قال اصل - اعلم ان العالمية و المعلوميّة هما عين الفاعلية و المفعوليّة او لازمتان لهما لانّ العلم عبارة عن حصول المعلوم للعالم و ليست الفاعلية ايضا الّا حصول المفعول للفاعل او تحصيل الفاعل للمفعول فانّك اذا تصوّرتَ صورة في نفسك فعينُ تصوّرك ايّاها عين حصولها لك و عين علمك بها و تصوُّرك ايّاها ليس الّا انشاۤؤك لها في ذاتِك و ابداۤؤك ايّاها مع انّك لستَ مستقلّا في هذا الانشاۤء و الابداۤء بل انت محلّ لها و انّما يفيض عليك ممّا فوقك حين حصول شراۤئطها فيك و استعدادك لها فلو كان الانشاۤء منك بالاستقلال لكان اولي بان يكون علماً لكَ بها فذاتُك من حيثُ هي مع قطع النظر عن تصوّرك لتلك الصورة متقدّمة علي التصوّر و الصورة و من حيث تصوّرها لاتنفكّ عنها .

اقول العالمية صفة العالم و هي حالة نسبة العلم الَيْهِ و المَعْلُوميّة صفة المعلوم و هي حالة نسبة معلوم اليه و هذه الصفة حالة العالم في كونه عالماً بالمعلوم و المعلوميّة حالة المعلوم في كونه معلوماً للعالم به و قوله هما عين الفاعليّة و المفعولية انّما يصحّ في العلم الفعلي اي علِم بكذا بمعني ادْركهُ اَوْ ادرك صورته كما مرّ و العلم الحصولي ليس فعلِيّاً و لا الحُضوري وَ لَا لَازِماً لَهُ و اُرِيدُ بالعلمِ الحُصولي او الحضوري هو علمه الحادث المقارن للمعلوم اَو الّذٖي هو نفْسُ ٱلمَعْلُوم علي ٱلاحْتِمَالَيْن و هذا العلم ٱلحصولي اَوِ الحُضوري اضافيٌّ مُسْتَلْزِمٌ لوجود المعلوم فاذا وجد المعلوم وجد العلم للعالم به و [ص 34] هو حصولُه لَهُ او حضوره عنده ما دام حاضراً عنده في مكانه و وقته فاذا فقد المعلوم فُقِدَ العلم لان الحضور او الحصول لايتحقّق بدون حاضر او حاصلٍ فلايكون للعالم بدون المعلوم لانّ العلم هو الحضور او الحصول و هذا العلم حاصل للعالم في رتبة المعلوم علي الاصح سواۤء قلنا انه عين المعلوم ام غيره و اما العلم الذّاتي الذي هو الله سبحانه فليس بحضوري و لا حصولي و لا اضافي فلايستلزم وجوده وجود المعلوم لانه غير متعلق به و لا مطابقٍ له و ليس معه في مشهدٍ فليس بينهما نسبةٌ كما ذكرنا سابقاً و نذكر بعد و قوله لان العِلم عبارة عن حصول المعلوم للعالم ، صحيح كما قلنا لكن في العلم النسبي الحصولي او الحضوري لَا الذّاتي فانْ اَرادَ خصوص الذاتي او مطلق العلم الصادق علي الذاتي و غيره فقد اخطأ الحق و بعد عن الصواب قوله و ليست الفاعلية ايضا الّا حصول المفعول للفاعل او تحصيل الفاعل المفعول ، هذا ليس بصحيح لان الفاعليّة هي نسبة احداث المفعول او التّأثير فيه الي الفاعل اي الي الذّات الفاعلة بفعلِها للمفعول او المؤثّرة فيه لا حصول المفعول للفاعل و اذا لحظنا العلم الفعلي يعني يعلم كذا جاز اَن تقولَ هنا انّ العالميّة فاعليّة كما ذكرنا لكن لايجوز انّ العلم هنا هو التّأثير الملحوظ مِنْ مَعني العالِمِيّة الّتي هيَ فاعليّة بل العلم حينئذٍ حصول المفعول او حُضوره عند الفاعل من حيث وجوده او حصوله لا مِنْ حيث انّه مؤثر فيه فلاتكون العالميّة هي الفَاعليّة بحَالٍ فقوله ان العالمية عين الفاعلية لان العلم حصول المعلوم للعالم و الفاعلية حصول المفعول للفاعل ، ليس [ص 35] بصحيح من وجهين : الاول اعظمهما و هو جعل هذا بياناً لكيفيّة العلم القديم كما قال و ذلك العلم لا كيف له و لايعرف بهذه الكلمات التي هي صفات الحادث لو صحت الثاني يلزم ان يكون العلم هو حصول المعلوم للفاعل مِن حيث هو فاعل او حصول المفعول للعالم من حيث هو مفعول و كل ذلك باطل و قوله فانّك اذا تصوّرتَ صورةً في نفسك فعين تصوُّرِكَ اِيّاهَا عين حصولها لك و عين علمك بها ، و هذا ليس بصحيح لانّ التصوّر معني فعليّ اِنشاۤئي ليس هو عين حصول الصورة لانّ التصوّر فعل المتصوّر و الحصول من الصورة بعد تمام التصوّر و استقلال الصورة و قوله و عين علمك بها يعني تصوّرك عينُ علمِكَ بها و هذا اذا جعل العلم نفس التّصور و تحصيل الصورة يكون العلم غير نفس الصورة الحاصلة الذي هو من مقولة الكيف و غير حصول الصورة الذي هو من مقولة الاضافة و غير قبول ذي الصورة للصورة الذي هو من مقولة الانفعال فهذا هو الفعلي الذي يحدث عنه المعلوم كما ذكرناه سابقاً و هو غير الحصول و غير نفس الصورة الحاصلة و لا بأس لان هذا نوع من العلم الّا انّه لايكون هذا العلم الّا مع المعلوم و هو غيره لانه الفعل و المعلوم هنا مفعول و الفعل غير المفعول فاذا كان لايوجد الّا مع المفعول لانه فعل و الفعل لايوجد قبل المفعول فكيف يجعله اصلاً و صفةً يكشف عن حقيقة القديم و قوله و تصوّرك ايّاها ليس الّا اِنشاۤؤك لها في ذاتك و ابداۤؤك ايّاها ، فيه انّ قوله في ذاتِك ليس بمتّجه لانّ التصوّر يقع في محلّه منك و المحلّ المعدّ [ص 36] للصورة هو الخيال و النفس و انت قبل التصور ليس عندك شيء و بعد التصور حصل عندك الصورة في الخيال او النفس فقد كان لكَ حالتانِ و اذا جعل هذا بياناً لعلمِ القديم لزم ان يكون القديم فاقداً في ذاته قبل الخلق واجداً في ذاته بعد الخلق تعالي الله عن ذلك علوّاً كبيرا و ليس لك ان تقول انّما عني علم الحادثين و المخلوقين فانه ليس بصدد ذٰلِك و قوله و ابداۤؤك ايّاها ، يشير الي انّها كانت كامنة فيك كما تقدم فيما نقلنا عنه من كتابه الكلمات المكنونة و هذا كما تري ما فيه من الفساد فان قلتَ انّما ذكر علم المخلوقين قلتُ ليس هو يبحث عن علم الخلق بل يبحث عن خصوص علم الحق تعالي او عن مطلق العلم الذي يصدق علي علمه و لو اراد علم الحق كان قوله و ابداؤها غير صحيح لانّ الصورة التي في نفسك لم‌تكن كامنةً عندك ثم اظهرتها و انّما هي ظلّ منتزع من مخلوق في الخارج و قوله مع انك لستَ مستقِلّاً في الانشاۤء و الابداء ، هذا صحيح في نفسه و ان كان بخلاف ما قرّره استاده الملا صدرا في انّ النفس لها قدرة علي ابداع الصور و انشاۤئها و قوله بل انت محلّ لها و انّما يفيض عليك مما فوقك حين حصول شراۤئطها فيك و استعدادك لها ، هذا صحيح و كل هذا حقّ في نفسه لا مع ما يرتّب عليه من مطلبه و قوله فلو كان الانشاۤء منك بالاستقلال لكان اولي بان يكون علماً لك بها ، هذا علي جعل العلم فعليّا كما ذكرنا قبل هذا الّا انه غير الحصول او الحضور قوله فذاتك [ص 37] من حيث هي مع قطع النظر عن تصوّرك لتلك الصورة متقدّمة علي التصوّر و الصورة و من حيث تصوّرها تلك الصُّورة لاتنفَكُّ عنها ، امّا تقدم الذات علي التصوّر و الصورة الحادثة بذلك التصور فهو حق لا اشكال فيه و امّا انّ الذات من حيث التصور لاتنفك عن تلك الصورة ، فغلطٌ من جهات متعدّدة : منها انها تكون الذات مقترنةً و ملزومة لغيرها و هذا ان صح في بعض احوال الخلق لايصح علي الخالق تعالي في حال لان الاقتران و التلازم صفات المخلوقين علي ايّ حالٍ فرضتَ و منها انّ ثبوت هذا العلم و مصاحبته للذات بحيث لاتخلو منه انّما هو من حيثيّة خاۤصّة و كل من يجري عليه جهة و جهة او حيث و حيث فهو محدث و متعدّد الجهات و الحيثيّات و هذا ظاهرٌ و منها انّ التصوّر معني فعليّ و المعني الفعلي حادث لانّه لايتحقّق الّا مع المتصوّر و هو الصورة فهو جهة الفعل و هو و ما صدر عنه لاينتهي الّا الي حركة الفاعل و الفعل و جميع ما يصدر عنه و ينتهي اليه محدث فان قولك زيدٌ قاۤئم لو كان القيام مستنداً الي ذات زيدٍ بدون واسطة الفعل لكان ذاتيا فيلزمك انّ زيداً ابداً قاۤئم لانّ قائما علي هذا ثبت لذات زيد بغير واسطة فهو ذاتي له لكنه لم‌يثبت القيام له الّا بواسطة الفعل و الفعل حادث احدثه زيدٌ بنفسه اي بنفس الفعل و كلّما يصدر عن الحادث فهو حادث و لايكون اسبق منه و لايساويه في رتبته بل متأخر عنه فافهم ان كنتَ تفهم و هذه الاشياۤء و القواعد التي يدّعي انها اصول حكمية يريد اَنْ يعرف بها القديم فهي كما قلتُ فيها سابقا و قد قال الصادق [ص 38] عليه السلام في الدعاۤء بعد ركعتي الوتيرة بعد العشاۤء علي ما رواه الشيخ (ره) في المصباح قال عليه السلم بدَتْ قدرتُك يا الهي و لم‌تبدُ هيئةٌ يا سيّدي فشبّهوك و اتّخذوا بعض آياتك ارباباً يا الهي فمن ثَمَّ لم‌يعرفوك .

