسِها فيما لايزال دون انْ تكون في الازل .

اَقُول يريد انّه يفقدها في الاَزل علي ما هي عليه عندنا بمعنَي اَنّ وجوهها السفلي و ان كان محيطاً بها فيما لايزال لكنها ليست عنده في الازل كما هي عندنا متمايزة متخالفة و لاينافي هذا علمه بها في الازل علي ما هي عليه عندنا بلحاظ الوحدة فهي بلحاظ الوحدة في الازل و بلحاظ الكثرة لٰاتكونُ في الازلِ بل يفقدُها فيه فباللحاظ الاوّل سواۤء كانت في الازل بوجوهها و حقاۤئقها المتأصلة ام فيما لايزال هي موجودة في الازل لله تعالي وجودا جمعيّا وحدانيّا و باللّحاظ الثاني لم‌تكن في الازل و قد بيّنّا بطلان هذه فيما تقدّم كلها لانه اذا قال بوجوهها فقد اثْبتَ في اللّٰهِ تعالي غيره لان تلك الوجوه وجوه الحادثات و في هذا كفاية في منعِ كَوْنِهٰا في الاَزلِ فاذا كانت الوجوه لها و يجوز عنده ان تكون وجوداتها في الازل بحكم الجَمعيّ الوحداني فينبغي اَلّايفقد شيئا من الازل سواۤء كان كما هي عندنا ام كما هي عنده كما صرّح به في قوله الٰاتي بمعني ان وجوداتها اللّايزاليّة الحادثة ثابتة لله سبحانه في الازل و بعد اَن اثبت لها وجهين وجه الي الله تعالي في الازل و هو المجامع للازل من غير تغاير و وجه الينا و هي من هذا الوجه لم‌تحصل و لم‌تتحقّق و لم‌توجد الّا فيما لايزال وجوداً متفرّقا متكثّرا متغيّراً نافداً ثم استشهد بقوله تعالي ما عندكم ينفد و ما عند اللّه باقٍ ، قال فيما بعد ما نحن بصدده من كلامه بنفي كونها موجودة في الازل لانفسها باَلّايكون الازل ظرفاً [ص 96] لوجوداتها ثم استثني انها موجودة في الازل لله تعالي في الازل وجوداً جمعيا وحدانيا غير متغيّر بمعني ان وجوداتها اللّايَزاليّة الحادثة ثابتة للّه سبحانه في الازل و ملخّص كلامه الٰاتي انّها اذا كانت متمايزة لم‌تكن في الازل و لم‌تدخل في علمه لانه قال يفقدها في الازل و ان كانت ذاۤئبة كانت هي ذاته بحكم الجمع و ستسمع التنافي و الاختلاف في كلامه المبني علي وحدة الوجود .