قال اصل - قد ثبت انّ الله سبحانه قديم بذاتِهٖ متفرّداً بالازليّة كان الله و لم‌يكن معه شيء .

اقول هذا حقّ و كلّه محكم نعم هنا شيء يحتاج الي التنبيه عليه و هو انّ الازليّة ذاته بلا مغايرة فلاتتوهم ان الازل شيء او (ظ) وقت حلّ فيه ، تعالي الله عن ذلك بل الازل ذاته بلا مغايرة لا في الواقع و لا في الفرض و لا في الاعتبار و لا في حيثيّة اذ كلّ ما سواه احدثه بفعله ، فافهم ان كنتَ تفهم .

قال ثم اوجدَ الاشياۤء جميعاً بذاته بحيث لايخرج منها شيء عن ابداعه و تكوّنه .

اقول قوله بذاته غلطٌ و انّما اوجدَها بفعله و هو ابداعُه و مشيّته و ارادته قال الرضا عليه السلام لعمران الصابئ و المشيّة و الارادة و الابداع اسماۤؤها ثلاثة و معناها واحد ، و المراد انّ كلّا منها فعل و كل واحدٍ يطلق علي الاخر مع عدم اجتماعها فاذا اجتمعت اختلفت فاذا قال شاۤء و اراد كانت المشية فعل اللّهِ للاكوان و هو مثل خلق و الارادة فعل الله للاعيان و هو مثل برأ و قال الرضا عليه السلام ليونس تعلم ما المشيّة قال لا قال هي الذكر الاول تعلم ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاۤء الحديث ، [ص 39] و امّا قوله و تكوّنه فلايصح فالواجب ان يقال و تكوينه لانّه هو صفة فعل الفاعل و امّا التكوّن فهو صفة فعل القابل اي المفعول .

قال و ان كان بعضها عقيب بعض بترتب سببيّ و مسبّبي .

اقول هذا حقّ لان اللّه سبحانه تكلّم بكلمة و هي فعله الواحد البسيط فانزجر لها العمق الاكبر فكان بها الامكان الراجح الوجود و هو محلّ تلك الكلمة التي هي فعل الله و مشيته و ارادته و ابداعه و اختراعه و هذا هو الوجود المطلق خلقه اللّه بنفسه اي بنفس هذا الوجود فملئَت الامكان الذي لايتناهي فهي علي قدره لايزيد احدهما علي الاخر لاتزيد المشية فتتعلق المشيّة بما ليس من الامكان و ما فيه و لايزيد الامكان فيكون شيء منه او مما فيه لاتتعلق به المشيّة و المكوّنات هي الوجود المقيد الذي اوّله العقل الكلي و اخره ما تحت الثري و قولي اوّله العقل اريد به اوّل المزدوجات سواۤء كانت من التركيبات المعنويّة النورانية كالعقل و الروح و النفس و الطبيعة الكلية المسماة بالملاۤئكة العالين الذين (ظ) لم‌يؤمروا بالسّجود لٰادمَ بل انّما سجد الملاۤئكة لادم لكون صلبه مظهراً لمواقعها كما قال تعالي فلااقسم بمواقع النجوم و انّه لقسم لو تعلمون عظيم و العقل اوّلها اي اوّل الوجودات المقيدة و قبل العقل صدر عن المشية الوجود المخترع لا من شيء و هو الماۤء الذي به حيوة كلّ شيء فساقه تعالي بكلمته اي بمشيته و هي السحاب المتراكم الي الارض الميتة و هيَ ارض القابليات فانبت به [ص 40] شجرة الخلد و اول غصن نبت فيها القلم و هو العقل الكلّي فقال اللّه له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر فدفعته الكلمة التاۤمّة التي هي فعل اللّه نازلاً فكل شيء تمّت له شراۤئط القبول من الوقت و المكان و الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوضع و الاذن و الاجل و الكتاب اَعْطَاه ما جعله اللّه له من حصّة الوجود فقام يسبّح الله و يعلن بحمده و الثناۤء عليه فمن تمت شراۤئطه اوجده باذن اللّه و من لم‌تتم شراۤئطه بقي منتظراً و هذا هو العلة في تقدّم بعض الاشياۤء و تأخر بعضها و هو قوله بترتب سببي و مسببي .

قال علي نحو لايقدح كثراتها و تركّباتها الفاصلة بعد الذات الاحديّة في وحدة الحقّة و بساطة الحقيقيّة .

اقول هذا كلام ليس بصحيح لانها ان كانت معه او في ذاته او كامنة فيه كما توهّم لايفيده قوله علي نحوٍ لايقدح الخ ، و قول الصوفية الّذي اخذ هذه العبارة منه باطل فانهم يقولون بالجمع و الفرق و بالحق و الخلق و بالكثرة و الوحدة و هذا كلام باطل يلزم منه انّه تعالي من جهة هو خلقه و من جهة هو غيرهم و من جهة هو حق و من جهة هو خلق و من جهة هو واحد و من جهة هو كثير و ربّنا ليس هكذا و لانعبد ربّا هكذا حاله فانه مختلف الذات باختلاف الاعتبارات و الحيثيّات و ربّنا عز و جل لايختلف في حال و لايتغير بتغيّر الحالات و اختلاف الحيثيات و الاعتبارات فهذا الكلام كلام مَن هم كالانعام بل هم اضل و هو موضوع تحت الاقدام .

[ص 41] قال و انه سبحانه يعلم ذاته بذاته في مرتبة ذاته لحصول ذاته بذاته لذاته في مرتبة ذاته .

اقول هذا كلام صحيح لا شك فيه و هو المعبّر عنه بوجوب الوجود .

قال و ثبت ان العلم التام بالفاعل بما هو فاعل لاينفك عن العلم بالمفعول الايعلم من خَلق .

اقول ان اراد بالعلم التام العلم الفعلي الذي هو فعل الفاعل للمفعول او هو المفعول فلا شك عندنا ان ذلك علم بالمفعول و المفعول نفسه علمٌ للفاعل بالمفعول و ان المفعول ابداً قاۤئم بذلك الفعل الذي هو علمٌ اوّل بالمفعول للفاعل و المفعول علم ثاني و اليه الاشارة بقول عليّ عليه السلام لاتحيط به الاوهام بل تجلَّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمَها ه‍ ، و لاينفك عنه لانه قاۤئم به قيام صدور و ان اراد به العلم القديم الذاتي فهو باطل لان الازلي لايوصف بعدم الانفكاك عن شيء و لا بعدم انفكاك شيء عنه لذاته اذ لايجوز عليه الاقتران لانه صفة الحدوث و هو ممتنع من الازل الممتنع من الحدث و الفرض الاوّل و ان كان صحيحا لايصحّ وصف الذاتي به و لا بشيء من صفاته و احواله و استدلالُه بقوله تعالي الايعلم من خلق لايدلّ علي اَنّ هذا العلم هو الذاتي فانّ الذاتي علم و لا معلوم لاني اقول راجع ما ذكرنا اوّلاً لتعرف انّ الذاتي لايرتبط بالحوادث و انّ المحال الوجود لايكون معلوماً كما قال تعالي أتنبِّئونه بما لايعلم في السموات و لا في الارض ، و وجود الحادث في الازل و وجود الازل في الحدوث محال و الحادث اذا وجد كان معلوما بما هو [ص 42] موجود لا بما هو لا شيء نعم الحادث معلوم في الامكان بما هو ممكن و في الاكوان بما هو مكوّن و في الاعيان بما هو عين و في القدر بما هو مقدّر و في القضاۤء بما هو مقضي و هكذا و هو سبحانه يعلم الاشياۤء بما هي عليه في امكنة حدودها و اوقات وجودها كلّاً في رتبته من غير انتقال و لا تحوّل حالٍ و معني قولي بما هو ممكن ، اريد انه انّما علم الشيء بما هو عليه لا بما ليس هو عليه فلايقال انه يعلم الممكن بما هو مكوّن و لا المكوّن بما هو ممكن لانّ علمه تعالي لايكون علي خلاف معلومه ففي الازل هي ليست شيئا و محال ان توجد هناك فيعلم انّها ليست شيئا و ان وجودها محال بمعني ان اللّه سبحانه لايعلم هناك شيئا الَّا ذاته خاۤصة و لايعلم غيره و يعلم الاَشْيَاۤء في اَماكنها بما هي عليه لم‌يفقد في الازل علمه بها في الحدث ابداً فافهم ان كنت تفهم بل الٰاية تدلّ مَن يفهم انّه انما يعلم من خلقَ بما هو عليه في رتبته من مخلوقيّتِهٖ .

قال و قد ثبت ايضا انّ صفاته عين ذاته بحسب الوجود وَ اِنْ كٰانت غيرَها بحسب المفهوم بمعني انّ ذاته بذاته وجودٌ و علم و قدرة و ارادة و حيوة كما انه موجود و عليم و قدير و مريد و حيّ يترتّب علي الذات ما يترتّب علي الصفات من الٰاثار من دون معني زاۤئد قاۤئم بذاته .

اقول قَدْ ثبَت انّ صفاته الذاتيّة عين ذاته مطلقا و امّا اختلافها بحسب المفهوم فانما هو باعتبار ملاحظة متعلّقاتها كالعِلْم اِنّما يخالف البصر لان ملاحظة معلوم يقتضي تسمية العلم و ملاحظة مبصر يقتضي تسمية [ص 43] البَصر و امّا في انفسها فمفهومُهَا واحِدٌ و مصداقُها واحِدٌ و في التوحيد عن محمد بن مسلم عن ابي‌جعفر عليه السلم انّه قالَ من صفة القديم انه واحد احد صمد احديّ المعني ليس بمعانٍ كثيرة مختلفة قال قلتُ جُعلتُ فداك يزعم قوم من اهل العراق انّه يَسْمع بغير الذي يبصر و يبصر بغير الذي يسمع قال فقال كذبوا و اَلْحَدُوا و شبَّهُوا تعالي الله عن ذلك انه سميع بصير يسمع بما يبصر و يبصر بما يسمع قال قلتُ يزعمون انّه بصير علي ما يعقِلونه قال فقال تعالي اللهِ انما يُعْقَل ما كان بصفة المخلوقين و ليس اللّه كذلك ه‍ ، فاذا تَعلّق ٱلسمع بالمبصر فهو البصر و انما يسمي بالسمع اذا تعلّق بالمسموع و المراد انّه تعالي واحِدٌ فَيُسَمَّي باعتبار الاثر فمفهوم الصفات واحد من حيث نَظَر الوَاصِف الي نفس الذات الحق و متعدّد من حيث نظرهٖ الي الاثار و في التوحيد عن هشام بن حكم في حديث الزنديق الذي سأل اباعبدالله عليه السلم انه قال له أتقول انه سميع بصير فقال ابوعبدالله عليه السلام هو سميع بصير سميع بغير جارحةٍ و بصير بغير آلةٍ بل يسمع بنفسه و يبصر بنفسه و ليس قولي انه يسمع بنفسه انه شيء و النفس شيء اخر و لكني اردتُ عبارة عن نفسي اذ كنتُ مسئولاً و افهاماً لك اذ كنتَ ساۤئلاً فاقول يسمع بكلّه لا انّ كلّه له بعض و لٰكني اردتُ افهامك و التعبير عن نفسي و ليس مرجعي في ذلك الّا الي انّه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات و لا اختلاف المعني ه‍ ، فابان عليه السلام ان الصفات تتعدّد لفظاً و تتّحد معني فيعلم ببصرِهٖ و يسمع بعلمه ثم قال يسمع بكله [ص 44] فهي ذاته و الالفاظ اسماۤء باعتبار الاثار و قوله بمعني انّ ذاته بذاته الخ ، تصحيحُه انّ الاختلاف في الالفاظ بلحاظ الاثار لايوجب اختلاف معانيها فلا فرق بين قولك انه علم و انّه عليم الّا اِذَا اُرٖيدَ بِاَنَّ عليم ذو علمٍ لتتحقّق المغايرة و امّا اذا لم‌يرد بعليم الّا مجرّد وصفه بالعلم لذاته فلا فرق بين معني اللفظين لان معني وصفه بالعلم تسميته بالعلم و الّا لزم التّغاير و قوله يترتب علي الذات ما يترتّب علي الصفات من الاثار من دون معني زاۤئد قاۤئم بذاته ، هذا صحيح اذا اُرٖيدَ باختلاف المفهوم في التسمية بلحاظ المتعلق خاۤصّة و اذا اريد هذا صحّ اختلاف التسمية في الذات من غير اعتبار الصفات علي العبارات المتعارفة لانه تعالي يسمي علما باعتبار اثر العلم الصادر عن فعله من صنع الاشياۤء المحكمة و الاحاطة بما خلق و بخلق العلم في العلماۤء كما يسمّي عالما بهذا الاعتبار بلا فرق فافهم .

قال فكما انَّ علمه بذاته عين ذاته بمعني انه لايحتاج في علمه بذاته الي شيء غير ذاته فعلمه بما يفعل ذاته ايضا عينُ ذاتِهٖ بهذا المعني و ان كان بعد ذاته و بعد علمه بذاته باعتبار المرتبة .

اقول علمه بذاته عين ذاته الخ ، حق و امّا علمه بما تفعل ذاته عينُ ذاته فليس كعلمه بذاته لانّ علمه بذاته لايحتاج الي شيء آخر غير ذاته بخلافِ علمه بمفعوله فان المعلوم انما وجد بالفعل و قوله يفعل بذاته ، ان اراد بدون توسط الفعل فهو خطأ فاحش و اِنْ اراد بقوله علمه بما يفعل بذاته ما يفعل بفعلِهٖ فهو بخلاف الاوّل [ص 45] لان المعلوم لم‌يكن معلوما الّا اذا وُجِدَ كما تقدّم في حديث الصادق عليه السلم لم‌يزل الله عز و جل ربنا و العلم ذاته و لا معلوم الي ان قال فلما احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم ه‍ ، و قبل ان يكون المعلوم كان تعالي عالِماً و لا معلوم فيكون العلم به انّما يحصل له بتوسّط الفعل فلايكون هذا العلم عين ذاته و قوله و ان كان بعد ذاته و بعد علمه بذاته ، ينقض قوله الاول لانّ ما يكون بعد الذات لايكون عين الذات الّا علي وساوس الصوفيّة انه تعالي كلّ الخلق فيجعلون اعلي الحديث اسفله و اسفله اعلاه في قوله كان اللّه و لا شيء معه و هو الأن علي ما كان انه لو كانت الاشياۤء غيره لكان بعد ما اوجدَها كان معه غيره لكنّها هي عينه فمااوجد شيئا الّا نفسه فليس معه غيره قبل ما يوجدها و بعد ما اوجدَها و قوله باعتبار ٱلمرتبة يعني به ان علمه بمفعوله ايضا عين ذاته و ان كان مفعوله باعتبار مرتبته بعد الذات لانّه انما وجد بفعله تعالي و هذا انما هو علي القول بوحدة الوجود و الّا فكيف يجوز ان الامام عليه السلم يقول كان عالما و لا معلوم و هذا حكم الازل فاذا اوجد المعلوم كان عالماً مع معلوم و هذا اثبات حالين مختلفين له تعالي احديٰهما ثبوت العلم من غير معلوم و الثانية بعد ذلك ثبوت العلم مَعَ معلومٍ لان يفعل كما ذكره في قوله بما يفعل ذاته معني فعلي و العلم الفعلي متأخّر عن الذات لتوقفه علي الفعل المحدث و المتوقّف علي المحدث لايكون عين القديم الّا علي القول بوحدة الوجود و هو قاۤئل بها كما نقلنا عنه من [ص 46] الكلمات المكنونة فكلامه هذا مطابق لمذهبه و ان كان عند اهل العصمة عليهم السلم نفي ذلك ففي التوحيد عن حماد بن عيسي قال سألتُ اباعبدالله عليه السلام فقلتُ لم‌يزل الله يعلم قال انّي يكون يعلم و لا معلوم قال قلتُ فلم‌يزل اللّه يسمع قال انَّي يكون ذلك و لا مسموع قال قلتُ فلم‌يزل يبصر قال انّي يكون ذلك و لا مبصر قال ثم قال لم‌يزل اللّهُ عليما سميعاً بصيراً ذاتٌ علّامةٌ سميعةٌ بصيرةٌ ه‍ ، فانظر في صراحة هذا الحديث الشريف فيما ذكرته لك فانه عليه السلام انكر اَنْ يكون يعلم لانه انّما يكون اذا وجد المعلوم و المعلوم لايوجد الّا بفعله و كلّ ذلك متأخّر عن الذات تعالي و اثبت كونه عليما سميعا بصيراً بمعني ان ذاته علّامة لا بمعني انّه يعلم شيئا و لا شيء غيره قبل الخلق .

قال و في مرتبة الاعتبار حيث انه لا بدّ في ذلك من اعتبار المفعول المتأخر عن رتبة الذات .

اقول يا سبحان الله اذا كان المفعول المتأخر وجوده شرطاً في كون العلم به عين الذات الازليّة وجب تأخر هذا العلم عن الازل حتي يحصل شرطه و اذا جاز تأخره ماجاز كونه عين الازل ، تعالي عن ذلك علوّا كبيراً و ايضا قد ثبت عقلا و نقلا مع اجماع العقلاۤء من المسلمين و غيرهم انّ المفعول لايوجد من الذاتِ بدون فعل فلايوجد الّا بفعل فهو متوقّف علي الفعل و هو قد علّل كون علمه بذاته عين ذاته بانه لايحتاج في علمه بذاته الي شيء غير ذاته و معلوم من مفهومه ان ما كان من العلم محتاجاً الي شيء غير ذاته لايكون عَين ذاته و اجمع العقلاۤء من [ص 47] بني‌ادم علي ان الفعل محدث و المفعول متوقّف علي المحدث و قال ان علمه بهذا المحدث لا بد من اعتبار وجوده فقال و في الاعتبار حيث انه لا بدّ في ذلك من اعتبار المفعول المتأخر عن رتبة الذات فتدبّر في هذه الامور المتناقضة المتهافتة .

قال و ذلك لان فاعليّته ليست الّا بذاته .

اقول هذا شيء عجيب ماسمعنا بانّ فاعلاً يفعل بذاته بغير فعل منه الّا اذا كانت ذاته فعلاً لمن هو فوقه فان الاعلي يكون فاعلاً و تلك الذات السفلي تكون فعلاً للاعلي فيحدث عنها المفعول بامر الاعلي و قدرته سبحان ربّي الاعلي و بحمده و تعالي عما يقولون علوّا كبيراً .

قال فلا تغاير بين ذاته و علمه بذاته لا بالذات و لا بالاعتبار .

اقول هذا حق لا شكّ فيه و لا شبهة تعتريه .

قال و لا بين علمه بذاته و علمه بما يفعل ذاته بالذات و ان تغاير الاعتبار .

اقول لا بدّ من التّغاير بينهما الّا ان يقول انه لايحتاج الي اعتبار المفعول المتأخر في هذا العلم و لا الي اعتبار الفعل فيقول هو عالم بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها و امّا اذا اعتبر اختلاف الاعتبار في العلم الثاني فكيف يكون العلم بشرطِ شيءٍ عينَ العلم المطلق و كيف يكون المتأخر انتظاراً لشرطه الذي لايتحقق بدونه هو نفس السابق و ايضا الاعتبار من جملة الممكنات فلايجري علي الازلي و ليس كما يتوهّم مَن لايعلم انّ الامور الاعتباريّة ليست شيئا بل هي و كلّ فرض و احتمال و تجويز اشياۤء موجودة خلقها الله سبحانه بمشيته و اَحْدَثَ اَعْيَانها بارادته [ص 48] و وضعها في خزانة فعله في ارض الامكان الراجح الذي هو محل مشيّته شقّه بقدرته و زجره بكلمته و هو العمق الاكبر الذي ذكره الحجة عليه السلام في دعاء السمات حيث يقول و انزجر لها العمق الاكبر ، و هو الامكان الراجح و هو خزائن كل شيء في قوله تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدر معلوم فافهم ان كنت تفهم و الّا فسلِّم تسلم فالفرضيات و الاِحتمالات و الاعتبارات و ما اشبه ذلك كلّها مخلوقات لله تعالي محدثة اجراها علي خلقه و كيف يجري عليه ما هُو اجراه فالاعتبارات و الحيثيات و ما اشبهها خلق الله و عباده فلايكون شيء منها و لا ما تعلّقت به و فرضت فيه عين ذاته تعالي ، سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا و قوله يفعل ذاته بالذات ، يجعل ذاته فعلاً و الذات لايكون فعلاً الّا لمالِكها و لكن اكثرهم يجهلون .

قال اصل - علمه سبحانه للاشياۤء صفة نفسيّة ازليّة كما ان علمه بذاته صفة نفسيّة اَزَليّة .

اقول ان لم‌يعتبر في علمه للاشياۤء اعتبار وجودها بل كان عالماً بها قبل كونها كعلمه بها بعد (ظ) كونها فقد قال كثير من العلماۤء بذلك و لكن قول الصادق عليه السلام ينفي هذا كما ذكرناه مرارا و اذكره الأن لان قوله عليه السلام كان الله عز و جل ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم الي ان قال عليه السلام فلمّا احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم ، فهذا الكلام صريح بانه تعالي عالم و لا شك فيه و لكن علمه لم‌يتعلق بمعلوم غيره لانه اخبر بان العلم انما وقع منه تعالي علي المعلوم [ص 49] بعد حدوثه فاخبرني هذا الذي وقع بعد حدوثها هو العلم بها او غيره فان كان هو العلم بها بطل قوله ان العلم بها ازليّ و ان قال العلم بها قبل هذا و غيره فقول الصادق عليه السلام و لا معلوم ما معناه و قوله وقع العلم منه علي المعلوم يعني بعد حدوثه و ليس لك ان تقول ان كلامك هذا حكم علي الله تعالي بالجهل بالاشياۤء قبل خلقها لاني اقول ليس هذا كلامي بل هو كلام امامك الصادق عليه السلام و لايلزم منه الجهل لانه لو كان في الازل شيء و قلنا لايعلمه فكما تقول او قلنا كان جاهلا تعالي الله قبل الاشياۤء فلمّا احدثها كان عالما فكما تقول بل تقول انّ الاشياۤء لايمكن وجودها في الازل ففرض وجودها في الازل كفرض وجود شريك الباري سبحانه فكما قال تعالي في حق ما فرضوا له من الشريك أتنبّئون الله (ظ) بما لايعلم في السموات و لا في الارض و هو حقّ و لايكون ذلك نفياً لعلمه لان نفي العلم انّما يتحقّق اذا وجد معلوم و لم‌يعلمه امّا اذا لم‌يوجد معلوم و قال قاۤئل هو لايعلم شيئاً فليس هذا نفياً للعلم بل اثباتٌ للعلم و انا اسألك عمّا تعقله اذا لم‌يكن في البيت رجلٌ و قلتُ لك هل في البيت رجلٌ فقلتَ لي لااعلم في البيت شيئا يكون هذا نفياً لعلمك و اثباتاً لجهلك بل لو قلتَ اعلم في البيت رجلاً و ليس فيه رجل فهو نفي لعلمك و اثباتٌ لجهلك و اذا كنتَ سميعاً و لم‌يكن متكلم و قلتُ انا لك سمعتَ كلاماً فقلتَ لم‌اسمع دلّ علي انك لستَ بسميع ليس كذلك لانّك سميع و لم‌تنفِ سمعك و انما نفيتَ سماعك لكلامٍ لعدم وجوده فكذلك قال عليه السلام كان الله عز و جل و العلم ذاته و لا معلوم فلمّا احدث [ص 50] الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و كذلك انت سميع و لا مسموع فلمّا حضر المتكلم و تكلّم وقع السمع منك علي المسموع فقبل ان يتكلّم لستَ باصمّ و كذلك نقول كان عالماً و لا معلوم نعم لو قلتَ كان في الازل عالماً بها في الحدث صح كلامك و لايكون ذلك العلم في الازل مشروطاً حصوله له تعالي بوجودها في الحدثِ و هذا العلم عين ذاته تعالي و امّا وقوعه علي المخلوق و ارتباطه به فهو مشروط بوجود المخلوق كما قال الصادق عليه السلم الّا ان هذا الوقوع و هذا الواقع ليس هو ذلك العلم الازلي لانه لم‌يحصل الّا بعد وجود الحادث فهو محدث و ليس هو عين ذاته تعالي فلو قلتَ انّ العلم الازلي بعينه هو الواقع قلتُ لك هذا الكلام باطل لانه يلزم ان يكون له حالتان حالة عدم الوقوع قبل المخلوق و حالة الوقوع بعد وجود المخلوق و الحالتان متغايرتان و القديم لايكون متعدّدا متغايراً فافهم اِنْ كنتَ تفهم و الّا فسلّم تسلم و الملا محسّن جعل العلمين مع تغايرهما و تقدم احدهما علي الاخر و شرطَ احدهما دون الاخر عين ذاته تعالي مع تغاير الاعتبار الموجب للحدوث و لذا

قال فعلمه تعالي بنفسه و علمه بخلقه واحد غير منقسم و لا متعدّد لكنه يعلم نفسه بما هو له و يعلم خلقه بما هم عليه .

اقول ان اراد بعلمه بخلقه ما قلنا من انه تعالي عالم في الازل بما في الحدث فهو حسن و لو قلتَ هو عالم بها في الازل كان هذا قبيحا لانك اذا قلتَ عالم بها في الازل كان المعني انها عنده في الازل و ليس الازل شيئا غير ذاته [ص 51] فلاتتوهّم ان الازل فضاۤء واسع و فراغ قد حلّ فيه تعالي فيجوز ان يحل فيه غيره كما يتوهمه من يفرض تعدّد القدماۤء و يمنع التعدّد بدليل التمانع او التركيب مما به الاشتراك و ممّا به الامتياز لانهم يتوهمون ان الازل مكان واسع ليس فيه الّا اللّه فلو فرض معه غيره لزم كذا و كذا و هذا جهل محض لانّه اذا كان مكانا كان قديما فتتعدّد القدماۤء و ان فرضوا انه ليس فيه الا الله تعالي بل الازل هو اللّه لا شيء غيره فاذا قلت هو عالم بها في الازل كانت حالّة في ذاته و يكون محلّا للحوادث سواۤء فرض كونها في باطنه كما ذهب اليه من يقول انّ العالم كامن فيه بالقوة و كلامه فيه اي في نفسه مثل كلامك في نفسك ثم ظهرت من القوة الي الفعل او فرض كونها عارضةً له مثل قول من يقول ان حقاۤئق الاشياۤء متعلّقة به تعلّق الاظلّة بذي الظل و امّا اذا قلتَ انه عالم في الازل بها في الحدث يعني يعلم في الازل بها في امكنة حدودها و ازمنة وجودها كلّا في مكانه و وقته فهو صحيح علي ما قررنا و نقرّر انشاۤء الله تعالي و قوله لكنه يعلم نفسه بما هو له و يعلم خلقه بما هم عليه ، فيه ما في غيره من كلامه و انا اسأله و اقول يا مُلَّا انت جعلتَ علمه بنفسه عين علمه بخلقه و فسرتَ علمه بنفسه هو ان يعلم نفسه بما هو له و فسّرتَ علمه بخلقه هو ان يعلمهم بما هم عليه فاقول له اخبرني ما هو له تعالي هو عين ما هم عليه فان قلتَ نعم فاقول انا اعلم ذلكَ منك لانّ مَن يقول بقول مميت‌الدين بن عربيّ يقول بهذا و اعجب لان ما هو له سبحانه هو ما هو عليه من القدم و العلم المطلق و القدرة المطلقة و الغني المطلق و [ص 52] ما هم عليه هو الحدوث و الجهل و العجز و الفقر و التغير و الفناۤء و الهلاك فهذا ما هو عليه و ما هم عليه و العالم بالشيء يكون علمه مطابقا لمعلومه ان لم‌يكن نفس معلومه فماادري ما اقول له في الجواب ان قال نعم و ان قال لا قلتُ له فليس العلمانِ متّحدين الّا علي قول الصوفية الذين يقولون كما قال مميت‌الدين في الفصوص :

فانّا اعبُدٌ حقّاً و انّا اللّٰهُ مولانا

و اِنّا عينُه فاعلم اذا ما قيل انسانَا

فلاتحجب بانسانٍ فقد اعطاك برهانَا

فكن حقّا و كن خلقاً تكن باللهِ رحمانَا

و غَذِّ خلقَهُ منه تكن روحاً و ريحَاناً

فاعطيناه ما يبدو به فينا و اعطانا

فصار الامر مقسوما بايّاه و ايّانا

الخ .

قال و ليس انّ معلوماته اعطته العلم من نفسها كما ظُنَّ و الّا لزم ان يكون مستفيداً من غيره تعالي عن ذلك .

اقول قال في الوافي في باب الشقاوة و السعادة من كتاب العقل بان المعلومات اعطت العالم العلم بها فعلمه مستفاد من المعلوم ثم رتّب عليه ما يريد من نفي الجبر في افعال العباد ثم انكر هذا القول كما هنا و اجاب بهذا الجواب الذي ذكره هنا ثم بعد اربعة او خمسة اسطر رجع الي القول الاول و قال به و رتّب عليه ما يريد قال بعد ان اجاب بهذا الجواب فمشيته احدية التعلق و هي نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة [ص 53] تابعة للمعلوم و المعلوم انت و احوالك انتهي ، و قوله كما ظن ، الظانّ هو ابن‌عربي .

قال بل انّه ماتَعَيّنَتْ في علمه الّا بما علمها عليه لا بما اقتضته ذواتها ثم اقتضت ذواتها بعد ذلك من نفسها اُموراً هي عين ما علمها عليه اوّلاً فحكم لها ثانيا بما اقتضته و ماحكم الّا بما علمه .

اقول هذه المسئلة لاتدركها العقول و لاتهتدي اليها سبيلا و لايعرف شيء من المشاعر وَ المدارك لها دليلاً الّا الافئدة بدليل الحكمة خاۤصّة و البرهان عليها لايزيدها الّا تعميةً و غموضاً نعم لو انّ المطلوب خصوصا و صبر العارف بها علي طول الوقت و كثرة البيان و بسط المقدمات امكن بيانها لاصحاب العقول الطالبين للاسترشاد التاركين للعناد مع التوفيق و السداد من ربّ العباد فاقول اعلم اَنّ الممكنات ليست شيئا و ليس الّا اللّه وحدَهُ ثم احدثَ المشيّة بنفسها في وقتها و مكانها فوقتها السرمد و مكانها الامكان لانها فعل و هو و ان كان ذاتا تذوّتَتْ بتأثيرها الذوات الّا انّه لمّا كان فعلا و لذا خلق بنفسه و كان الفعل لايتحقق و لايتقوّم الّا بالمفعول و ان كان هنا نسبة المفعول اليها كنسبة الانكسار الي الكسر فيكون قد تقومت المشية بالمفعول و هو الامكان بما فيه من الامكاناتِ تقوّم ظهور و تقوّم الامكان بها بما فيه من الامكاناتِ تقوّم تحقّق كان شرط وجوده و لازم ظهوره الامكان الراجح الكلي المسمي بالعمق الاكبر بما فيه من الامكانات الجزئيّة الاضافية بمعني ان كل امكان من الجزئية كليّ مشتمل علي افرادٍ لاتتناهي اَبداً فخلق سبحانه المشيّة بنفسها و امكن بها [ص 54] الممكنات بامكاناتها و لم‌تكن شيئا كما توهمه المتكلمون حيث قالوا ان الاشياۤء المعقولة خمسة اشياء واجب لذاته و هو الله سبحانه و واجب لغيره و هو المعلول عند وجود علته التاۤمّة و ممتنع لذاته و هو شريك الباري سبحانه و تعالي عن الشريك و ممتنع لغيره و هو المعلول عند عدم علته و ممكن لذاته و هو ساۤئر المخلوقات و لم‌يجوّزوا ممكن الوجود لغيره لانَّ الممكن لو كان ممكنا لغيره كان المراد انه لو كان ذلك لغيره لماكان ممكنا فيكون المعني انه كان واجباً او ممتنِعاً فجعله الجاعل ممكنا و انقلاب الواجب و الممتنع محال فيكون ممكنا لذاته اذ المعقولات منحصرة في الواجب و الممتنع و الممكن و هذا الكلام باطل لان الممكن لو فرض انه ليس بمجعول كان واجباً اذ لانريد بالواجب الذّاتي الّا الموجود الذي وجوده لذاته لا بجعل جاعلٍ و هذا اقبح ممّا فرّوا منه او مثله و الحق في المَسْئلة انَّ اللّه سُبْحَانه هو الموجود لذاتِهٖ وحده و ليس ثَمَّ واجبٌ غيره ثم اخترع الممكنات حين احبّ ان تعرفه العبيد لَا مِنْ شيء فكما احْدَثَ الوجود لٰا من شيءٍ احدث الامكانات و الممكنات لٰا من شيءٍ فالممكن لم‌يكن شيئا لذاته و انّما كان شيئاً بغيره حين اخترعه و اَمْكنَهُ و حبسَهُ في الخزاۤئن العُليا ثمّ كوّن منه ما شاۤء كما يشاۤء يخرج من تلك الخزاۤئن اذا شاۤء فيكسوه حلّة الوجود ينفق كيف يشاۤء فلمّا امكن الامكان بفعله الذي هو مشيّته كان هو و ما فيه من جزئيّاته العاۤمّة علي هيئة مشيّته كما انّ الكتابة علي هيئة حركة يد الكاتب و دالّة عليها بمعني انّ حُسنَها يدلّ علي اعتدال الحركة و عدم [ص 55] حُسْنِهَا يدُلُّ عَلي عَدمِ اعْتِدال الحركة فالامكان بما فيه علي هيئة المشيّة و المشيّة خلقها سبحانه بنفسها فظهرت كعموم قدرته فيما يفعل سبحانه لانّ قدرته عز و جل ظهرت بمشيّته لا بنفسها لان نفس القدرة و ذاتُها هو اللّه سبحانه و اليه الاشارة بقول الصادق عليه السلم المتقدّم في دعاۤء الوتيرة بدت قدرتُك يا الهي و لم‌تبد هيئةٌ يا سيّدي فشبّهوك و اتّخذوا بعض آيٰاتِك اَرْباباً يا الهي فمن ثَمَّ لم‌يعرِفُوكَ ، فلَمَّا بدت قدرته تعالي لم‌تبدُ بهيئةٍ ذاتيّة لان ذلك محال و انما بَدت بهَيْئةٍ فِعْليّةٍ و تلك الهيئة هي المشية التي ابدَتْها قد ابدتها بنفسِها اي بنفسِ ٱلمشيّة فالمشية هيئة القدرة بنفس المشيّة و الامكان هيئة المشيّة و هي هيئة عاۤمّة واسعةٌ لا غايةَ لعمومِها و سعَتِها و لا نهاية فلمّا كان الممكن و الامكان بدا علي هيئةِ هذه الهيئة العاۤمّة الواسعة التي لٰاتتناهَي كان قابلاً لكلّ ما يحتمل مثلا حقيقة زيد الامكانيّة يجوز ان تكون زيداً و ان تكون جَملا و جَبلاً و ماۤءً و مَعْدِناً و حيوانا و نباتاً و ارضا و سماۤءً و ملكا و نبيّاً و كافرا و شيْطانا الي غير ذلك مما لايتناهَي و هو معني قولنا قبلُ اِن كل ممكنٍ من الامكانات الجزئيّة كليٌّ مشتمل علي افرادٍ لاتتناهَي ابداً فالحقيقة التي خلق منها زيدٌ يجوز ان تلبس كل صورة في الخلق من الغيب و الشهادة من الحيوان و النبات و المعدن و الجماد عينا او معنيً ذاتاً اَوْ صِفةً فاِذا امكن في الحقيقة الواحدة ان تلبس صورة من الفِ‌الف صورة مثلاً كُلَّها مُتَساوية في الامكان كان كل جزئي من الامكان كليا لايتناهي و امّا في الظهور فالصور انّما تتحقّق بالحدود و الهندسة [ص 56] الظاهرة و الباطنة من الغيب و الشهادة كما ذكرنا اصولها و هي الماهية الاولي لوجود الشيء و هي انفعاله و ما لها من القيود المتمِّمة لها مِنْ كمّ و كيف و وقتٍ و مكانٍ و رتبة و جهة و وضع بمعنييه الاخيرين اي نسبة بعض اجزاۤئه الي البعض الاخر في الترتيب الطبيعي و نسبتها الي الامور الخارجة عن الشيء و هذه الامور المنسوبة الي الصورة كل واحدٍ منها حصّة خاۤصة جزئيّة من كلّيّ عام مثلا الوقت حصّة صورة زيد من الزمان وقت خاص به و حصّة عمروٍ من الزمان خاۤصّة به و قد تتداخل الحصّتان لشخصين و يختلف حصّتاهما من الوقت او يتّحدان و يتعدّدان من الجهة و هكذا و لو اتّحدت جميع المشخّصات امتنع تعدّد الاشخاص و انّما تتعدّد باختلافها اوِ اختلافِ بعضها و هذه القيود المذكورة اعني الماهيَّةَ وَ مٰا لَها من المُتَمِّماتِ المذكورة و ما اشبَهها كالاذن و الاجل و الكتاب و غير ذلك من الاسباب المتممة اَو المُكمِّلةِ هي شراۤئط الظهور و المحدث لم‌يكن مذكورا في علم الله تعالي و قدرته الذاتيّين اللذين هما ذات اللّه تعالي بلا تعدّد و لا اختلاف بكلّ اعتبار لانه لم‌يكن مذكوراً في رتبة الذّاتِ بحالٍ من الاحوال و انما ذكرها في امكنة وجودها فالذكر في الازل و المذكور في الامكان و اللّه سبحانه هو الذاكر و لا مذكور هناك اِلّا ما ذكر نفسه بنفسه فظهر عز و جل بمشيّته بنفسها فكانت المشيّة علي هيئة ظهوره تعالي بها و لم‌يظهر بذاته المقدّسة فذكر الله سُبحانه المحدَثَ بها فهي الذكر الاوّل له كما قالَ الرضا عليه السلام ليونس تعلم ما المشيّة قال لا قال هي الذكر الاوّل تعلم ما الارادة قال لا قال [ص 57] هي العزيمة علي ما يشاۤء تَعْلَم مَا القدر قال لٰا قال هو الهَنْدَسَة و وضع الحدود من البقاۤء و الفناۤء الحديث ، فكان سبحانه في الازل الذي هو الذات المقدسة هو الذاكر قبل المذكورين و ليس ثَمّ مذكور سواه فاوّل ما ذكر عبده في مشيّته و لم‌يكن ذكر للمحدث قبل المشيّة و كان ذكره له فيها علي هيئة المشيّة و هو الذكر العام الواسع الذي لايتناهَي و هذا الذكر الامكاني الواسع العامّ و هو التعيّن الكلّي الراجح الوجود ثم ذكره سبحانه فيها بالذكر الكوني بالتعيّن الجزئي الجاۤئز الوجود المرتبط بالقيود التي اشرنا اليها فالذكر الواسع الراجح هو علمه تعالي بها الّذي لايحيطون بشيء منه و هو الذكر الامكاني و هو المستثني منه في الاية الشّريفة و لايحيطون بشيء من علمه ، و الذكر الجزئي الكوني الجاۤئز هو علمه تعالي بها الذي يحيطون به باذنه سبحانه و هو المستثني في الاية الشريفة الّا بما شاۤءَ اي لايحيطون بشيء من علمه الامكاني بها الّا بما شاۤءَ كونه فانّهم عليهم السلم يحيطون به باذنه و امره و الشمس المضيئة في قول اميرالمؤمنين صلوات الله عليه في حديث القدر في قوله اَلا ان القدر سرّ من سر اللّه و ستر من ستر الله و حرز من حرز اللهِ مرفوع من حجاب الله موضوع عن خلق الله مختوم بخاتم اللهِ سابق في علم الله وضع اللّه العباد عن علمه و رفعه فوق شهاداتهم و مبلغ عقولهم لانهم لاينالونه بحقيقة الربانيّة و لا بقدرة الصّمدانيّة و لا بعظمة النورانية و لا بعزة الوحدانية لانه بحر زاخر موّاج خالصٌ لله عز و جل عمقه ما بين السماۤء و الارض عرضه ما بين المشرق و المغرب [ص 58] اسود كالليل الدامس كثير الحيّات و الحيتان يعلو مرّة و يسفل اخري في قعره شمس تضيۤء لاينبغي ان يطّلع عليها الّا اللّه الواحد الفرد فمن تطّلع عليها فقد ضاۤدّ الله في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن سرّه و ستره و باۤء بغضب من اللهِ و مأويٰه جهنّم و بئس المصير ه‍ ، رواه الصدوق في التوحيد باسناده عن الاِصْبَغ بن نُباتَة و هذه الشمس التي في قعره في هذا العلم الامكاني الراجح الوجود الذي لايحيطون بشيءٍ منه و الثاني الذي هو العلم الكوني هو المرتبط بالقيود و مظهر البداۤء في المحو و الاثبات من الاول يفيض علي جميع الاكوان و التكوينات و التكوّنات و المكوّنات منبسِطاً يجري في كل ما لم‌يقع و في كل واقعٍ و لم‌يجر في الوقوع بعد الوقوع فافهم فتعيينُ الحادثات من اشراق هذه الشمس المضيۤئة التي في قعر العلم الامكاني الراجح الوجود الذي لايحيطون بشيءٍ منه و هو الذي نسميه بخزاۤئن الاشياۤء من قوله و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه ، و تعيّنها في العلم الكوني الجاۤئز الوجود الّذي يحيطون به عليهم السلم باذن الله تعالي تدريجاً و من هذا العلم الثاني الجاۤئز الوجود سأل صلي الله عليه و اله ربّه سبحانه الزيادة فقال رب زدني علماً لما امره تعالي بذلك لانَّ هذا العلم هو فَوّارة [ص 59] النور و هي عين صافية يجري بامر الله سبحانه و معني كون سؤال ٱلزّيادة في العلم مع انّه انّما يظهر ما فيه عنه صلي اللّهُ عليه و اله انه محلّ ظهورِ الزّيادة لا مبدؤها اذ مبدؤها الاوّل و لايَخْرج كلّ متجدّدٍ الّا منه و اذا خرج منه ظهر و علم في الثاني فيكون سؤاله الزيادة صلّي اللّه عليه و اله من المتحقّق الموجود و لايتحقق شيء و لايوجد الّا في الثاني لانه الوجودي و امّا الاول فانّه اِمْكاني لا وجودي و امّا سؤاله صلي الله عليه و اله التّحيّر فيه تعالي فهو في الاوّل لانّ ما في الثاني اطلعه الله تعالي عليه و اعلمه ايّاه و المعلوم لايتحيّر فيه و التّعين المبهم الكلّي الواسع العام في الاوّل و التّعين المتخصّص في الثاني و المتعيّن انّما يتعيّن بقيوده الّا انّ كلّ رتبةٍ منه تتعين بقيودِها في مكانِ حدودها و وقتِ وجودِها فيتعيّن كون الشيء بقيوده عن مشيّة الكون و عينه بقيودِها عن ارادة العين و تقديره بقيوده عن قدر ( تقدير خ ) الحدود و الهندسة و اتمامه بقيوده عن قضاۤء الشيء و امضاؤه بقيودِهٖ عن امضاۤئه و شرح علَلِهٖ و اسبابه و هكذا حكم كل شيء متفرِّقاً و حكمه مجتمعاً حكم الاجتماع فيتعين كلّ شيء متفرقا و مجتمعا تاۤمّا او ناقصاً في علمه عز و جل في رتبته من الكون و كلّ شيء في كل مكان و كل وقتٍ علمه تعالي و هو بكل شيء عليم فتعيّنها في علمه تعالي في اماكنها و اوقاتها و ذكره لها بتعيّنها هو هذا العلم و ذكره لها باللَّاتعيّن في العلم الاوّل و اضرب لك مثلا في ذكر الشيء بتعيّنه و ذكره باللّاتعيّن مثاله اذا اخذتُ من الدَّواة بالقلم مداداً لاكتب به اسماً معيّنا او قبل التعيين فالذي الٰان في [ص 60] القلم كالذي في الدواة فانّه مذكور باللّاتعيّن لانّي كلّما اشاۤءُ اَن اكتب به امكنَ من اسم شريف او اسم وضيعٍ و اذا كتبتُ منه اسم نبي او منافق ذكرته بتعيّنه بقيوده المشخّصة له من خصوص حروفٍ تناسب له و تقديم و تأخير و تحريكٍ و تسكين فبالمشخّصات ذكرته متعيّنا في رتبة تعيّنه بها و لمّا كانت جميع المشخصات و جميع اماكنها و اوقاتها عنده تعالي في ملكه الذي لم‌يكن تعالي خلواً منه كلّ شيء في رتبته لايعزب عنه مثقالُ ذرّةٍ في الارضِ و لٰا في ٱلسّماۤءِ و لا اصغر من ذلك و لا اكبر الّا في كتاب مبين و الكتاب المبين هو العلم الكوني و الاشياۤء كلماته و حروفه كتبها عز و جل بيد كلمته التي انزجر لها العمق الاكبر و هي المشية بالقلم المسمي بالعقل الكلّي من مداد الدواة المسماة بالماۤء الاوّل الذي ساقه بكلمته التي هي السحاب الثقال و المتراكم يعني المشيّة الي الارض الميتة و ارض الجرز و هذه الارض الميتة هي ارض القابليات المتعيّنة بالقيود المشخصات كما ذكرنا في ارض الممكن و الامكان في اوقاتها من الدهر و الزمان و هذه الارض اعني ارض الممكن و الامكان هي الرّقّ المنشور كتب تعالي فيها بيد كلمته بهذا القلم تلك الاحرف في الكتاب المسطور و هو اللوح المحفوظ كما تقدّم فقوله بل انه مٰاتعيّنت في علمه الّا بما علمها عليه ، فيه اجمال لانه يحتمل ان يريد بهذا العلم هو الذّات المقدسة و هو العلم القديم الواجب و ان يريد به العلم الحادث سواۤء كان الراجح او الجاۤئز و المعروف من طريقته كما تقدّم في كلماته و يأتي انه هو العلم الواجب الذي هو الذات تعالي و هذا غلط لانّه تعالي في [ص 61] ذاته ذاكر بما هو ذاته و لا مذكور و مُعيِّن بما هو ذاته و لا متعيّن و تعالت ذاته السبحانية عن الكثرة و الاختلاف و المغايرة انّما هو اله واحد لا اله الّا هو و ان اراد به الثاني و لٰكنه لايريده فقد قلنا انه قسمان الاول العلم الراجح الوجود الامكاني و في هذا العلم هي مذكورة باللّاتعيّن كما مر و الثاني العلم الجاۤئز الوجود التكويني و في هذا العلم هي مذكورة بما تعيّنَتْ به كلّ شيء في مكانه و وقته و بهذا العلم علمها و ذكرها بما هي عليه فان ارادَ هذا العلم فحسن و لم‌يرده و الّا فقد اخطأ الطريق الحق الي الله تعالي و قوله لا بما اقتضته ذواتها ، ليس بصحيح لانّ ما هي عليه هو ما اقتضته في رتبة التكوين لان ما قبل التكوين لم‌يكن تعيّن و لا تعيين الّا اَنْ نقول بان ماهيّاتها غير مجعولة و انّما هي صور علميّة ازليّة كما قاله في الوافي و غيره من كتبه و انّها متعيّنة في نفسها من غير تعيين قبل ان تقتضي ذواتها التعيّن بمشخّصاتها و قد سمعتَ بطلانه و تسمع لان الماهيات مجعولة كوّنها و لم‌تكن شيئا و جعلها لازمةً لوجوداتها و لم‌تكن لازمةً بغير جَعْلِهٖ نعم هي صور علميّة مجعولة بوجوداتها بعد ان خلقها بمعني انه خلق الوجود اوّلاً و بالذّات ثمّ خلقها من نفس الوجود من حيث نفسه ثانيا و بالعرض بعد خلق الوجود بسبعين عاما يعني لاجل تقوّم الوجود لاحتياجه في التقوّم اليها ثم خلق منهما اللّزوم بعد ذلك بسبعين عاماً ثم جعله جامعاً لهما بمقتضي ذاته يعني انه تعالي خلق التلازم بينهما بمقتضي ذات اللزوم بعده بسبعين عاماً سبحانه و تعالي عمّا يقولون علوّا [ص 62] كبيرا و انما قلنا انّها تعيّنت في علمه هذا المشار اليه و هو العلم الكوني بها بما اقتضته ذواتها لانه علمها حال قيامها كما هي في اماكنها و اوقاتها و هي علمه بها و مثال هذا انّك اذا اخذتَ بالقلم من المداد شيئا لتكتب به كان ما اخذته مذكورا عندك باللّاتعيّن و اذا كتبتَ و تعيّن بالهيئات كان ما كتبتَ مذكورا عندك بما اقتضاه من التعيّن و قبل ان تكتب تذكر انتَ ما ستكتب بما تعيّن به بعد الكتابة بعد ان تكتب فتذكره بالتعيّن في مكانه و وقته يوم تعيّنَ و ان وقع منك الذكر قبل ذلك من جهتك الّا انّ ما في نفسك من صورة التعيّن ظِلٌّ منتزع انتزعته نفسك بالانطباع من مثال ما يتعيّن في المستقبل و لهذا ماتذكره حتي تلتفِتَ الي مكانه و وقته فتري شبحه قاۤئما في ذلك المكان و الوقت فتنطبع صورة ذلك المثال في نفسك فتذكره بما عندك من صورة شبحه و مثاله و لاتقدر علي الذكر قبل هذا ابداً و ماذكرته في كل حالٍ الّا بما اقتضته ذاته من التعيّن و ان كان الكلّ هو علمك به كما قرّرنا سابقاً و قولي و قبل ان تكتب تذكر انت فاتَيْتُ بانت تنبيه علي انّ هذا حال المخلوق الذي يكون صور معلوماته في نفسه منتقشة ينتزعها من شبح الشخص الخارجي لانه كرة مجوّفة تلجه الاشياۤء المغايرة له و امّا الخالق عز و جل فليس في نفسه شيء لانّه صمد لا مدخل فيه و ليس يتصوّر و لايفكر و لم‌يسبق ايجادَهُ للشيء حال للشيء في نفسه تعالي كما يزعم ذلك الجاهلون المشبّهون له بخلقه ففي الكافي بسنده عن صفوان قال قلت لابي‌الحسن عليه السلام اخبرني عن الارادة من الله و من الخلق [ص 63] قال فقال الارادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل و اما من اللهِ فارادته احداثه لا غير ذلك لانه لايروّي و لايهمّ و لايفكّر و هذه الصفات منفيّة عنه و هي صفات الخلق فارادة اللّهِ تعالي الفعل لا غير ذلك يقول له كن فيكون بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همّة و لا تفكّر و لا كيف لذلك كما انه لا كيف له ه‍ ، بل اوّل ذكره تعالي لمصنوعه صنعُه له كما صرَّح بِهٖ عليه السلام في هذا الحديث حيث قال و امّا من الله فاحداثه لا غير ذلك ، و لا ريبَ انه لَمْ‌يذكره قَبْلَ مَشِيَّتِهٖ لِمٰا قال الرضا عليه السلام ليونس حيث قال له كما تقدّم تَعْلَمُ ما المشيّة قَال لٰا قال هي الذّكر الاوّل وَ آيةُ ذلك انّك لم‌تَكُنْ ذَاكِراً لشَيءٍ من مصنوعِك قبلَ اَنْ تُهِمَّ (ظ) بصنعه فلو اردتَ اَنْ تكتُبَ زيداً ذكرته حين ارادتك بما تُريدُ بهٖ كِتٰابته علي ايّ حٰالٍ قصَدَ فافهم و هنا كلام معترض اتيتُ به استطراداً و هو انه ذكر قبل هذا قوله بمعني ان ذاته بذاته وجود و علم و قدرة و ارادة و حيوة فجعل الارادة عين ذاته تعالي و هو يدّعي انه اخباريّ لايقول الّا بالحديث و الاحاديث متّفقة لم‌يوجد حديث مخالف كلّها مصرّحة بان المشيّة و الارادة من الله تعالي حادثتان لانهما من صفات الافعال و انه ليس للّه مشيّة اوْ ارادة قديمة و انّ مَن زعم بان الله عز و جل لم‌يزل شاۤئِياً مريداً فليس بموحّد و العقل و النقل متطابقان علي ذلك و من وقف علي احتجاج الرضا عليه السلم علي سليمن بن حفص المروزي في حدوث [ص 64] الارادة و انّها غير العلم و انه ليس للّه ارادة قديمة حَصل له القطع ان كان طالباً للحقّ بالدليل العقلي القطعي بانه ليس للّه مشيّة و ارادة قديمة بل مشيّته و ارادته حادثتانِ و من النقل الدالّ صريحاً علي ان القاۤئل بانهما قديمتان في ٱللّه تعالي ليس بموحدٍ يعني انّه مشرك مَا رَوَاهُ في التّوحيد باسنادِهٖ عن سليمن بن جعفر الجعفري قال قال الرضا عليه السلام المشيّة و الارادة من صفات الاَفْعٰالِ فمَنْ زَعَم انَّ اللّه لم‌يَزَل مريداً شاۤئياً فليس بموحِّدٍ ، و ممّا يدلّ عَلَي حدوثِها ما رواه في الكافي عن عاصم بن حميد عن ابي‌عبداللّهِ عليه السلام قال قلتُ لم‌يزل الله تعالي مريداً قال انّ ٱلمريد لايكون الّا المراد معه لم‌يزَلْ عالِماً قادراً ثمّ ارادَ ه‍ ، فبيّن عليه السلم انه لو كان في الازل مريداً لكان المراد معه لاستحالة ان يُريدَ و لايكون ما ارادَ و هذا دليلٌ عقلي صريح قطعي و ليس من النقل ليتوهم الجاهل انّه نقلي و ان اصول الدين اِنّما تثبتُ بالعَقْلِ فهذا عقليّ فَلا اَقَلَّ انّه كاستدلالِ واحدٍ من العلماۤء نقل عنه في كتابٍ اوْ كتَبهُ في كتابه و هو قد قال هو و شيخه تبعاً للاكثرين بانّ ارادة اللّه قديمةٌ بغير دليل معتمد عقلي و لا دليل نقلي معتمد و غير معتمد و انما دليلهم حقيقته التنظير و التخمين امّا المتكلمون فاستدلوا علي القدم بوجهين احدهما قالوا انّها صفة و الصفة لايُعقل قيامُها بغير الموصوف و لا بنفسها فلو كانت حادثة كان تعالي محلا للحوادث و ثانيهما انها اذا كانت محدثة تكون محدثة بارادة اخري و اخري ان كانت قديمة ثبت المطلوب و ان كانت حادثة لزم الدور او التّسلسل و هما باطلان و الجواب [ص 65] عن الاول انّها و ان كانت صفة فانما هي بنسبتها اليه تعالي و هذا شأن كلّ مخلوق فان محمدا و اله صلّي اللّه عليه و اله اسماۤؤه و صفاته و ذلك بالنسبة اليه تعالي و الّا فهم ذواتٌ اقامهم الله بامره و كذلك ساۤئر الخلق كما قال تعالي و من آياته ان تقوم السماۤء و الارض بامره فهي ذاتٌ تذوّتت الذوات من اثر تذوّتها و قد اقامها سبحانه بنفسها و ثانيا انه لو فرضنا علي قولهم انّها قديمة قيامها به تعالي ماجاز لانه تعالي لايجوز ان يكون معروضا فلا فرق بين العارض القديم و الحادث و ثالثا ليس ممتنعاً قيام الصفة بنفسها اذا كانت ذاتاً بالنسبة الي مَن دونها و مَنْ دُونها اثراً اضافيّا و هو ذات لمعلوله كما برهن عليه في الحكمة و رابعاً ايّ ضررٍ في قيام الصّفة بغير موصوفها كقيام الكلام بالهواۤء لا بموصوفه الذي هو المتكلّم و عن الثاني انّها تكون محدثة بنفسها كما نبّه عليه الامام عليه السلم بقوله خلق اللّه المشيّة بنفسها ثم خلق الاشياۤء بالمشيّةِ ، لئلّايشتبه علي الناس امر اعتقادهم فمن قبل عنهم اهتدي و من لم‌يقبل عنهم ضل و غوي و ايضا قال الفقهاۤء بان المصلّي يحدث الصلوة بالداعي الذي هو النية و يحدث النية بنفسها و لايحدث النيّة بنيَّةٍ اخري وَ اِلّا لَدارَ اوْ تسَلْسَلَ فالجواب هنا هو الجواب هناك و امّا غير المتكلمين فدليلهم التنظير و يقولون ان ما ورد في الاخبار فهي الارادة فقال السيد الداماد هي ارادة العباد و مشيّتهم لافعالهم الاختياريّة لتقدّسه سبحانه عن مشيّة مخلوقة زاۤئدة علي ذاته سبحانه و قال المصنّف ان للمشيّة معنيين احدهما متعلّق بالشّاۤئي و هي صفة كماليّة قديمة هي نفس ذاته [ص 66] سبحانه و هي كون ذاته بحيث يختار ما هو الخير و الصلاح و الاخر يتعلّق بالمشٖيۤء و هو حادث بحدوث المخلوقات فيا سبحان اللّه مَن اخبرهم عَنْ ذاته بانّها مشيّة و ارادة هل ارسل اليهم رسولا بذلك ام اٰتيٰهم كتابا فهم به مستمسكون ام نزل اليهم فاخبروا بما رأوا ام صعِدوا في الاسباب فعاينوا ربّ الارباب اذا كانوا يعترفون بانّهم لم‌يعلموا شيئا من ذاته و لا من صفاته و هم يقولون لايَعْرِفه احدٌ الّا بما وصفَ به نفسه و لم‌يصف نفْسَهُ الّا علي السن اَنْبِيَاۤئِهٖ عليهم السلم و خير انبياۤئه و خير خلقه صلّي اللّه عليه و اله اَتيهم عنه بانّه لم‌يصف نفسه بذلك و انّما وصف فعله بذلك كما اخبر به اوصياۤء نبيّه صلي الله عليه و اله الذين يعلمون و لايجهلون و يقولون عن الله و لاينسون و لايخطئون و لايغفلون و لايغشّون معصومون مسدّدون فقالوا ليس للّهِ ارادة الّا احداثه و لمَّا سئل عالمهم عليه السلام لم‌يزل اللّه مريداً قال انّ المريد لايكون الّا المراد معه لم‌يزل اللّه عالماً قادراً ثم اَرادَ ه‍ ، و يقولون عليهم السلام هو لم‌يسمِّ نفسه بذلك و ليس لك ان تسمّيه بما لم‌يسم نفسه و يقولون ليس الارادة كالعلم فانك تقول اَفْعَلُ ذلك اِنْ شاۤء اللّهُ و لاتقول اَفعل ذلك اِنْ عَلم اللّٰهُ و الحاصل لم‌يرد عنهم ما يوهم قدم الارادة بل كلّهم مصرِّحون بالحدوث و ان معناها السابق الذي توهم فيه المتوهم انّه ارادة فانه العلم و القدرة و الارادة تنشأ عنهما عند المراد و انّما قال بقدمها الحسن البصري و علي بن اسمعيل بن ابي‌بشر الاشعري و محمد بن عبدالوهاب القطّان و الغزالي و مميت‌الدين بن عربي [ص 67] و اضرابهم فيا سُوءَ حالِ من ائتمّ بهؤلاۤء و لم‌يأتَمَّ بائمّة الهدي و انوار التقي و العروة الوثقي و ايضا يقول الله تعالي العالم بذاته و صفاته و افعاله سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحق فانت تعرف ايات الله تعالي فيك هل تجد في نفسك انّك مريد قبل العزم علي الفعل و هل تجد ان ارادتك كعلمك و انت تقول اُريد و لااريد فيما تقدر علي ارادته و تتمكّن من فعله و لاتقول اعلم و لااعلم فيما علمتَ كذلك تقول اراد اللّه ان يرزقَ زيداً و لم‌يرد ان يرزق عمراً فقال تعالي يريد اللهُ ان يخفّف عنكم و لم‌يرد الله ان يطهّرَ قلوبهم و لاتقول علم اللّه و لايعلم فيما له ان يعلمه لان نفي العلم نفي الذات و نفي الارادة نفي الفعل لا الذات و لكن اكثرهم لايعقلون و كلامي هذا كلّه تنبيه لا استدلال لما اعرف و اعتقد انّ العاقل الذي يريد الله سبحانه توفيقه للهدي لايحتاج في هذا الي الارشاد من الخلق لظهور الدليل و المستدلّ عليه و من لم‌يجعل الله له نوراً فما له من نور و قد خرجنا عمّا نحن فيه و لنرجع الي ما نحنُ فيه .